ليبيا... بوادر العودة إلى «نقطة الصفر»

بين حراك فريقي حفتر و«الإخوان» ومحاولات السراج اختبار الواقع الجديد

ليبيا... بوادر العودة إلى «نقطة الصفر»
TT

ليبيا... بوادر العودة إلى «نقطة الصفر»

ليبيا... بوادر العودة إلى «نقطة الصفر»

طوال الرحلة إلى القاهرة؛ أي لمدة أكثر من سبع ساعات بالسيارة، لم يتوقف رنين الهواتف لتقصي الأحوال الصحية لقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، البالغ من العمر 75 عاماً. لم يكن الأمر يتعلق بقلق داخل أوساط سياسية وعسكرية من غياب المشير، لكن من احتمالات نزاع قبلي حول بنغازي في الشرق، وعودة الاقتتال بين ميليشيات حول طرابلس في الغرب.
فخلال الأيام القليلة الماضية وصل إلى العاصمة المصرية ضباط ليبيون وقادة مدنيون، عبر الحدود البرية، وعبر رحلات جوية أيضاً، وانشغل الجميع بحثاً عن خطط عملية لإنهاء فوضى تضرب بلادهم منذ إطاحة معمر القذافي في 2011. ومن الألفاظ المستخدمة لدى جلهم، تدرك كم هي مختلفة عن لغة المبعوث الأممي الدكتور غسان سلامة، الذي يتحدث عن إجراء انتخابات.

يقول محمد العبَّاني، رئيس المؤتمر الوطني العام الجامع «الليبي - الليبي»، بعد أن جاء من تونس إلى مصر بالطائرة «ما معني أن يطلب (سلامة) انتخابات في ظل انفلات أمني، وفي ظل انقسامات. من هو الليبي الذي سيأتي لكي ينتخب؟ وأين سينتخب؟ وأي مدينة هذه التي سيقيم فيها مثل هذه الانتخابات؟».
لا يظهر أن المشكلة في ليبيا - كما يحاول البعض أن يصورها - تخص استمرار حفتر أو اختفاءه من المشهد لأي سبب. فكل إنسان في النهاية عُرضة للمرض والغياب... الأمر يتعلق بما هو أعمق، ومنها أن جماعة «الإخوان» حققت في طرابلس تقدماً مثيراً، وذلك بترؤسها منذ أيام عدة واحداً من مخرجات اتفاق الصخيرات المدعوم دولياً، وهو المجلس الأعلى للدولة. وقد تعجَّلَ بعض زعماء الجماعة، المنتشين بالنصر، باستغلال مجلس الدولة لإعادة الحياة لمجموعات معادية لقوات يعتمد عليها رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج في طرابلس، ومعادية للجيش الذي يقوده حفتر، ولدول بالجوار. وعلى رأس هذه المجموعات «مجلس شورى» مدينة درنة، التي يحاصرها الجيش في الشرق، و«مجلس شورى بنغازي»، المصنف منظمةً إرهابيةً. إضافة إلى «عملية إخوانية محمومة» لجمع معلومات عن أجهزة رئيسية يعتمد عليها السراج.
وبدأت الجماعة في الضغط سريعاً للإفراج عن قادة المتطرفين داخل سجون طرابلس ومصراتة، وصبراتة والزاوية، وفقاً لمصادر أمنية ليبية، مشيرة إلى أن من بينهم جنسيات مصرية وتونسية وجزائرية، وغيرها.
يقول ضابط كبير من نظام معمر القذافي، بعد أن عبر الحدود، إن تعبير «بوادر العودة إلى نقطة الصفر»، المستخدم هذه الأيام في بلاده يشير إلى أحداث صيف عام 2014، حينما احتدمت الحرب وقتذاك بين ميليشيات جهوية ومذهبية بقيادة «الإخوان» من جانب، والتيار المدني الذي فاز بالأغلبية في انتخابات برلمان تلك السنة، من جانب آخر، ونتج منها منع البرلمان من عقد جلساته في العاصمة، وكذا وقوع انقسامات كبيرة داخل مؤسسات الجيش والشرطة، والمصارف والنفط.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة عملت الأمم المتحدة ودول الجوار، وعلى رأسها مصر وتونس والجزائر من أجل إنهاء خلافات الأفرقاء الليبيين. وحتى أسابيع قليلة مضت، كادت هذه الجهود أن تكلل بالنجاح، وبخاصة بعد تفاهمات مهمة جرت في القاهرة لتوحيد المؤسسة العسكرية، وأخرى تمت بين قادة سياسيين وقبليين شهدتها العاصمة التونسية، إلا أن الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن، كما يقال.
فبالإضافة للقلق من غياب حفتر لأسباب صحية، ظهرت مشكلة أخرى لم تكن في الحسبان. إذ خرج من على خشبة المسرح، أحد اللاعبين الرئيسيين، وهو الدكتور عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة. وحدث كل هذا مرة واحدة وفي وقت متسارع.
ويوصف السويحلي بأنه رجل معتدل، وحفيد لأحد رموز مدينة مصراتة التاريخيين. وقد بدأ يرسل في الشهور الأخيرة رسائل إيجابية تجاه الجهود المصرية والتونسية لتوحيد الجيش والمصالحة. كما أنه يتمتع بكلمة مسموعة في أوساط ضباط أقوياء بمدينة مصراتة. وفي هذا السياق، يقول أحد مساعديه، إن خسارته المجلس الرئاسي «بمثابة عرقلة لترتيبات تخص التقارب داخل الجيش، والتسوية بين حفتر في الشرق، ورئيس المجلس الرئاسي في الغرب».
وفي الانتخابات الداخلية على رئاسة مجلس الدولة، التي جرت قبل أيام، تمكنت جماعة «الإخوان» من الهيمنة على المجلس. وحققت الفوز لقائدها خالد المشري، المعروف بتشدده وخصومته للسلطات المصرية، ناهيك عن رفضه حفتر وميليشيات طرابلس الموالية للسراج.
ويجري في الوقت الراهن تصعيد مكتوم داخل فريقي حفتر، وجماعة «الإخوان»، بينما يبدو السراج كمن يبحث عن مخرج، وهو يدير دفة الأمور من العاصمة، في ظل وجود نواب للسراج محسوبين على الجماعات المتطرفة. يقول مستشار للسراج بهذا الخصوص «كانت مراجعات السويحلي لأعمال السراج كرئيس للسلطة التنفيذية غير مريحة له، والآن سيضطر السراج للتعامل مع (الإخوان) وطموحاتهم العابرة للحدود. وهذا غير مريح للجميع... هذه مشكلة. لقد بدأوا في تمهيد الأرض لأنفسهم بالفعل».
وفي خضم هذه التطورات العاصفة، جرى الترويج على نطاق واسع لأنباء تتحدث عن دخول حفتر في حالة صحية حرجة. وأشاعت منصات إعلامية محسوبة على جماعة الإخوان وتيارات متطرفة، ما قالت: إنه صراع داخل الجيش حول من يخلف حفتر، وذهبت إلى بث روح التنافس بين قبيلة الفرجان التي ينتمي إليها قائد الجيش، وقبيلة العواقير التي لعب أبناؤها دوراً كبيراً في طرد الميليشيات المتشددة من بنغازي.
لكن الدكتور محمد زبيدة، القيادي في مؤتمر القبائل، يقول إن الظروف التي تمر بها البلاد «لا تتحمل بطبيعة الحال ترف أي خلاف قبلي حول المناصب العسكرية... أعتقد أن هذا أمر غير موجود... وعلى العموم فحفتر ليس في حالة مَرَضِية خطيرة تستدعي كل هذه التخمينات».
ويتحرك معظم قادة الجيش الكبار، المحسوبين على نظام القذافي، بعيداً عن الأضواء، بمن في ذلك من اشتركوا في قيادة عمليات حربية مع حفتر لهزيمة الجماعات المتطرفة، ولكسب الأرض في الشرق وبعض مناطق الوسط والجنوب.
وفي استراحته بضواحي القاهرة، وافق أحد هؤلاء على الحديث بشأن مستقبل الجيش في حال غياب حفتر، دون أن يتم ذكر اسمه في القصة لأسباب أمنية وقبلية.
يقول الرجل، الذي يعد من القيادات العسكرية التي تتواصل مع أطراف من عموم ليبيا، بمن فيهم حفتر «أنت تتحدث عن عسكريين... وعن جيش عريق. وفي هذا السياق، هناك دائماً قيادات بديلة، حتى في الحرب... فعندما يسقط أحد القادة، هناك بدائل. والمؤسسة العسكرية قادرة على إفراز قيادات جديدة. أعتقد أن المشكلة ليست في الشرق، لكن في الغرب، وبخاصة بعد عودة (الإخوان) للواجهة».
ومثل كثير من قادة النظام السابق، يتحدث هذا الضابط، ذو الرتبة الكبيرة، بفخر حين يتعلق الأمر بالقوات المسلحة، ويقول على سبيل المثال «لقد تعرض الجيش للضرب بقوة (في 2011)، ونتج من ذلك تمزيق البنية التحتية، وفي المعسكرات، وفي سلاحي الدبابات والمدفعية، وسلاح البحرية. لكن تظل هناك قيادات عسكرية غير هيّنة، شاركت (فيما مضى) في حروب في أفريقيا، وفي مواجهات مع حلف الأطلسي عام 1986، واصطدمت بالبحرية الأميركية لعشر سنوات في خليج سرت. ودخلت في مواجهة مع حلف الناتو لمدة ثمانية شهور في 2011».
كما يتهم هذا الضابط «الإخوان» بالمشاركة في تفتيت ما تبقى من الجيش بعد مقتل القذافي، قائلاً، إنهم قاموا وقتها بتصعيد نجم عسكريين متقاعدين أو مفصولين من الخدمة لتولي مناصب قيادية، وطرد الضباط غير الموالين لهم. ويضيف: إن «الجماعة عادت من جديد هذه الأيام، من خلال نافذة مجلس الدولة. وهذه مشكلة كبيرة لحفتر والسراج، ولليبيين عموماً»، مشيراً إلى أن «جماعات متطرفة مرتبطة بـ(الإخوان) في ليبيا تسعى لاستغلال الموقف، والانتقام من القوات التي انخرطت في الحرب على الإرهاب من الشرق والغرب».
وبخصوص ما يمكن أن يحدث إذا ما اختفى حفتر من المشهد لأي سبب، يقول هذا الضابط «توجد قيادات عسكرية لديها خبرة تمتد لسنوات طويلة، ولدينا أقدميات في الجيش تحظى باحترام كبير». قبل أن يضيف موضحاً «لقد كانت هناك مشاورات لأشهر لتأسيس مجلس عسكري، يضم بعض هذه القيادات، لا يمكن ذكر أسمائهم الآن لأسباب أمنية. هذا المجلس سوف يقود هذه المرحلة، إلى أن يتكامل مع باقي القيادات العسكرية الأخرى في الغرب والجنوب، والوسط، من كل المؤسسة العسكرية، دون أي حساسية، لأن هؤلاء منتظمين في رتب وأقدميات».
ومن خلال حديث بعض كبار قادة النظام السابق ممن يؤيدون المشير حفتر، يستطيع المرء أن يشعر بأنهم غير مطمئنين بشكل كامل لبعض المتشددين في ولائهم للجنرال، الذي بدأ حياته العسكرية مع بزوغ نجم القذافي، بغض النظر عن كونه انضم لمعارضيه في ثمانينات القرن الماضي، ثم اشترك في الانتفاضة التي أطاحت به قبل سبع سنوات.
ويبدو أنه توجد أسماء لرتب عسكرية كبيرة موالية للنظام السابق موجودة داخل البلاد، ويمكن أن تظهر على رأس المؤسسة العسكرية في المستقبل، دون مقدمات.
من جانبه، أبدى الدكتور زبيدة دهشته من كثرة التكهنات عما يمكن أن يصيب المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها حفتر، في حال غيابه، بالقول: «حفتر ليس زعيم عصابة حتى تنتهي باختفائه... هذه مؤسسة عسكرية لديها تراتبية، وفيها ضباط على درجة كبيرة من الكفاءة والمهنية. فإذا اختفى خليفة حفتر، يوجد آلاف من الضباط الأكْفاء الذين سيقومون بما يقوم به وأفضل... المؤسسة ليست قائمة على المشير خليفة».
ويزيد زبيدة موضحاً، أنه يوجد في ليبيا ما يشبه المجلس العسكري، وإن كان غير معلن حتى الآن، مشيراً إلى أنه توجد أيضاً حظوظ لضباط من النظام السابق، وبخاصة أولئك الذين أبدوا صرامة عسكرية في مواجهة التنظيمات المتطرفة داخل مناطق عدة، خصوصاً المنطقة الشرقية في السنوات الأخيرة.
لكن الإعلامي رجب بن غزي، الذي تعرضت قناته التلفزيونية في طرابلس لهجمات بالقذائف الصاروخية أجبرته على النزوح للقاهرة، يرى أن «كل شيء مرتبط بحفتر؛ ولهذا فإذا غاب عن المشهد فجأة، فقد تنقلب منطقة شرق ليبيا رأساً على عقب... لماذا؟ لأنه لا يوجد شيء مبني على أساس متين. نحن هنا لا نتحدث عن دولة متماسكة مثل مصر، التي يوجد فيها جيش مؤسسي... في حالة ليبيا الكل مبني على شخص. وهذا أمر خطير». مشيراً إلى أن «قبيلة حفتر محسوبة على الوسط والغرب؛ أي على منطقتي سرت وترهونة، أما في الشرق فنخشى من أن تقول قبيلة من قبائل منطقة الشرق إنها الأوْلى بتولي المرحلة الجديدة، بعد المشير؛ وذلك بالنظر إلى أن أكثر من ضحوا واستشهدوا في الحرب ضد الإرهاب من أبنائها. وهذا أمر لا نتمناه في ظل هذه الظروف الصعبة».
وبعد أن عدَّد أسماء لقادة عسكريين معروفين في وسائل الإعلام بقربهم من المشير حفتر، يقول بن غزي، إن معظم هؤلاء يفتقرون لكاريزما مثل كاريزما المشير... «ولهذا؛ أتوقع أن يظهر اسم من أسماء القادة العسكريين غير المعروفين. هذا ممكن. ولا تنس أن معظم عسكريي النظام السابق كانوا يحاربون في المحاور المهمة في بنغازي مع حفتر».
وعلى كل حال، ففي الشهور الأخيرة أصبح من المعتاد أن تلتقي بكثير من الخصوم الليبيين، بعد وصولهم للقاهرة، وهم يتجادلون عن مستقبل بلادهم، لأيام عدة في غرف الضيافة المصممة على الطريقة الليبية، أو في بهو الفنادق المعتمة، بالنسبة لمن لا يفضلون الظهور تحت الأضواء. وقد تمكنت مثل هذه الزيارات المكوكية بين طرابلس وتونس والقاهرة من تذويب خلافات كثيرة، أهمها ما يتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية، برعاية مصر، وعقد «مؤتمر جامع» لليبيين في تونس كبلد محايد.
إلا أن أحد قيادات مصراتة العسكرية يقول، إن غياب السويحلي عن مجلس الدولة، وبقاء السراج وحيداً أمام سطوة «الإخوان» الجديدة، أمر ستكون له تداعيات على لمّ شمل المؤسسة العسكرية... «وببساطة، فقادة الجيش في الغرب، ممن كان يُسمح لهم بحضور اجتماعات القاهرة، سيجدون صعوبة في ذلك»، حسب تعبيره.
وحتى الآن ما زال كثير من الليبيين يثني على جهود مصر وتونس. وبهذا الخصوص يقول العبَّاني، بعد أن رجع للفندق من جولات على خصوم من القادة الليبيين في ضواحي القاهرة «مصر قريبة لنا... فهي تسعى وتبذل جهوداً كبيرة. مصالحنا واحدة. وقد استوعبت، مثل تونس، عدداً كبيراً من المُهجَّرين الليبيين. نحن نؤيد بقوة الاتفاق، الذي جرى في مصر (لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية). فأمن ليبيا أمن لمصر».
ويبدو من كلام العبَّاني أن «المؤتمر الجامع» الذي يقوم بالتحضير لعقده في تونس لا يحظى بالدعم، الذي كان يتوقعه من الأمم المتحدة، رغم أنه يزعم أنه هو صاحب الفكرة منذ نحو عامين بقوله «لقد عرضنا الفكرة على الأمم المتحدة منذ سنتين. عرضنا عليهم كيف يكون الحل في ليبيا... ولا بد أن يكون الحل ليبياً، وأننا نريد إشراف الأمم المتحدة على هذا الأمر... إشرافاً فقط على المؤتمر».
ويضيف العباني موضحاً: إن البعثة الأممية في ليبيا أطلقت مبادرة مماثلة، و«تجاهلت ما نقوم به... أعتقد أن السبب هو تمسكنا في اللجنة التحضيرية بأن تكون المبادرة ليبية صرفة، أي دون تدخل في التفاصيل الخاصة بالليبيين».
وعلى ما يبدو، يجد العبَّاني تشجيعاً لما يقوم به من جهود من كثير الفرقاء، وبخاصة أنه كان قد بدأ، مع المشير حفتر، منذ وقت مبكر في طرابلس، البحث عن طريق لاستعادة الدولة. وهو لديه خطط مشابهة لما هو مطروح من الأمم المتحدة، لكنها معكوسة، أي أنه لا يريد أن تبدأ الأمور بالانتخابات، كما يسعى لذلك الدكتور سلامة، لكن أن تبدأ بالمصالحة أولاً.
يقول العبَّاني في هذا الصدد «أساساً نحن ليس لدينا دستور، فعلى أي أساس سيتم انتخاب رئيس للدولة، أو حكومة؟ قلنا من قبل إنه لا بد أولاً من مصالحة وطنية شاملة، ثم بعد ذلك إنشاء الدستور، ومن خلاله يتم تحديد شكل الحكم والحكومة، ومدتها. يجب أن نضع قاعدة للدولة أولاً. ثم بعد ذلك تبدأ الانتخابات. لكن أن تجري الانتخابات، ثم تبحث عن مرحلة انتقالية. أقول لك: لا».
ويعيش العبَّاني، خريج كلية القانون، في طرابلس، لكن أصوله من مدينة ترهونة القريبة من العاصمة من ناحية الجنوب الشرقي، وهي مدينة تضم جانباً من قبيلة حفتر. ويقول، إن بداية نشاطه في العمل العام كانت منذ 2012، و«كان معنا المشير حفتر، وكل رجال المصالحة الوطنية الآخرين. بدأنا سوياً للمّ شمل ليبيا».
ويضيف موضحاً «وقتذاك، وبالدرجة الأولى، بدأ (حفتر) في محاولة بناء الجيش الموحد انطلاقاً من طرابلس. كنا نخشى مما حدث. قلنا إذا سارت الأمور على ما هي عليه، فإن الوطن سوف يتشتت. كنا نجتمع في أماكن عامة، منها مقر للمصالحة الوطنية في طرابلس، ولم نكن نجتمع في الخفاء».
وتعرض حفتر منذ ذلك الوقت لهجوم من تيارات متطرفة كانت تشجعها حكومات طرابلس وجماعة «الإخوان». ويتذكر العباني هذه المرحلة بقوله «كانت هناك تيارات إسلامية خطيرة. وأفشلتنا الحكومات المتعاقبة التي سيطرت عليها التيارات الإسلامية الرافضة لإعادة بناء الجيش. وهذا ما دفع حفتر للخروج من طرابلس. كانت الحكومات السابقة ضد بناء الجيش».
وانتقل حفتر إلى بنغازي، وأسس نواة لاستعادة الجيش. ثم بدأ عملية ضد الجماعات المتطرفة، أطلق عليها «عملية الكرامة» منذ عام 2014، وشملت الحملة قيادات محسوبة على جماعة «الإخوان» أيضاً. بينما واصل العبَّاني جهوده في المصالحة من طرابلس، فتمت معاقبته باغتيال ابنه الضابط في الشرطة عبد السلام في العام التالي... «ورغم هذا لم ننكسر، وما زلنا مستمرين حتى نصل إلى المراحل الأخيرة من المصالحة».
بيد أن عملية التقارب بين الشرق والغرب، تبدو الآن برمتها محفوفة بالمخاطر. وتنذر بالعودة بالبلاد إلى مواجهة بين تيار الإخوان المدعوم من المتطرفين، والتيار المدني المتمثل في أغلبية البرلمان، الذي يعقد جلساته في طبرق شرقاً، وبعض قيادات المجلس الرئاسي بقيادة السراج. أما مجلس الدولة، الذي كان طرفاً أصيلاً في محاولة لم الشمل، فقد انقلبت أحواله بعد خروج السويحلي منه الأسبوع الماضي.
يقول مصدر أمني ليبي مسؤول، إن هيمنة التيار المتشدد على مجلس الدولة «جرت بترتيب من التنظيم الدولي لجماعة (الإخوان)، ومن بعض الدول الإقليمية المتهمة برعاية الإرهاب، وهذا من شأنه أن يزيد التعقيد في موضوع توحيد الجيش، والمصالحة»، مشيراً في ردود مكتوبة وأخرى مسجلة إلى أن أبرز المستفيدين من خروج السويحلي من المجلس هي شخصيات وكيانات ليبية وغير ليبية، مدرجة في قائمة الإرهاب.
وبخصوص تأثير ذلك على المحاولات التي تقوم بها مصر وتونس، وأطراف أخرى، لإخراج ليبيا من الفوضى التي تمر بها، يجيب قائلاً: «هذا له تأثير سلبي كبير... الأمر لا يتعلق بليبيا فقط، لكن هناك خطراً عابراً للحدود، ويمس عدداً من دول الجوار».
ويشير المصدر نفسه إلى تحركات «إخوانية» «غير مبشرة على الإطلاق»، ويقول إن «ثلاثة قادة من التيار الإخواني الليبي قدموا قبل يومين ملفاً مزعوماً لدبلوماسي غربي، التقوا به في طرابلس، عما قالوا فيه إنها انتهاكات السلطات المصرية ضد جماعة (الإخوان) منذ عام 2013، وطلبوا تحريك الضغط الدولي على القاهرة».
ووفقاً لتقرير أمني، كان أحد هؤلاء القادة الليبيين الثلاثة من المعتصمين في ساحة «رابعة العدوية»، المؤيدين للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في تلك السنة بالقاهرة. وفرَّ من الميدان قبيل فض السلطات المصرية للاعتصام، كما «شارك كذلك مع تيارات متشددة في تونس».
وزار الدبلوماسي الغربي المشار إليه أطرافاً في المجلس الرئاسي بعد ذلك بساعات. وتطرق خلال الاجتماع إلى لقائه بالإخوان الثلاثة في مقر سفارة بلاده في طرابلس، وقدم تطمينات عن التطورات في العاصمة، بحسب مصدر على اطلاع بالموضع.
لكن في مساء اليوم التالي، حسبما يقول المصدر نفسه، تلقت أطراف بالمجلس الرئاسي تقارير مقلقة عن «أوامر فجة» أصدرتها قيادات «إخوانية» لجهات عدة في الدولة، لـ«جمع معلومات حساسة عن قضايا من اختصاص السلطة التنفيذية والقضائية».
ومن بين هذه الطلبات، أمر للنيابة بتقديم كشف يحوي كل أسماء المساجين المنتمين للتيارات المتطرفة، ومن بينها أيضاً أوامر لست قيادات كبيرة تابعة للسراج، من الجيش، والشرطة، والحرس الرئاسي، والقوات البحرية، والغرفة الأمنية الليبية الإيطالية، والمباحث العامة، بأن يقدموا لجماعة «الإخوان» تفاصيل كاملة عن التسليح والعتاد وعدد القوات وأسماء الموقوفين لدى كل جهة.
وبينما يعيد «إخوان ليبيا» ترتيب الأوراق بسرعة كبيرة في غرب البلاد، مشحونين بالعداء لميليشيات طرابلس الموالية للسراج، يبدو الشرق مشغولاً إلى حد كبير بمستقبل حفتر. وما بين هذا وذاك، يحاول المجلس الرئاسي في طرابلس الابتعاد عن نقاط الصدام في الواقع الجديد، انتظاراً لما ستسفر عنه مجريات الأحداث في الفترة المقبلة، وسط آمال معقودة على محاولات غسان سلامة، للحل، وكذلك وسط مخاوف من العودة بالبلاد إلى نقطة الصفر.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.