حرب سورية ثانية آخذة في التشكل

ماكرون في واشنطن يروّج لـ«حل سوري» مقبول لدى الولايات المتحدة وروسيا

استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)
استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)
TT

حرب سورية ثانية آخذة في التشكل

استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)
استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)

في الوقت الحاضر، ثمة تساؤل يطرح نفسه: هل انتهت الحرب في سوريا مثلما تدعي روسيا والمتعاطفون معها داخل الغرب، أم أنها تتجه نحو حرب سورية ثانية تضم مزيداً من الأطراف، بحسب ما يرى بعض المحللين في الغرب؟ من المتوقع أن يأتي هذا التساؤل على رأس أجندة القمة المرتقَبة في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، هذا الأسبوع.
ويُعتَبَر ماكرون أول رئيس أجنبي يدعوه ترمب لزيارة رسمية كاملة لواشنطن. والواضح أن الرئيس الفرنسي يرغب في الخروج من هذه الزيارة بما هو أكبر من المجاملات الدبلوماسية المعتادة.
وتبعاً لما ذكرته مصادر في باريس، فإن ماكرون أحرز بالفعل نجاحاً فيما يتعلق بترمب، عبر نجاحه في إقناع الرئيس الأميركي بالتراجع عن تعهده السابق بسحب قوات أميركية من سوريا. وقد وافق ترمب على إرجاء هذه الخطوة، لأن ماكرون قال إن لديه «أفكاراً جديدة»، بخصوص سوريا.
المؤكد أن هذا الإجراء حثَّت عليه كذلك «النصائح القوية» الصادرة عن كثير من الحلفاء العرب، وكذلك وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ومستشار الأمن الوطني الأميركي الجديد جون بولتون.
ويرى التحليل الفرنسي للأوضاع في سوريا أن المرحلة الأولى من الأزمة السورية، التي هدفت لتغيير الوضع القائم عام 2011، انتهت بالفعل بنجاح. يُذكر أنه في ظل ذلك الوضع الذي كان قائماً، كانت سوريا دولة شديدة المركزية تقبع داخل القبضة الحديدية لنظام ديكتاتوري مدعوم بائتلاف من أقليات.
اليوم، وبعد سبع سنوات، لم تعد قبضة ذلك النظام الديكتاتوري بالقوة التي كانت عليها من قبل بسبب فقدانه السيطرة الفعلية على ما يزيد على 70 في المائة من الأراضي السورية، وما يزيد على نصف سكان البلاد. كما أن نقص القوة البشرية الموالية، ونقص الموارد المالية والإدارية المناسبة، يعني أن الرئيس بشار الأسد لم يعد قادراً على تحديد المسار العام الذي تتخذه البلاد خارج الجيب الذي يسيطر عليه في دمشق.
أما في باقي أرجاء البلاد، فقد تحوَّلت سوريا إلى مزيج من المناطق غير الخاضعة لأي سيطرة، وأخرى تسيطر عليها روسيا وإيران والجماعات المرتزقة التابعة لهما، وتركيا، والأكراد، ومسلحون من العرب السنّة، والولايات المتحدة، وحلفاؤها في «الناتو»، بل وحتى العراق في الفترة الأخيرة.
ومع أنها غير موجودة بصورة مباشرة داخل سوريا، حاولت إسرائيل هي الأخرى رسم حدود لـ«منطقة أمنية» لها هناك، عبر قصف أي وجود تعتبره خطراً محتملاً عليها.
وعليه، نجد أن الحرب السورية الثانية، في مراحلها الأولى على الأقل، ستدور رحاها حول ترسيخ الوضع القائم الجديد. وبذلك فإن ادعاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بزهو، أن قواته تعاوِن في حماية «الشعب السوري وسلامة الأراضي السورية»، ذهب أدراج الرياح إلى الأبد، وكذلك حلم المسلحين المناهضين للأسد في إسقاط الطاغية أو قتله، ثم السيطرة على دمشق وإعادة بناء سوريا موحدة.
من جانبه، يقترح ماكرون فكرة «إدارة الممكن»، بمعنى تخلي جميع الأطراف تكتيكياً عن السيناريو المثالي بالنسبة لها.
وفي هذا الإطار، عرضت روسيا بالفعل خطة لـ«التشارك» تضمن بمقتضاها جميع الأطراف المشاركة في الصراع السوري السيطرة على جزء من الكعكة المسممة التي أطلق عليها «مناطق خفض التصعيد».
الواضح أن روسيا لم تعد تسعى لإقصاء الأطراف الأخرى، ما دامت لا تحاول حرمانها من نصيبها داخل سوريا. جدير بالذكر أن سيرغي ريباتكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، سبق أن صرح بأنه «ليس بمقدورنا إعلان أيّ توقعات بخصوص الحفاظ على سلامة الأراضي السورية. إننا حتى لا ندري كيف يمكن تسوية هذه الأزمة أو ما إذا كانت هناك احتمالية للإبقاء على سوريا دولة موحدة».
وقد أعادت الولايات المتحدة، من جانبها، ترديد أصداء هذا الشعور عبر إعلانها عن خطة لمعاونة الأكراد على إقرار «سلطة محلية» داخل الأراضي السورية التي يسيطرون عليها.
من ناحية أخرى، فإن ما بدا أنه إجماع روسي - أميركي على إمكانية تقسيم سوريا أثار بعض القلق داخل طهران، حيث تشعر القيادة بسخط متزايد حيال التهميش الذي تتعرض له من قبل موسكو. وانعكس التشاؤم المتنامي داخل طهران فيما يخص سوريا على تحليل نشره، السبت، موقع إخباري يحمل اسم «تابناك»، يديره القائد السابق للحرس الثوري الإسلامي، الجنرال محسن رضائي.
وذكر التقرير أن «ثمة مؤشرات توحي بحدوث تفكك داخل سوريا»، مضيفاً أن ما يهم روسيا والولايات المتحدة «تنسيق تحركاتهما»، والحيلولة دون وقوع «صدامات عنيفة بين مصالح متعارضة».
من ناحيته، طرح الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس الأركان الأميركية المشتركة في عهد الرئيس باراك أوباما، تحليلاً مشابهاً، عندما لمح إلى «الاحتمالات والتداعيات».
وأشار إلى أنه على سبيل المثال ثمة احتمالية مرتفعة لوقوع هجوم إرهابي ضد الولايات المتحدة أو أحد حلفائها الغربيين، لكن تداعيات ذلك تبقى في مستوى يمكن إدارته والتعامل معه.
على الجانب الآخر، فإن احتمالية وقوع صدام بين الغرب وروسيا منخفضة، لكن تداعيات ذلك حال حدوثه خارج حدود القدرة على التعامل والإدارة. وعليه، يبدو أن الوضع في سوريا أشبه بحرب باردة صغيرة يجب احتواؤها.
وعليه، من الممكن إقرار نسخة مصغرة من «الستار الحديدي» داخل سوريا لضمان عدم وقوع صدامات مع روسيا، وبقائها داخل الحصة التي تهيمن عليها، والتي تعتبرها الأجزاء «المفيدة» من سوريا، في الوقت الذي تصول فيه القوى الغربية وتجول في باقي أرجاء البلاد.
ومع هذا، أكّد ماكرون على أن ترسيخ الوضع القائم الجديد يستلزم من القوى الغربية إقرار وجود أقوى داخل سوريا. وتلقى هذه الفكرة تأييداً من جانب بعض الأصوات القوية داخل إدارة ترمب، لكنها في الوقت ذاته تلقى معارضة من جانب بعض كبار أنصار الرئيس في وسائل الإعلام والكونغرس والحزب الجمهوري.
وعليه، يدرس ترمب فكرة الاستعانة بدعم حلفائه العرب. وتبعاً لمصادر داخل واشنطن، فإنه جرت اتصالات بالفعل مع بعض هذه الدول مثل الأردن والخليج. ويجري كذلك العمل على بناء عدد من القواعد داخل سوريا، بحيث تتولى ميليشيات كردية محلية حمايتها.
وبمجرد ترسيخ حلفاء العرب السنّة لوجود عسكري قوي لهم وإقرار آلية للتعامل مع روسيا داخل سوريا، ستنطلق المرحلة الجديدة من الحرب على عجل على مختلف الجبهات السياسية والدبلوماسية والمعلوماتية والاقتصادية.
ومن بين الخطوات التي تجري دراستها، بالفعل، إحياء التحقيق بشأن وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سوريا من جانب الرئيس بشار الأسد وأنصاره.
كان التحقيق قد أطلقته بادئ الأمر وزارة الخارجية الأميركية عام 2013، لكنه أُغلق وأُلغيت ميزانيته في عهد الرئيس أوباما. ومع هذا، يفضّل المرشح لمنصب وزير الخارجية الجديد في إدارة ترمب، مايك بومبيو، إحياء التحقيق في إطار حملة للفوز على الصعيد الأخلاقي في مواجهة روسيا والأسد.
داخل واشنطن هذا الأسبوع، يأمل ماكرون في تعزيز صورته كزعيم يروج لـ«حل سوري» مقبول لدى الولايات المتحدة وروسيا. ومع هذا، فإننا ربما في حقيقة الأمر نتجه نحو حرب سورية ثانية ستخلف تداعيات على المنطقة بأكملها.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.