الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء

باب المفاجآت مفتوح... والمعارك الكبرى ضمن المكون الشيعي

الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء
TT

الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء

الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء

خاض العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وحتى اليوم 3 دورات انتخابية برلمانية، تشكلت على أثرها 4 حكومات، هي حكومة إبراهيم الجعفري عام 2005 التي لم تستمر سوى بضعة شهور، وحكومتا نوري المالكي (2006 - 2010)، (2010 - 2014)، وحكومة حيدر العبادي الحالية (2014 - 2018). واليوم يتأهب العراقيون (36 مليون نسمة) إلى خوض الاستحقاق الانتخابي الرابع، وسط منافسة وصلت إلى حد التسقيط السياسي والأخلاقي والتهديد بالسلاح وهي الأشرس بالقياس إلى الدورات الماضية.

تبدو الانتخابات البرلمانية العراقية، المقرر إجراؤها في 12 مايو (أيار) المقبل، كأنها أشبه بانتخاب رئيس وزراء أكثر من كونها انتخابات برلمانية ستؤدي في النهاية إلى اختيار مرشح الكتلة النيابية الأكثر نواباً، طبقاً لقواعد اللعبة الديمقراطية.
الأسباب والعوامل التي تقف خلف ذلك كثيرة، أبرزها أن المناصب السيادية الثلاثة الرئيسية في البلاد (رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس البرلمان) توافقية مسبقاً لجهة احتكارها من قبل المكوّنات العرقية والمذهبية الثلاثة الأكبر في البلاد، أي الشيعة والسنّة والكرد. ولأن رئاسة الحكومة هي المنصب التنفيذي الأهم في البلاد، ولكونه محسوماً للشيعة طبقاً لقاعدة الأكثرية (المذهبية) لا السياسية - مثلما يجري الترويج له، فإن ثمة أهمية قصوى لمسألة من سيكون رئيس الوزراء المقبل بصرف النظر عن حجم الكتلة البرلمانية، صغرت أم كبرت.
صحيح أن رئيس الوزراء يفترض ألاّ يخرج عن الكتل الشيعية الخمس («النصر» بزعامة حيدر العبادي، و«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«الفتح» بزعامة هادي العامري، و«سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، و«الحكمة» بزعامة عمار الحكيم)، غير أن باب المفاجآت هذه المرة مفتوح هذه المرة أكثر منه في أي مرة سابقة.

- «الدعوة»... إلى أين؟
خلال الدورات البرلمانية الثلاث السابقة، كان المنصب ليس فقط حكراً على الشيعة، بل كان حكراً بالتحديد على كتلة «دولة القانون» و«حزب الدعوة» حصراً، الأمر الذي يرى فيه كثيرون غير منطقي أن يستمر. ممّا سهل هذه الفرضية هو الخلاف الشديد داخل «الدعوة» و«دولة القانون» بين المالكي والعبادي، الذي جعل «الدعوة» الطرف الأضعف في هذه المعادلة، بينما يبدو موقف العبادي قوياً لجهة حصوله على ولاية ثانية... ولكن شريطة خروجه من حزب «الدعوة». هذه بعض ملامح المشهد الانتخابي، حيث يقوم الآن نحو 7 آلاف مرشح يمثلون أكثر من 200 كيان بعرض برامجهم في سياق الدعاية الانتخابية التي تستمر حتى يوم 11 من الشهر المقبل.

- أصحاب القرار
على الرغم من أن المتداول من توقعات بين مختلف الأوساط السياسية والإعلامية وبعض استطلاعات الرأي يكاد لا يخرج عن القطع بتقارب الحجوم هذه المرة، وهذا أمر يفترض أن يعقّد عملية تشكيل الحكومة المقبلة، ولكن في سياق ما قررته المحكمة الاتحادية العليا بشأن التوقيتات الدستورية التي تلزم الكتل السياسية بألا يتعدى تشكيل الحكومة أكثر من شهرين بعد إعلان نتائج الانتخابات والمصادقة عليها. التقارب المتوقع في الحجوم لم يمنع من الحديث عن إمكانية تدخل العامل الخارجي في تشكيل الحكومة المقبلة في العراق. وهنا لا يكاد ينقسم المراقبون السياسيون كثيراً بشأن ذلك، إذ إن غالبية الترجيحات تشير إلى أن أصحاب القرار في أمر تشكيل الحكومة المقبلة هم الولايات المتحدة الأميركية وإيران بالدرجة الأولى.
إيران التي يقوم كبار مسؤوليها بزيارات متواصلة إلى العراق علنية وسرّية لا تريد للبيت الشيعي أن يتفكك، رغم انقسام «التحالف الوطني»، الذي يمثل البيت الشيعي، إلى 5 كتل متنافسة تنافساً قل مثيله في كل الدورات الانتخابية الماضية.
أما الولايات المتحدة، التي ستقول كلمتها بشأن الموقف من الملف النووي الإيراني يوم 12 مايو المقبل - وهو اليوم نفسه الذي ستجرى فيه الانتخابات العراقية -، فأعلنت على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت في مؤتمرها الصحافي الأسبوعي من واشنطن، أن الولايات المتحدة «ستتعامل» مع أي مرشح يفوز في الانتخابات التشريعية العراقية. ولفتت إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب لا تميل لدعم مرشح محدّد لترؤس الحكومة المقبلة في العراق. وتابعت نويرت، مشددة: «واشنطن ستتعامل مع أي مرشح تفرزه نتائج الانتخابات».

- الرئاسات الثلاث
وبين أن يكون القرار عراقياً داخلياً لجهة تشكيل الحكومة، أو خارجياً بأي شكل من الأشكال، فإنه إذا كان منصب رئاسة الحكومة محسوماً للشيعة - بوصفهم يشكلون الغالبية السكانية في البلاد، وتالياً الغالبية البرلمانية - فإن أمر منصبي رئاسة الجمهورية الذي يتولاه اليوم شخصية كردية (الدكتور فؤاد معصوم) والبرلمان الذي يتولاه شخصية سنية (الدكتور سليم الجبوري) ما زال بعيداً عن الحسم. والقصد أنه من غير المحسوم ما إذا كانا سيبقيان لدى الكرد (رئاسة الجمهورية) ولدى السنّة (رئاسة البرلمان).
وهنا يقول محمد الكربولي، النائب عن محافظة الأنبار، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «العرب السنة من حيث المبدأ ليسوا متمسكين بأي من المنصبين؛ رئاسة الجمهورية أو رئاسة البرلمان... ويمكن أن يتم تبادل الأدوار ما دام الأمر في النهاية يخضع للتوافق السياسي». وفي حين يرى الكربولي أن «رئاسة البرلمان يمكن أن تكون مفيدة للعرب السنّة ضمن سياق معين، فإننا نفضل رئاسة الجمهورية لأنها أكثر قدرة على تحقيق بعض مصالح العرب السنّة، خصوصاً لجهة بعض القرارات والقوانين والإجراءات مثل العفو الخاص الذي يشمل الأبرياء، لأن هناك كثيراً من الأبرياء الموجودين في السجون ينبغي أن يخرجوا».

- باب المفاجآت المفتوح
التصوّر المستقبلي لشكل وملامح الانتخابات المقبلة، على أي حال، يبدو غير واضح المعالم، على الرغم من كثرة التوقعات بشأن الحجوم النهائية للكتل.
والواقع أن الحملة الانتخابية الدعائية، بالطريقة التسقيطية القاسية التي تجري بها الآن، تعبّر عن حجم القلق الذي يعيشه الجميع لجهة كيف يمكن أن تمضي الأمور. وفي هذا السياق، يرى النائب صلاح الجبوري من كتلة «تحالف القوى العراقية»، الذي يخوض الانتخابات حالياً عن محافظة ديالى ضمن كتلة «ديالى هويتنا» في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «المعطيات لحد الآن غير واضحة بشكل كبير، لكن كل التوقعات تشير إلى أن نتائج المقاعد ستكون متقاربة بين الكتل... خصوصاً بالنسبة للتحالف الوطني بحيث لن تتجاوز أي كتلة حاجز 45 مقعداً».
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت الكتل السياسية ستعود بعد إعلان النتائج إلى خريطتها القديمة، لم يستبعد الجبوري ذلك، لا سيما أن رئاسة الحكومة محسومة للشيعة... وبالتالي لا بد أنهم سيشكلون الكتلة النيابية الأكثر عدداً. بينما يرى أن «العرب السنّة يمكن أن يعودوا إلى تحالف سنّي واحد بعد إعلان النتائج».
وفي السياق نفسه، يرى محمد جميل المياحي، الناطق الرسمي باسم تيار «الحكمة» الذي يتزعمه عمار الحكيم في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «الحجوم بدت واضحة إلى حد كبير، ومن ثم، فإن مسار التحالفات بدأ حراكه منذ الآن». وبيّن المياحي أن «ما يجري الآن هو في واقع الأمر مرحلة تفاهم قوى سياسية فيما بينها تروم الاتفاق على مبادئ معينة لغرض تشكيل الحكومة... ومن ثم توضع الآلية المناسبة لاختيار رئيس الوزراء». وحول ما إذا كان تيار «الحكمة» يميل إلى حكومة الغالبية السياسية التي تنادي بها أطراف عراقية كثيرة في محاولة منها لتخطي عقدة المحاصصة الطائفية والعرقية، يقول المياحي: «إننا في تيار الحكمة لن ندخل مشروعاً سياسياً لا يحقق الأغلبية». غير أن النائبة الكردية سروة عبد الواحد قالت لـ«الشرق الأوسط» عندما التقيناها: «البرامج الانتخابية لم تتغير كثيراً عن سابقاتها التي طرحتها الأحزاب المشاركة في الانتخابات السابقة. والجميع يتحدث عن محاربة الفساد... لكن دون أن يحددوا نوع البرنامج المعتمد للقضاء على الفساد، ولا أحد يذكر كيفية بناء الدولة ومؤسساتها». وتضيف عبد الواحد: «قناعتي أن هذه البرامج تبقى حبراً على الورق لحين تنفيذها بعد الانتخابات». وبشأن الدعاية الانتخابية وما يمكن أن تعبر عنه في سياق التنافس، ترى عبد الواحد أن «الدعاية الانتخابية، بدورها، تتجاوز على الحق العام... وهناك خروق كثيرة لضوابط المفوضية، وهناك من يخرق القوانين أيضاً. وما يلفت النظر حجم التسقيط السياسي الذي يشارك به الجميع بمراحل مختلفة». وبينت النائبة الكردية أن «ما تتعرض له النساء المشاركات في الانتخابات وقتل شخصية المرأة من خلال نشر الصور المفبركة ومسّ الحياة العامة للمرأة من الأمور المؤشرة إلى أنهم يريدون تخويفها من المشاركة السياسية».

- حظوظ التيارات المدنية
وبشأن حظوظ التيار المدني وتراجع الخطاب الديني بالقياس إلى الدورات الماضية، يقول رائد فهمي، السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التيارات المدنية دخلت الانتخابات المقبلة بصورة غير موحّدة، بينما المفاجأة قد تبدو في تحالف (سائرون) الذي تحالفنا معه... ذلك أنه وإن كان تياراً إسلامياً، فإنه تحالف مع تيار مدني. وهذا تطوّر مهمٌ، إذ إن التمثيل هو جزء من مشروعنا السياسي». ويضيف فهمي أن «الإطار العام هو أن الخطاب المدني سيفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى، لأنه لا يمكن إعادة إنتاج الحالة السابقة نفسها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إلى أي مدى يمكن أن يكون ذلك؟». فهمي يعتقد أن «هناك مؤشرات كثيرة على ذلك، من بينها أن الشحن الطائفي تراجع كثيراً... ومن حاول إحياء المشروع الطائفي فشل تماماً ولم يستجب له أحد، كما أن مساحات الحريات اتسعت، وكذلك حالة الاعتراف بالآخر». ويؤكد أخيراً أن «مثل هذه الأمور بدأت تنعكس على مستوى السلوك الاجتماعي... وإن كانت ما زالت بحاجة إلى أن تترسخ سلوكاً سياسياً يمكن أن يخرجنا من عنق زجاجة المحاصصة».

- لماذا رئاسة الوزراء؟
كما سبقت الإشارة، الجزء الأكبر من الصراع المحتدم حالياً، لا سيما بين الكتل الشيعية الخمس الرئيسية - أي «النصر» بزعامة حيدر العبادي، و«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«الفتح» بزعامة هادي العامري، و«سائرون» المدعومة من مقتدى الصدر، و«الحكمة» المدعومة من عمار الحكيم - إنما هو الوصول إلى رئاسة الوزراء، سواءً تحقق ذلك عن طريق الغالبية السياسية التي يدعو إليها المالكي، أو الغالبية الوطنية التي يدعو إليها الحكيم، أو الشراكة الوطنية التي يدعو إليها العبادي.
كل طرف من هؤلاء، بما فيهم «الفتح» بزعامة هادي العامري، أو «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، له حلفاؤه من السنّة والأكراد... وإن بدرجات مختلفة.
لقد كانت الدورات البرلمانية السابقة تهدف إلى تشكيل كتلة شيعية أكبر داخل البرلمان، ثم يجري بسهولة نسبية اختيار مرشح إحدى الكتل الشيعية لمنصب رئاسة الوزراء مقابل تقاسم بقية المناصب داخل البيت الشيعي. إلا أن الأمر يبدو مختلفاً الآن لأسباب كثيرة، من بينها: تشظي الكتل كلها بمختلف تسمياتها، بما بات يعني إمكانية تشكيل تحالف عابر للعرقية والطائفية مع بقاء منصب رئيس الوزراء لشخصية شيعية. والفرق هنا يبدو كبيراً بين أن يكون المرشح لرئاسة الوزراء من قبل كتلة أكبر داخل البيت الشيعي يمكنها أن تتحكم بتحركاته طوال فترة حكمه حتى بافتراض وجود صلاحيات واسعة لديه، ومرشح شيعي يمكن أن يكون مستقلاً في حال تعذر الاتفاق على مرشح من كتلة معينة أو مرشح كتلة، لكن ليس ضمن شروطها.
ولذلك فإن من بين ما يجري تداوله من أفكار هو إمكانية أن يكون رئيس الوزراء المقبل من خارج البرلمان، وهو ما قد يعني شخصية مستقلة. ومع أن رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي يسعى لولاية ثانية، ولا يخفي أنصاره ذلك، فإن لدى المالكي مرشحين لرئاسة الحكومة ما لم يغير هو رأيه في آخر لحظة فيطرح نفسه مرشحاً إذا حصل ائتلافه (دولة القانون) على عدد من المقاعد يسمح له بالمناورة. وفي هذه الأثناء، يسعى تحالف «الفتح» إلى طرح مرشحين لرئاسة الحكومة المقبلة، ربما أبرزهم هادي العامري، ومثله منافساه «الحكمة» بزعامة الحكيم و«سائرون» بزعامة الصدر، اللذان لم يعلنا حتى الآن عن أسماء للتنافس.

- العودة إلى الاصطفاف
وفي هذا السياق، يوضح السياسي والأكاديمي العراقي الدكتور نديم الجابري في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن موضوع «تشكيل الحكومة لا يرتبط بمجرد تشكيل كتلة أكبر، بل هناك موازنات صعبة مع كتل وكيانات ومكونات لا بد منها». ولا يستبعد الجابري عودة هذه الأطراف إلى «الاصطفافات والتقوقع الطائفي، لأنها ورغم كل الحديث عن الكتل العابرة، تحولت إلى منظومة ثابتة من الصعب تخطيها... ثم إن عملية تشكيل الحكومة خلال الانتخابات المقبلة سوف تكون صعبة بسبب التقارب النسبي بين الكتل، خصوصاً أنه لن تكون هناك كتلة كبيرة في الغالب». وهنا تبرز مسألة الولاية الثالثة للمالكي والثانية للعبادي «حجر الزاوية» في المشهد السياسي داخل القوى الشيعية... من منطلق أن رئيس الوزراء هو الذي ترشحه الكتلة النيابية الأكبر. وحقاً، ما دام لا توجد فرصة حتى المدى المنظور لتشكيل مثل هذه الكتلة وفقاً للمعايير الوطنية، فإن الصراع بشأن المنصب التنفيذي الأهم بالدولة، أي رئاسة الوزراء، سيبقى محصوراً في الدائرة الشيعية.

- الكتل الرئيسية المشاركة في الانتخابات العراقية
أولاً: الكتل الشيعية
1 - «النصر» بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، ولقد دخلت في 18 محافظة عراقية بما فيها محافظات إقليم كردستان. تضم الكتلة قيادات بارزة من «حزب الدعوة»، بالإضافة إلى شخصيات سياسية، من بينها آراس حبيب كريم أمين عام المؤتمر الوطني العراقي، وبعض قيادات حزب الدعوة من بينهم عباس البياتي وعلي العلاق ووليد الحلي، وشخصيات سنية من بينهم وزير الدفاع السابق خالد العبيدي.
2 - «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، وتضم قيادات من «حزب الدعوة» مثل خلف عبد الصمد، و«الدعوة تنظيم العراق» مثل محمد شياع السوداني وزير العمل والشؤون الاجتماعية وخالد الأسدي.
3 - «الفتح» بزعامة هادي العامري، وتضم غالبية فصائل «الحشد الشعبي».
4 - «سائرون» المدعومة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وتضم عدة أحزاب منها «الاستقامة» بزعامة حسن العاقولي، والحزب الشيوعي العراقي بزعامة رائد فهمي، و«التجمع الجمهوري» بزعامة سعد عاصم الجنابي، وحزب «الدولة العادلة» بزعامة قحطان الجبوري.
5 - تيار «الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، الذي اعتمد في غالبيته على الشباب، ومن أبرز الشخصيات التي يضمها هذا التيار وزير الرياضة والشباب عبد الحسين عبطان.

ثانياً: الكتل السنّية (الكتل الأبرز)
1 - «تحالف القرار العراقي» بزعامة أسامة النجيفي، ويضم عدة قوى وأحزاب سنية في المحافظات الغربية، ومن أبرز الشخصيات المنضوية فيه ظافر العاني وأحمد المساري وسلمان الجميلي.
2 - «تحالف بغداد»، ويضم من بين رموزه رئيس البرلمان الأسبق محمود المشهداني، بالإضافة إلى النائبة الكردية آلاء طالباني التي فضلت الترشح عن بغداد.
3 - كتل وتحالفات سنّية تحت تسميات «الأنبار هويتنا» و«ديالى هويتنا» و«نينوى هويتنا» و«صلاح الدين هويتنا».

ثالثاً: الكتل المختلطة
1 - ائتلاف «الوطنية»، يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، ومن أبرز رموزه رئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري.
2 - «تحالف تمدن» وهو يضم عدداً من القوى المدنية بزعامة النائب فائق الشيخ علي، وبين شخصياته النائب عن نينوى أحمد الجبوري والنائبة عن بغداد شروق العبايجي.
رابعاً: الكتل الكردستانية في محافظات إقليم كردستان
1 - الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني.
2 - الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة كوسرت رسول.
3 - «التحالف من أجل الديمقراطية» بزعامة برهم صالح.
4 - «حركة التغيير».
5 - «الجماعة الإسلامية».

- مجموع عدد الكيانات والأحزاب والكتل 216، وعدد المرشحين 7 آلاف مرشح.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.