رئيس جيبوتي: القواعد العسكرية الأجنبية لحماية الملاحة ومكافحة الإرهاب

أكد لـ«الشرق الأوسط» أن استهداف الحوثيين للسعودية تطور خطير في حرب المنظمات الإرهابية ومن يقف خلفها

الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله («الشرق الأوسط»)
الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله («الشرق الأوسط»)
TT

رئيس جيبوتي: القواعد العسكرية الأجنبية لحماية الملاحة ومكافحة الإرهاب

الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله («الشرق الأوسط»)
الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله («الشرق الأوسط»)

أعرب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، عن أمله في أن تسلط القمة العربية بالظهران الضوء على مختلف المشكلات والأزمات التي تعصف بعالمنا العربي. وقال: «نتمنى من جامعة الدول العربية بصفة عامة أن تجسد آمال الأمة العربية وتعمل على تحقيقها».
وشدد جيله في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أن الوجود العسكري للدول الكبرى في جيبوتي ليس استقطاباً أو تنافساً بين هذه الدول على مصالح اقتصادية واستراتيجية في المنطقة، لكنه لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية وحماية الملاحة الدولية. ودعا اليمنيين إلى التكاتف من أجل دعم الشرعية الدستورية، والوقوف إلى جانب هذا البلد وقيادته الشرعية، وإنهاء الانقلاب الذي خلق الفوضى.
وتطرق جيله إلى أن جيبوتي تعتبر استهداف الحوثيين للسعودية عدواناً آثماً وتهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وتطوراً خطيراً في حرب المنظمات الإرهابية ومن يقف خلفها.
وفيما يلي نص الحوار:
> تشاركون في القمة العربية بالظهران، ما أهم التحديات والقضايا الملحة التي تواجه هذه القمة؟
- قمة الظهران، تأتي في ظرف دقيق بالغ الحساسية يمر به العالم العربي، وفي أوضاع مضطربة تشهدها كثير من البلدان العربية، مثل سوريا، واليمن وليبيا والعراق والصومال، إضافة إلى المسألة الفلسطينية التي تمثل القضية المركزية للعمل العربي المشترك، بما في ذلك موضوع القدس الشريف ونقل السفارة الأميركية إليها اعترافاً بها عاصمة لإسرائيل، مما يتعارض مع مقترحات الحلول السلمية المطروحة، إضافة إلى نشاطات التنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن في المنطقة العربية برمتها والعالم أجمع.
> ما الثمار المرجوة من القمة العربية وأهم التوصيات التي تتطلعون إليها؟
- نتطلع إلى أن تسلط القمة الضوء على مختلف المشكلات والأزمات التي تعصف بعالمنا العربي، وأن تخرج بقرارات مهمة من شأنها الإسهام في حل تلك الأزمات، والحفاظ على الوحدة والتضامن بين الأشقاء، وتعزيز العمل العربي المشترك لما فيه رخاء وازدهار الوطن العربي بعيداً عن القلاقل والاضطرابات الأمنية والحروب. ونتمنى من جامعة الدول العربية بصفة عامة أن تجسد آمال الأمة العربية وتعمل على تحقيقها. ونحن متفائلون بانعقاد هذه القمة في الرياض بقيادة أخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.
> الأزمة السورية باتت تشكل أمراً مقلقاً للإقليم والعالم، وما أطروحاتكم للحل؟
- لا شك في أن الأزمة السورية وكذلك الأزمة اليمنية وما تشهده ليبيا والعراق من أوضاع أمنية مضطربة، أمر يثير القلق. وبخصوص الأزمة السورية، فإننا لا نزال متمسكين بأن الحل الوحيد لهذه المأساة هو الحل السياسي، الذي يحقق تطلعات الشعب السوري، ويعتمد على مقومات الحفاظ على وحدة البلاد، ويصون استقلالها ويعيد لها الأمن والاستقرار.
وبالنسبة للأزمة اليمنية، فإننا ندعو الأشقاء إلى التكاتف من أجل دعم الشرعية الدستورية، والوقوف إلى جانب هذا البلد الشقيق وقيادته الشرعية، وإنهاء حالة الانقلاب الذي خلق الفوضى في اليمن، وأدى إلى ما أدى إليه من حالة يعيشها الشقيق والجار، وبحيث يكون الحل السلمي والسياسي هو المخرج من هذه الأزمة.
وعلى الصعيد ذاته، نجدد دعمنا للعراق الشقيق في جهوده الرامية للقضاء على العصابات الإرهابية. كما نجدد دعمنا للأشقاء في ليبيا، وندعو الأطراف الليبية إلى التكاتف وإنهاء الانقسام، بما يحقق تطلعات الشعب الليبي الشقيق بالأمن والاستقرار والرخاء.
> إلى أي حد يشكل استهداف السعودية بالصواريخ الحوثية تهديداً لأمن واستقرار المنطقة والخليج؟
- نعتبر استهداف الحوثيين لبلاد الحرمين الشريفين، المملكة العربية السعودية الشقيقة، عدواناً آثماً وتهديداً للأمن الإقليمي والدولي، كما أن إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه المدن والقرى الآهلة بالسكان مخالف للقانون الدولي الإنساني، وهو تطور خطير في حرب المنظمات الإرهابية ومن يقف خلفها.
ونكرر وقوفنا وتضامننا الدائم مع الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، ضد العدوان السافر، الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة، ويؤدي إلى استمرار حالة الحرب والتصعيد في اليمن الشقيق، الذي نأمل في أن يعود آمنا مستقرا، في ظل سيادة القانون وحكومته الشرعية المعترف بها دوليا. ونعتبر العدوان الصاروخي هذا، عدوانا علينا نحن، فالسعودية هي الرأس والشقيقة الكبرى.
> كيف تقيّمون مستوى العلاقات السعودية - الجيبوتية على المستوى السياسي والاقتصادي؟
- تربطنا بالسعودية علاقات أخوية تاريخية متينة تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم والتنسيق العالي على المستويات كافة، مما يعكس توافقا تاما وتناغما في الرؤى السياسية في كثير من الملفات والأزمات الدولية والإقليمية.
ومن المؤكد أن العلاقات الجيبوتية السعودية، تضرب جذورها في أعماق التاريخ وتمتد إلى ما قبل نيل جيبوتي الاستقلال عام 1977. ومنذ زيارتي الرسمية ولقائي بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز فإن علاقاتنا مع المملكة شهدت نقلة نوعية كبيرة، كما أنها تزداد قوة ومتانة يوما بعد يوم، وأصبحت استراتيجية. وأنا على تواصل دائم بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وكذلك ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
وعلى صعيد التعاون والتنسيق المستمر، هناك اللجنة الجيبوتية السعودية المشتركة التي تمثل إطاراً عاماً يندرج تحته التعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات، إضافة إلى وجود مجلس مشترك لرجال الأعمال الجيبوتيين والسعوديين.
> وجود قواعد عسكرية فرنسية وأميركية ويابانية وصينية في جيبوتي... هل هو نتاج طبيعي لمستحقات استقطاب الدول الكبرى؟
- الوجود العسكري للدول الكبرى في جيبوتي ليس استقطاباً أو تنافساً بين هذه الدول على مصالح اقتصادية واستراتيجية في منطقتنا، ولكنه موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية وحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم من العالم. كما أننا بالمقابل نسعى إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والتنمية في بلادنا على وجه الخصوص وفي المنطقة على وجه العموم.
وانطلاقاً من النقطتين السابقتين، يمكنني القول إنه توجد مصالح مشتركة، كما يوجد هدف مشترك يصبو إليه الجميع، ويتمثل في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وصون السلم والأمن الدوليين.
> ما تقييمكم للدور الذي تضطلع به جيبوتي في منطقة القرن والشرق الأفريقي لتحقيق الأمن؟
- تتمتع بلادنا بموقع استراتيجي مهم عند المدخل الجنوبي لحوض البحر الأحمر، مطلة على مضيق باب المندب الذي يمثل شرياناً ذا أهمية قصوى للاقتصاد العالمي. وجيبوتي بوابة القارة الأفريقية من جهة الشرق ومقر دول مجموعة «إيقاد» وهو التجمع التنموي لشرق أفريقيا. كما أن جيبوتي بوابة لتجمع كوميسا لمجموعة دول التبادل التجاري الحر لجنوب شرقي أفريقيا، الذي يضم في عضويته 19 دولة يبلغ تعداد سكانها نحو 450 مليون نسمة. يضاف إلى ذلك أن جيبوتي تمثل جسراً رابطاً بين قارة أفريقيا والجزيرة العربية.
وانطلاقاً من الموقع الجغرافي الفريد لجيبوتي، وعضويتها في تجمعات اقتصادية مهمة، ودبلوماسيتها الحكيمة، فإن بلادنا تضطلع بدور محوري شديد الأهمية في منطقة القرن والشرق الأفريقي لتحقيق الأمن الاقتصادي والاستقرار السياسي. ويتجسد ذلك في فتح الاستثمار والاقتصاد الحر، إضافة إلى الوجود العسكري الدولي لمكافحة الإرهاب وحماية المصالح العالمية.
> كيف ترون تغير القيادة السياسية في إثيوبيا وإلى أي حد يمكن أن يخدم أمن المنطقة؟
- جاءت استقالة رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالين منتصف فبراير (شباط) الماضي، خطوة في إطار الجهود السياسية الرامية إلى إيجاد حلول لأوضاع داخلية. وبما أن إثيوبيا دولة صديقة وجارة تربطنا بها العلاقات الإنسانية المتمثلة في التداخل الكبير بين شعبي بلدينا، إضافة إلى روابط التاريخ والحضارة، فإننا نعتبر أمن إثيوبيا مهماً وجزءاً لا يتجزأ من أمن جيبوتي والقرن الأفريقي قاطبة. ونحن على ثقة بحكمة القيادة الإثيوبية الجديدة وقدرتها على حسن إدارة المرحلة السياسية. ونهنئ الائتلاف الحاكم على اختياره رئيس الحكومة الجديد.
> صنفت المنظمة الدولية البحرية مضيق باب المندب بأنه منطقة عالية الخطورة... إلى أي حد يمثل ذلك تهديداً لأمن المنطقة عموماً؟
- يعد مضيق باب المندب منطقة حيوية ذات أهمية قصوى في التجارة العالمية وحركة نقل النفط والبضائع، فهو همزة الوصل ما بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، كما يربط البحر الأحمر بالمتوسط.
وخلال العقدين الماضيين، كان نشوء وتفشي الجماعات الإرهابية في بعض البلدان المجاورة للمضيق مثار قلق دولي كبير، ففي 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2000، استهدف تفجير انتحاري المدمرة الأميركية كول بميناء عدن، مما أسفر عن خسائر.
ثم توالت المخاوف بانتشار الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة وداعش في اليمن، وحركة شباب المجاهدين في الصومال، وكذلك ظهور القرصنة في السواحل الصومالية واليمنية، وكل هذه العوامل باتت خطراً يهدد باب المندب.
وتضطلع جيبوتي بحكم موقعها الجغرافي المطل على المضيق بدور مهم جداً في الحفاظ على الأمن والاستقرار وضمان سلامة الملاحة البحرية في هذه المنطقة الحيوية، بالتعاون والتنسيق المستمرين مع القوى العالمية كأميركا وفرنسا.
> لا يزال الصومال يعاني عدم الاستقرار الأمني بسبب نشاط جماعات مسلحة فضلا عن القرصنة... ما الدور الذي تضطلع به جيبوتي تجاهها وما تقييمكم للموقف العربي والدولي حيال ذلك؟
- كانت جيبوتي ولا تزال واقفة إلى جانب شقيقتها الصومال لتسهم في مساعدتها في تجاوز محنها وأزماتها، وذلك باستقبال لاجئي الحروب الأهلية في الصومال مطلع التسعينات وتنظيم مؤتمرات لتحقيق مصالحة وطنية وبناء حكومة ائتلافية تجمع شتات ذلك البلد الذي مزقته الصراعات القبلية والاضطرابات السياسية، والمشاركة العسكرية الميدانية ضمن قوات حفظ السلام الأفريقية «أميصوم» لإعادة الأمن والاستقرار، فنحن مشاركون بأكثر من ألفي جندي ضمن قوات أميصوم المتمركزة في الصومال.
وفي السنوات الأخيرة، بدأ الصومال يستعيد عافيته بعد أن بنى مؤسساته الدستورية بنفسه، وخاض أكثر من تجربة انتخابية ديمقراطية، رغم التحديات الأمنية الجسيمة. وبناء على ما سبق، فإن الصومال بحاجة إلى مساندة قوية من أشقائه العرب، وإلى دعم عاجل لتمكينه من تجاوز أزماته التي طال أمدها، بما يحفظ وحدة أراضيه واستقلاله ويصون كرامته.


مقالات ذات صلة

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

العالم العربي مظاهرات في مدن ولاية هيرشبيلى رفضاً للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

تتوالى التحركات العربية والإسلامية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي للإقليم الانفصالي في الصومال، وقررت منظمة التعاون الإسلامي (56 دولة) عقد اجتماع وزاري السبت.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)

الجامعة العربية: قضية «الجنوب اليمني» لن تُحل إلا بالحوار

أكد المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية المستشار جمال رشدي أنه لا يمكن معالجة «القضية الجنوبية» باليمن إلا بالحوار اليمني - اليمني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا 
جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة» ترفض اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

رفضت الجامعة العربية اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال، ما يسمى «إقليم أرض الصومال»، مشددة على الوقوف ضد «أي إجراءات تترتب على هذا الاعتراف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» تدين اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

أدان مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، الأحد، بـ«أشد العبارات اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال ما يسمى (أرض الصومال)»

فتحية الدخاخني (القاهرة)
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (د.ب.أ) p-circle

«الجامعة العربية»: الاعتراف بـ«أرض الصومال» اعتداء على الأمن القومي

وصف مجلس جامعة الدول العربية، الأحد، اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلةً بأنه «اعتداء على الأمن القومي العربي، ويزعزع الأمن والسلم الدوليَّين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.