سليمان الراجحي.. من أثقال الغربة والحبال إلى إمبراطور المصرفية الإسلامية

فتح عينيه على أفدح النكسات في التاريخ الاقتصادي الحديث وتجرع مرارة الفقر والحرمان

سليمان الراجحي
سليمان الراجحي
TT

سليمان الراجحي.. من أثقال الغربة والحبال إلى إمبراطور المصرفية الإسلامية

سليمان الراجحي
سليمان الراجحي

في سيرة الشيخ سليمان الراجحي قصة كفاح مضنٍ استغرق سبعة عقود، كانت البدايات صعبة للغاية، ولكن النهاية كان إنجازا تجاوز حجم الطموح وجعلت آمال الأمس حقائق تنطق بعظمة التجربة.
كان ميلاد الشيخ في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، فقد فتح سليمان بن عبد العزيز الراجحي عينيه مع بدايات الكساد الاقتصادي الشهير، الذي هز العالم عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وألحق بمؤسساته المالية أفدح النكسات في التاريخ الاقتصادي الحديث.
وكان الراجحي حينها يحبو في منزله الطيني داخل مزرعة الأسرة في قرية «البكيرية»، في منطقة القصيم، وسط ظروف حياتية صعبة للغاية لأسرته الكبيرة، ولوالده بالتحديد، كان الجميع في هذه القرية الوادعة، التي تحولت اليوم إلى محافظة كبيرة، يعدون أيامهم على مشهد الشمس، يسافرون معها خلال الفضاء، وحينما تغيب يعرفون أن يوما قد انقضى وينامون في انتظار طلوع الفجر، وفي اللحظة التي تشرق فيها الشمس من جديد تتحرك الحياة ويسافرون معها من الشرق إلى الغرب، في أرض كل شيء فيها قاسٍ.
مرت على «إمبراطورية الراجحي» محطات كثيرة طوال الأعوام الستين الماضية، كانت سنوات الكفاح الأولى أكثر تعبا عندما كان الفتى سليمان الراجحي حمالا ورمادا وطباخا.
لقد خاض حياة صعبة، عندما وطئت قدماه عاصمة الدولة الحديثة الرياض، لأول مرة، قادما من بيئة مختلفة عن بيئته الجديدة. وضع نفسه منذ اللحظة الأولى على أرض الواقع، لينطلق في تجاربه التي أسسها على مبادئ القيم والأخلاق، حيث إن الفكرة المادية ليست هي المحرك الحقيقي لكفاح الشيخ، وإنما النية الكامنة وراء الفعل.
لقد كان ابتغاء مرضاة الله هو الباعث الرئيس لحركة الكفاح، وقد عبر عن ذلك الشيخ نفسه في أحد المواقف التي خاضها: «إن إنفاق مليون ريال في ابتغاء مرضاة الله هو أهون علي من شرب فنجان من الشاي، وإن إنفاق هللة واحدة في أمر دنيوي هو أشد علي عسرا».
إن قراءة تفكير سليمان الراجحي تطرح صورا وطرائق وأوصافا شتى، إنه بحر من الصفات، تراه في دواجن الوطنية متنقلا بين الحظائر، وفي المكاتب، وفي مغسلة الموتى، وفي مزرعة البسطاء، وفي مصانع البلاستيك، وفي المصرفية الضخمة الأشهر في العالم، وفي مصائد الروبيان، وأشياء أخرى من أنشطة الشيخ، وهو أمر محير لمن يقرأ الشيخ بعيدا عن الصور الذهنية المختزلة عنه، وهي نفس الحيرة التي انتابت الملك عبد الله عندما سأل الراجحي أثناء زيارته لمحافظة الليث حيث أحد مشروعات الشيخ: «هل أنت مهندس أو تاجر أو مزارع ؟».
وفي سيرة الشيخ التي رواها وأملاها بنفسه في كتاب يعد سيرة له وأنجزته دار الغزال للنشر وخصص ريعه لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية، محاولة جادة تتسم بالموضوعية وتسجيل لتجربة رجل اتصف بالعصامية وقوة الإرادة والحكمة، والصبر، والتميز، خاض أشد أنواع الكفاح، ووضع أنظاره منذ وقت مبكر على هدف التنمية، فبدأ مشروعه الجبار: المصرفية الإسلامية، وكان عملا مضنيا استغرق ستة عقود، يقول الشيخ عن هذه السيرة: «عندما دنوت من الثمانين، فكرت في تدوين هذه التجربة خشية أن تضعف الذاكرة، فالجيل الحاضر يعرف الكثير عن هذا الحاضر، ولكنه لا يعرف كيف كانت البدايات والبدايات الهامة». وزاد بالقول: «لا شك أن في التجارب متغيرات ودروسا وعبرا ونجاحا وفشلا وأخطاء، والقائمون على التجارب معرضون أكثر من غيرهم للنقد، لأن التجربة لا تستهدي بقانون قديم أو عرف سابق، وإنما تستهدي بأمل شجاع متوجه نحو المستقبل..».
وعن البدايات يقول الراجحي: «لقد مررت في بداية حياتي بأيام عصيبة شديدة القسوة، بدا لي كل شيء مستحيلا، فقد كنت حائرا متوحدا أبحث عن طريق، وكنت لا أدري أين أضع خطواتي. أنزع خطوة وأضع أخرى لعلي أجد لي موطئ قدم، كانت المقيبرة (سوق وسط الرياض)، وأثقال الغربة والحبال الممتدة على كتفي الطريق الوحيد لتحقيق خلاصي وخلاص أسرتي من الفقر، ليس لدي الوقت الكافي لكي أجرب كل الطرق، وليس لدي العلم الأكيد أن من سلك تلك الطرق قد وصل، ولقد كنت وأنا أخوض مصارعة الظروف حمالا متجولا في أرض المقيبرة، أقلب نظري في وجوه أولئك الأثرياء المحظوظين المترفين الذين قد تضيف بضع هللات منهم، أو من أحدهم لي أو لغيري حياة جديدة، عند ذلك أدركت فلسفة اليد القوية وغايات التعاطف الخيري، لقد أحدث المشهد تحولا عميقا في حياتي، مزيجا مدهشا من القوة والعاطفة، ورحت أسأل نفسي ما الذي يجعل هذا الرجل خيرا من هذا الرجل، وبدأت أفكر في حالة المستضعفين، وبدا لي أن فقراء الناس لن يجدوا الإنصاف من المجتمع، وكانت هذه إحدى القضايا التي شغلت تفكيري ولكن يا ترى بأي بديل سوف أغير حياتي؟».
ويشدد سليمان الراجحي بالقول: «لقد كشفت لي السنون أن الشدائد تقوي النفس، وأن الفرص تأتي مع المصاعب، وأن النجاح ثمرة الصراع، وأن القدرة في تمزيق الأوهام وتحطيم الخوف. أن مأساة الإنسان في رهو إرادته للظروف الخاصة أو الوسط الاجتماعي، أو الواقع الخارجي، أو الحياة الهامشية، لقد مارست تأثيرا قويا على حياتي حتى انصبت على ساقي، ومضت بي الأشياء كما أردت، وتحرك بي الوقت كما أفكر، لم أسر في اتجاه واحد، سلكت الطرق الطويلة والأشواط المتعاقبة، ومضيت في الأشياء إلى نهايتها، ولقد كنت وأنا وسط هذا الطريق أسعى إلى إحداث تحولات عميقة وأطور التصورات، وأنهض بالاحتمالات، وأدفع بالمبادرات، وأتفاعل من المهملات، وأتداخل مع التجارب، وجاء حصاد التجارب ثريا».
وتعد مؤسسة الراجحي الخيرية التي تحمل اسمه إحدى اهتمامات الشيخ، إضافة إلى مصرف إسلامي، يقول الشيخ عن ذلك: «رغم التغيرات النوعية والتحولات التي أحدثتها في مسار التاريخ ودخولي لمجالات جديدة في الحياة، وتعاظم قدراتي الاقتصادية، فإن المصرف الإسلامي كان نقطة تحول حقيقي في حياتي، بل من أعمق نقاط التحول، وأكبر انعطاف عرفته في حياتي، لقد كان الزمن مناسبا لي، ففي الوقت الذي كان فيه الأفق المصرفي الإسلامي مجرد احتمالات، كنت اجتزت طريقا طويلا في استكمال النظريات الشرعية والنظم الإدارية، لقد كان المصرف الإسلامي غايتي الأولى، دافعت عنه بحماس وضحيت بمعظم وقتي في سبيله، وكلما تقدم الزمن سوف تتعاظم القدرة المصرفية الإسلامية، وتصبح تيارا اقتصاديا مهيمنا على اقتصاديات العالم، لقد كنت فخورا وشاكرا لله سبحانه وتعالى على تحقيق هذا الإنجاز».
أما بخصوص مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية فهي وليدة تفكير الشيخ منذ أيامه الأولى التي بدأ فيها بالنشاط التجاري، وعمل على تفعيل المعاني الخيرية من منطلق علمه بقيمتها الحقيقية التي كانت متجذرة في شخصيته بعمق منذ طفولته، وفي عام 2000 انطلقت مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي كبادرة إنسانية خصص لها المليارات من الريالات.



بعثة من صندوق النقد في مصر لبدء مراجعة قد تمنح القاهرة 1.6 مليار دولار

مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
TT

بعثة من صندوق النقد في مصر لبدء مراجعة قد تمنح القاهرة 1.6 مليار دولار

مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

أعلن صندوق النقد الدولي يوم الخميس أن بعثة خبراء توجد حالياً في مصر لإجراء أحدث المراجعات على برنامجي تسهيل الصندوق الممدد وصندوق المرونة والاستدامة، والتي ستحدد إمكانية صرف 1.6 مليار دولار.

وصرحت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، في مؤتمر صحافي، بأنه في حال أسفرت بعثة المراجعة عن اتفاق على مستوى الخبراء مع السلطات المصرية، فمن الممكن أن يُجرى تصويت من مجلس الإدارة خلال أشهر الصيف على استكمال المراجعات وصرف الأموال.


صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، ترحيبه بالحوار الإيجابي الأولي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، مضيفاً أن خفض التوتر وعدم اليقين بين أكبر اقتصادين في العالم يصبّ في مصلحة العالم.

وقالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، في مؤتمر صحافي، رداً على سؤال حول النتائج الأولية لقمة ترمب - شي، في بكين: «من المهم للغاية، بالطبع، أن ينخرط أكبر اقتصادين في العالم في حوار على أعلى مستوى».


البديوي: المرحلة تفرض «تكاملاً عملياً» لمواجهة التحديات

البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)
البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)
TT

البديوي: المرحلة تفرض «تكاملاً عملياً» لمواجهة التحديات

البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)
البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)

أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم البديوي، أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من «التكامل العملي»، والاستجابة الفاعلة، مشدداً على أن الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول المجلس تحتم اتخاذ تدابير استباقية لتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي.

جاء ذلك خلال ترؤس البديوي للاجتماع الـ125 للجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون، الذي عُقد «افتراضياً»، الخميس، برئاسة البحرين، وبمشاركة وزراء المالية والاقتصاد، وفي مقدمتهم وزير المالية محمد الذي رأس وفد المملكة في الاجتماع.

ونقل البديوي، خلال الاجتماع، توجيهات قادة دول المجلس في لقائهم التشاوري الأخير بجدة، والتي شددت على ضرورة التسريع في تنفيذ المشاريع الخليجية الكبرى لضمان الأمن القومي والاقتصادي، وفي مقدمتها: الإسراع في تنفيذ مشروع سكة الحديد الخليجية، وتعزيز الربط الكهربائي والمائي، ودراسة إنشاء أنابيب لنقل النفط والغاز لتعزيز مرونة الإمدادات، والمضي قدماً في إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي ومراعاة احتياطيات السيولة لدى البنوك المركزية.

اجتماع عن بعد للجنة التعاون المالي والاقتصادي لدول مجلس التعاون (وزارة المالية)

مخرجات الاجتماع

وبحث الوزراء، خلال الاجتماع، سبل تحصين المكتسبات الاقتصادية المحققة، حيث تم اعتماد خطة عمل لجنة السوق الخليجية المشتركة للأعوام (2026 - 2028)، والتي تهدف إلى فتح آفاق جديدة للتبادل التجاري والاستثماري بين دول المجلس.

كما استعرض الاجتماع التقدم المحرز في متطلبات الاتحاد الجمركي، واعتمد الدليل الاسترشادي للمشاركات الدولية، مؤكداً أهمية توحيد الموقف الاقتصادي الخليجي في المحافل العالمية لمواجهة الأزمات المتسارعة وتداعياتها على اقتصاديات دول المجلس المنفتحة على العالم.

كما لم يغب المشهد الجيوسياسي عن طاولة النقاش؛ إذ جرى تناول التطورات التي تشهدها المنطقة وتداعياتها على دول المجلس، وسبل تعزيز التنسيق المشترك في التعامل معها.