ثلاثة تكتلات مدنية كبرى تدعم قائد الجيش في مصر

سيدة مصرية تحمل صورة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال مشاركتها في مظاهرة أمام السفارة القطرية في القاهرة أمس (رويترز)
سيدة مصرية تحمل صورة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال مشاركتها في مظاهرة أمام السفارة القطرية في القاهرة أمس (رويترز)
TT

ثلاثة تكتلات مدنية كبرى تدعم قائد الجيش في مصر

سيدة مصرية تحمل صورة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال مشاركتها في مظاهرة أمام السفارة القطرية في القاهرة أمس (رويترز)
سيدة مصرية تحمل صورة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال مشاركتها في مظاهرة أمام السفارة القطرية في القاهرة أمس (رويترز)

تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر تفاصيل الخارطة السياسية الجديدة بمصر المنحازة لتأييد الدستور الجديد الذي سيجري الاستفتاء عليه خلال أسابيع، والتنسيق لانتخابات البرلمان والرئاسة المقرر الانتهاء منهما في الصيف المقبل. وتضم هذه الخارطة ثلاثة تكتلات كبرى ومجموعة من التحالفات المدنية الأخرى، وتسعى إلى إقناع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي لخوض انتخابات الرئاسة. ويتزامن هذا مع إجراءات لتعديل الدوائر الانتخابية بما يقطع الطريق على صعود التيارات الإسلامية التي هيمنت على البرلمان بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في 2011.
وقال مجدي شرابية الأمين العام لحزب التجمع اليساري أحد أحزاب جبهة الإنقاذ، لـ«الشرق الأوسط» إن من بين هذه التكتلات أحزاب منخرطة أساسا في جبهة الإنقاذ التي أسهمت في إسقاط حكم مرسي صيف هذا العام، بينما أوضح محمود نفادي المتحدث الإعلامي باسم «تحالف نواب الشعب» لـ«الشرق الأوسط» أن التكتلات الجديدة تسعى لمؤازرة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش والشرطة، في الحرب على الإرهاب.
وتضم الخارطة الجديدة التي جرى الاطلاع على تفاصيلها من مصادر مصرية مسؤولة أمس، ثلاثة تكتلات مدنية كبرى تقف جميعها ضد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، في مقابل محاولات للإسلاميين (الإخوان والجماعة الإسلامية وبعض السلفيين) لتشكيل تكتل رافض للدستور الجديد ولأي انتخابات رئاسية مقبلة.
وتشير الخارطة إلى تيار شباب الثورة الذي تبنى في الفترة الأخيرة مواقف مؤازرة لتوجه التيار الإسلامي. إلا أن المصادر رصدت انحسار هذا التيار «بسبب وجود زخم عام في البلاد ضد الإسلام السياسي وأي أنشطة معادية للنظام الحالي». وتشمل الخارطة أيضا العمل على استقطاب بعض قيادات شباب الثورة «حتى لا يكرروا أخطاءهم حين استغلهم التيار الإسلامي لصعود جماعة الإخوان والسلفيين للبرلمان والرئاسة في عامي 2011 و2012». ووفقا للخارطة السياسية الجديدة التي يجري العمل عليها في الوقت الحالي، فإن التكتل الأول يقع تحت اسم مبدئي هو «الجبهة المصرية»، وتصفها المصادر بأنها «جبهة مجتمعية» تضم عددا من رموز القوى الوطنية ويقودها وزراء سابقون وزعماء عائلات كبيرة وشخصيات سياسية معتبرة عملت في مواقع عليا و«حساسة» في الدولة أثناء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، والرئيس السابق محمد مرسي، وفترة إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية بعد ثورة 2011. ويتزعم هذه الجبهة خليط من قيادات ذات صبغة أمنية وسياسية ودينية، وأخرى معروفة بعلاقاتها النافذة داخل عدد من العائلات المصرية المؤثرة في توجهات الاقتراع في أي انتخابات، خاصة في الدلتا شمالا والصعيد جنوبا. ومن بين هذه الأسماء ثلاثة من رؤساء الوزراء وخمسة من الوزراء السابقين، بينهم اثنين شغلا موقعين أحدهما «أمني» والثاني «خدمي»، بالإضافة إلى قيادات دينية معتدلة بينهم أزهريون كانوا نوابا في البرلمان خلال السنوات العشر الماضية، بالإضافة إلى مسؤولين عملوا في السابق في رئاسة الجمهورية، إلى جانب نواب عرفوا بـ«مواقفهم الوطنية المستقلة» في دورات برلمانية عديدة. وعقدت مجموعة من التكتل الأول اجتماعات مبدئية وصل عددها لأكثر من ستة اجتماعات حتى الآن، من بينها اجتماع عقد أخيرا في فندق «كتاركت» المطل على ساحة الأهرام في محافظة الجيزة (غرب العاصمة)، لـ«مساعدة ودعم مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية الحالية وتكوين ظهير شعبي لدعم الجيش والشرطة في الحرب ضد الإرهاب والحشد من أجل التصويت بـ(نعم) على الدستور الجديد». ويوجد ميل لدى قيادات في هذا التكتل للضغط على السيسي لإقناعه بالترشح لانتخابات الرئاسة. وقالت المصادر نفسها إنه، ومن خلال هذا التكتل، جرى «تكوين مجموعة من المرشحين الوطنيين الذين يمثلون أحزابا وآيديولوجيات مختلفة تحت مظلة واحدة لعدم تفتيت الأصوات ولعدم تمكين تيار الإسلام السياسي من الفوز بنسبة كبيرة في هذه الانتخابات البرلمانية المقبلة».
وأشارت هذه المصادر إلى أن اللقاء الذي عقد أخيرا بين كل من رئيس الدولة المؤقت عدلي منصور، ورئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري، تطرق إلى «الطريقة المثلى لإجراء الانتخابات النيابية» وأنه جرى الاتفاق من حيث المبدأ على إجرائها بالنظام الفردي، وأن «وزارة الداخلية سوف تبدأ في ترتيب الدوائر الانتخابية وفقا لهذا النظام» المتوقع منه أن يقلص فرص الإسلاميين في شغل مقاعد في البرلمان ويفتح الطريق أمام القوى المدنية.
أما التكتل الثاني، والذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة من بنود عمله الأساسية، فيقع تحت اسم مبدئي آخر هو «تحالف الإرادة الشعبية»، ويهدف إلى «حماية مبادئ ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 وأهدافها وخارطة المستقبل التي أعلنها قائد الجيش عقب الإطاحة بمرسي في الثالث من يوليو (تموز) الماضي». ويسعى هذا التكتل إلى «شراكة وطنية للتنسيق الشامل قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة». ويضم مسؤولين سابقين وقيادات سياسية وحزبية، ويرى قياديون فيه أن السيسي أفضل من يمكنه شغل موقع رئيس الدولة، و«لا بد من دعم المطالبة بترشحه للرئاسة».
وقالت المصادر إن التكتل الثاني يركز في نشاطه على «العمل الميداني» عبر الأحزاب السياسية المدنية والاتفاق فيما بينها على تقسيم دوائر انتخابات البرلمان في عموم البلاد، ووضع أسماء المرشحين له من خلال الاتفاق على قوائم موحدة، وتفتيت الكتل التصويتية التي يعتمد عليها الإسلاميون، مشيرة إلى أن هذا التكتل يضغط مثله مثل التكتلات المدنية الأخرى لإجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية.
وجاء في ديباجة تكتل «تحالف الإرادة الشعبية»، أن تشكيله يأتي في هذا الوقت «نظرا للظروف السياسية الراهنة التي تمر بها مصر عقب نجاح ثورة 30 يونيو»، وإصرار بعض التيارات «خاصة الإخوان» على إلحاق أضرار بالوطن والسعي نحو تدمير الاقتصاد ومعاداة الجيش والشرطة. وقال شرابية إنه توجد بالفعل عدة تكتلات يضم بعضها أحزابا من جبهة الإنقاذ، قائلا إن الجبهة نفسها، تسعى للعودة بقوة إلى الحياة السياسية، خاصة قبل استحقاقات الاستفتاء على الدستور وانتخابات البرلمان والرئاسة. ومن المقرر أن يضم هذا التكتل أحزاب المؤتمر والشعب الجمهوري والسادات الديمقراطي والغد ونواب الشعب والوحدة والحركة الوطنية وغيرها.
ومن جانبه، أوضح نفادي أن تكتل «تحالف الإرادة الشعبية» يعمل على «حسن استثمار وتوظيف الطاقات التابعة لكل طرف في إطار مشروع قومي للاستقرار السياسي يعلي من الإرادة الشعبية للمواطنين»، دون انفراد أي طرف بالقرار، وتبني ودعم مطالب وقضايا الفئات المهمشة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وبناء جبهة تخوض الانتخابات بـ«قائمة موحدة سواء في النظام الفردي أو نظام القوائم».
وأضاف نفادي أن «تحالف نواب الشعب هو جزء قوي من القوى التقليدية يساند مؤسسات الدولة في هذه المرحلة وخارطة الطريق ويؤمن أن التحالفات الانتخابية والسياسية هي الحل الوحيد لمواجهة تيار الإسلام السياسي خاصة الإخوان وحلفاءهم من أعداء ثورة 30 يونيو».
أما التكتل الثالث، الذي لم يتخذ له اسما محددا بعد، فيقوده أحد كبار نواب البرلمان السابقين من مدينة نجع حمادي ويوصف بأنه صاحب كلمة عليا فيما يتعلق بصناعة قصب السكر في جنوب البلاد، ويؤازره في ذلك وزيران سابقان على الأقل، وتمكن هذا التكتل من عقد اجتماعات في مسقط رأسه أخيرا شارك فيها أكثر من 70 نائبا من كبار النواب السابقين المناوئين للإسلاميين، من بينهم نواب من الصعيد وآخرون من الدلتا. وعقد هذا التحالف العزم على خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة تحت مظلة واحدة ويجري في الوقت الحالي التنسيق مع باقي التكتلات الرافضة لعودة الإخوان إلى المجلس النيابي.
ويقف مع التكتلات الثلاثة المشار إليها العشرات من التحالفات الرافضة لعودة تجربة الإسلاميين إلى الحكم مرة أخرى. ومن بينها تحالف «ثوار وحكماء»، وتحالف القبائل العربية المصرية الذي عقد قبل يومين مؤتمرا تحت رعاية رئيس الدولة في فندق تابع للجيش، شارك فيه نحو خمسمائة عضو من عدة محافظات بعضهم كانوا نوابا في البرلمانات السابقة، وينصب عمله هذه الأيام على إقناع أبناء القبائل في مطروح وسيناء بالتخلي عن دعم أعمال العنف ضد الدولة وتسليم ما لدى هذه القبائل من أسلحة غير مرخصة للسلطات.
وفي المقابل علمت «الشرق الأوسط» أن تيار الإسلام السياسي المكون أساسا من تيار الإخوان والموالين لهم من الجماعة الإسلامية وبعض السلفيين، يجري حاليا اتصالات لتشكيل تكتل مضاد من المقترح أن تقوده أحزاب «مصر القوية» و«الحرية والعدالة» و«البناء والتنمية» و«الوطن» و«الأصالة» و«الشعب»، بالإضافة إلى حركة «حازمون». ويسعى هذا التكتل لخوض الانتخابات البرلمانية تحت مظلة واحدة والحشد ضد الدستور.
وبينما يرى مجدي شرابية أن التكتلات المدنية ستكون أقوى من تحالفات الإسلاميين، قال نفادي إن القوى الشبابية والثورية «عليها ألا توفر الغطاء السياسي للإرهاب الإخواني من خلال مظاهرات ضد قانون التظاهر وفكرة لا للمحاكمات العسكرية»، مشيرا إلى أن «هذا الغطاء السياسي يمثل خطورة على القوى الشبابية ومدى الإمكانية للمشاركة في العمل السياسي في المرحلة المقبلة».
وفيما لا تزال تلك التكتلات تسعى لبلورة تحركاتها في أطر منظمة، يقود سياسيون معتدلون حاليا مساعي للتنسيق بينها، لتشكل تيارا موحدا قبل الاستحقاقات الانتخابية.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.