رحيل فؤاد عجمي

رحيل فؤاد عجمي
TT

رحيل فؤاد عجمي

رحيل فؤاد عجمي

في أول مرة أتعرف فيها على البروفسور فؤاد عجمي كنت طالبا للدراسات العليا، وذلك عندما قرأت كتابه «المحنة العربية»، الذي ترك لدي انطباعا عميقا، إنه يجيد وصف العذابات الفكرية والسياسية والثقافية في العالم العربي التي حلت في أعقاب هزيمة عام 1967، ولا يزال دون منافس في هذا المضمار. في فترة لاحقة، عندما كنت أسعى إلى التعرف على شيعة لبنان، قرأت كتابه «الإمام المُغيّب»، الذي يدور حول الإمام الراحل موسى الصدر بقدر ما يتعلق بتاريخ عائلة البروفسور عجمي ذاته. يتميز الكتاب، مثل كثير من كتابات عجمي، بالحميمية والاطلاع العميق والأسلوب الجميل. دائما ما أنصح بقراءة هذا الكتاب وكتاباته الأخرى لطلابي. الأمر الجدير بالذكر على وجه خاص في علم البروفسور عجمي كيفية جمعه بين التاريخ السياسي والتقدير العميق للثقافة والأدب والتاريخ. كان راويا بالفطرة، إذ كان يكتب ويقدم سردا أساسيا، ولم يكن شخصا متزلفا أو متملقا في نخبة القوة الأميركية، كما وصفه البعض.

* برنارد هيكل: البروفسور عجمي.. كان رجلا رقيق المشاعر ذا علم.... تحدث كثير عن «أمراض» العرب وكل أمله أن يراهم يوما يخرجون من الأزمات السياسية التي غرقوا فيها
* قابلت البروفسور عجمي منذ خمس سنوات وسارت الأمور بيننا على ما يرام، وقد أرجع ذلك إلى أساليبنا «البلدي» القديمة. نشأت صداقتنا بفضل حقيقة أن أصولنا نحن الاثنين ترجع إلى الأقاليم اللبنانية ولا نشعر بالارتياح لأهل العاصمة المتصنعين في بيروت. كان البروفسور عجمي شيعيا من أرنون في الجنوب، وأنا ماروني من نيحا في الشمال. كنا نحن الاثنان نعتز بالولايات المتحدة التي قدمت لنا وطنا جديدا، وحررتنا من أغلال العالم القديم، ومنحتنا فرصا مذهلة.
في أول انطباع، بدا البروفسور عجمي محللا متشككا ومتشائما تجاه العالم العربي، حيث كان يتحدث عن الأمراض التي يعاني منها العرب. ولكنه انطباع خاطئ. لقد كان رجلا عطوفا يهتم كثيرا بشأن العرب – كل العرب – ويريد أن يراهم وهم يخرجون من الأزمات السياسية التي غرقوا فيها. وعلى النقيض من كثير من أبناء عصره، رفض عجمي القبول بأن المخرج هو الاشتراكية، أو، في مرحلة لاحقة، الإسلام السياسي. بالنسبة له كانت كلتا الآيديولوجيتين تمثلان جانبين مختلفين من عملة الاستبداد ذاتها، ويمثلان وعودا كاذبة وطرقا سياسية مسدودة. كان الأمل الوحيد من وجهة نظره هو الديمقراطية الليبرالية. يمكن أن يساعد ذلك تفسير حماسه الخاطئ وتأييده للغزو الأميركي في العراق. كان يجب أن يعرف على نحو أفضل، وعلى وجه التحديد أن المجتمع العراقي تعرض لتدمير بالغ جراء حكم صدام، ونظام العقوبات، وأن الغزو وما حدث في أعقابه سوف يجعل من المستحيل بناء أي كيان مترابط. كما أخطأ البروفسور عجمي أيضا في ثقته في قدرة الولايات المتحدة على حسن إدارة الأمور.
وفي الفترة الأخيرة، ألف كتابا مؤثرا عن الحرب في سوريا، دافع فيه عن التدخل العسكري الغربي للمساعدة على هزيمة نظام الأسد. يجب مرة أخرى قراءة هذا باعتباره دليلا على مشاعره الثابتة تجاه العرب، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو انتمائه الشخصي، بالإضافة إلى إيمانه المستمر بقدرة الولايات المتحدة على تحقيق التوازن لصالح من تعرضوا لمعاناة طويلة.
الأمر الوحيد الذي لا يستطيع العديد من أعضاء السلك الأكاديمي أن يتسامحوا فيه مع البروفسور عجمي هو ما بدا منه من عدم اكتراث تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ولا يخفى أن البروفسور عجمي كان يحظى بإعجاب الكثيرين في إسرائيل والمناصرين لها، ولم تكن لديه مشكلة في وجود إسرائيل. كان يرى أن إسرائيل واقع سياسي لا يمكن إلغاؤه، لذلك يجب على العرب القبول به، بل وحتى مصادقتها من أجل تحقيق تنميتهم. في الواقع، كان عجمي يرى أن انشغال العرب بإسرائيل حارة سياسية أخرى مسدودة تحول بينهم وبين التقدم، بينما يسمح ذلك ببقاء أنظمة استبدادية للبقاء في السلطة باسم الصراع مع الكيان الصهيوني. أشك أيضا، ولكني لا أملك دليلا على ذلك، في أن آراءه تجاه إسرائيل والفلسطينيين تأثرت بالتجربة العصيبة التي مر بها الشيعة في جنوب لبنان في السبعينات، عندما خضعوا وقتها لسيطرة منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت توصم بالفساد والوحشية في ذلك الوقت. قد يرى المرء في موقف البروفسور عجمي خيانة لفلسطين، ولكن على الأرجح أن جذور هذا الموقف ترجع إلى فهم واضح لوجوب تكيف العرب مع الواقع، في هذه القضية وغيرها من القضايا. ومن المثير للاهتمام الإشارة إلى أن كتب البروفسور فؤاد عجمي، ما زالت محل إعجاب بالغ وتحظى بقراءة واسعة في العالم العربي.
على الرغم من كل ما يحمله من تعقيدات وما قد يشوبه من تناقضات، فإن ما تركه البروفسور فؤاد عجمي يمثل معلما تركه رجل رقيق المشاعر وذو علم. سوف يجد الدارسون في العالم العربي الكثير الذي يمكنهم الاستفادة منه في أعماله.
* أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون

* أفشين مولافي : فؤاد عجمي والوضع السياسي العربي
* «انتحر مساء يوم 6 يونيو (حزيران) 1982 وعمره 62 سنة في بلكونة منزله غرب بيروت» الشاعر المعروف والأستاذ بالجامعة الأميركية ببيروت خليل الحاوي. وتلقى الحاوي تعليمه بذات الجامعة ثم بجامعة كمبريدج». هكذا بدأت إحدى أفطن المقالات في الوضع السياسي العربي في قصر أحلام العرب: أوديسة جيل التي كتبها الراحل فؤاد عجمي ونشرت عام 1998.
«أين العرب؟» قالها الحاوي حينها في اليوم الذي اجتاحت فيه الدبابات الإسرائيلية لبنان. «من الذي سيمسح وصمة العار عن جبيني؟» وبعدها في عشية ذلك اليوم أزال وصمة العار بإطلاق النار على نفسه. أوحى انتحار الحاوي لفؤاد عجمي قصة أكبر عن الرجال والنساء العرب الذين يحلمون بالحداثة ولكنهم يائسون بسبب ضعفهم وسياسات بلادهم البالية والتقاليد العنيدة والطائفية الخطرة. كانت مقالة مدهشة عنوانها «انتحار خليل الحاوي: قداس جيل» والفصل الأول فيما اعتبره أحد أهم أعمال فؤاد عجمي «قصر أحلام العرب».
لمن عرفوا الأستاذ عجمي مثلنا، عجمي الرجل وليس الكاريكاتير، فهمنا أن مقالة الحاوي كانت شخصية بعمق. وعجمي يئس أيضا من الوضع السياسي العربي وعبر للعالم بوضوح عن رؤيته في «قصر أحلام العرب» الذي نشر عام 1998.
وكتب عجمي: «عندما يتحدث الغربيون والإسرائيليون (الأعداء) وعندما لا يستمع (المستشرقون) يتحدث العرب بالصراحة والرمز».. «لم يحتاجوا للكثير من التفاصيل فكان بإمكانهم الحديث بإيجاز عما حدث بعالمهم فمسار الأحداث لتاريخهم الحديث معروف لديهم».
فما هي القصة التي حكوها عن السقوط؟
من «المد الثقافي والسياسي في الخمسينات»، ذلك المد الذي أتى بالمعرفة المتزايدة للتعلم والثقة السياسية بالقومية الجماعية والانعتاق الأكبر للنساء والأدب والشعر الجديد الذي أعاد صياغة الشكل الموقر للفن، تبددت تلك الثقة بعد عقد من ذلك في حرب الأيام الستة عام 1967 وصُنع عالم جديد.
في ذلك العالم الجديد كتب عجمي «اتجه الشباب إلى السياسة الثيوقراطية (الدينية) وتركوا السياسة العلمانية التي كانت لمن هم أكبر منهم سنا». وعندما رجع فؤاد عجمي إلى تلك اللحظة بذاكرته بعد نحو عقدين من الزمن كتب: «في صميم هذا السرد الممتد يكون المأزق، خط الخطأ الجيلي بين الآباء العلمانيين وأبنائهم الثيوقراطيين».
في ذلك العالم الجديد انتحر خليل الحاوي في شرفة منزله غرب بيروت ثم أصبح الوضع السياسي العربي قاسيا، لا سيما في المدن الرئيسة بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت. وربما كان هذا سبب تعلق عجمي بالشعراء والرواة، إذ كانوا يمنحونه الأمل.
عرفت فؤاد عجمي كطالب في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز. وقبل سفري لمصر لدراسة اللغة العربية خلال إجازة الصيف سألته عما يجب أن أقرأه، فقال لي: «لدي عشرون كتابا لك: جميعها لنجيب محفوظ». وكان أخبرني مرة عن الأيام القلية التي قضاها في صحبة الكاتب نجيب محفوظ.
كان فؤاد عجمي كاتبا غزير الإنتاج لكن كان لكتبه مكانة خاصة في قلبه. فهي تروي القصص التي يريد أن يحكيها وكان يلفها إحساس من الأسف والشفقة.
في كتابه «الإمام المُغيب: موسى الصدر وشيعة لبنان» الذي نشر عام 1987، كتب عجمي: «قاد موسى الصدر أتباعه اللبنانيين في وقت بدأوا يطالبون فيه ببلدهم. واختفى وترك لهم نصا وذاكرة وبعض المؤسسات في وقت كان فيه البلد بأكمله مكانا محطما. الشباب خلف أكياس الرمل مع ملصقات الإمام يدافعون عن حطامهم وطوائفهم. لقد أتى مقياس من المساواة إلى لبنان».
وكتب في كتابه «المحنة العربية» الذي نشر عام 1981 «ليس من تسلية في المادة التي ترد هنا: في تاريخ للأوهام واليأس والسياسات التي تنحدر بصورة متكررة إلى سفك الدماء، وللتحولات المتخيلة التي يعقبها اليأس لأن هناك جوهرا غير قابل للتغيير يشوه كل ذلك ويفترس كل النيات الطيبة ويسخر ممن يحاولون تغيير الأشياء».
وفي كتابه «بيروت: مدينة الندم» الذي نشر عام 1988 رثى حالة الحرب الأهلية في لبنان وكتب «قبل السقوط وقبل الأحداث الفظيعة والدمار السياسي خلال العقد الماضي، كانت هناك حكايات عن لبنان، حكايات عن بلد جبلي صغير على شاطئ البحر المتوسط، عن بيروت المدينة الساحرة حيث تنحدر سلسلة الجبال المثيرة نحو البحر. كانت هناك حكايات عن أناس يتسمون بروح الإقدام والمبادأة عاشوا حسب فطنتهم ولاقحوا بين صرامة الحق العربية الإسلامية في الشرق وأساليب ومفهوم الحق في الغرب».
أما في كتابه «قصر أحلام العرب: أوديسة جيل» الذي نشر عام 1998 فتوقع انتفاضة مصر عام 2011: «ليس هناك قانون للسلام الاجتماعي، ولا سعادة محتومة أو تمدن محتوم في أي أرض. كانت هناك مناحات على شاطئ النيل وأوقات عمّت فيها الاحتفالات. وهناك دور حاسم للإرادة الإنسانية يرقب دورة الحياة وتأتي بالأشياء حسب المواسم، ولا يكفي عزاء الإشادة بالأرض الطيبة والنهر الصبور. وعلى تلك المقاييس على الضفاف أن تقرأ وتراقب بحذر».
* باحث بمعهد السياسة الخارجية بجامعة جون هوبكنز للدراسات الدولية

* دوغلاس مارتن: رحيل الخبير في التاريخ العربي فؤاد عجمي
* توفي الأحد الماضي عن 68 سنة فؤاد عجمي الأكاديمي والمؤلف والإذاعي والمعلق على شؤون الشرق الأوسط. وساعد عجمي على تجميع الدعم لغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، عن طريق تقديم الاستشارات الشخصية لكبار صناع السياسة. وقالت مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد، حيث كان عجمي من كبار أساتذتها في بيان، إن سبب وفاته مرض السرطان.
فؤاد عجمي عربي يئس من وصول الحكومات الاستبدادية بطريقتها الخاصة للديمقراطية واعتقد أن على الولايات المتحدة مواجهة ما سماه «ثقافة الإرهاب» بعد هجمات عام 2001 الإرهابية على نيويورك وواشنطن. وشبّه ديكتاتور العراق صدام حسين بهتلر.
عمل عجمي جاهدًا على وضع التاريخ العربي في منظور أكبر. وكثيرًا ما أشار إلى غضب المسلمين على فقدانهم السلطة في الغرب عام 1683 عندما فشل حصار الأتراك لفيينا. وقال إن تلك الذكرى أدت إلى نوع من التعاسة الذاتية والخداع الذاتي، حيث إنهم يلومون بقية العالم على مشكلاتهم. ويقول إن الإرهاب هو إحدى النتائج.
تلك وجهة نظر طرحها برنارد لويس المؤرخ البارز لشؤون الشرق الأوسط في برينستون والمفكر الشعبي الذي حث الولايات المتحدة أيضا على غزو العراق ونصح الرئيس جورج بوش.
اعتاد معظم الأميركيين على آراء عجمي على أخبار قناتي «سي بي إس» و«سي إن إن» وبرنامجي «بي بي إس» (شارلي روز) و«ساعة الأخبار»، حيث كانت تضفي لحيته المميزة وأسلوبه المنمق قوة على آرائه التي تبدو موثوقًا بها. وكتب عجمي ما يفوق 400 مقالاً للمجلات والصحف منها «نيويورك تايمز»، إضافة إلى ستة كتب عن الشرق الأوسط اشتمل بعضها على تجاربه الشخصية كمسلم شيعي في مجتمعات ذات أغلبية سنية.
ودعته كوندوليزا رايس عندما كانت مستشارة الأمن القومي إلى البيت الأبيض في عهد الرئيس بوش، ووجه النصح إلى بول وولفويتز عندما كان نائب وزير الدفاع. وفي خطاب عام 2002 أشار نائب الرئيس ديك تشيني إلى تنبؤ عجمي بأن يقابل العراقيون التحرير بواسطة الجيش الأميركي بالفرح.
وواصل عجمي خلال السنوات التي تلت غزو العراق دعم التدخل بوصفه يساعد على الاستقرار. لكنه قال هذا الشهر إن رئيس الوزراء نوري المالكي بدد فرصة لتوحيد البلد بعد التدخل الأميركي وأصبح ديكتاتورًا. وفي وقت قريب فضّل السياسات الأكثر عدوانية تجاه إيران وسوريا. وكان أشد انتقاد عجمي للحكام المستبدين العرب الذين يفتقرون للدعم الشعبي. لكن استخدامه لكلمات مثل «قبلي» و«رجعي» و«عشائري» لوصف الشعوب العربية أوغر صدور البعض، وكذلك اعتقاده أن الأمم الغربية يجب أن تتدخل في المنطقة لتصحيح الأخطاء. واتهمه الناقد الفلسطيني إدوارد سعيد الذي توفي عام 2003 بأن لديه صفات عنصرية جلية». وامتدحه آخرون على توازنه فكتب دانيال بايبس وهو مفكر متخصص في شؤون الشرق الأوسط في مجلة «كومنتري» عام 2006 أن عجمي تجنب «الشعور العربي الراسخ العام عن غدر وخيانة إسرائيل».
ولد فؤاد عجمي في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1945 على سفح قلعة بناها الصليبيون في قرية أرنون المغبرة جنوب لبنان. وأتت أسرته من إيران (تعني كلمة عجمي «فارسي» في اللغة العربية) وكانت من مزارعي التباكو الأثرياء. وانتقلت أسرته إلى بيروت عندما كان في الرابعة من عمره.
وعندما كان صبيًا كان يسخر منه أطفال المسلمين السنة لكونه شيعيًا وقصيرًا، وكتب في قصر أحلام العرب: أوديسة الأجيال 1998 «دراسة للمفكرين العرب في الجيلين الأخيرين». وعندما كان عجمي مراهقًا كان متحمسًا للقومية العربية وهي قضية انتقدها فيما بعد. كما وقع في حب الثقافة الأميركية خاصة أفلام هوليوود، ولا سيما أفلام رعاة البقر. وفي عام 1963 وقبل عيد ميلاده الثامن عشر بيوم أو يومين انتقلت أسرته إلى الولايات المتحدة. ودرس عجمي بكلية أوريغون الشرقية (صارت جامعة الآن) ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة واشنطن بعد كتابته أطروحة عن العلاقات الدولية وحكومات العالم. ثم درّس العلوم السياسية في برينستون. وفي عام 1980 عينته مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز مديرًا لدراسات الشرق الأوسط. ثم انضم إلى مؤسسة هوفر عام 2011. بحث كتابه الأول «المحنة العربية: الفكر السياسي العربي والممارسات السياسية منذ حرب عام 1967»، (1981) وحالة الفزع والشعور بالهشاشة والضعف في العالم العربي بعد انتصار إسرائيل في حرب عام 1967. وعرض كتابه التالي «الإمام المغيب: موسى الصدر وشيعة لبنان»، (1986) لرجل دين إيراني ساعد على تحول الشيعة اللبنانيين من «أقلية محتقرة» إلى لاعبين سياسيين فاعلين. وقدم عجمي في كتابه «بيروت: مدينة الندم» مقدمة طويلة وبعض النصوص المصاحبة لمقالة مصورة بقلم إيلي ريد.
ويتحدث كتاب «قصر أحلام العرب» عن كيف حاول جيل من المفكرين العرب تجديد ثقافة أوطانهم من خلال قوى الحداثة والعلمانية. ووصفته كريستيان سيانس مونيتور «بالنظرة الصافية لآمال العرب المفقودة».
وأدان البعض ذلك الكتاب من ضمن ما أدين به لتلك النبرة بوصفه سلبيًا للغاية. وقال المفكر أندرو روبن الذي يكتب في صحيفة «ذا نيشن»: «يعبر عن معاداة العروبة التي احتضنتها واشنطن واللوبي الموالي لإسرائيل».
وحصل فؤاد عجمي على الكثير من الجوائز منها زمالة ماك آرثر عام 1982 وميدالية العلوم الإنسانية الوطنية عام 2006. وترك عجمي زوجته ميشيل.
وصف آدم شاتز مظهر عجمي المميز في صحيفة «ذا نيشن» عام 2003 «بلحيته الدراماتيكية وملابسه الساحرة الأنيقة وأخلاقه الغزلية تقريبًا» وواصل: «يتحدث في التلفزيون بسخرية وثقة يحبها الرجال الذين على رأس السلطة، خاصة أولئك القادمين من خلفيات متواضعة، وخلافًا للعرب الآخرين لا يبدو أن له دوافع شخصية، إنه واحد منا، إنه العربي الطيب».
* خدمة «نيويورك تايمز»

* هشام ملحم : قدم أفكارا عظيمة بشأن ما يعاني منه العالم العربي
* «قدم عجمي أفكارا عظيمة بشأن ما يعاني منه العالم العربي. يمكنك أن تتفق أو تختلف معه فيما يتعلق بالحلول أو التحذيرات التي يقدمها، ولكن في رؤيته النافذة لتعقيد العالم العربي، كان شديد الإخلاص في الإشارة إلى التناقضات».
«التقط عجمي مرة بعد أخرى أزمة العرب في العصر الحديث، وحاضرهم المعذب وماضيهم المجيد، وكيف تتعرض أحلامهم في مستقبل أفضل دائما للعراقيل».
«روى عجمي قصة الاشتياق والأسف والإحباط، وعبر عنها بأسلوب شعري جميل. قد يكتب آخرون موضوعا أو مقالا أو كتابا، ولكنهم لا يحملون تلك الموهبة والمشاعر والأسلوب الأدبي الذي يقدمه فؤاد عجمي».
«كانت بيننا اختلافات سياسية، ولكن سواء كنت تتفق معه أو لا، يجب أن تقرأ له».
«دائما ما كنت أحسده على إتقانه للغة الإنجليزية في كتاباته».
«كان شغفه بأدونيس وجوزيف كونراد والشعراء العرب يغذي أسلوبه الجميل. يمكنك الرجوع إلى أعماله لاكتساب الأفكار وتقدير الأسلوب الذي يقدم لك الفكرة من خلاله، فحتى الطريقة التي يكتب بها والكلمات التي يستخدمها تشكل جزءا من الموضوع ذاته».
«امتلك عجمي قدرة على نقل تجربة جيل كامل، وكأنها تراتيل لتأبين جيله من العرب. تمتع عجمي بالجرأة والرؤية الثاقبة التي سمحت له بالحديث عن المحنة المأساوية التي حلت بجيل كامل».
«أحب عجمي الأدباء العرب. أدونيس كان بطلا وكذلك محفوظ كان بطلا».
* صحافي ومعلق سياسي

* إيميل حكيم : ساعدنا على استيعاب المحنة العربية من وجهة نظر أوسع
* «البروفسور عجمي شخصية معقدة، فقد استطاع تقديم أفضل تقييم لانهيار المجتمعات العربية والفكر السياسي العربي، ولكنه جمع مع هذا التقييم توصيات سياسية شديدة التفاؤل، تشوش على التقييم المتشائم السابق».
«في تقييمه للوضع، لا يوجد له منازع، وهو قاسٍ مع العرب بطريقة لا يجرؤ عليها كثيرون منهم. كما امتلك قليلا من الشفقة على الذات. وكانت لديه رؤية قاسية تجاه الأمراض التي تعاني منها المجتمعات العربية. وهذا هو أكبر إنجازاته».
«كان موقفه من حرب العراق خطأ مأساويا، ولكن حتى عندما كان مخطئا، لم يكن من السهل مطلقا رفض آرائه وبراهينه».
«من أكبر إسهاماته أنه ساعدنا على استيعاب المحنة العربية من وجهة نظر أوسع. وكان يتحدث عن المنطقة على نطاق أوسع. ولم يكن الأمر يتعلق بإسرائيل والغرب فقط».
«ليس من العدل تماما قصر إسهامات عجمي على حرب العراق وحدها، فقد قدم ما هو أكبر من هذا بكثير».
«كانت قدرة عجمي على التعبير عن ذاته بأسلوب جميل، على الرغم من أن اللغة الإنجليزية ليست لغته الأم، سمة جديرة بالملاحظة».
* كبير زملاء في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية

* بول وولفويتز: العالم فقد صوتا عربيا وأميركيا متفرد القوة
* حرمت وفاة فؤاد عجمي في عطلة نهاية الأسبوع هذا البلد والعالم من صوت متفرد القوة - صوت عربي وأميركي في الوقت ذاته، كان يمكن أن يساعد في توجيهنا كما فعل في الماضي من خلال مخاطر وتعقيدات الشرق الأوسط الذي ينتمي إليه.
عندما أصبحت عميدا لمدرسة جون هوبكنز للعلاقات الدولية المتقدمة عام 1994 كان الأستاذ عجمي مديرا لدراسات الشرق الأوسط، وكان من جوانب المتعة في تلك الوظيفة إمكانية التفاعل معه بصورة منتظمة.
سيكون من الصعب اليوم العثور على شخص يكتب في السياسة الدولية بتلك البلاغة والقوة وتمكنه الاستثنائي اللافت من اللغة الإنجليزية، من شخص ليست الإنجليزية اللغة الأم بالنسبة له. وتمتع عجمي مع تلك البلاغة بالشجاعة البارزة. كان يتحدث عن الحقيقة كما يراها دون مواراة حول الزوايا، وأكسبه ذلك الكثير من الأعداء. ولد عجمي في لبنان وتقبل قيم وطنه المختار الولايات المتحدة، لكنه لم يفقد أبدا نظرته إلى المنطقة التي أتى منها وتعقيداتها ومآسيها التي ستقلقل ذلك الجزء من العالم لفترة طويلة مقبلة. تشبعت كتاباته بشعور عميق من المأساة، النابعة من الصدام بين القوة الأميركية بـ«جيوشها وآلياتها وجديتها» و«منطقة كبيرة غامضة»، حيث يمكن أن يرعب الأميركان شعب العالمين العربي والإسلامي، وحيث يمكن أن تفوق المنطقة قوة الأميركان ذكاء وصبرا على الانتظار. بإمكان أميركا أن تمني العراقيين بآمال الثقافة السياسية اللائقة، وبإمكان أعداء هذا المشروع أن يتراجعوا إلى التعصب الحاد للقتال وعدم التسامح.
* نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفوفيتز



ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)
TT

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية، لا سيما الطبقة الحاكمة... وبالذات قوى «الإطار التنسيقي الشيعي»، المتهمة من قبل واشنطن بالولاء لإيران. الرئيس الأميركي أرسل ويرسل المزيد من حاملات الطائرات والبوارج الحربية إلى مناطق الشرق الأوسط القريبة من إيران، ملوّحاً بالعصا الغليظة مرة والدبلوماسية الناعمة بشروط صعبة - بل مستحيلة - مرة أخرى. وهكذا، أوصل أخيراً رسائل عدة إلى الطبقة السياسية العراقية، محذراً إياها من عواقب الوقوف إلى جانب طهران، رافضاً في الوقت نفسه حكومة تشكلها القيادة الإيرانية في بغداد.

المقاربة الأميركية الجديدة حيال العراق، بعد نحو عقدين على تغيير النظام العراقي السابق بإرادة أميركية، تريد الانفراد بالعراق. وهذا بعدما اضطرت الولايات المتحدة طوال العقدين الماضيين، إبان رئاسات كل من جورج بوش (الابن) وباراك أوباما ودونالد ترمب نفسه - في ولايته الأولى - وجو بايدن إلى التعامل مع إيران في العراق كواقع حال، بما في ذلك تقاسم عملية تشكيل الحكومة واختيار، بل وتنصيب رئيس الوزراء.

لكن عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول». فترمب الذي «لم يقصّر» مع إيران عندما اغتال بالقرب من مطار بغداد الدولي عام 2020 «رجل إيران القوي» وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني مع نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي العراقي» أبو مهدي المهندس، لديه الآن رؤية مختلفة.

رؤية ترمب للمنطقة والعالم في ولايته الثانية مختلفة جذرياً؛ الأمر الذي نقل الصراع مع إيران من «قواعد اشتباك» معروفة إلى صدام مسلح (يونيو/ حزيران) 2025 إلى احتمال صدام جديد سيكون أقوى كما يلوّح دائماً.

عراقياً، وبما أن العراق أجرى بنهاية العام الماضي انتخابات برلمانية، يكثر الكلام الآن عن كيفية تشكيل الحكومة العراقية العتيدة ومن سيكون رئيسها. وفي حين فاز رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني بأعلى عدد من المقاعد، فإن قوى «الاطار التنسيقي» الشيعية لم تسمح له بتشكيل الحكومة نتيجة خلافات عميقة، قسم منها مرتبط بالعلاقة مع واشنطن.

إذ يرى العديد من قوى «الإطار التنسيقي»، لا سيما الفصائل المسلحة التي شاركت في الانتخابات الأخيرة وتمكّنت من الفوز بنحو 80 مقعداً في البرلمان، تعمل على تشكيل حكومة مَرضي عنها من إيران وبعيدة عن واشنطن.

ولكي يتحقق هذا الهدف، فإن العقدة تبقى في مسألة مَن سيتولى رئاسة الحكومة المقبلة. لكن المفاجأة التي لم تكن متوقعة البتة جاءت بتنازل السوداني لرئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، زعيم كتلة «دولة القانون» (أكبر كتل «الإطار»)، بوصفه الفائز الثاني لتشكيل الحكومة... بغية حل الانسداد السياسي في البلاد.

شيّاع السوداني (آ ب)

رسائل واشنطن

هذه المفاجأة لم تستوعبها واشنطن، التي سرعان ما «دخلت على الخط» بقوة بهدف إجهاض هذا التحرك.

فبعد الإعلان الرسمي عن ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، كان مقرّراً أن يعقد البرلمان العراقي في اليوم التالي جلسة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يتولى عملياً تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً من النواب لتشكيل الحكومة. ولكن، جاءت الرسالة الأولى الغامضة التي أوقفت عقد الجلسة.

إذ قبل نحو ساعة من عقد الجلسة وبدء توافد النواب إلى القاعة إيذاناً ببدء التصويت لاختيار رئيس الجمهورية من بين 16 متنافساً يتقدّمهم وزير الخارجية الحالي فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ووزير البيئة السابق نزار امدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، تقرّر تأجيل الجلسة بطلب كردي لغرض «إجراء المزيد من المشاورات».

طبقاً للمعلومات التي بدأت تنتشر في الأوساط السياسية والبرلمانية، فإن الاتصالات الهاتفية التي أجراها توم برّاك، مبعوث ترمب إلى سوريا، مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، والاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني... من أجل رفض ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، هي التي أدت إلى تأجيل الجلسة إلى يوم الأحد.

وفي حين قرّر «الإطار التنسيقي» المضي قُدُماً باعتماد ترشيح المالكي، دخل ترمب على الخط بنفسه عبر تغريدة رافضة هذا التوجه. وهذا التطور أدى إلى إرباك المشهد السياسي العراقي المرتبك أصلاً لأسباب عديدة، من بينها: أزمات داخلية تتقدمها أزمة رواتب الموظفين نتيجة انخفاض أسعار النفط.

ودفع هذا الواقع، بالذات العديد من القوى السياسية الشيعية، فضلاً عن كلّ القوى السنية والكردية إلى إعادة حساباتها من جديد. إذ تأكد حينئذٍ أن المسألة بوجهها الأميركي لم تعُد مجرد ضغط، بل باتت بمثابة تهديد مباشر، لا سيما مع تفاقم الأزمة بين طهران وواشنطن.

المالكي (رويترز)

المالكي يتحدّى

المالكي، في أول رد فعل له أعلن رفضه لتغريدة ترمب. فقد قال زعيم كتلة «دولة القانون» في تغريدة له حُذفت من حسابه لاحقاً: «نرفض رفضاً قاطعاً التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكاً لسيادته ومخالفاً للنظام الديمقراطي في العراق بعد عام 2003، وتعدّياً على قرار (الإطار التنسيقي) لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء». وأضاف، أن «لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد». وأردف: «انطلاقاً من احترامي للإرادة الوطنية، وقرار (الإطار التنسيقي) الذي كفله الدستور العراقي، فسوف أستمر بالعمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي».

في السياق نفسه، فإن حزب الدعوة، الذي يتزعمه المالكي أيضاً، حذّر مما أسماه «فتح ثغرة » من قِبل «الإطار التنسيقي». وقال الحزب في بيان له إن «الكتلة البرلمانية الأكبر، وبوصف ذلك استحقاقاً دستورياً وديمقراطياً لها، استخدمت حقها القانوني والسياسي في ترشيح مَن تراه مناسباً لرئاسة مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة». وتابع الحزب: «إننا نعتقد أن فتح ثغرة في القرار الإطاري قد جرّ العملية السياسية إلى هذا التعقيد، وسينجم عن ذلك تداعيات على أكثر من صعيد، وهو ما يوجب دعوة القوى السياسية الخيرة من جميع المكوّنات إلى الدفاع عن القرار الوطني العراقي المستقل».

ملفات سافايا

سياسي عراقي مطّلع أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الملفات التي يحملها المبعوث الأميركي للعراق مارك سافايا أخطر من تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ كون أن ملفات سافايا تستهدف زعامات سياسية بارزة من الخطوط الأول والثاني والثالث بينما تغريدة ترمب، وإن كانت تستهدف هي الأخرى بنية النظام السياسي الذي أُسّس بإرادة أميركية بعد عام 2003، فهي على الأقل تستهدف وبالاسم رجلاً واحداً هو نوري المالكي المرشح لتولي منصب رئيس الوزراء».

السياسي العراقي، أضاف - طالباً إغفال الإشارة إلى اسمه - أن «عملية تأجيل جلسة البرلمان جاءت عقب الاتصال الهاتفي بين توم برّاك وبارزاني؛ الأمر الذي دفع القيادة الكردية إلى طلب التأجيل... الذي تناغم مع رغبة القيادات الشيعية التي رفضت ترشيح المالكي، وهي قيادات معروفة (في كتلتي الحكيم والخزعلي) باختلاف دوافع التأجيل؛ كون الجلسة لو عقدت وانتُخب رئيس جديد للجمهورية فإنه سيكون مضطراً إلى تكليف المالكي تشكيل الحكومة».

وأوضح السياسي أن «المرشحين الكرديين لمنصب رئيس الجمهورية كانا قد أعدا كتاب تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً في حال جرى انتخابه لمنصب رئيس الجمهورية، غير أن تأجيل الجلسة جاء بأمر خارجي بانتظار موقف مُعلن من قِبل الرئيس الأميركي جرى التنويه عنه من قبل روبيو للسوداني وبرّاك لبارزاني».

تضخيم صورة تغريدة ترمب

في هذا السياق، يقول الدكتور ياسين البكري، أستاذ العلوم السياسية في كلية النهرين، لـ«الشرق الأوسط» إن «تضخيم صورة تغريدة ترمب عن رفض المالكي غير واقعي، وكأن تشكيل الحكومات في العراق يجري بمعزل عن التأثير الخارجي وتحديداً الأميركي والإيراني». ثم يضيف: «الأمر اختلف الآن؛ كون أن الرفض جاء هذه المرة علنياً، وبالتالي لا أعتقد أن هناك مأزقاً بقدر ما هو حرج سوف يصار إلى تبريره».

ويتابع البكري إنه «سيجري التعامل مع الأمر لإدراك الساسة امتلاك واشنطن الملفات الضاغطة على الوضع العراقي، وأهمها حالياً الملف الاقتصادي الذي يعاني أزمة، والذي مفاتيحه في واشنطن... وهذا فضلاً عن تحديات المنطقة الأمنية، وتلك أيضاً ملفات ضاغطة». ويوضح أن الأهم الآن إطارياً الاتفاق على شخصية تتمتع بالقدرة على ترتيب أوراق العراق الدولية والإقليمية، وهي المهمة المستعجلة على ضوء متغيرات الداخل والإقليم...«وليس بين الشخصيات القادرة لا يزيد على شخصيتين لا أكثر، ليس بينهما السوداني»، على حد قوله.

3 مسارات للحل

من جهته، يقول الباحث والأكاديمي الدكتور طالب محمد كريم، لـ«الشرق الأوسط» إن «المأزق الحالي المتعلق بترشيح نوري المالكي وما يُوصف بـ(فيتو ترمب) لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للشرق الأوسط، حيث تعيش المنطقة مرحلة إعادة ترتيب نفوذ، ومحاولة تثبيت توازنات جديدة بعد سنوات من الحروب والاستنزاف».

ويشرح كريم: «من وجهة نظر إقليمية ودولية، هناك قوى لا تزال تفضّل بقاء العراق في مساحة الإدارة الهادئة لا القرار المستقل... ولذلك تتحفّظ عن أي شخصية تمتلك وزناً سياسياً وقدرة على فرض معادلات داخلية أكثر استقلالية. ومن هنا يأتي التضخيم الإعلامي لأي موقف أميركي، حتى لو لم يكن رسمياً أو حاسماً».

وفي المقابل، كما يقول كريم، فإنه «داخل العراق، يتعامل (الإطار التنسيقي) مع ترشيح المالكي بوصفه ورقة قوة تفاوضية، لا مجرد اسم، بينما تحاول أطراف أخرى توظيف العامل الخارجي للضغط وإعادة خلط الأوراق».

ورداً على سؤال بشأن كيفية الخروج من المأزق، يقول كريم إن «عملية الخروج من هذا المأزق، تمرّ عبر ثلاثة مسارات: الأول، تثبيت القرار الداخلي، أي حسم واضح داخل البيت الشيعي، مع تفاهم جدّي مع الأكراد والسنّة، يقلّل تلقائياً من تأثير أي ضغط خارجي. والثاني، إدارة العلاقة مع واشنطن ببراغماتية لا بالصدام ولا بالتنازل، بل بتأكيد أن اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي دستوري، مع طمأنة المصالح المشتركة دون الارتهان لها. والثالث، تقديم برنامج حكومي واضح، فحيث يوجد برنامج اقتصادي وأمني وخدمي واقعي، يصبح التركيز على الشخص أقل أهمية، داخلياً وخارجياً...».

... و3 سيناريوهات

وبشأن السيناريوهات المتوقعة، يقول إن «السيناريوهات المتوقعة، أيضاً ثلاثة: الأول، التمرير المشروط - وهو الأرجح - حيث يُمرَّر المالكي ضمن تفاهمات داخلية وضمانات سياسية، مع إدارة هادئة للعلاقة مع الخارج. والثاني، التسوية البديلة في حال تصاعد الضغوط أو تعقّد التفاهمات، وقد يُتَّفق على شخصية وسطية كحل مؤقت. والثالث، الانسداد السياسي... وهو الأخطر، وسيحدث إذا فشلت القوى في التوافق؛ ما سيؤدي إلى تعطيل طويل وتأزيم الشارع».

الخلاصة، كما يرى الدكتور كريم، أن «الشرق الأوسط اليوم يتجه نحو تقليل الصدامات المباشرة وزيادة منطق التسويات. وإذا ما أحسن العراق إدارة هذا الظرف، سيتمكن من تحويل الأزمة فرصةً لتكريس قراره الوطني. أما إذا أُدير الملف بمنطق الانفعال أو الارتهان، فسيبقى رهينة التجاذبات... فالمعيار في النهاية ليس مَن ترضى عنه واشنطن، بل مَن يستطيع إدارة العراق في هذه المرحلة المعقّدة بأقل كلفة وأعلى توازن».

مرحلة القرارات الصلبة

في السياق نفسه، يقول الدكتور إحسان الشمّري، رئيس مركز التفكير السياسي في العراق وأستاذ السياسات الدولية في جامعة بغداد، لـ«الشرق الأوسط» إن «نقطة تحول كبيرة جداً في سياسة الولايات المتحدة حيال العراق كنظام سياسي أو حتى كعملية سياسية أنتجتها الانتخابات الأخيرة. إذ يبدو أن ترمب انتقل من الرسائل الدبلوماسية المرنة، التي وصلت إلى الطبقة السياسية عن طريق وزير خارجيته أو مبعوثه مارك سافايا، إلى القرارات الصلبة».

وأردف: «ذلك يعطي إشارة واضحة على أن الرئيس الأميركي سيعمل على إعادة صياغة العملية السياسية العراقية، لا سيما وأن الموقف الأميركي الأخير موجّه إلى أقوى الفاعلين السياسيين في العراق».

وأوضح الشمري أن «رفض ترمب ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء إنما هو رفض لكل (الإطار التنسيقي) وسياساته. حيث يبدو أن ثمة خطة أميركية لإعادة التموضع في العراق بما لا يسمح لأي وجود إيراني فيه. وهذا، فضلاً عن أنه موقف يحمل في ثناياه توجهاً أميركياً سيعمل على تصحيح الأخطاء التي ارتُكبت في العلاقة مع واشنطن لجهة النظام السياسي الذي كانت قد رعته».

واختتم الشمري مؤكداً أن «النظام السياسي قد لا يكون هدفاً بالنسبة لترمب، لكن بما لا يقبل الشك سيضع في حساباته ترميم هذا النظام، ومن ثم التكيّف معه، بما في ذلك عزل الطبقة السياسية التي لا تريد إصلاح النظام السياسي، بل تواصل السير بمعادلة مغلوطة حتى على صعيد المنظومة الإقليمية والدولية». عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول»


جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
TT

جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية

فيما يشبه «اختبار ضغط» متواصلاً لمدينة خبرت منذ 2020 كيف يمكن لحدث واحد أن يعيد تعريف صورة الولايات المتحدة عن نفسها، صعد اسم جاكوب فراي، عمدة مدينة مينيابوليس، ليتقدم واجهة المشهد الوطني. ليس فقط لأن المدينة أصبحت منذ أواخر 2025 وبدايات 2026 ساحة مواجهة سياسية وقانونية بين السلطات الفيدرالية وسلطات ولاية مينيسوتا، والمدينة، على خلفية حملات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، وما تلاها من احتجاجات، واتهامات متبادلة، بل لأن فراي اختار أن يواجه ذلك بخطابٍ يزاوج بين «مبدئية الحقوق» و«برغماتية الإدارة»، في خليط داخل «حزب ديمقراطي» مأزوم في رسالته، وهويته.

وُلد جاكوب فراي يوم 23 يوليو (تموز) 1981، ونشأ في شمال ولاية فيرجينيا، في ضواحي العاصمة واشنطن (أوكتون بمقاطعة أرلينغتون). وفي مرحلة الدراسة الجامعية حصل على منحة رياضية في كلية وليام أند ماري، ثاني أقدم وأعرق الجامعات الأميركية بعد هارفارد، ودرس الإدارة الحكومية. وبعد التخرج عام 2004 اتجه إلى احتراف جري سباقات المسافات الطويلة، ومثّل المنتخب الأميركي في منافسات دولية. وهذه الخلفية ليست تفصيلاً تزيينياً، فالشاب بنى جزءاً من صورته العامة على «انضباط العدّاء»، و«القدرة على التحمّل»، وهي استعارات يستخدمها سياسيون كثيرون، لكنها عنده تتحول إلى مادة تعريف شخصية متماسكة.

بعد ذلك، التحق فراي بكلية الحقوق في جامعة فيلانوفا، الكاثوليكية العريقة، وتخرج منها مجازاً بالقانون، ثم جاء إلى مينيابوليس عام 2009، حيث عمل في مجال الحقوق المدنية، وقضايا التمييز والعمل قبل دخول حلبة السياسة المحلية. ولقد تزوج من زوجته الأولى، ميشيل ليليينثال عام 2009، وانفصلا في عام 2014. ثم تزوّج عام 2016 من زوجته الثانية، سارة كلارك، الناشطة في مجال الضغط السياسي لدى شركة «هايلدن» للمحاماة والاستشارات، حيث تمثّل الشركات، والمنظمات غير الربحية، ومنظمات المجتمع المدني أمام الهيئة التشريعية، والوكالات التنفيذية في ولاية مينيسوتا.

في العام 2020، رزق الزوجان بطفلهما الأول، ووُلد طفلهما الثاني في 2025. وفي سيرته الرسمية، يقدّم فراي نفسه ابناً لبيئة أميركية نموذجية من الطبقة الوسطى، تشرّب مبكراً فكرة «الخدمة العامة» عبر بوابة الرياضة، ثم القانون. بيد أن عنصر الهوية الدينية يظل حاضراً في مساره السياسي. فهو يهودي ينتمي إلى التيار الإصلاحي، ويرتاد مع زوجته الثانية التي اعتنقت اليهودية «كنيس إسرائيل»، وهو كنيس إصلاحي في مينيابوليس.

ويُستدعى هذا البعد أحياناً بوصفه عدسة أخلاقية أكثر من كونه شعاراً انتخابياً، خصوصاً حين تتقاطع ملفات المدينة مع أسئلة «الاندماج»، و«الحماية»، و«الخطاب العام» في زمن الاستقطاب.

«الانحياز للضعفاء»

يُحسب لفراي أنه لم يدخل السياسة من بوابة الشركات الكبرى، أو «مكاتب واشنطن»، بل من السياسة البلدية: مجلس مدينة مينيابوليس، ثم رئاسة البلدية. وفي السردية التي يكرّرها مقرّبوه، كان دافعه الأساسي الاقتراب من ملفات الإسكان، والحقوق، والخدمات، حيث تُختبر الدولة يومياً في حياة الناس العاديين.

وفي مدينةٍ ذات تاريخ ثقيل مع قضايا العِرق، والشرطة، واللامساواة، يغدو هذا المسار البلدي طريقاً إلى السياسة الوطنية من دون إعلان ذلك صراحة. ففراي «ليس نجماً تلفزيونياً» بقدر ما هو إداري يراهن على تحويل النزاعات الكبرى إلى سياسات محلية قابلة للقياس.

انتخب فراي عمدة في 2017، وتسلّم منصبه مطلع 2018، ثم أُعيد انتخابه في 2021، وفاز بولاية ثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بنظام التصويت التفضيلي. واعتُبر فوزه الأخير حدثاً مهماً، لأنه عكس داخل «الحزب الديمقراطي» المحلي صراعاً بين جناح «مؤسساتي/ وسطي» يمثله فراي، وجناح «يساري/ ديمقراطي-اشتراكي» صاعد يمثله غريمه -الصومالي الأصل- عمر فاتح، في منافسة جذبت اهتماماً وطنياً واسعاً.

نموذج «العمدة القوي»

أحد التحولات البنيوية في عهد فري كان الانتقال إلى نموذج «العمدة القوي» الذي يمنح رئيس البلدية سلطة تنفيذية أكبر على إدارات المدينة. ووفق وثائق المدينة، أُقرت ترتيبات بنيوية جديدة -منها إنشاء مكتب للسلامة المجتمعية- ضمن هيكل يوسّع صلاحيات العمدة التنفيذية. وهذا التحوّل يفسّر جانباً من صدامه المستمر مع مجلس المدينة: فالنزاع لم يعد فقط على «السياسة»، بل على «مَن يملك مفاتيح التنفيذ».

الشرطة بعد قضية جورج فلويد

مقتل المواطن الأسود جورج فلويد عام 2020، وما تلاه من احتجاجات محلية وعالمية، مثّل لحظة مهمة لفراي، حين أعلن في اليوم التالي للحادثة فصل أربعة ضباط تورّطوا في القضية، وهي خطوة عاجلة لإظهار أن المدينة لن تدافع عن الواقعة.

لكن التحدّي الحقيقي جاء لاحقاً: كيف تُصلح مؤسسة شرطة مُنهكة بالفضائح، والعجز، والثقة المكسورة، من دون الانزلاق إلى فراغ أمني، أو معركة مؤسساتية مفتوحة مع النقابات، والمجلس؟

منذ ذلك الحين، مال فراي إلى مقاربة يمكن تلخيصها بعبارة «الإصلاح لا الإلغاء». وهذا الموقف ظهر أيضاً في النقاشات التي رافقت دعوات إعادة هيكلة الشرطة جذرياً في 2021، وفي الجدل الوطني حول «خفض التمويل».

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، وافق العمدة ومجلس المدينة على «مرسوم رضائي» مع وزارة العدل الأميركية لدفع «إصلاحات مؤسسية» أعمق داخل شرطة مينيابوليس، خطوة تُقرأ عادة باعتبارها انتقالاً من «وعود سياسية» إلى «التزام قانوني قابل للرقابة».

وثائق المدينة، الليبرالية سياسياً، تضع «السلامة» في قلب أجندة فراي عبر مزيج من توظيفات، وبرامج استجابة لأزمات الصحة النفسية، ومحاولة بناء منظومة أوسع من الشرطة وحدها. غير أن منتقديه، خصوصاً داخل مجلس المدينة، يرون أن النتائج على الأرض أبطأ من حجم الوعود، وأن الفجوة بين «الخطاب الإصلاحي» و«إدارة مؤسسة شرطة مقاومة للتغيير» لا تزال قائمة.

الإسكان والتشرد وحقوق التصويت

من جهة ثانية، بينما يُحسب لمينيابوليس أنها أصبحت «مختبراً» وطنياً في سياسات تواجه الكثافة السكنية، وتقليص حصرية مناطق السكن الفردي عبر خطة «مينيابوليس 2040» التي سمحت على نطاق واسع بزيادة عدد الطوابق في أحياء كانت مخصّصة لبيت من طابق واحد. لكن الملف الذي يطارد فراي سياسياً هو التشرّد، والمخيّمات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، استخدم حق النقض ضد تشريع كان سيمنح المخيمات حماية زمنية أطول، مبرّراً ذلك بأنه يشجّع على «تضخّم المخيّمات»، ويقيّد التدخّل المبكّر. وشدّد يومذاك على أن المدينة تريد «سكناً وخدمات» لا «ترسيخ العيش غير الآمن في العراء».

في الوقت نفسه، شهدت المدينة -وهي إحدى الأبرد في البلاد- مساومات ميزانية لإبقاء برامج قسائم سكن طارئة لعدد من المعرّضين للتشرّد، في صفقة عكست كيف يتحوّل السكن إلى «عصب سياسي» يومي بين العمدة والمجلس.

أيضاً، في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية، يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية. وصفحات الانتخابات الرسمية في مينيابوليس تتيح «التصويت من السيّارة» لمن لا يستطيعون دخول مركز الاقتراع بسهولة، وإتاحة التسجيل، وتحديثه ضمن الإجراء نفسه. وتُظهر أدلة المدينة الانتخابية وجود أجهزة «وضع علامات اقتراع ميسّرة»، وخيارات مساعدة متعدّدة داخل مركز الاقتراع. تفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها في زمن الاستقطاب تُقرأ على أنها مؤشّر على فلسفة «خفض العوائق» أمام المشاركة، في مواجهة سياسات جمهورية مناقضة.

«مدينة ملاذ»... والهوية الجندرية

على صعيد الهجرة، لا يكتفي فراي بوصف مينيابوليس «مدينة ملاذ» ليبرالية، بل يستند إلى نصوص تشريعية محلية تقيّد تعاون موظفي المدينة مع إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية، وتمنع الاستفسار عن الوضع القانوني للهجرة إلا عندما يفرض القانون ذلك.

ومع تصاعد «النشاط الفيدرالي» أواخر 2025 وبدايات 2026، تعزّز في الأسابيع الأخيرة حضور فراي وطنياً بسبب المواجهة المفتوحة مع السلطات الفيدرالية حول عمليات «آيس». إذ طالبت بيانات المدينة الرسمية الوكالة بالمغادرة، وشرحت أن مينيابوليس لا تطبق قوانين الهجرة المدنية.

وعلى المستوى الإعلامي، صعد فراي خطابه بعد حوادث عنف مرتبطة بالعمليات، والاحتجاجات، مقدماً نفسه مدافعاً عن «سلامة المجتمع»، و«الحقوق» في مواجهة ما يصفه منتقدو الإدارة بأنه «عسكرة» للفضاء المدني.

وتنسحب فكرة «الملاذ» على ملفات أخرى، حيث أصدر فراي في 2022 أمراً تنفيذياً يمنع تعاون أجهزة المدينة مع ملاحقات تتعلق بالرعاية الصحية الإنجابية، وأصدر أمراً آخر يجعل مينيابوليس «ملاذاً» للرعاية الصحية المُؤكِّدة للنوع الاجتماعي.

وهنا يظهر فراي بوصف أنه سياسي ديمقراطي يحاول تحويل القيم إلى «أدوات إدارية» لا مجرد مواقف.

في المقابل، علاقة فراي مع ملفات العمل والاقتصاد الحضري معقّدة، ففي عام 2024 اصطدم بمجلس المدينة الذي دعا إلى حد أدنى لأجور سائقي «أوبر»، و«ليفت». واستخدم حق النقض (الفيتو)، محذّراً من تبعات اقتصادية، وتشغيلية، وبينما مضى المجلس لتجاوز «الفيتو»، هدّدت الشركتان بتعليق الخدمة. وهذا الملف قدّمه خصومه دليلاً على انحيازه لـ«البرغماتية المائلة للأعمال»، بينما قدّمه أنصاره على أنه اختبار صعب بين إنصاف العمال والحفاظ على خدمات يعتمد عليها سكان كثيرون.

وفي أواخر 2024، عاد التوتر مع المجلس حول فكرة «مجلس معايير العمل»، حيث استخدم فراي «الفيتو»، محاججاً بأن الصيغة المقترحة لا تعطي تمثيلاً كافياً للقطاع التجاري، ما يعكس رغبته الدائمة في لعب دور «الموازن» بين قوة النقابات وخشية هروب الاستثمار.

إشكالية «حرب غزة»

الملف الأكثر حساسية لشخصية يهودية في رئاسة مدينة تقدّمية ليبرالية كان ملف غزة. ففي يناير 2024، كتب فراي في رسالة اعتراض أن قرار مجلس المدينة الداعي لوقف النار «يُبرز تاريخ الفلسطينيين، ويكاد يمحو تاريخ اليهود الإسرائيليين»، منتقداً اللغة التي رأى أنها «أحادية»، وتفاقِم الانقسام. لكن المجلس تجاوز اعتراضه، وأقر القرار بغالبية 9 مقابل 3 أصوات. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، اعترض على قرار يدعم محتجين مؤيدين لفلسطين في جامعة مينيسوتا، معتبراً أن الرسالة «تضع سابقة خطيرة»، إذ «مدحت أفعالاً غير قانونية لمجرّد توافقها مع تفضيلات سياسية».

هذان الملفان يُظهران حدود «المدينة التقدّمية»، حين تتحول السياسة الدولية إلى سياسة محلية، ويصبح العمدة مطالباً بأن يقرّر: هل يلعب دور «الناشط» أم «الحَكم»؟

صعود فراي اليوم لا يُقرأ فقط بوصفه صعود «عمدة مدينة»، بل إشارة إلى بحث الديمقراطيين عن لغة جديدة بعد سنوات من ارتباك الرسالة بين جناح يساري يطالب بإعادة تعريف الدولة، وجناح وسطي يريد إصلاحات معتدلة بلا صدامات.

فراي يقف في الوسط: إذ يرفع راية الملاذ والحقوق المدنية، لكنه يتراجع حين يرى أن السياسة تتحوّل إلى شعار يهدّد قدرة المدينة على الإدارة، أو يفتح الباب لفوضى مؤسساتية.وفي مدينة أصبحت مرادفاً لجرح أميركا المفتوح منذ حادثة جورج فلويد، ومرآةً لصراع الهجرة (وبالأخص الجالية الصومالية)، والسلطة في 2026، يحاول جاكوب فراي أن يقدّم نموذجاً مختلفاً، لكنه لا يزال بعيداً عن تقديم جواب شافٍ لأزمة الحزب «الديمقراطي».


مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
TT

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم» عاصمتها السياسية سانت بول.

في السنوات الأخيرة تحوّلت «رمزاً سياسياً» تختصر فيه الولاية تناقضات أميركا بين حالة ديمقراطية ليبرالية تقدّمية وسلطة فيدرالية جمهورية أكثر صدامية في عهد دونالد ترمب.

مينيابوليس تشتهر بكونها مدينة «الطبيعة داخل المدينة». إذ تحتضن شبكة بحيرات ومستنقعات وجداول داخل حدودها، إلى جانب نهر المسيسيبي، ومسارات مشي ودرّاجات تمتد لأميال ضمن منظومة حدائق تُقدَّم كميزة فريدة.

وبجانب هذا الوجه الطبيعي، لدى مينيابوليس حضور ثقافي لافت في الغرب الأوسط، من «ووكر آرت سنتر» وحديقة المنحوتات، إلى «غاثري ثياتر» الذي يُعدّ مؤسسة مسرحية مركزية في المدينة. وتضم عدداً كبيراً من مقار الشركات والمؤسسات، مثل شركة «تارغت» و«يو إس بان كورب» وغيرهما؛ ما يعزّز ثقلها كعقدة أعمال ومال وخدمات في مينيسوتا.

لكن شهرة مينيابوليس اليوم ليست سياحية فقط؛ فهي تُصنَّف مدينة تقدّمية؛ لأن سياساتها المحلية تراكمت لسنوات على قاعدة «خفض العوائق» أمام المشاركة والخدمات، والتوسّع في الحماية الاجتماعية. تعتمد المدينة «التصويت التفضيلي» في كل الانتخابات البلدية منذ 2009، وهو ما يُقدَّم كإصلاح ديمقراطي يعزز التمثيل ويحد من الاستقطاب داخل السباقات المحلية. وفي الاقتصاد الاجتماعي، كانت من أوائل مدن الغرب الأوسط التي أقرّت مسار رفع الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى 15 دولاراً، مع مراحل تطبيق امتدت حتى 2024. وفي يناير (كانون الثاني) 2026 برزت المدينة مسرحاً مباشراً للصراع بين ترمب والديمقراطيين عبر ملف الهجرة.

عمليات «آيس» في مينيابوليس، وما ارتبط بها من حوادث مثيرة للجدل، من مقتل الأميركية رينيه نيكول غود (37 سنة)، ثم أليكس بريتي، الممرّض الأميركي (37 سنة) أيضاً، ومحاولة عناصر «آيس» دخول القنصلية الإكوادورية وما أثارته من احتجاج دبلوماسي، قدمت للبيت الأبيض فرصة لإظهار «قبضة إنفاذ» أمام الجمهور المحافظ. في المقابل، منحت الديمقراطيين مادة تعبئة حول «تغوّل السلطة الفيدرالية» وحدودها داخل المدن الملاذ. وحقاً، لم تعُد المدينة ساحة مواجهة بين ترمب والديمقراطيين فقط، بل غدت مرآة انقسام الديمقراطيين: بين تيارٍ مؤسساتي - براغماتي يركز على الأمن والخدمات وإدارة المدينة، وتيار يساري يرى أن زمن «الترقيع» انتهى. وإعادة انتخاب العمدة جاكوب فراي في 2025 عبر التصويت التفضيلي بوجه تحدٍ يساري بارز، بيّنت أن المدينة، ولو أنها أكثر تقدمية، لا تمنح تفويضاً تلقائياً للشعارات، بل تبحث عن توازن صعب بين العدالة والسلامة.

لهذا كله؛ تبدو مينيابوليس (مع سانت بول) بالنسبة لمينيسوتا «عاصمة سياسية» بقدر ما هي عاصمة اقتصادية. وإذا أراد ترمب أن يثبت أن الدولة الفيدرالية قادرة على فرض أجندتها داخل المدن، فهي المكان الأكثر رمزية. وإذا أراد الديمقراطيون أن يبرهنوا على أن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن قدرة الحكم المحلي على إدارة الأزمات، فهي أيضاً مختبرهم الأكثر شهرة.