مدونات الموضة... صراع الثقة والمصلحة

شركات التسويق تعدّهن قوتها الناعمة

المدونة مايا ويليامز - المدونة الكويتية آسيا كما تظهر في حملة وهي تحمل حقيبة من «أغنر» - مستشارة الموضة هبة سراج الدين - مدونة الموضة هادية غالب
المدونة مايا ويليامز - المدونة الكويتية آسيا كما تظهر في حملة وهي تحمل حقيبة من «أغنر» - مستشارة الموضة هبة سراج الدين - مدونة الموضة هادية غالب
TT

مدونات الموضة... صراع الثقة والمصلحة

المدونة مايا ويليامز - المدونة الكويتية آسيا كما تظهر في حملة وهي تحمل حقيبة من «أغنر» - مستشارة الموضة هبة سراج الدين - مدونة الموضة هادية غالب
المدونة مايا ويليامز - المدونة الكويتية آسيا كما تظهر في حملة وهي تحمل حقيبة من «أغنر» - مستشارة الموضة هبة سراج الدين - مدونة الموضة هادية غالب

وسط عالم يكتظ بالصور، تتحول بوصلة التأثير من نجمات الفن إلى مدونات الموضة، وتتحرك معها بالتبعية أدوات التسويق. تتغير المعايير ويُعاد تحديد واجهات التأثير في المجتمعات العربية، إلى الحد الذي دفع دور الأزياء والعلامات التجارية الكبرى إلى مراقبة المدونات لتحدد استراتيجياتها: إلى من ستتجه؟ وماذا ستحقق؟.
منذ عدة سنوات ظهر مصطلح «مدونة الموضة»، ولم يكن أحدا حينذاك يعرف معناه وما دورهن؟ هل هن متخصصات؟ وهل شغف بالموضة هو الذي يحركهن أم أنهن مجرد فتيات مدللات من طبقة اجتماعية معينة تمتلك القدرة المادية التي تساعدها على الخروج لمتابعيها كل يوم بإطلالة جديدة؟. مع الوقت أصبحت مجموعة منهن يتصدرن المشهد ليتحولن إلى نجمات، لديهن القدرة على التأثير، ويمتلكن الأدوات لوضع معايير إطلالة الفتاة العربية وتغيير فكرها. فقد تحولن من مدونات إلى مؤثرات أو كما يُقال بالإنجليزية «influencers»، وأصبحن حلقة رئيسية في سير الموضة، وأداة قوية للتسويق.
تقول خبيرة الموضة المصرية غدير العجباني، إن «اهتمام علامات الموضة بالمدونات بدأ منذ 15 عاماً تقريباً، عندما بدأت عدسات المصورين تنقل إطلالات الشارع بالتوازي مع عروض الأزياء، وبدأت منذ هذا الوقت فكرة التدوين».
وتضع العجباني فارقاً بين «المدون والمؤثر». «التدوين هو شكل من أشكال الصحافة الحرة، أي أن تمتلك صاحبتها أدوات الكتابة، حتى ولو بلغة بسيطة مختلفة عن لغة الصحافة المكتوبة في الصحف والمجلات، بحيث تكون لديها القدرة على إيصال فكرة أو نصيحة لمتابعيها. لكن الأمر الآن اختلف وأصبح هناك تداخل بين المدون والمؤثر، لأن الصورة هي البطل مع تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية».
وتتفق مدونة الموضة العراقية، مايا وليمز، مع هذا الرأي، حيث تقول لـ«الشرق الأوسط» إن ما دفعها لأن تكون لها مدونة خاصة بها «محاولة توفير نافذة للتعبير عن رأي خاص لمتابعيها، لا تتحكم فيه صفقات التسويق التي تعقدها المجلات، وهذا هو الهدف الرئيسي والدور الحقيقي لمدونة الموضة».
تتابع مايا وليمز، أن لها أسلوبا خاصا بالموضة، «فأنا لا أعتبرها مهنة أستهدف من ورائها الربح، لأن علاقتي بالأزياء أقوى من ذلك، لهذا قررت أن أتبادل الإطلالات مع الفتيات العربيات، أساعدهن تارة، ويساعدونني تارة، ومن هنا حققت قاعدة كبيرة من المتابعات بُنيت على ثقة وشعور بالقرب. فأنا فتاة عربية مثلهن، أشاركهن تفاصيلي اليومية كما هي من دون تكلف».
الملاحظ أن تأثير المدونات لم يعد يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، بل وصل إلى أكبر محافل الموضة العالمية. فبعضهن وصل إلى النجومية في عيون صناع الموضة حسب عدد متابعينهن. بعبارة أخرى أصبحن نقطة ارتكاز قوية في انتقال الموضة من منصة العرض إلى الشارع، وهو ما تؤكده مستشارة الموضة المصرية، هبة سراج الدين، بقولها إن مشاركتهن في عروض أسابيع الموضة بالعالم إضافة تنقل الأزياء إلى مرحلة جديدة أكثر واقعية. وعن رؤيتها لنجاح المدونات وسحب البساط من نجمات الفن فيما يخص الترويج للصيحات الجديدة تقول: «جزء كبير من هذا النجاح أن المتابعات يشعرن بأن هناك تشابها بينهن وبين المدونة. فهي شخص عادي لا يهتم بأن يُغلف حياته كما تفعل نجمات الفن، ومن ثم تساعد بساطتها وتلقائيتها على وصولها لقاعدة جماهيرية كبيرة، إلى حد أن العديد من المدونات اللاتي لديهن أطفال يكشفن لمتابعيهن عن تفاصيل معاناتهن كأمهات، وكيف يحققن التوازن بين الأمومة والحفاظ على جاذبيتهن وأنوثتهن».
أسماء كثيرة لمدونات عربيات تتصدرن المشهد في أسابيع الموضة خلال الأعوام الثلاث الماضية خصيصاً، حسب حديث هبه سراج الدين لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «نحن تابعنا اختيار دار «دولتشي أند غابانا» الإيطالية للمدونة اللبنانية لانا الساحلي، كواحدة من العارضات خلال أسبوع الموضة بميلانو لخريف وشتاء 2017. وجاء ذلك الاختيار بعد أن قررت الدار تقديم أبرز الوجوه المؤثّرة في الموضة من حول العالم».
«غني عن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها فضل كبير في ظهور مدونات الموضة»، هكذا بدأت مدونة الموضة المصرية هادية غالب حديثها: «فتفاعل الجمهور مع وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعتهم لها يفوق التلفزيون كثيراً، الأمر الذي أدى إلى تغير وجوه التأثير». وتشير إلى أن نجاحها وعدد متابعيها كان السبب وراء حرص عدد من علامات الموضة على دعوتها لحضور أسبوع الموضة بنيويورك لعامين متتاليين.
الشيء نفسه ينطبق على مايا وليمز التي تشارك في أسابيع الموضة بشكل منتظم منذ بضعة مواسم بناءً على دعوات من بعض دور الأزياء. تقول: «أحرص خلال حضوري عروض أسابيع الموضة أن أقدم للمتابعين تفاصيل مختلفة عما تُقدمه المجلات. أحاول أن أُشركهم أكثر بحيث يشعرون وكأنهم يحضرون عروض الأزياء، علما بأن أغلب المتابعات في مقتبل العمر ومن حقهن أن يشعرن بأن الموضة خرجت خصيصاً لتميز إطلالاتهن، لا أن تبقى حبيسة منصات العروض. مثلا عندما سافرت للمشاركة في أسبوع الموضة بلندن هذا العام، حرصت على تصوير ما خلف الكواليس، وهو ما شهد تفاعلا كبيرا من قبل المتابعين لأنهم متعطشون لمعرفة أسرار المهنة».
لا يمكن أن تبقى علامات الأزياء بعيدة عن التطورات التي يشهدها عالم الموضة، فهي كيانات تمتلك أقوى أدوات البحث والدراسة لوضع استراتيجيات التسويق حسب متغيرات السوق. ولا شك أنها رصدت نجاح المدونات وبالتالي قررت أن تستخدمه، وفي هذا الصدد تقول غدير العجباني: «لا يمكن إنكار أن مدونة الموضة أصبحت أداة للتسويق، وهذا أمر لا يعيب المدونة بينما هو دليل على نجاحها». وعن السبب ترى أن المقابل المادي الذي تتقاضاه المدونة مقابل الترويج لعلامة ما أقل كثيراً مما تتقاضاه نجمات الفن، رغم أن المدونة قد تكون أنجح في تسويق صيحة معينة، لأنها بالأساس شخص لديه موهبة في اختيار الموضة أو درست هذا الفن وتعي أدواته جيداً. أما النجمات فليس بالضرورة أن تكون لديهن القدرة نفسها، لا سيما في الإطلالات اليومية. وتشاركها الرأي هبة سراج الدين بقولها: «المدونات تخدمن مصلحة علامات الأزياء أكثر من النجمات، لأنهن بنين مع المتابعين علاقة مبنية على أساس شخصي حقيقي. فما تعرضه المدونات يعتمد على المنطقية، كما أنهن من طبقات وفئات مختلفة، خرجن من تابوه القوام المثالي، فنجد مدونة قصيرة القامة، وأخرى وزنها متوسط وهكذا. وهذا يعني أن تأثيرهن يأتي من كونهن تتشابهن مع المتابعات في كثير من النقاط». وتتابع: «من خلال مدونات الموضة يمكن لعلامة أو دار أزياء أن يصل إلى الجمهور المستهدف، فبالطبع أي علامة لا تريد أن تصل لكل الفئات، فهناك علامات تستهدف النساء فقط، وغيرها تستهدف طبقة مادية محددة يمكنها دفع آلاف الدولارات مقابل الحصول على قطع فريدة، وأخرى يعنيها الشابات فقط. على هذا الأساس يتم اختيار من تساعدهم للترويج لمنتجاتهم أفضل».
من التدوين إلى التسويق
لكن يبقى السؤال المطروح هو هل تخسر المدونة ثقة جمهورها إذا انخرطت في التسويق، بما أن الثقة هي نقطة الارتكاز التي تحدد مدى شعبيتها؟.
تجيب هادية غالب بأن المدونة الناجحة عليها أن تحافظ على مصلحة متابعيها، وذلك بأن تكشف لهم الحقيقة وتكون صادقة معهم، وفي الوقت ذاته تقدم لهم صيحات وعلامات تستحق المتابعة. وسواء كانت تتقاضى عائدا ماديا مقابل التسويق أم لا، فالمعيار الذي يحقق لها التوازن ويحافظ على مصداقيتها هو «الانتقاء». وتضيف: «أرفض تماما الترويج لأي علامة لا أؤمن بها. لا مانع من أن تكون المسألة جزء من خطة التسويق ولكن بما يضيف للموضة وشكل الفتاة العربية». في الصدد نفسه تقول مايا وليمز إن التوازن يأتي من الاختيار بعناية وليس التسويق لمن يدفع، وهذا هو الفرق بين المجلات التي لها علاقات دعائية مع علامات ودور الأزياء، وبين المدونة التي تبني علاقاتها مع المتابعات على أساس الثقة. وتؤكد أن الشهرة، بل وحتى المكاسب المادية، لا تأتي من دون ثقة المتابعات. فهن الرأسمال الحقيقي. تتابع: «أنا لا أنكر أن بعض المدونات يركزن على كسب المال لكني أعتقد أن هذا الطريق قصير لا يستمر. فعندما قررت أن أكون مدونة قررت ذلك لتكون لي استقلاليتي، وحتى لا أكتب كلمة لمصلحة علامة لا أؤمن بها، ولن أفسح المجال لأحد حتى يستغل شهرتي ويُكلفني مصداقيتي».



جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.