«الشعر السوري المعاصر» بالعربية والفرنسية

«الشعر السوري المعاصر» بالعربية والفرنسية
TT

«الشعر السوري المعاصر» بالعربية والفرنسية

«الشعر السوري المعاصر» بالعربية والفرنسية

صدر حديثاً كتاب «الشعر السوري المعاصر»، باللغتين العربية والفرنسية، عن دار «لو كاستور أسترال» الباريسية، للباحث الشاعر صالح دياب، وهو أول كتاب من نوعه موجه إلى القارئ الفرانكفوني. وقد عمل دياب على هذا العمل لمدة 10 سنوات تقريباً.
ويفتتح الباحث الكتاب بمقدمة طويلة يقارب فيها الشعر الحديث المكتوب في سوريا منذ أوائل القرن الماضي حتى أيامنا هذه. فيرى أنه عرف انزياحات مختلفة، بحسب التغيرات الجيوسياسية منذ بدايات القرن العشرين حتى منتصفه في منطقة الشرق الأوسط. وقصر دياب خيارته المعتمدة على الشعراء الذين ولدوا من أم وأب سوريين ضمن سوريا (1947 - 2012).
ثم يقدم الكاتب بانوراما للتيارات الشعرية التي عصفت بالحركة الشعرية العربية الحديثة منذ ثلاثينات القرن العشرين حتى أيامنا هذه، عبر مساهمات الشعراء السوريين، متوقفاً في المقدمة عند المشكلات الفنية والنقاشات التي دارت وتدور حول علاقة الشعر بالنثر والوزن والإيقاع والصورة، وموقف الشاعر من اللغة، وعلاقته بالعالم وبالذات.
وهو يرى أن الشعر المكتوب في سوريا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشعر المكتوب في سائر بلدان المشرق، العراق ولبنان والمهجر، كما يخضع للمصادر والتأثيرات نفسها تقريباً.
ولم يقصر دياب خيارته على نوع شعري معين، فالأنواع الشعرية الثلاثة (الشعر العمودي، وشعر التفعيلة، والقصيدة النثرية) تتجاور في الكتاب، وتتآلف جنباً إلى جنب، وتأخذ المكانة اللائقة دون تمييز بينها. وقد خصص جزءاً من مقدمته للحديث عن مفهوم الشعر العمودي، وقصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، والقصيدة النثرية، مشيراً إلى أن هذه الأخيرة لا تتقاطع بالضرورة مع نظيرتها الغربية. وهذا التوضيح يفيد القارئ الفرانكفوني، ليطلع على مسيرة الشعر العربي الحديث عبر نماذجه الثلاثة، وهو أمر لم يكن منه بد نظراً لتضارب المصطلحات وعدم وضوحها في الحقل الشعري والثقافي في العالم العربي، إذ ما زال هناك خلط بين الشعر الحر والقصيدة النثرية.
وضم الكتاب نماذج شعرية لـ27 صوتاً شعرياً، باعتبارهم الممثلين الأعمق للتحولات الشعرية في سوريا منذ الثلاثينات حتى الآن. وما يجمع هذه الأصوات هو كونها كلها أصواتاً تجريبية، سعت - كل بحسب تجربته - إلى خلق لغة داخل اللغة، ونظرت إلى الشعر بوصفه هوية متحركة متغيرة. أيضاً كل الشعراء المختارون ينتسبون إلى أب وأم سوريين. ويتقاسم - باستثناء شاعرين مستقلين - خلفياتهم السياسية حزبان سياسيان، هما: الحزب السوري القومي الاجتماعي في الخمسينات والستينات، والحزب الشيوعي السوري في السبعينات والثمانينات، فيما تغيب عن الكتاب أي مساهمة لأي شاعر ينتمي إلى الأحزاب القومية، كأنما هذه الأخيرة لم تستطع إنتاج شاعر رائد واحد.
والنماذج الشعرية تم اختيارها اعتماداً على القراءة الشخصية للأعمال الشعرية الكاملة لكل شاعر. وقد تم توزيعها على 4 حلقات شعرية، تشكل متن الكتاب.
وشكلت مدينة حلب فضاء الحلقة الأولى أو الحداثة الأولى، حسب تعبير الباحث. وبيروت هي فضاء الحلقة الثانية، التي كانت ثمرة ورشة مجلة «شعر». أما الحلقة الثالثة، فتخص شعر السبعينات، الذي مهدت له جماعة «كركوك»، خصوصاً صلاح فائق وسركون بولص، وترجمات شعر أوروبا الشرقية، وشملت مدناً سورية عدة. أما اللحظة الشعرية الرابعة، فهي تجربة الملتقى الأدبي لجامعة حلب.
وبيروت الستينات هي المدينة الثانية التي يأخذ شعراؤها السوريون بؤرة الكتاب، وهي ميدان الحداثة الثانية التي تنتهي بنكسة 1967. فبيروت هي التي احتضنت أهم الشعراء السوريين الذين نقلوا الشعر العربي إلى أراض شعرية بكر، لم يكن بالإمكان اكتشافها وسبرها لولا مساهماتهم. فقد سعوا إلى ترسيخ فكرة الحداثة، وتحديث الشعر وتثويره من الداخل، وعدم الرضوخ للقيم التقليدية، واعتبار الشعر تجربة كيانية فريدة، والتجاوب مع روح العصر، من حيث التجربة والتمشي مع تطور اللغة من حيث التعبير، خصوصاً أدونيس شاعراً ومنظراً وناقل أفكار وثقافات إلى داخل الحركة الشعرية العربية، ومحمد الماغوط الاستثنائي، وكمال خير بيك وفؤاد رفقة ويوسف الخال وتوفيق صايغ، كما يلتفت إلى مساهمات الشاعرة الكئيبة سنية صالح، والتجربة الرائدة لمحمود السيد في «مونادا دمشق»... وآخرين دعوا إلى التغيير، وساهموا في ذلك ضمن بيئة اجتماعية تفجرها الصراعات الطبقية والوطنية المعقدة.
ويجد دياب علاقة وثيقة بين الدعوة إلى الحداثة في الحياة والاجتماع وتحديث الشعر وتبني ما هو عصري بالمفهوم الأوروبي. ويشير إلى أن إعادة إنتاج الأفكار الغربية في الشعر وصلت إلى حدود كبيرة عبر الشعر المنثور والقصيدة النثرية، حيث كانت مجلة «شعر» الذراع الأقوى التي قامت بنقل هذه الأفكار الحداثية. ويمر الكتاب بمدينة اللاذقية، ويثمن القصائد الصوفية لبدوي الجبل، مشيراً إلى أهمية الرؤية الشعرية التي كان يؤمن بها. فلئن كتب الشاعر قصائد عمودية، فإنه كان يتقاطع تقاطعاً كلياً مع شعراء الرؤية في مجلة «شعر»، عبر قصائده الصوفية، وذلك من خلال مفهومه للعملية الشعرية، ورفضه لفكرة الالتزام.
ويحمل دياب دكتوراه في الأدب واللغة العربية، وله عدد من الدواوين الشعرية، مثل: «قمر يابس يعتني بحياتي»، و«صيف يوناني»، و«ترسلين سكيناً أرسل خنجراً»، و«زرت حياتي»، بالإضافة إلى ترجمات من العربية إلى الفرنسية، والعكس بالعكس.



كنوز قرآنية من العصور الأولى تستعرض تاريخ تدوين المصحف الشريف

مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)
مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)
TT

كنوز قرآنية من العصور الأولى تستعرض تاريخ تدوين المصحف الشريف

مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)
مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)

على مقربة من جبل النور؛ حيث انبثقت أنوار الوحي الأولى، يقف «حي حراء الثقافي» بمكة المكرمة شاهداً على رحلة تدوين القرآن الكريم عبر العصور.

ويشرع «متحف القرآن الكريم» في قلب هذا الحي أبوابه أمام الزوار والباحثين، ليكشف عن كنوز معرفية وفنية نادرة، تروي قصة الشغف بتعظيم المصحف الشريف وحفظه وتجميله.

ويضم المتحف ثلاث قطع تاريخية من مخطوطات القرآن الاستثنائية، تمثل محطات تاريخية متباعدة جغرافياً وزمنياً، ولكنها تلتقي في توثيق حفاوة المسلمين بالقرآن، من خلال المخطوطات التي تشكِّل لوحة بانورامية لتطور الخط العربي وفنون الزخرفة والتذهيب.

متحف القرآن الكريم بحي حراء... مَعلم ثقافي يضم أنفس المخطوطات (واس)

المصحف الكوفي... عبق القرون الأولى

يتصدر المشهد «المصحف الكوفي» النادر الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني أو الثالث الهجري (الثامن أو التاسع الميلادي).

وكُتب هذا المصحف، المحفوظ في «مكتبة الملك فهد الوطنية» بالرياض، بالخط الكوفي الرصين على الرق، متخذاً الشكل «السفيني» الأفقي الذي ميز المصاحف المبكرة.

وتبدأ صفحات هذا المخطوط من الآية 50 من سورة آل عمران، وصولاً إلى نهاية سورة عبس، مما يجعله نموذجاً حياً للمصاحف الجزئية التي كانت تُستخدم قديماً لأغراض التعليم والحفظ، وتعكس بدايات تدوين النص القرآني بأدوات وتقنيات العصور الإسلامية الأولى.

متحف القرآن الكريم بمكة المكرمة... دور ريادي في حفظ وعرض المصاحف النادرة (واس)

‏متحف القرآن الكريم في مكة المكرمة يعرض نسخة نادرة من «المصحف الأزرق» (واس)

«المصحف الأزرق»... فخامة الذهب على أفق أزرق

وفي زاوية أخرى، يخطف الأنظار «المصحف الأزرق»، وهو أحد أفخم وأندر المخطوطات في الحضارة الإسلامية. وتبرز النسخة المعروضة التي تعود للقرن الثالث الهجري، آيات من سورة البقرة، كُتبت بماء الذهب الخالص على أرضية من الرق المصبوغ باللون الأزرق الداكن.

هذا الأسلوب الفني الفريد الذي تتوزع أجزاؤه القليلة المتبقية بين متاحف العالم الكبرى، يجسد ذروة العناية الجمالية بالنص القرآني؛ حيث يتناغم الخط الكوفي القديم مع اللون الملكي، ليعكس هيبة الآيات ومكانتها في نفوس المسلمين الأوائل.

‏متحف القرآن الكريم بمكة المكرمة... دور ريادي في حفظ وعرض المصاحف النادرة (واس)

ربعة من مصحف شريف كُتبت بخط النسخ في القرن 9هـ/ 15م (‏متحف القرآن بمكة)

الربعة الشامية... فن النسخ والتذهيب البديع

ومن القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، تتمثل «ربعة قرآنية» نادرة كُتبت في بلاد الشام بخط النسخ المجوَّد.

وتضم هذه الربعة، المحفوظة في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية»، الجزء الخامس والعشرين من القرآن الكريم.

وتتجلى في هذه القطعة دقة الزخرفة الإسلامية؛ حيث تم تذهيب لفظ الجلالة «اللهم» بطريقة بديعة، مما يعكس تطور صناعة «الربعات» (وهي صناديق مخصصة لحفظ أجزاء المصحف)، وحرص الخطاطين والمذهِّبين في تلك الفترة على إبراز جماليات الخط العربي في أبهى صوره.

ويمثل عرض هذه المقتنيات ضمن رسالة متحف القرآن الكريم، لتعزيز التجربة الثقافية لزوار مكة المكرمة، وتأكيد مكانتها كحاضنة عالمية للإرث القرآني.

ويتجاوز المتحف دوره من مجرد قاعة عرض، إلى رحلة معرفية تستثمر التقنيات الحديثة لربط الجيل الحالي بتاريخ المصحف الشريف، وجهود المسلمين في صونه عبر القرون.

ويعد «حي حراء الثقافي» اليوم وجهة عالمية تجمع بين عبق المكان التاريخي وبين المحتوى المعرفي الرصين، مما يتيح للزوار من مختلف أنحاء العالم الاطلاع على نماذج استثنائية لم يرها كثيرون إلا في أمهات الكتب التاريخية.


اللبنانيون يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي لمعرفة نهايات المسلسلات الرمضانية

من مسلسل «مولانا»
من مسلسل «مولانا»
TT

اللبنانيون يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي لمعرفة نهايات المسلسلات الرمضانية

من مسلسل «مولانا»
من مسلسل «مولانا»

كان لافتاً ظهور إحدى الناشطات على تطبيق «تيك توك» في أول أيام الشهر الفضيل، تسأل الذكاء الاصطناعي أن يكشف عن اسم ابنة جود (ماغي بو غصن) في مسلسل «بالحرام». سؤال شغل متابعي العمل بعدما أدركوا أن ابنتها التي تعتقد بأنها ميتة، لا تزال على قيد الحياة. فجاءها الجواب بالصوت: «إنها راما». يومها لم تكن هذه الشخصية قد برزت في المسلسل بعد. تساءلت الفتاة أمام متابعيها: «من هي راما؟ سننتظر ونعرف». وبعد عدة حلقات، أطلّت بالفعل شخصية راما التي تؤديها الممثلة الشابة تالين أبو رجيلي.

ويوماً بعد يوم، بات طرح الأسئلة على «تشات جي بي تي» ظاهرة رائجة بين متابعي الأعمال الرمضانية. وشهدت الظاهرة ارتفاعاً ملحوظاً، بعدما راح المشاهدون ينشرون المعلومات التي استقصوها من الذكاء الاصطناعي لكشف أسرار الثلث الأخير من هذه المسلسلات.

مسلسل «بالحرام»

وانهمرت التوقعات من قبل المتابعين لينشروها يومياً عبر «تيك توك» و«إكس»، وغيرهما من التطبيقات الإلكترونية.

وارتبطت التوقعات بأعمال تعرض عبر الشاشات المحلية، فنال مسلسل «بالحرام» القسم الأكبر، ولوحظ أن مسلسلي «مولانا» و«بخمس أرواح» حظيا بتوقعات أقل. في المقابل، بقي مسلسل «المحافظة 15» الأكثر حضوراً في إجابات الذكاء الاصطناعي التي بدت أقرب إلى الواقع. وتضمنت أجوبة حول السرّ الكبير الذي تخبّئه منية (كارين رزق الله) عن حبيبها فؤاد (يورغو شلهوب). ويتبين أن والدها هو من يقف وراء عملية خطفه وسجنه في سوريا لمدة 28 عاماً.

وتوقع الذكاء الاصطناعي أن تكون نهاية «مولانا» مفتوحة. ورأى من ناحية ثانية، أن نهاية «بخمس أرواح» تحمل مفاجأة مهمة مرتبطة بشخصيتي سماهر وشمس.

يتوقع الذكاء الاصطناعي نهاية مفتوحة لمسلسل «مولانا«

آمال خوري، التي تسكن منطقة الحازمية، باتت اتصالاتها يومية مع «تشات جي بي تي». تقول لـ«الشرق الأوسط»: «في خضم الحرب التي نعيشها في لبنان وعالمنا العربي، تأتي مسلسلات رمضان لتشغلنا إلى حدّ ما؛ فهي الباب الوحيد المتاح لنا لننسى، ولو للحظات، ما يدور حولنا. ومع تقدّم حلقات الأعمال الرمضانية وتطور أحداثها ارتفعت وتيرة الإثارة والتشويق فيها، لذلك قررت أن ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي كي أستبق تطورات الحلقات الباقية. بعض الأجوبة فاجأتني، وبعضها الآخر جاء باهتاً يشبه الأفكار التي تراودنا».

وتؤكد آمال أن الذكاء الاصطناعي توقّع بالنسبة لمسلسل «بالحرام» موت سارة (إلسا زغيب)، لتنكشف معها كل الأسرار. كما أشار إلى أن شخصية صباح (تقلا شمعون) في العمل عينه، ستشكّل المفاجأة الكبرى في مسلسل «بالحرام»؛ فهي حسب توقعات «تشات جي بي تي» تمتلك سراً مهماً عن جود (ماغي بو غصن) من شأنه أن يقلب أحداث العمل رأساً على عقب.

مسلسل «المحافظة 15» نهاية متوقعة من قبل اللبنانيين

ومع تقدّم عرض حلقات المسلسلات الرمضانية وتجاوزها النصف الأول من الموسم، ازدادت التوقعات بين متابعيها، لتتحول قصصها إلى مادة ترفيهية يتداولها الجيران في جلساتهم الصباحية، أو بعد مواعيد الإفطار.

أما منى كامل، وهي في العقد السادس من عمرها، فتعيش قلقاً كبيراً بفعل الحرب الإيرانية - الأميركية وانعكاساتها المحتملة على لبنان. وتقول: «لا أجد السكينة والهدوء إلا وأنا أشاهد مسلسلات رمضان. أنسى معها همومي ولو لساعات قليلة، وهو ما جعلني في لياليّ الطويلة أخوض محادثات مع الذكاء الاصطناعي، واخترت موضوع المسلسلات الرمضانية ليكون شغلي الشاغل. فأنا شخصياً لا أحب الحروب ولا متابعة أخبارها على شاشات التلفزة». وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «هكذا أدمنت التواصل معه بعد عرض كل حلقة جديدة من 3 مسلسلات أتابعها: (بالحرام) و(المحافظة 15) و(مولانا)».

في مسلسل «بخمس أرواح» التوقعات ترتبط بشخصيتي شمس وسماهر

لجوء الجمهور إلى الذكاء الاصطناعي في متابعة الدراما الرمضانية، يعكس تحوّلاً في طريقة التفاعل مع الأعمال التلفزيونية؛ فالمشاهد لم يعد يكتفي بانتظار الحلقة التالية، بل يسعى لاستباقها وتحليلها ومناقشة احتمالاتها عبر أدوات رقمية حديثة. ومع اتساع حضور تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، يبدو أن هذه الظاهرة مرشحة للتنامي أكثر في المواسم الدرامية المقبلة.

وبين فضول معرفة النهاية، ومتعة انتظار المفاجآت التي يخبئها كتّاب الدراما، يبقى المشاهد اللبناني ممسكاً بخيط التشويق حتى الحلقة الأخيرة. وقد تصيب توقعات الذكاء الاصطناعي أو تخطئ، لكن المؤكد أن الحديث عنها بات جزءاً من طقوس متابعة المسلسلات، تماماً كما هي الحال مع جلسات السهر بعد الإفطار وتبادل الآراء حول مصائر أبطالها.


جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
TT

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

التقى جورج خبّاز بنَفسه مراراً، وفي كل مرةٍ كان اللقاء مختلفاً عن الذي سبقَه. ارتقى الإنسان والفنان كلما التحمَت الأنا بالأنا. مع كل شخصيةٍ تقمّصها، وكلِ جائزةٍ تسلمَّها، وكل شمعةٍ أطفأها، وكل شعرةٍ بيضاء استقبلها، أدركَ أنّ طريق الروح لا يمكن أن يتّجه إلّا صعوداً.

ليست صدفةً أنّ ذاك الطريق جمعَه بـ«منير نورالدين». «كان منير يَغلي في داخلي حتى قبل أن يعرض عليّ أمير فيلم (يونان)»، يخبر الفنان اللبناني «الشرق الأوسط». وكأنّ طاقةَ جورج هي التي اجتذبت منير والفيلم إليه. «كنتُ في اللاوعي حاضراً لتلك الشخصية»، يتابع الممثل والكاتب والمخرج.

دار فيلم «يونان» للكاتب والمُخرج السوري أمير فخر الدين، دورةً كاملة حول الكوكب. من قلبِ برلين إلى سواحل هونغ كونغ، مروراً بمهرجان البحر الأحمر، وليس انتهاءً بصالات السينما اللبنانية التي شغّلت شاشاتها لابنِها المحبوب جورج خبّاز.

ثلاثة عقودٍ من العمل المتواصل أَلِفتْهُ خلالها الخشبة متأرجحاً بين ضحكةٍ ودمعة. أما الشاشة، الكبيرة منها والصغيرة، فاتّسعت لشخصياته الطالعة من الواقع، ولتلك التي نذرت نفسها لإسعاد الناس. لكنّ لمنير وقعاً آخر. كما لو أنّ الشخصية فُصّلت على قياس روح جورج خبّاز.

«في (يونان) حصل نوعٌ من التجلّي. ففي منير كثيرٌ منّي وفيّ كثيرٌ منه»، يبوح الممثل. مَن يراقب جورج خبّاز ويُصغي إليه بتمعّن، يُدرك أنه والقلق الوجوديّ يكادان لا يفترقان. خلف البسمة والبريق والعفويّة، أسئلة مُضنية تشغل الفكر والروح. «نلتقي منير وأنا في غربتنا الإنسانية الداخلية عن الذات والمحيط، وفي تساؤلاتنا المتعلقة بالأمّ والوطن والقِيَم»، يشرح خبّاز.

الكاتب والمخرج أمير فخر الدين متوسطاً الممثلَين جورج خباز ونضال الأشقر في مهرجان برلين 2025 (إنستغرام)

بلغ منير أقصى اليأس والمرارة والتيه الإنساني. حتى أنفاسُه جافته لفَرطِ ما اختنق من العيش. شخصيةٌ ثقيلة ومُثقلة تحزم حقيبةً ومسدّساً، وتغادر مدينة هامبورغ الرمادية إلى جزيرة ألمانية نائية حُبلى بعاصفة. يضرب منير مع الانتحار موعداً لأنّ كل ما سوى ذلك ما عاد يعنيه. مغتربٌ عن وطنه وغريبٌ عن ذاته، يخطّط للنهاية ولا يجرؤ على أن يخطو صوبها.

«نلتقي منير وأنا على أمور كثيرة، لكني على عكسه لا أذهب إلى أقصى السوداوية. ثمة نافذة صغيرة في داخلي أطلُّ من خلالها على الحياة بإيمانٍ وفرح»، يوضح خبّاز.

فاجأ جورج خبّاز جمهوره بانغماسِه في هذه الشخصية الداكنة. لم يفاجئهم أداؤه فهُم يعرفون قدراتِه، لكن «نوع الفيلم هو الذي فاجأهم، حيث لا الصورة ولا الحبكة ولا الأحداث تقليدية. هذا فيلمٌ يتّكل على إحساس المُشاهد وصَبرِه».

ملصق فيلم «يونان» للمخرج والكاتب السوري أمير فخر الدين (إنستغرام)

لا يخفي خبّاز إعجابه الكبير بفِكرِ أمير فخر الدين، وبقلمِه وعدستِه. هو الذي يصف فيلم «يونان» بأنه إحدى أهم الرحلات السينمائية والمغامرات الروحية التي خاضها، يرى في أمير فخر الدين «روحاً عتيقة old soul» رغم سنواته الـ35.

«يوم اتصل بي مطلع 2022 عارضاً عليّ الدور، لم نكن على معرفة سابقة. كان قد شاهدَني في فيلم (أصحاب ولا أعزّ) على (نتفليكس). قال إنه رأى منير في عينيّ»، يسترجع خبّاز انطلاقة «يونان». كانت تلك فرصة ليستكشف أعمال فخر الدين السابقة، على رأسها فيلمه الطويل الأول «الغريب». «ذُهلتُ بلُغَته السينمائية، وعندما قرأت سكريبت (يونان) تضاعفَ الذهول».

بكلّ ما يحمل من أثقالٍ إنسانيّة ووجوديّة، يبقى فيلم «يونان» قصيدةً مصوّرة. مهما طالت، فإنّ مَشاهد الطبيعة مساحةٌ للغوص في النفْس. لا يبتر فخر الدين الصورة، يترك هواء بحر الشمال يعبث بالعشب الأخضر قدر ما يشاء، ثم يدعُ المَدَّ يبتلعُ اليابسة لتغسلَ العاصفةُ الموتَ المتكدّس في صَدر منير.

يكتنز الفيلم بالمشاهد التي تُفرد مساحة للطبيعة والأرض (صور خبّاز)

حالما قرأ نص الفيلم، أدركَ خبّاز أنّ ثمة شاعراً يسكن فخر الدين. «لم أركّز في منير بقَدر ما ركّزت في أمير»، يقول. فالأوّل منبثقٌ عن الثاني وكان على الممثل أن يفهمَ الأصل. وقد انعكست رحلة الاستكشاف تلك تناغماً بين الممثل والمخرج صبّ في مصلحة الفيلم.

منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين السينمائي مطلع 2025، و«يونان» يحصد الترشيحات والجوائز. على متن تلك الرحلة، أيقنَ جورج خبّاز أنّ المحتوى الكَونيّ الذي يقدّمه الفنان، والذي يلامس الروح البشريّة أينما حلّت، هو أهمّ من الألقاب والعناوين المضخّمة بعبارة «العالميّة».

هذا البُعد الكَونيّ لم يتحقّق بفَضل مجموعة الممثلين العالميين، ولا اللغة الألمانية التي تعلّمها جورج خبّاز خصيصاً من أجل الدور، بل بفَضل قصة منير والتي يتماهى معها أي شخصٍ اختبر الغربة عن محيطه، وعن البشر وعن ذاته. تتحقّق الكَونيّةُ كذلك بصورة الأرض العارية، البليدة، التي تراقب أبناءها يفنون وهي راسخة وتتجدّد بعد كل عاصفة.

في مشهد القتال، وهو الأصعب وفق جورج خبّاز، التحمَ منير بتلك الأرض. قطفَ بعضاً من أسرارها. وكأنّ الجزيرة النائية التي قاومت الغرَق علّمته أن يتمسّك بخشبة الخلاص بدل الاستسلام للموج العاتي. بصقَ الحوت «يونان»، قائلاً له: «اذهب يا منير، خَيالُك خلّصَكَ».

للمتلقّي حريةُ الحُكم على قصة منير، أكان تعاطفاً أو استغراباً أو تماهياً. أما مَن ما زالوا يؤمنون بأنّ حبل الإنقاذ قد يمتدّ على هيئة يدٍ بشريّة، فلا بدّ أن يتأثّروا بشخصية «فاليسكا» (الممثلة الألمانية هانا شيغولا). صاحبة الفندق، حيث قرر منير إنهاء حياته، التي منعت عنه الغرق، بأسلوبها البارد والمحايد.

عن تلك الشخصية يقول خبّاز إنها جسّدت الأصالة والصدق في التعاطي مع النزيل اليائس. «إنسانية فاليسكا طبيعية وغير مدّعية». ويضيف: «الجميل في (يونان) أنه لا يتلاعب بعواطف المُشاهد ولا يُرغمه على الانجراف إلى أي مكان أو موقف؛ بل إن الجمهور يختار الذهاب حيثما يشاء من البداية حتى النهاية المفتوحة».

خبّاز والممثلة الألمانية هانا شيغولا شريكة القصة والبطولة (صور خباز)

أما الآن وقد مضى كلٌّ من منير وجورج وأمير في طريقه، بقيَ خيطٌ خفيّ يجمع بين هؤلاء الثلاثة. هو الخيطُ ذاتُه الذي سحبَه بعضهم باتّجاه بعض، ليصنعوا فيلماً «يُشاهَد بالروح».