الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء

باب المفاجآت مفتوح... والمعارك الكبرى ضمن المكون الشيعي

الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء
TT

الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء

الانتخابات العراقية... الطريق الطويلة إلى رئاسة الوزراء

خاض العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وحتى اليوم 3 دورات انتخابية برلمانية، تشكلت على أثرها 4 حكومات، هي حكومة إبراهيم الجعفري عام 2005 التي لم تستمر سوى بضعة شهور، وحكومتا نوري المالكي (2006 - 2010)، (2010 - 2014)، وحكومة حيدر العبادي الحالية (2014 - 2018). واليوم يتأهب العراقيون (36 مليون نسمة) إلى خوض الاستحقاق الانتخابي الرابع، وسط منافسة وصلت إلى حد التسقيط السياسي والأخلاقي والتهديد بالسلاح وهي الأشرس بالقياس إلى الدورات الماضية.

تبدو الانتخابات البرلمانية العراقية، المقرر إجراؤها في 12 مايو (أيار) المقبل، كأنها أشبه بانتخاب رئيس وزراء أكثر من كونها انتخابات برلمانية ستؤدي في النهاية إلى اختيار مرشح الكتلة النيابية الأكثر نواباً، طبقاً لقواعد اللعبة الديمقراطية.
الأسباب والعوامل التي تقف خلف ذلك كثيرة، أبرزها أن المناصب السيادية الثلاثة الرئيسية في البلاد (رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس البرلمان) توافقية مسبقاً لجهة احتكارها من قبل المكوّنات العرقية والمذهبية الثلاثة الأكبر في البلاد، أي الشيعة والسنّة والكرد. ولأن رئاسة الحكومة هي المنصب التنفيذي الأهم في البلاد، ولكونه محسوماً للشيعة طبقاً لقاعدة الأكثرية (المذهبية) لا السياسية - مثلما يجري الترويج له، فإن ثمة أهمية قصوى لمسألة من سيكون رئيس الوزراء المقبل بصرف النظر عن حجم الكتلة البرلمانية، صغرت أم كبرت.
صحيح أن رئيس الوزراء يفترض ألاّ يخرج عن الكتل الشيعية الخمس («النصر» بزعامة حيدر العبادي، و«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«الفتح» بزعامة هادي العامري، و«سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، و«الحكمة» بزعامة عمار الحكيم)، غير أن باب المفاجآت هذه المرة مفتوح هذه المرة أكثر منه في أي مرة سابقة.

- «الدعوة»... إلى أين؟
خلال الدورات البرلمانية الثلاث السابقة، كان المنصب ليس فقط حكراً على الشيعة، بل كان حكراً بالتحديد على كتلة «دولة القانون» و«حزب الدعوة» حصراً، الأمر الذي يرى فيه كثيرون غير منطقي أن يستمر. ممّا سهل هذه الفرضية هو الخلاف الشديد داخل «الدعوة» و«دولة القانون» بين المالكي والعبادي، الذي جعل «الدعوة» الطرف الأضعف في هذه المعادلة، بينما يبدو موقف العبادي قوياً لجهة حصوله على ولاية ثانية... ولكن شريطة خروجه من حزب «الدعوة». هذه بعض ملامح المشهد الانتخابي، حيث يقوم الآن نحو 7 آلاف مرشح يمثلون أكثر من 200 كيان بعرض برامجهم في سياق الدعاية الانتخابية التي تستمر حتى يوم 11 من الشهر المقبل.

- أصحاب القرار
على الرغم من أن المتداول من توقعات بين مختلف الأوساط السياسية والإعلامية وبعض استطلاعات الرأي يكاد لا يخرج عن القطع بتقارب الحجوم هذه المرة، وهذا أمر يفترض أن يعقّد عملية تشكيل الحكومة المقبلة، ولكن في سياق ما قررته المحكمة الاتحادية العليا بشأن التوقيتات الدستورية التي تلزم الكتل السياسية بألا يتعدى تشكيل الحكومة أكثر من شهرين بعد إعلان نتائج الانتخابات والمصادقة عليها. التقارب المتوقع في الحجوم لم يمنع من الحديث عن إمكانية تدخل العامل الخارجي في تشكيل الحكومة المقبلة في العراق. وهنا لا يكاد ينقسم المراقبون السياسيون كثيراً بشأن ذلك، إذ إن غالبية الترجيحات تشير إلى أن أصحاب القرار في أمر تشكيل الحكومة المقبلة هم الولايات المتحدة الأميركية وإيران بالدرجة الأولى.
إيران التي يقوم كبار مسؤوليها بزيارات متواصلة إلى العراق علنية وسرّية لا تريد للبيت الشيعي أن يتفكك، رغم انقسام «التحالف الوطني»، الذي يمثل البيت الشيعي، إلى 5 كتل متنافسة تنافساً قل مثيله في كل الدورات الانتخابية الماضية.
أما الولايات المتحدة، التي ستقول كلمتها بشأن الموقف من الملف النووي الإيراني يوم 12 مايو المقبل - وهو اليوم نفسه الذي ستجرى فيه الانتخابات العراقية -، فأعلنت على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت في مؤتمرها الصحافي الأسبوعي من واشنطن، أن الولايات المتحدة «ستتعامل» مع أي مرشح يفوز في الانتخابات التشريعية العراقية. ولفتت إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب لا تميل لدعم مرشح محدّد لترؤس الحكومة المقبلة في العراق. وتابعت نويرت، مشددة: «واشنطن ستتعامل مع أي مرشح تفرزه نتائج الانتخابات».

- الرئاسات الثلاث
وبين أن يكون القرار عراقياً داخلياً لجهة تشكيل الحكومة، أو خارجياً بأي شكل من الأشكال، فإنه إذا كان منصب رئاسة الحكومة محسوماً للشيعة - بوصفهم يشكلون الغالبية السكانية في البلاد، وتالياً الغالبية البرلمانية - فإن أمر منصبي رئاسة الجمهورية الذي يتولاه اليوم شخصية كردية (الدكتور فؤاد معصوم) والبرلمان الذي يتولاه شخصية سنية (الدكتور سليم الجبوري) ما زال بعيداً عن الحسم. والقصد أنه من غير المحسوم ما إذا كانا سيبقيان لدى الكرد (رئاسة الجمهورية) ولدى السنّة (رئاسة البرلمان).
وهنا يقول محمد الكربولي، النائب عن محافظة الأنبار، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «العرب السنة من حيث المبدأ ليسوا متمسكين بأي من المنصبين؛ رئاسة الجمهورية أو رئاسة البرلمان... ويمكن أن يتم تبادل الأدوار ما دام الأمر في النهاية يخضع للتوافق السياسي». وفي حين يرى الكربولي أن «رئاسة البرلمان يمكن أن تكون مفيدة للعرب السنّة ضمن سياق معين، فإننا نفضل رئاسة الجمهورية لأنها أكثر قدرة على تحقيق بعض مصالح العرب السنّة، خصوصاً لجهة بعض القرارات والقوانين والإجراءات مثل العفو الخاص الذي يشمل الأبرياء، لأن هناك كثيراً من الأبرياء الموجودين في السجون ينبغي أن يخرجوا».

- باب المفاجآت المفتوح
التصوّر المستقبلي لشكل وملامح الانتخابات المقبلة، على أي حال، يبدو غير واضح المعالم، على الرغم من كثرة التوقعات بشأن الحجوم النهائية للكتل.
والواقع أن الحملة الانتخابية الدعائية، بالطريقة التسقيطية القاسية التي تجري بها الآن، تعبّر عن حجم القلق الذي يعيشه الجميع لجهة كيف يمكن أن تمضي الأمور. وفي هذا السياق، يرى النائب صلاح الجبوري من كتلة «تحالف القوى العراقية»، الذي يخوض الانتخابات حالياً عن محافظة ديالى ضمن كتلة «ديالى هويتنا» في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «المعطيات لحد الآن غير واضحة بشكل كبير، لكن كل التوقعات تشير إلى أن نتائج المقاعد ستكون متقاربة بين الكتل... خصوصاً بالنسبة للتحالف الوطني بحيث لن تتجاوز أي كتلة حاجز 45 مقعداً».
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت الكتل السياسية ستعود بعد إعلان النتائج إلى خريطتها القديمة، لم يستبعد الجبوري ذلك، لا سيما أن رئاسة الحكومة محسومة للشيعة... وبالتالي لا بد أنهم سيشكلون الكتلة النيابية الأكثر عدداً. بينما يرى أن «العرب السنّة يمكن أن يعودوا إلى تحالف سنّي واحد بعد إعلان النتائج».
وفي السياق نفسه، يرى محمد جميل المياحي، الناطق الرسمي باسم تيار «الحكمة» الذي يتزعمه عمار الحكيم في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «الحجوم بدت واضحة إلى حد كبير، ومن ثم، فإن مسار التحالفات بدأ حراكه منذ الآن». وبيّن المياحي أن «ما يجري الآن هو في واقع الأمر مرحلة تفاهم قوى سياسية فيما بينها تروم الاتفاق على مبادئ معينة لغرض تشكيل الحكومة... ومن ثم توضع الآلية المناسبة لاختيار رئيس الوزراء». وحول ما إذا كان تيار «الحكمة» يميل إلى حكومة الغالبية السياسية التي تنادي بها أطراف عراقية كثيرة في محاولة منها لتخطي عقدة المحاصصة الطائفية والعرقية، يقول المياحي: «إننا في تيار الحكمة لن ندخل مشروعاً سياسياً لا يحقق الأغلبية». غير أن النائبة الكردية سروة عبد الواحد قالت لـ«الشرق الأوسط» عندما التقيناها: «البرامج الانتخابية لم تتغير كثيراً عن سابقاتها التي طرحتها الأحزاب المشاركة في الانتخابات السابقة. والجميع يتحدث عن محاربة الفساد... لكن دون أن يحددوا نوع البرنامج المعتمد للقضاء على الفساد، ولا أحد يذكر كيفية بناء الدولة ومؤسساتها». وتضيف عبد الواحد: «قناعتي أن هذه البرامج تبقى حبراً على الورق لحين تنفيذها بعد الانتخابات». وبشأن الدعاية الانتخابية وما يمكن أن تعبر عنه في سياق التنافس، ترى عبد الواحد أن «الدعاية الانتخابية، بدورها، تتجاوز على الحق العام... وهناك خروق كثيرة لضوابط المفوضية، وهناك من يخرق القوانين أيضاً. وما يلفت النظر حجم التسقيط السياسي الذي يشارك به الجميع بمراحل مختلفة». وبينت النائبة الكردية أن «ما تتعرض له النساء المشاركات في الانتخابات وقتل شخصية المرأة من خلال نشر الصور المفبركة ومسّ الحياة العامة للمرأة من الأمور المؤشرة إلى أنهم يريدون تخويفها من المشاركة السياسية».

- حظوظ التيارات المدنية
وبشأن حظوظ التيار المدني وتراجع الخطاب الديني بالقياس إلى الدورات الماضية، يقول رائد فهمي، السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التيارات المدنية دخلت الانتخابات المقبلة بصورة غير موحّدة، بينما المفاجأة قد تبدو في تحالف (سائرون) الذي تحالفنا معه... ذلك أنه وإن كان تياراً إسلامياً، فإنه تحالف مع تيار مدني. وهذا تطوّر مهمٌ، إذ إن التمثيل هو جزء من مشروعنا السياسي». ويضيف فهمي أن «الإطار العام هو أن الخطاب المدني سيفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى، لأنه لا يمكن إعادة إنتاج الحالة السابقة نفسها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إلى أي مدى يمكن أن يكون ذلك؟». فهمي يعتقد أن «هناك مؤشرات كثيرة على ذلك، من بينها أن الشحن الطائفي تراجع كثيراً... ومن حاول إحياء المشروع الطائفي فشل تماماً ولم يستجب له أحد، كما أن مساحات الحريات اتسعت، وكذلك حالة الاعتراف بالآخر». ويؤكد أخيراً أن «مثل هذه الأمور بدأت تنعكس على مستوى السلوك الاجتماعي... وإن كانت ما زالت بحاجة إلى أن تترسخ سلوكاً سياسياً يمكن أن يخرجنا من عنق زجاجة المحاصصة».

- لماذا رئاسة الوزراء؟
كما سبقت الإشارة، الجزء الأكبر من الصراع المحتدم حالياً، لا سيما بين الكتل الشيعية الخمس الرئيسية - أي «النصر» بزعامة حيدر العبادي، و«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«الفتح» بزعامة هادي العامري، و«سائرون» المدعومة من مقتدى الصدر، و«الحكمة» المدعومة من عمار الحكيم - إنما هو الوصول إلى رئاسة الوزراء، سواءً تحقق ذلك عن طريق الغالبية السياسية التي يدعو إليها المالكي، أو الغالبية الوطنية التي يدعو إليها الحكيم، أو الشراكة الوطنية التي يدعو إليها العبادي.
كل طرف من هؤلاء، بما فيهم «الفتح» بزعامة هادي العامري، أو «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، له حلفاؤه من السنّة والأكراد... وإن بدرجات مختلفة.
لقد كانت الدورات البرلمانية السابقة تهدف إلى تشكيل كتلة شيعية أكبر داخل البرلمان، ثم يجري بسهولة نسبية اختيار مرشح إحدى الكتل الشيعية لمنصب رئاسة الوزراء مقابل تقاسم بقية المناصب داخل البيت الشيعي. إلا أن الأمر يبدو مختلفاً الآن لأسباب كثيرة، من بينها: تشظي الكتل كلها بمختلف تسمياتها، بما بات يعني إمكانية تشكيل تحالف عابر للعرقية والطائفية مع بقاء منصب رئيس الوزراء لشخصية شيعية. والفرق هنا يبدو كبيراً بين أن يكون المرشح لرئاسة الوزراء من قبل كتلة أكبر داخل البيت الشيعي يمكنها أن تتحكم بتحركاته طوال فترة حكمه حتى بافتراض وجود صلاحيات واسعة لديه، ومرشح شيعي يمكن أن يكون مستقلاً في حال تعذر الاتفاق على مرشح من كتلة معينة أو مرشح كتلة، لكن ليس ضمن شروطها.
ولذلك فإن من بين ما يجري تداوله من أفكار هو إمكانية أن يكون رئيس الوزراء المقبل من خارج البرلمان، وهو ما قد يعني شخصية مستقلة. ومع أن رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي يسعى لولاية ثانية، ولا يخفي أنصاره ذلك، فإن لدى المالكي مرشحين لرئاسة الحكومة ما لم يغير هو رأيه في آخر لحظة فيطرح نفسه مرشحاً إذا حصل ائتلافه (دولة القانون) على عدد من المقاعد يسمح له بالمناورة. وفي هذه الأثناء، يسعى تحالف «الفتح» إلى طرح مرشحين لرئاسة الحكومة المقبلة، ربما أبرزهم هادي العامري، ومثله منافساه «الحكمة» بزعامة الحكيم و«سائرون» بزعامة الصدر، اللذان لم يعلنا حتى الآن عن أسماء للتنافس.

- العودة إلى الاصطفاف
وفي هذا السياق، يوضح السياسي والأكاديمي العراقي الدكتور نديم الجابري في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن موضوع «تشكيل الحكومة لا يرتبط بمجرد تشكيل كتلة أكبر، بل هناك موازنات صعبة مع كتل وكيانات ومكونات لا بد منها». ولا يستبعد الجابري عودة هذه الأطراف إلى «الاصطفافات والتقوقع الطائفي، لأنها ورغم كل الحديث عن الكتل العابرة، تحولت إلى منظومة ثابتة من الصعب تخطيها... ثم إن عملية تشكيل الحكومة خلال الانتخابات المقبلة سوف تكون صعبة بسبب التقارب النسبي بين الكتل، خصوصاً أنه لن تكون هناك كتلة كبيرة في الغالب». وهنا تبرز مسألة الولاية الثالثة للمالكي والثانية للعبادي «حجر الزاوية» في المشهد السياسي داخل القوى الشيعية... من منطلق أن رئيس الوزراء هو الذي ترشحه الكتلة النيابية الأكبر. وحقاً، ما دام لا توجد فرصة حتى المدى المنظور لتشكيل مثل هذه الكتلة وفقاً للمعايير الوطنية، فإن الصراع بشأن المنصب التنفيذي الأهم بالدولة، أي رئاسة الوزراء، سيبقى محصوراً في الدائرة الشيعية.

- الكتل الرئيسية المشاركة في الانتخابات العراقية
أولاً: الكتل الشيعية
1 - «النصر» بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، ولقد دخلت في 18 محافظة عراقية بما فيها محافظات إقليم كردستان. تضم الكتلة قيادات بارزة من «حزب الدعوة»، بالإضافة إلى شخصيات سياسية، من بينها آراس حبيب كريم أمين عام المؤتمر الوطني العراقي، وبعض قيادات حزب الدعوة من بينهم عباس البياتي وعلي العلاق ووليد الحلي، وشخصيات سنية من بينهم وزير الدفاع السابق خالد العبيدي.
2 - «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، وتضم قيادات من «حزب الدعوة» مثل خلف عبد الصمد، و«الدعوة تنظيم العراق» مثل محمد شياع السوداني وزير العمل والشؤون الاجتماعية وخالد الأسدي.
3 - «الفتح» بزعامة هادي العامري، وتضم غالبية فصائل «الحشد الشعبي».
4 - «سائرون» المدعومة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وتضم عدة أحزاب منها «الاستقامة» بزعامة حسن العاقولي، والحزب الشيوعي العراقي بزعامة رائد فهمي، و«التجمع الجمهوري» بزعامة سعد عاصم الجنابي، وحزب «الدولة العادلة» بزعامة قحطان الجبوري.
5 - تيار «الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، الذي اعتمد في غالبيته على الشباب، ومن أبرز الشخصيات التي يضمها هذا التيار وزير الرياضة والشباب عبد الحسين عبطان.

ثانياً: الكتل السنّية (الكتل الأبرز)
1 - «تحالف القرار العراقي» بزعامة أسامة النجيفي، ويضم عدة قوى وأحزاب سنية في المحافظات الغربية، ومن أبرز الشخصيات المنضوية فيه ظافر العاني وأحمد المساري وسلمان الجميلي.
2 - «تحالف بغداد»، ويضم من بين رموزه رئيس البرلمان الأسبق محمود المشهداني، بالإضافة إلى النائبة الكردية آلاء طالباني التي فضلت الترشح عن بغداد.
3 - كتل وتحالفات سنّية تحت تسميات «الأنبار هويتنا» و«ديالى هويتنا» و«نينوى هويتنا» و«صلاح الدين هويتنا».

ثالثاً: الكتل المختلطة
1 - ائتلاف «الوطنية»، يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، ومن أبرز رموزه رئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري.
2 - «تحالف تمدن» وهو يضم عدداً من القوى المدنية بزعامة النائب فائق الشيخ علي، وبين شخصياته النائب عن نينوى أحمد الجبوري والنائبة عن بغداد شروق العبايجي.
رابعاً: الكتل الكردستانية في محافظات إقليم كردستان
1 - الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني.
2 - الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة كوسرت رسول.
3 - «التحالف من أجل الديمقراطية» بزعامة برهم صالح.
4 - «حركة التغيير».
5 - «الجماعة الإسلامية».

- مجموع عدد الكيانات والأحزاب والكتل 216، وعدد المرشحين 7 آلاف مرشح.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.