«حماس» تتريث في اتهام إسرائيل باغتيال خبير طائرات «درون» في ماليزيا

البطش طوّر أبحاثاً في مجال الطاقة... وقتله محترفان بملامح أجنبية

فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
TT

«حماس» تتريث في اتهام إسرائيل باغتيال خبير طائرات «درون» في ماليزيا

فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون بجانب ملصق نعت فيه حركة «حماس» فادي البطش في قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

اتهمت فصائل فلسطينية وعائلة المهندس الفلسطيني فادي البطش (35 عاماً) الذي قتله مجهولون في العاصمة الماليزية، كوالالمبور، فجر أمس، جهاز «الموساد» الإسرائيلي باغتياله. وبينما لم تعلّق إسرائيل على الحادث، اكتفت حركة «حماس» بنعي ابنها «العالم»، قائلة إنه من المبكر توجيه اتهامات. وأفادت معلومات إسرائيلية بأن القتيل كان خبيراً في تصنيع طائرات «دورن» لمصلحة «حماس».
وأكدت السلطات الماليزية أن مسلحَين على دراجة نارية أطلقا الرصاص على البطش فجراً وقتلاه فوراً، ملمّحةً إلى تورط «مخابرات أجنبية». وقال قائد شرطة المدينة، مازلان لازيم، إن البطش كان في طريقه إلى مسجد مجاور، عندما أُطلقت عليه النيران من مهاجمَين على دراجة نارية في حي «غومباك» شمال العاصمة. وأضاف: «أطلقا عليه نحو 10 رصاصات أصابته 4 منها واحدة مباشرة في الرأس فتوفي فوراً». وأعلن قائد الشرطة فتح تحقيق في القضية لمعرفة تفاصيلها والوصول إلى الجناة، حسبما أوردت وكالة «رويترز».
وأظهر مقطع فيديو البطش وهو ملقى على الأرض والدماء تسيل من رأسه فيما تجمهر حوله مجموعة من المارة. كما أظهرت لقطات فيديو لكاميرات في المكان أن المنفذَين انتظرا نحو 20 دقيقة قبل أن يخرج البطش من منزله. وأحجم السفير الفلسطيني لدى ماليزيا أنور الأغا، عن القول إن فادي البطش كان عضواً في «حماس»، لكنه أوضح لوكالة «رويترز» أن شهوداً في الموقع أبلغوه أن المشتبه بهما «ملامحهما أوروبية». كما نقلت وكالة «برناما» للأنباء الماليزية الرسمية عن أحمد زاهد حميدي نائب رئيس الوزراء، قوله إنه من المعتقد أن المشتبه بهما أوروبيان على صلة بجهاز مخابرات أجنبي. وأضاف أن القتيل كان ناشطاً في منظمات غير حكومية تدعم الفلسطينيين، ووصفه بأنه كان خبيراً في الهندسة الكهربائية وصناعة الصواريخ، حسبما أوردت «رويترز». ونقلت «برناما» عن زاهد قوله إن القتيل ربما اعتُبر «خصماً لدولة تعادي فلسطين».
ويعيش البطش، وهو باحث متفوق، في ماليزيا منذ نحو 10 أعوام عندما أرسلته «حماس» من أجل متابعة علومه. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن البطش كان معروفاً لدى عدد محدود من قيادات الحركة فقط، كما كان نشاطه غير معلن. وأضافت: «بالنسبة إلى عامة الناس، لم يكن (البطش) معروفاً». وتابعت: «قادة في (حماس) وعائلته كانوا فقط يعرفون ماذا يفعل».
وقالت المصادر ذاتها إنه معروف لدى العائلة كعالم متفوق في مجال الطاقة، وقد تلقى العديد من الجوائز الرفيعة. وأكدت أن المعلومات المتوافرة لدى «حماس» تشير حتى الآن إلى أن رجلَين بملامح أجنبية نفّذا عملية الاغتيال، وذلك حسب شهود عيان.
ونعت «حماس» البطش، وقالت في بيان إن «الشهيد المهندس فادي البطش اغتالته يد الغدر في العاصمة الماليزية كوالالمبور وهو في طريقه لصلاة الفجر». وأضافت أنه كان «ابناً من أبنائها (حماس) البررة، وفارساً من فرسانها، وعالماً من علماء فلسطين الشباب، وحافظاً لكتاب الله، من بلدة جباليا المجاهدة». وأشارت إلى أنه تميز بتفوقه وإبداعه العلمي، وله إسهامات مهمة ومشاركات في مؤتمرات دولية في مجال الطاقة.
ونوهت «حماس» بأن البطش كان «نموذجاً في الدعوة إلى الله، والعمل من أجل القضية الفلسطينية». ولم تتهم الحركة إسرائيل باغتياله، ولم تلمِّح إلى تورطها في الجريمة. وقال مسؤول في الحركة لـ«الشرق الأوسط» إنها تُجري اتصالات مكثفة مع السلطات الماليزية للوقوف على التفاصيل، مضيفاً أن «حماس ستعلن التفاصيل الدقيقة في الوقت المناسب».
ويُعتقد أن الحركة تريد الوقوف أولاً على تفاصيل الاغتيال، كما أنها تفضّل التريث بسبب حساسية الحديث عن نشاطها خارج الأراضي الفلسطينية. لكن عائلة البطش اتهمت إسرائيل مباشرة باغتيال ابنها، وهو اتهام أيّدته فصائل فلسطينية. وقالت العائلة: «نتهم جهاز الموساد بالوقوف خلف حادثة اغتيال الدكتور فادي الباحث في علوم الطاقة». وطالبت العائلة السلطات الماليزية بإجراء تحقيق عاجل لكشف المتورطين بالاغتيال قبل تمكنهم من الفرار.
وأعلن خالد البطش، وهو أحد كبار أفراد العائلة وقيادي بارز في حركة «الجهاد الإسلامي»، أنه لا أحد لديه مصلحة في اغتيال فادي سوى «الموساد» الإسرائيلي، دون أن يعطي مزيداً من الإيضاحات.
واغتيل البطش قبل يوم من سفره إلى تركيا لترؤس مؤتمر علمي في مجال الطاقة. وهو كان قد حصل قبل عامين على جائزة الخزانة الماليزية في الطاقة بعد إعداده بحوثاً في مجال إلكترونيات القوة في الهندسة الكهربائية. وعمل الراحل محاضراً في جامعة كوالالمبور، وفي مجال الدعوة الإسلامية، وفي جمعيات خيرية. وفي هذا الإطار، أوضح داوود شهاب، الناطق باسم حركة «الجهاد الإسلامي»، أن «الدكتور فادي البطش يعمل محاضراً جامعياً في ماليزيا وهو ناشط في الدعوة الإسلامية هناك وإمام لأحد المساجد، ومن أشد الناشطين في دعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وهو عضو في العديد من المؤسسات والاتحادات الخيرية والأهلية التي تقدم الإسناد والدعم لفلسطين والقدس». وأضاف شهاب أن «الدكتور فادي شاب متفوق جداً ومثابر وهو من العقول الكبيرة في مجال الهندسة الكهربائية، وأصابع الاتهام تتجه نحو الموساد الإسرائيلي».
واتهمت لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية أيضاً «الموساد» باغتيال البطش. كما اتهمت «الجبهة الشعبية» عملاء «الموساد» بالوقوف خلف الجريمة، مشيرة إلى «السياسة الثابتة» التي انتهجها جهاز المخابرات الإسرائيلي في تنفيذ عمليات اغتيال وتصفية علماء عرب وفلسطينيين.
أما حركة «فتح» فأدانت اغتيال البطش واعتبرته «يمثّل عودة إسرائيل لسياسة الاغتيالات في عواصم العالم المختلفة». وقالت إن سياسة الاغتيال «تشكل جريمة كبرى واعتداءً على سيادة الدولة التي ارتُكبت هذه الجريمة على أراضيها». ولم تستبعد ماليزيا هذه الفرضية. وقال نائب رئيس الحكومة الماليزية، أحمد زاهي حميدي، إنه لا يستبعد تورط «مخابرات أجنبية» باغتيال البطش، وإنه طلب من شرطة بلاده التحقيق بشكل شامل في حادثة القتل، داعياً الشرطة الجنائية الدولية «إنتربول» إلى المشاركة في التحقيق.
وجاءت تصريحات حميدي في ظل إعلان مسؤول أمني أن التحقيقات الأولية أوضحت أن القتيل لم يكن لديه أعداء معروفون ولا مشكلات مالية. وكالعادة، لم تعقّب إسرائيل على الحادثة، والتزمت الصمت أمام الاتهامات الفلسطينية. وعادةً لا تعلّق إسرائيل على عمليات الاغتيال الخارجية التي يضطلع بها جهاز «الموساد»، غير أن وسائل إعلام إسرائيلية عمدت إلى التذكير باستخدام «حماس» ماليزيا ساحة عمل وتجنيد وتطوير.
وقال المراسل العسكري للقناة العبرية العاشرة أور هيلر، إن عملية اغتيال البطش في ماليزيا تمت بحرفية ومهنية عالية من قبل المنفذَين اللذين عملا كما يبدو لفترة طويلة في تعقّبه، ثم نفّذا العملية بنجاح وهدوء. واتهم هيلر حركة «حماس» بتأسيس خلايا في ماليزيا، مدّعياً أن إسرائيل أحبطت في عام 2014 هجوماً كان سيتم باستخدام مظلات وطائرات من دون طيار تم التدرب عليه في ماليزيا من قبل 10 نشطاء من «حماس». وقال هيلر: «إذا كانت إسرائيل وراء الاغتيال فإنه يمكن الافتراض أنّه تم منع هجوم كبير تم التخطيط له، أو إحباط مشروع كبير تعمل عليه حماس».
كما أوردت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات تفيد بأن فادي البطش كان متخصصاً في تصنيع طائرات من دون طيار لصالح حركة «حماس». وكتبت صحيفة «إسرائيل هيوم» أنّ البطش كان له دور في تصنيع هذه الطائرات، وأيدت قنوات وإذاعات إسرائيلية هذه الرواية.
ووصفت صحيفة «يديعوت أحرنوت»، الأكثر انتشاراً، البطش بأنه مهندس «حماس» المتخصص في «مجسّات» هذه الطائرات، وقالت إنه يعمل في مجالات متعلقة بالصواريخ والطائرات من دون طيار. وكتبت: «المهندس الكهربائي الذي اغتيل عمل محاضراً في المعهد البريطاني الماليزي في جامعة كوالالمبور. لقد كان على معرفة جيدة بما يجري في غزة». وأضافت: «سيرته الذاتية تشير إلى قدرته على تشغيل محركات وأجهزة إرسال خاصة بالطائرات من دون طيار». واتهمته بأنه ساعد «حماس» في مشروعها الخاص بطائرات من دون طيار. ولم يتضح فوراً أين سيُدفَن البطش بسبب الحصار المفروض على غزة. وقالت السفارة الفلسطينية في ماليزيا إنها تتابع التحقيقات وتحاول تلبية طلب العائلة بنقل رفاته وعائلته إلى غزة. والبطش متزوج ولديه 3 أطفال.

- فادي البطش... عالم متخصص في مجال الطاقة
لا يساور كثيرون الشك أن قدرة فادي البطش على البحث والابتكار العلمي وتخصصه في مجال الطاقة، كانت وراء اغتياله في العاصمة الماليزية كوالالمبور على أيدي مجهولَين يُعتقد أنهما تابعان لجهاز «الموساد» الإسرائيلي.
وُلد فادي محمد البطش عام 1983، في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في جباليا شمال قطاع غزة. درس في مدارس الـ«أونروا» لدعم اللاجئين، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية من الجامعة الإسلامية بغزة عام 2009. انتقل بعدها إلى ماليزيا مبتعثاً من حركة «حماس» وحصل هناك على درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة ملايا عام 2015، وكان بحثه بعنوان «رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى».
عمل البطش بعد ذلك أستاذاً جامعياً في جامعة كوالالمبور في الهندسة الكهربائية. وحصل على جائزة منحة «الخزانة» الماليزية عام 2016، كأول عربي يحصل عليها، وتعد الأرفع من ناحية الجودة، كما أعلنت جهات فلسطينية، أمس. لديه العديد من البحوث العلمية وكان معروفاً بتفوقه. وقد حصل على براءة اختراع في رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى، بما يخدم فكرة تقليل فقدان الطاقة، ونجح في ابتكار جهاز يعتمد تصميمه على تكنولوجيا إلكترونيات القوى ومن ثم توصيله بشبكة نقل الطاقة الكهربائية وتحسين كفاءة الشبكة بنسبة تصل إلى 18%.
والراحل متزوج ولديه 3 أبناء جميعهم كانوا يعيشون معه في ماليزيا.



السعودية: انطلاق فعاليات «صيف التدريب التقني» تحت شعار «حنا ندورك»

جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: انطلاق فعاليات «صيف التدريب التقني» تحت شعار «حنا ندورك»

جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

تنطلق في التاسع عشر من يوليو (حزيران) الحالي فعاليات «صيف التدريب التقني» ضمن مبادرة حملات تحفيز الالتحاق بالتدريب التقني والمهني، إحدى مبادرات برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن برامج «رؤية السعودية 2030»، وذلك بتنظيم من الإدارة العامة للتدريب التقني والمهني في خمس مناطق في السعودية، وبإشراف الإدارة العامة للأنشطة.

وتستهدف الفعاليات طلاب وطالبات المرحلة الثانوية العامة وأولياء أمورهم، من خلال برامج وأنشطة نوعية تُقام في الرياض، والمدينة المنورة، والقصيم، ومكة المكرمة، والمنطقة الشرقية، بهدف تعريفهم ببرامج التدريب التقني والمهني، وإبراز الفرص التعليمية والمهنية التي يوفرها، وتعزيز ارتباط مخرجاته باحتياجات سوق العمل.

ويتضمن البرنامج خمس فعاليات رئيسة تتمثل في كأس التدريب التقني لكرة القدم في الرياض، وكأس المدينة للذكاء الاصطناعي في المدينة المنورة، ومعسكر الروبوتات والذكاء الاصطناعي في القصيم، ومبادرة بصمة مهارة للتجميل والأزياء في مكة المكرمة، وبطولة التدريب التقني للرياضات الإلكترونية في المنطقة الشرقية.

وتسهم تلك الفعاليات في الوصول إلى المستهدفين عبر تجارب تفاعلية تجمع بين المنافسة والتطبيق والتعريف بالمسارات التدريبية ضمن فعاليات الحملة الإعلامية الرابعة «حنا ندورك».


استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)

تحولت تداعيات محاولة هبوط طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية، الاثنين الماضي، من أزمة سياسية وعسكرية إلى مصدر خوف للسكان في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، بعدما أعقبتها حملات اعتقال واسعة وإجراءات أمنية غير مسبوقة في صنعاء والحديدة، بذريعة ملاحقة خلايا تجسسية وإرهابية، وسط مخاوف من أن يقود التصعيد إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية.

وأجبر الجيش اليمني طائرة تابعة لشركة الطيران الإيرانية «ماهان إير»، على الهبوط في مطار الحديدة، بعد أن اخترقت الأجواء اليمنية رغم التحذيرات التي أطلقتها السلطات اليمنية، واستهدفت القوات الجوية اليمنية مدارج الهبوط والإقلاع في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين الذين كانوا حشدوا أنصارهم لتنظيم استقبال استعراضي لوفدهم القادم من الأراضي الإيرانية.

وبينما أبدى سكان صنعاء والحديدة مخاوفهم من تبعات التصعيد الحوثي على حياتهم، شنت الجماعة حملات اعتقالات واسعة النطاق في المدينتين، طالت العشرات ممن لم يُكشف عن هوياتهم، بعد فرض حصار مطبق على المنازل والحارات التي جرت فيها الحملات.

وذكر شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أن عدداً من الحارات المحيطة بشارع تونس في مديرية الثورة، في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، شهدت استنفاراً وحصاراً استمرا قرابة يومين كاملين، وتسببا بحالة من الهلع في أوساط السكان، بعد أن نشرت أجهزة الأمن الحوثية عدداً كبيراً من عناصرها الملثمين وعرباتها المدرعة في المداخل وأقدمت على اقتحام منازل واعتقال عددٍ غير معروف من ساكنيها.

صورة لهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة التقطها أحد السكان (إكس)

وقيّدت عناصر الجماعة حركة تنقل أهالي الحارات التي نفذت فيها حملات الاعتقال، ولم تسمح بخروج أي شخص، في حين كان يجري احتجاز كل من يقترب منها أو يحاول الدخول إليها، ويجري التحقيق معه داخل العربات التابعة للحملة، قبل أن يقرّر قادة الحملة إطلاقهم أو اعتقالهم ومنعهم من التواصل مع أقاربهم.

مخاوف واعتقالات

كشفت مصادر مطلعة عن إجبار الجماعة الحوثية كل من أُفرج عنهم على التعهد بعدم الإفصاح، لأي كان، عمّا جرى خلال التحقيق معه، أو الكتابة والنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، متوعدة بملاحقتهم في حال مخالفة هذا التعهد.

ونقلت المصادر عن أحد الشهود أنه جرى احتجازه والتحقيق معه ساعات عدة بسبب مروره في شارع تونس ووقوفه للسؤال عن سبب الإجراءات الأمنية المشددة، ولم يتم الإفراج عنه إلا بعد استكمال التحريات بشأنه.

غبار ودخان في مطار صنعاء بعد ضربات للجيش اليمني رداً على خروق الحوثيين وإيران (أ.ف.ب)

وحسب ما نقلت المصادر عمن جرى احتجازهم والتحقيق معهم، فإن الجماعة تزعم أنها كانت بصدد ضبط خلايا إرهابية وتجسسية تنشط في الحي وتستعد لتنفيذ عمليات تستهدف شخصيات ومواقع أمنية وعسكرية.

وشهدت أغلب شوارع وأحياء صنعاء ومدينة الحديدة (غرب) إجراءات أمنية مشددة، وانتشاراً للعربات التابعة لأجهزة أمن الجماعة، وتكثيف أعمال تفتيش المارة والسيارات، وإغلاق بعض الشوارع والمنافذ.

ووفقاً لتقدير المصادر، فإن هذه الإجراءات ترتبط بمخاوف الجماعة من رد الجيش اليمني على التصعيد الذي أقدمت عليه الجماعة بدعم من النظام الإيراني، وذلك باختراق السيادة اليمنية وإرسال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء دون إذن من السلطات الشرعية.

كما شهدت مدينة الحديدة اعتقالات على نحو واسع النطاق طالت العشرات من السكان في عدد من الأحياء والشوارع المحيطة بالمطار، دون الكشف عن الأسباب والدوافع، في حين رجّح متابعون أن المستهدفين بالحملة ممن التقطوا صوراً بهواتفهم لهبوط الطائرة الإيرانية ونشروها في مواقع التواصل الاجتماعي.

الجماعة الحوثية نفَّذت حملات اعتقال وانتشار أمني بعد أزمة الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

وقال شاهد عيان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة كثفت من انتشارها في مختلف الشوارع والأحياء، خصوصاً جهة الشرق، بالقرب من المطار، وأوقفت العشرات لتفتيش هواتفهم.

حسابات التصعيد

قوبلت الإجراءات الحوثية والإيرانية بغضب واستنكار واسعين؛ لما تمثله من تعقيد للأزمة اليمنية وزيادة لمعاناة السكان في ظل تردي الأحوال المعيشية وتراجع المساعدات الإغاثية الدولية.

وتحدث سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفهم من أن تؤدي الخطوات التصعيدية الحوثية، والعمليات العدائية ضد منشآت حيوية في جنوب السعودية، إلى المزيد من التدهور الاقتصادي وأزمات في المواد والسلع الضرورية.

وفسّر مدرس وأكاديمي في جامعة صنعاء الأعمال التصعيدية الحوثية بمحاولة فرض شروط معقدة لأي تسوية سياسية متوقعة في المستقبل، حيث تحاول الجماعة تحسين وضعها التفاوضي بعدما واجهته من خسائر اقتصادية وعسكرية بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية رداً على عملياتها في البحر الأحمر والمواجهة التي اصطنعتها مع تل أبيب.

الجيش اليمني منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء بعدد من الضربات (أ.ف.ب)

وذهب الأكاديمي الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته؛ حفاظاً على سلامته، إلى أن الجماعة توجه رسائل اختبار لقياس ردات الفعل المحلية والإقليمية والدولية، وأن ثمة احتمالات لأن تكون تلقت توجيهات إيرانية بذلك، للحصول على مكاسب مزدوجة للطرفين في ظل التوتر الذي ما يزال قائماً في المنطقة.

وبيَّن الأكاديمي، أن قادة الجماعة الحوثية الذين يسيطرون على جامعة صنعاء، يتناقلون يومياً أحاديث عن لقاءاتهم بقيادات عليا أو تلقيهم اتصالات تحثهم على المزيد من التعبئة في أوساط الطلاب وموظفي الجامعة والأكاديميين.

وكشف عن استعدادات كبيرة كانت الجماعة تجريها لتنظيم حفل استقبال كبير لوفدها العائد من طهران في مطار صنعاء، قبل أن تضطر إلى إلغائه بعد تلقيها تحذيرات بعدم السماح بهبوط الطائرة فيه.

ويخشى اليمنيون أن يقود هذا التصعيد إلى مزيد من التشديدات الأمنية وتقييد الحريات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الإنسانية؛ ما يجعل المدنيين الطرف الأكثر تأثراً بأي مواجهة أو حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود اليمن.


تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع عودة التصعيد العسكري للحوثيين، بالتزامن مع تداعيات استئناف الحرب على إيران، التي بدأت تلقي بظلالها على حركة التجارة وإمدادات السلع إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من اتساع رقعة الجوع وتراجع قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة بسبب النقص الحاد في التمويل.

وقالت مصادر حكومية وأخرى تجارية لـ«الشرق الأوسط» إن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى البلاد، مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن مئات الحاويات لا تزال عالقة في موانئ إقليمية منذ أشهر نتيجة تعطل خطوط الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، في حين تتصاعد المخاوف من تأخر وصول شحنات جديدة وارتفاع إضافي في تكاليف النقل.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار السلع، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، في وقت يعاني فيه السكان أصلاً تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.

الحوثيون يصعّدون رغم التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الجولة الأولى من الحرب بأكثر من 20 في المائة، في حين كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد فرض الجماعة رسوماً جمركية مرتفعة على شحنات القمح والدقيق الواردة عبر الموانئ الخاضعة للحكومة، تجاوزت 100 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار الدقيق، وهو الغذاء الرئيسي لمعظم السكان، ولا سيما في المحافظات الجبلية.

تحذيرات أممية

وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع انعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقرير أممي حديث، فإن استمرار النزاع، وتراجع التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الواردات، عوامل تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من الفقر والجوع، ما لم تتوفر موارد إضافية تضمن استمرار برامج الإغاثة.

وأشار التقرير إلى أن 18.3 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع توقع انتقال مزيد من المديريات إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، ووصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية من الجوع.

كما أوضح أن 22.3 مليون شخص -يمثلون أكثر من ثلثي سكان اليمن- سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، بينهم 5.2 مليون نازح داخلياً، إضافة إلى المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

تمويل متراجع

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة، إذ لم يتجاوز ما جرى توفيره حتى نهاية مايو (أيار) 12.7 في المائة من إجمالي 2.16 مليار دولار تحتاج إليها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، الأمر الذي دفع وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها وحصر تدخلاتها بالحالات الأشد احتياجاً.

الأطفال والنساء يظلون الأكثر تضرراً من سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن الأطفال والنساء يظلون الفئة الأكثر تضرراً في اليمن، مع توقع إصابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 500 ألف يعانون سوء التغذية الوخيم، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة معرضات لسوء التغذية.

وأضاف التقرير الأممي أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية في اليمن أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، في وقت يزيد فيه استمرار تفشي الكوليرا والحصبة والدفتيريا، إلى جانب تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي.