رغم ارتياحهم حاليا لوجود البيشمركة.. سكان كركوك يتسلحون

(«الشرق الأوسط») تستطلع أجواء المدينة التي تضم نسيجا عرقيا ودينيا ومذهبيا غنيا

اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته  وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
TT

رغم ارتياحهم حاليا لوجود البيشمركة.. سكان كركوك يتسلحون

اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته  وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)
اللواء في الجيش العراقي السابق «أبو يوسف» يقضي وقتا هادئا مع عائلته وسط أنقاض قلعة كركوك («الشرق الأوسط»)

وسط حالة الخراب المتداعية وبقايا مدينة الأشباح للمجتمعات التي هجرها سكانها منذ وقت طويل، تقف قلعة كركوك القديمة لتتلو علينا ما يمكن أن يجري في مستقبل العراق القريب بنفس الإتقان الذي تشرح به ماضي المدينة العريق.
عبرنا نقطة التفتيش عند مدخل القلعة قبل غروب الشمس بساعة، وتمهلنا المسير وسط الحشائش النامية وبقايا الأسلاك الشائكة المتناثرة. لقد كانت هذه الأطلال الخاوية مجتمعا عامرا، كان نموذجا مصغرا لمدينة كركوك الكبيرة حيث تجمع الناس من كل الأديان وعاشوا وعملوا معا، حيث يمكنك العثور على قبور أنبياء اليهود تحت قباب المسجد الخضراء.
أجلى صدام حسين السكان من منازلهم وحول القلعة إلى قاعدة عسكرية. وعقب سقوطه في عام 2003، احتشد الناس عائدين إليها للتنزه والاستلقاء تحت أشعة شمس الربيع المهيبة، غير أن حالة الإنعاش تلك كانت وجيزة، وسرعان ما اختبأت خلف حاجز النسيان. بوقوع العراق فريسة لكوابيس الطائفية، صار المشي في شوارع كركوك أشبه ما يكون بلعبة الموت الروسية الشهيرة. لم يبق إلا مقيم واحد فقط في تلك القلعة العريقة - وهو رجل عنيد يبلغ من العمر أرذله يرفض المغادرة على الرغم من انهيار منزله أمام عينيه.
كركوك هي مدينة يجتمع فيها نسيج غني من الأديان والأعراق العراقية. ولا تشكل مجموعة واحدة الأغلبية في هذه المدينة - فهناك المسيحيون والأكراد، والسنة والشيعة، والتركمان والعرب، يعيشون كلهم معا في مكان واحد. وتعتبر كركوك كذلك مركزا لصناعة النفط في البلاد. وقد جعل هذان العنصران من كركوك نقطة الخلاف الرئيسة ضمن المفاوضات بين حكومة إقليم كردستان وبغداد. إذ يزعم الأكراد أن كركوك هي مركزهم التاريخي في العراق ويرغبون في ضمها إلى إقليمهم. بينما ظلت بغداد ترفض التنازل عنها إليهم.
لكن ما يدعو للاستغراب والسخرية أن الهجوم الذي يقوده مسلحو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وكذلك البعثيون السابقون، قد وهبت أحداثه كركوك إلى الأكراد. فعندما وصلت أنباء سقوط الموصل إلى آذان القوات العراقية الرابضة في المدينة، تخلوا عن أسلحتهم وفروا هاربين. ودخلت قوات البيشمركة - وهي الميليشيات الكردية الأصلية التابعة لحكومة إقليم كردستان - لتحل محلهم وتملأ الفراغ الذي خلفوه.
«إقليم داعش» يبدأ على مسافة 30 ميلا إلى الجنوب من كركوك على الطريق الواصل إلى تكريت. وتبلور خط المواجهة بين مسلحي التنظيم والبيشمركة إلى كيلومتر واحد خلال أقل من أسبوعين على الحدود بين الدولتين الجديدتين الفعليتين. ويقول جنود البيشمركة، المرابطون في قاعدة خانقين بالقرب من خط المواجهة في جلولاء عند الجنوب الشرقي من إقليم كردستان، إنهم يدافعون عن أراضيهم بمنتهى الفخر والإصرار. ويقول دابان، وهو مقاتل بعينين زرقاوين ثاقبتين ويتمتع بسمعة طيبة بين أقرانه لمهارته في استخدام سلاح الدوشكا «إنني سعيد من أجل القتال لأنها المرة الأولى التي تكون لنا فيها حدود ندافع عنها في تاريخنا».
إن من العسير اعتبار «داعش» جارا صديقا للأكراد، وخلال الأسبوعين الماضيين وقعت اشتباكات مستمرة بين الجانبين على طول الحدود الجديدة. ورغم ذلك، يقول الكثير من الناس إنهم يشعرون بقدر من الأمان الآن أكثر مما كان عليه الأمر قبل الأزمة. ويقول فرحات، وهو أحد سكان كركوك «قبل أن تسيطر قوات البيشمركة على كركوك كانت هناك حادثتان أو ثلاث حوادث إرهابية في كل أسبوع. كانت الانفجارات وعمليات الخطف، وكان الوضع غير آمن. لكن لم يحدث شيء مطلقا منذ أن سيطرت البيشمركة على المدينة. إن كركوك آمنة للغاية الآن».
لكن هناك دلائل على وجود توترات متفرقة. ففي ظهيرة يوم الجمعة وعقب فترة ليست بالطويلة من الصلاة، أشعل مجموعة من الرجال الغاضبين النار في صناديق القمامة على منتصف الطريق المؤدي إلى تكريت احتجاجا على أزمة الوقود المتزايدة في المدينة. وسمع إطلاق الأعيرة النارية. وفي قاعدة كركوك الجوية، وهي عبارة عن مجمع عسكري مهجور من قبل الجيش العراقي، قال لنا جنود البيشمركة الذين يحرسون المدخل إن كميات ضخمة من الأسلحة قد سرقت قبل وصولهم لتأمينها. وقد جرت استعادة بعض من هذه الأسلحة، وليس غالبيتها. وقد أخبرنا السكان المحليون في سوق السلاح شبه القانونية إن مدنيين يسلحون أنفسهم، تحسبا للأوضاع. وأخبرنا ضابط من جهاز الأمن الكردي (آسايش) اسمه هونر «إننا على يقين من أنهم يسلحون أنفسهم».
ويشعر سكان كركوك بالفخر جراء التنوع الذي يتميزون به، غير أنهم قلقون كذلك من الأخطار التي قد يجلبها مثل ذلك التنوع على العراق. وقد بدأت بعض الجماعات في المدينة بتسليح أنفسها ببطء ولكن بكل تأكيد. فقد أعلنت الجبهة التركمانية العراقية الأسبوع الماضي عن تشكيل ميليشيا جديدة في كركوك، وقالت إنهم سيقاتلون إذا ما رفضت قوات البيشمركة تسليم المدينة إلى الحكومة المركزية في بغداد. وعقب بضعة أيام نظم الصدريون مسيرة لهم في شوارع المدينة.
واجتمعت مجموعة من السكان التركمان في مقر الحزب الشيوعي التركماني بالمدينة لمناقشة المأزق الحرج الذي يمرون به. وقال حسن توران، نائب قائد الجبهة التركمانية العراقية «نعم إننا نثق بالبيشمركة، لكننا نريد قوات مشتركة لحماية المدينة. لقد استخدم الأكراد تنظيم (داعش) ذريعة للسيطرة على السلطة في كركوك».
لكن علي شكر عمر بياتلي، وهو رجل كبير في السن وذو قبعة أنيقة، كان أقل دبلوماسية حيث قال «دعوني أوضح لكم الأمر بطريقتي. كان هتلر السبب وراء قيام إسرائيل، فقد أباد اليهود، ثم جاءوا ليحكموا. وقد أباد العراق الأكراد، وقد جاءوا الآن ليحكمونا». ثم تدخل رجل ضخم يجلس على مقربة في الحوار قائلا «لا ينبغي علينا الخوض في التاريخ كثيرا»، قال ذلك مشيرا بإصبعه الذي تلتف حوله مسبحة خشبية طويلة، ثم أضاف «لكل منا تاريخه، لكن يجب علينا العيش معا في هذه المدينة».
كان التركمان في كركوك - وهو مجتمع يضم كلا من السنة والشيعة - يعيشون في حالة من السلام النسبي في تلك المدينة خلال السنوات الأخيرة. لكن الحظ لم يحالف بعض الجماعات الأخرى.
في منطقة أخرى بالمدينة، ارتدى الأب توما رداءه وسار عبر بوابة مدخل المدينة، ولوح بيديه في تحية ودية لاثنين من الحراس المسلحين الرابضين هناك، ثم قام بفتح باب كنيسته. وفي الوقت الذي أزاح فيه الستائر المخملية الثقيلة كشف عن محراب مزين بنصوص آرامية ومذبح ملون يقع في وسط المحراب. وتعتبر كنيسة القديس يوحنا المعمدان إحدى الكنائس الآشورية في كركوك. قال الأب توما «إن الكنيسة قد تعرضت للتهديد عدة مرات منذ سقوط صدام، وقد انفجرت عبوة ناسفة العام الماضي في كنيسة العائلة المقدسة. وإننا في انتظار ما سيحدث بعد ذلك». ويقول الأب توما إنه غير خائف من تحركات البيشمركة في المدينة - ربما بسبب أنه كان يعيش وسط انعدام الأمن والخوف لسنوات عديدة. وقال «شخصيا، أعتقد أن البيشمركة طيبون لأنهم سيدافعون عن المسيحيين. إنني خائف من تعرض الكنيسة للهجوم من قبل قوات (داعش)». لم يكن المسيحيون والمسلمون يخافون بعضهم بعضا في كركوك. فهناك في القلعة القديمة تقف آثار كنيسة آشورية قديمة بجانب مسجد النبي دانيال. وهما على مقربة بحيث يكادان يتلامسان.
«أبو يوسف» يمشي تحت أشعة الشمس الغاربة، وهو من العرب السنة في كركوك، في ساحة القلعة المهجورة مع زوجتيه وأطفالهم. اعتاد «أبو يوسف» المكوث هنا حينما كان ضابطا برتبة لواء في جيش صدام حسين. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يعود فيها منذ خمسة عشر عاما.
وبينما كان أبناؤه يركضون بين أنقاض القلعة، نظر حوله ولخص المعضلة العراقية في كلمات قليلة قائلا «إنني أفضل حكومة تمثل العراق ككل، ولكن لا وجود للأمن منذ عام 2003. لم تتفهم الولايات المتحدة ولا بريطانيا الوضع الحقيقي حين قامتا بالغزو. والدليل على ذلك هو ما تشاهدونه الآن في البلاد».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.