حرب سورية ثانية آخذة في التشكل

ماكرون في واشنطن يروّج لـ«حل سوري» مقبول لدى الولايات المتحدة وروسيا

استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)
استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)
TT

حرب سورية ثانية آخذة في التشكل

استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)
استهداف سوق في معرة مصرين بمحافظة إدلب بغارات الطيران الحربي العام الماضي (رويترز)

في الوقت الحاضر، ثمة تساؤل يطرح نفسه: هل انتهت الحرب في سوريا مثلما تدعي روسيا والمتعاطفون معها داخل الغرب، أم أنها تتجه نحو حرب سورية ثانية تضم مزيداً من الأطراف، بحسب ما يرى بعض المحللين في الغرب؟ من المتوقع أن يأتي هذا التساؤل على رأس أجندة القمة المرتقَبة في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، هذا الأسبوع.
ويُعتَبَر ماكرون أول رئيس أجنبي يدعوه ترمب لزيارة رسمية كاملة لواشنطن. والواضح أن الرئيس الفرنسي يرغب في الخروج من هذه الزيارة بما هو أكبر من المجاملات الدبلوماسية المعتادة.
وتبعاً لما ذكرته مصادر في باريس، فإن ماكرون أحرز بالفعل نجاحاً فيما يتعلق بترمب، عبر نجاحه في إقناع الرئيس الأميركي بالتراجع عن تعهده السابق بسحب قوات أميركية من سوريا. وقد وافق ترمب على إرجاء هذه الخطوة، لأن ماكرون قال إن لديه «أفكاراً جديدة»، بخصوص سوريا.
المؤكد أن هذا الإجراء حثَّت عليه كذلك «النصائح القوية» الصادرة عن كثير من الحلفاء العرب، وكذلك وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ومستشار الأمن الوطني الأميركي الجديد جون بولتون.
ويرى التحليل الفرنسي للأوضاع في سوريا أن المرحلة الأولى من الأزمة السورية، التي هدفت لتغيير الوضع القائم عام 2011، انتهت بالفعل بنجاح. يُذكر أنه في ظل ذلك الوضع الذي كان قائماً، كانت سوريا دولة شديدة المركزية تقبع داخل القبضة الحديدية لنظام ديكتاتوري مدعوم بائتلاف من أقليات.
اليوم، وبعد سبع سنوات، لم تعد قبضة ذلك النظام الديكتاتوري بالقوة التي كانت عليها من قبل بسبب فقدانه السيطرة الفعلية على ما يزيد على 70 في المائة من الأراضي السورية، وما يزيد على نصف سكان البلاد. كما أن نقص القوة البشرية الموالية، ونقص الموارد المالية والإدارية المناسبة، يعني أن الرئيس بشار الأسد لم يعد قادراً على تحديد المسار العام الذي تتخذه البلاد خارج الجيب الذي يسيطر عليه في دمشق.
أما في باقي أرجاء البلاد، فقد تحوَّلت سوريا إلى مزيج من المناطق غير الخاضعة لأي سيطرة، وأخرى تسيطر عليها روسيا وإيران والجماعات المرتزقة التابعة لهما، وتركيا، والأكراد، ومسلحون من العرب السنّة، والولايات المتحدة، وحلفاؤها في «الناتو»، بل وحتى العراق في الفترة الأخيرة.
ومع أنها غير موجودة بصورة مباشرة داخل سوريا، حاولت إسرائيل هي الأخرى رسم حدود لـ«منطقة أمنية» لها هناك، عبر قصف أي وجود تعتبره خطراً محتملاً عليها.
وعليه، نجد أن الحرب السورية الثانية، في مراحلها الأولى على الأقل، ستدور رحاها حول ترسيخ الوضع القائم الجديد. وبذلك فإن ادعاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بزهو، أن قواته تعاوِن في حماية «الشعب السوري وسلامة الأراضي السورية»، ذهب أدراج الرياح إلى الأبد، وكذلك حلم المسلحين المناهضين للأسد في إسقاط الطاغية أو قتله، ثم السيطرة على دمشق وإعادة بناء سوريا موحدة.
من جانبه، يقترح ماكرون فكرة «إدارة الممكن»، بمعنى تخلي جميع الأطراف تكتيكياً عن السيناريو المثالي بالنسبة لها.
وفي هذا الإطار، عرضت روسيا بالفعل خطة لـ«التشارك» تضمن بمقتضاها جميع الأطراف المشاركة في الصراع السوري السيطرة على جزء من الكعكة المسممة التي أطلق عليها «مناطق خفض التصعيد».
الواضح أن روسيا لم تعد تسعى لإقصاء الأطراف الأخرى، ما دامت لا تحاول حرمانها من نصيبها داخل سوريا. جدير بالذكر أن سيرغي ريباتكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، سبق أن صرح بأنه «ليس بمقدورنا إعلان أيّ توقعات بخصوص الحفاظ على سلامة الأراضي السورية. إننا حتى لا ندري كيف يمكن تسوية هذه الأزمة أو ما إذا كانت هناك احتمالية للإبقاء على سوريا دولة موحدة».
وقد أعادت الولايات المتحدة، من جانبها، ترديد أصداء هذا الشعور عبر إعلانها عن خطة لمعاونة الأكراد على إقرار «سلطة محلية» داخل الأراضي السورية التي يسيطرون عليها.
من ناحية أخرى، فإن ما بدا أنه إجماع روسي - أميركي على إمكانية تقسيم سوريا أثار بعض القلق داخل طهران، حيث تشعر القيادة بسخط متزايد حيال التهميش الذي تتعرض له من قبل موسكو. وانعكس التشاؤم المتنامي داخل طهران فيما يخص سوريا على تحليل نشره، السبت، موقع إخباري يحمل اسم «تابناك»، يديره القائد السابق للحرس الثوري الإسلامي، الجنرال محسن رضائي.
وذكر التقرير أن «ثمة مؤشرات توحي بحدوث تفكك داخل سوريا»، مضيفاً أن ما يهم روسيا والولايات المتحدة «تنسيق تحركاتهما»، والحيلولة دون وقوع «صدامات عنيفة بين مصالح متعارضة».
من ناحيته، طرح الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس الأركان الأميركية المشتركة في عهد الرئيس باراك أوباما، تحليلاً مشابهاً، عندما لمح إلى «الاحتمالات والتداعيات».
وأشار إلى أنه على سبيل المثال ثمة احتمالية مرتفعة لوقوع هجوم إرهابي ضد الولايات المتحدة أو أحد حلفائها الغربيين، لكن تداعيات ذلك تبقى في مستوى يمكن إدارته والتعامل معه.
على الجانب الآخر، فإن احتمالية وقوع صدام بين الغرب وروسيا منخفضة، لكن تداعيات ذلك حال حدوثه خارج حدود القدرة على التعامل والإدارة. وعليه، يبدو أن الوضع في سوريا أشبه بحرب باردة صغيرة يجب احتواؤها.
وعليه، من الممكن إقرار نسخة مصغرة من «الستار الحديدي» داخل سوريا لضمان عدم وقوع صدامات مع روسيا، وبقائها داخل الحصة التي تهيمن عليها، والتي تعتبرها الأجزاء «المفيدة» من سوريا، في الوقت الذي تصول فيه القوى الغربية وتجول في باقي أرجاء البلاد.
ومع هذا، أكّد ماكرون على أن ترسيخ الوضع القائم الجديد يستلزم من القوى الغربية إقرار وجود أقوى داخل سوريا. وتلقى هذه الفكرة تأييداً من جانب بعض الأصوات القوية داخل إدارة ترمب، لكنها في الوقت ذاته تلقى معارضة من جانب بعض كبار أنصار الرئيس في وسائل الإعلام والكونغرس والحزب الجمهوري.
وعليه، يدرس ترمب فكرة الاستعانة بدعم حلفائه العرب. وتبعاً لمصادر داخل واشنطن، فإنه جرت اتصالات بالفعل مع بعض هذه الدول مثل الأردن والخليج. ويجري كذلك العمل على بناء عدد من القواعد داخل سوريا، بحيث تتولى ميليشيات كردية محلية حمايتها.
وبمجرد ترسيخ حلفاء العرب السنّة لوجود عسكري قوي لهم وإقرار آلية للتعامل مع روسيا داخل سوريا، ستنطلق المرحلة الجديدة من الحرب على عجل على مختلف الجبهات السياسية والدبلوماسية والمعلوماتية والاقتصادية.
ومن بين الخطوات التي تجري دراستها، بالفعل، إحياء التحقيق بشأن وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سوريا من جانب الرئيس بشار الأسد وأنصاره.
كان التحقيق قد أطلقته بادئ الأمر وزارة الخارجية الأميركية عام 2013، لكنه أُغلق وأُلغيت ميزانيته في عهد الرئيس أوباما. ومع هذا، يفضّل المرشح لمنصب وزير الخارجية الجديد في إدارة ترمب، مايك بومبيو، إحياء التحقيق في إطار حملة للفوز على الصعيد الأخلاقي في مواجهة روسيا والأسد.
داخل واشنطن هذا الأسبوع، يأمل ماكرون في تعزيز صورته كزعيم يروج لـ«حل سوري» مقبول لدى الولايات المتحدة وروسيا. ومع هذا، فإننا ربما في حقيقة الأمر نتجه نحو حرب سورية ثانية ستخلف تداعيات على المنطقة بأكملها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.