بلند الحيدري... ريادة لم ينصفها النقاد

لا يذكرونه بوصفه أحد الأضلاع الثلاثة للحداثة الشعرية

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

بلند الحيدري... ريادة لم ينصفها النقاد

بلند الحيدري
بلند الحيدري

يصعب على نقاد الشعر ودارسيه أن يتجاهلوا الدور الطليعي الذي لعبه الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري لا في تحديث الشكل الشعري فحسب، بل في مقاربة الأسئلة العميقة لعلاقة الإنسان بالوجود، كما بتخليص الشعر من رطانته التعبيرية وترهله الإنشائي. ومع ذلك فإن المرء ليتساءل عما إذا كان ذلك الستار من النسيان الذي يحيط باسم الحيدري وبدوره الريادي يعود لعدم قدرة تجربته على مجاراة الزمن وتحولاته، أم لدواعٍ أخرى خارجة عن نطاق الإبداع ومتصلة بعزوفه عن الإعلام وعدم اكتراثه بالنجومية، أو بانتمائه السياسي والقومي. فالشاعر الذي ينتمي إلى الجيل نفسه الذي تنتمي إليه نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، لا يُذكر من قبل النقاد بوصفه أحد الأضلاع الثلاثة للحداثة الشعرية، بل بوصفه رابع هؤلاء وتابعهم في أحسن الأحوال. وإذا كانت الناقدة الكويتية تهاني فجر قد عزت الظلم اللاحق بصاحب «أغاني المدينة الميتة» إلى قوميته الكردية فإن سياق الأمور لا يؤكد هذا التفسير، لأن ذلك الانتماء لم ينعكس سلباً على شعراء مماثلين مثل جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي، وصولاً إلى سليم بركات. لا بل يُحسب لهؤلاء، على العكس من ذلك، تضلعهم في العربية ووقوفهم على جماليتها بما يفوق الكثيرين من أقرانهم العرب.
ولا بد قبل الدخول في تفاصيل تجربة بلند وركائزها الفنية والمعرفية، الإشارة إلى المفارقة القائمة بين المكانة الاجتماعية والسياسية الرفيعة لعائلته الكبرى المقيمة بين السليمانية وأربيل، وبين معاناته الصعبة الناجمة عن انفصال أبويه وهو لا يزال يافعاً في الرابعة عشرة من عمره. وقد أحدث رحيل أمه المبكر، ومن ثم رحيل أبيه بعدها بقليل، جرحاً عميقاً في نفسه كما في مضامين شعره وتجربته التي اتسمت بالمرارة والحزن الميتافيزيقي والتبرم من الحياة. ورغم أن ظروفه الحياتية القاسية قد أجبرته على ترك الدراسة قبل إنهاء المرحلة المتوسطة، فإن بلند لم يستسلم لأقداره تلك بل قرر أن يعوض عن ذلك النقص بتعميق قراءاته وإثراء ثقافته واطلاعه بكل ما يضع مشروعه الشعري على طريق التطور والتجدد. نزوعه الوجودي وشعوره العميق بالغربة والاستلاب كانا نتيجة طبيعية لوحدة نفسه وانثلام روحه ونزوعه الدرامي والمأساوي. ومع ذلك يحق لنا أن نسأل عما إذا كان لحرمان الشاعر الشاب من الدراسة والدخول إلى «جنة» دار المعلمين العليا، التي دخلها أقرانه مثل نازك والسياب والبياتي ولميعة عباس عمارة، دورٌ ما في الغبن اللاحق به وفي إبعاده عن دائرة الضوء. ويحق لنا أن نتساءل من جهة ثانية عما إذا كان بلند قد دفع غالياً ثمن تواضعه وتواريه وعدم اكتراثه بالنجومية، كما بتسويق صورته والترويج لها في وسائل الإعلام.
لقد ذهب الكثير من النقاد من جهة أخرى إلى اعتبار الأسبقية الزمنية في كسر نظام الشطرين المعيار الأهم لتحديد مفهوم الريادة الشعرية، بحيث انحصرت تلك الأسبقية بين قصيدتي «الكوليرا» لنازك الملائكة و«هل كان حباً» للسياب. وهم بذلك غلّبوا الشكل على المضمون ولم ينفذوا إلى جوهر المسألة المتعلق بالرؤيا وتحديث المفاهيم واستمرارية المشروع الشعري. ولعل المعيار الزمني ذاك هو الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الكثير من المزاعم المتناقضة، بحيث ظلت تلك الأسبقية معلقة بين أسماء عدة، من مثل علي أحمد باكثير ومحمود حسن إسماعيل وفؤاد الخشن وآخرين غيرهم. كما أن بلند نفسه ما لبث أن دخل على خط السجال، معتبراً في حوار له مع هاشم شفيق بأنه «المبشر الأول» بحركة التجديد من خلال باكورته الشعرية «خفقة الطين»، ومشيراً إلى أقوال للسياب داعمة لما ذهب إليه. والواقع أننا لا نعثر في تلك المجموعة على كسر واضح للنسق الإيقاعي الخليلي، لكن ما سنعثر عليه هو ترشيق الأوزان والإفادة من جوازاتها الكثيرة وتنويع القوافي، بما يذكّرنا بالشعرين الأندلسي والمهجري. كما لن يخفى على القارئ تأثر بلند في مجموعته تلك بإلياس أبو شبكة وبخاصة في ديوانه «أفاعي الفردوس»، سواء من حيث التضاد الكلي بين جمال المرأة الآسر وبين نزوعها الشهواني المدمر، أو من حيث القاموس الشعري والإحالات الدلالية المتصلة بشقاء الإنسان وبؤس مآلاته، فنقرأ في القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها «صوَر الإثم بعينيكِ تلوّت كأفاعٍ تتلوّى في سعيرِ أطلقيها تتغذى من دمي وأقيميها سدوماً في سريري لم تزل في حمأة الجسم بقايا سكراتٍ مثل ديدان القبورِ».
في مجموعتيه الشعريتين «خطوات في الغربة» و«رحلة الحروف الصفر» الصادرتين في ستينات القرن الفائت، يبدو بلند الحيدري أكثر تمكّناً من أدواته الفنية وأكثر اقتراباً من هواجس الحداثة وقضايا الإنسان المعاصر. وهو في هذه المرحلة يتأرجح بين رومانسيته السابقة وبين التعبيرية المتصلة بشروخ النفس وتصدعات الواقع المحيط به. وقد عكست قصائد تلك المرحلة مدى النضج الذي أصابه الشاعر بفعل انكبابه على القراءة واكتساب المعارف الفلسفية والفكرية والأدبية المتنوعة، كما بدا واضحاً تأثره بعلم النفس الفرويدي وبالفلسفة الوجودية عبر سارتر وكولن ولسن وغيرهما. وكغيره من الرواد يرى في الشعر طريقة لتغيير العالم والتصدي للقضايا الكبرى كالاستلاب والقهر وتجويف المعنى الإنساني وغربة الكائن بشقيها الجسدي والروحي. وهو ما نجد تمثلاته في قول الشاعر: «هذا أنا ملقى هناك حقيبتان وخطى تجوس على رصيفٍ لا يعود إلى مكان من ألف ميناءٍ أتيتْ ولألف ميناءٍ أُصار وبناظري ألف انتظار». على أن بلند سيعمد في مجموعته الأخرى اللاحقة إلى التعبير عن مفهوم التمزق الداخلي بواسطة اللغة نفسها حيث تتشظى المفردات وتسقط بعض حروفها، كما بواسطة تقطيع الإيقاع الوزني وتسريعه وفقاً لمقتضيات الحالة أو المعنى. ففي قصيدة «وحشة» يستفيد الشاعر من التقنيات المعاصرة ليعبر عن الحوار المقطوع بين الإنسان والإنسان أو بينه وبين ذاته «ويرنّ الصوت يرنّ يرن من أنت ؟ أنا أنت لقد أخطأت وأخطأت وأخطأت لا أنت أنا وأنا لا أعرف من نحن... هل نحن اثنان أم جيلٌ أم جيلان يتمدد بينهما الزمنُ لا أدرك ما تعني لكني سأظلّ أنازع في السماعة».
على أن تصدي بلند الحيدري لشتى الموضوعات والأسئلة المعقدة لم ينعكس تعقيداً في لغته وأسلوبه اللذين نحيا باتجاه البساطة والوضوح وقرب التناول، كما أن إلمامه بالموسيقى الذي اكتسبه من علاقاته الوثيقة مع موسيقيين رواد من وزن منير بشير وسلمان شكر، انعكس بوضوح في اختياره للبحور والإيقاعات الرشيقة والخفيفة على الأذن، فيما أن اهتمامه بالمسرح أكسبه قدرة ملحوظة على كتابة القصيدة المركبة ذات الأصوات المتعددة، وعلى توظيف الحوار في خدمة التنامي الدرامي للنص. كما يبدو القلق والتوتر سمتين بارزتين من سمات ديوانه «أغاني الحارس المتعب». وليس الحارس المعني بالعنوان سوى الشاعر نفسه الذي يحاول من ألف عام أن يرد التلف والاهتراء عن روح الأمة وتاريخها المجهض. وفي قصيدة «أقراص النوم» يؤالف الشاعر بين البعد المأسوي للمعنى وبين التوريات والطرف اللماحة، فيما يكاد الشعر لشدة واقعيته ووضوحه يلبس لبوس النثر العادي «ماذا في صحف اليوم ؟- نيكسون يخطب في المجلس- تصريحٌ للبابا بولس- بنكٌ يُفلس- رقصٌ في ساحات الإعدام- والدنيا في صحف اليوم - تتحدث عن خير وسلام- طفلٌ يقرأْ... ناولْني قرصاً- كهل يقرأ... ناولني قرصا...- بنتٌ تقرأ... قرصاً قرصاً». أما مجموعة بلند «حوار عبر الأبعاد الثلاثة» فتشكل من حيث بنيتها الأسلوبية وخلفيتها الفلسفية ذروة تجربة الشاعر، وتعكس هشاشة الإنسان وهو يواجه دون ظهير مصيره الفاجع. وإذ يستهل بلند مجموعته بقول دوستويفسكي: «حذار فإن قتل الأب هو أكبر جريمة في التاريخ» فهو يوائم خلال نص مسرحي طويل بين مقولة فرويد حول قتل الأب وبين عبثية كافكا في روايته «القضية»، حيث الإنسان في هذا العصر يحاكم ويعاقَب بالإعدام دون أن يعرف طبيعة الجريمة التي ارتكبها. وهو لا يملك بالتالي سوى أن يهتف بمرارة «العدل أساس الملك ماذا؟ صه لا تحكِ- كذِبٌ... كذبٌ... كذبُ -الملْك أساس العدلِ- إن تملك سكّينا تملكْ حقك في قتلي».
قد تقودنا القراءة الموضوعية والمتأنية لتجربة بلند الحيدري إلى الوقوف على بعض ما يعتور هذه التجربة من هنة هنا أو خلل هناك، كأن نلاحظ وقوعه في التقريرية أو المباشرة حيناً، أو نلاحظ التفاوت الواضح بين قوة الفكرة وضعف التعبير عنها حيناً آخر، أو غياب التدوير والوقوع في فخ التقفيات المتقاربة التي تشبه السجع حيناً ثالثاً. وقد يرى البعض أن بلند لم يبذل بعد «حوار عبر الأبعاد الثلاثة» ما يكفي من الجهد لإيصال تجربته إلى مناطق وكشوف جديدة، لكن كل ذلك لا يقلل أبدا من قيمة الشاعر وفرادة لغته وأسلوبه ومقاربته للعالم، ولا يبرر بأي حال ما ألحقه به النقاد من غبن وإجحاف.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.