إيران… الطريق إلى العسكرة

المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)
المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)
TT

إيران… الطريق إلى العسكرة

المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)
المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)

يتحول نقاش «الرئيس العسكري» في إيران إلى جدل أساسي في الأوساط السياسية الإيرانية. وكانت القضية حديث العديد من الصحف المهمة على مدى الأيام القليلة الماضية.
وربما الوضع الإيراني الراهن جعل قضية رئاسة شخص عسكري للحكومة يبدو أكثر أهمية ويتوقع أن يتسع كل يوم. ليست الأوضاع الاقتصادية في البلاد على وشك الانهيار فحسب، بل إن الثقافة والمجتمع والأسرة والأمن لم تُستثنَ من هذه القاعدة.
إيران على حافة انهيار شامل. على الأقل مثل هذا الانطباع يتوسع بشكل حاد على مستوى النخبة السياسية. وتمكن رؤية مثال واضح على ذلك في بيان حزب «حركة الحرية»؛ الحزب القديم والمعتدل.
حسين الله كرم، الذي فتح کلامه أبواب الجدل قبل أيام حول ضرورة صعود عسكري «استراتيجي» في منصب الرئيس الإيراني، ليس اسماً مجهولاً في البلاد. الرجل أسس حركة «أنصار حزب الله» في بداية التسعینات من القرن الماضي، عندما كان عائداً من حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق. كانت الحركة تقود جماعات الضغط في إيران في فترتين رئاسيتين لكلٍّ من علي أكبر هاشمي رفسنجاني والإصلاحي محمد خاتمي. کانت تعد حينذاك واحدة من أدوات ضغط المحافظين. بعد فترة غياب عاد كرم إلى الواجهة بداية الأسبوع الماضي بإطلاق تصريح أثار قلق كثيرين قائلاً: «إن الإيرانيين يعتقدون أن عليهم اختيار عسكري استراتيجي لرئاسة الحكومة، وإلا فلن تكون النتيجة سوى انهيار».
على الرغم من أن حسين الله كرم ليس شخصية معروفة في مجال السياسة الإيرانية التطبیقية، فإنه يعد عينة لما يدور من أفكار داخل أوساط المحافظين المتشددين المقربين من «الحرس الثوري»، إلى جانب أشخاص آخرين تتحول الجامعة الحرة (آزاد) الإيرانية شيئاً فشيئاً إلى معقل لهم بعدما تم تنصيب المرشد الإيراني علي خامنئي مستشاره في الشؤون الدولية علي أكبر ولايتي رئيساً للجامعة.
تُشكل ثنائية «الانهيار - العسكرة» أساس ما تقوله هذه الجماعة. من وجهة نظرهم، إيران اليوم على حافة الانهيار. لم يبقَ من طريق للهروب من هذا الانهيار إلا اللجوء إلى عسكري بإمكانه إبعاد البلاد عن شبح التفكك. ثنائية «الانهيار - العسكرة» ليست جديدة على البلاد، إنها تذكّر الإيرانيين بنموذج مثير للجدل له أنصاره ومعارضوه الشرسون في الوقت نفسه منذ ما یقارب قرناً. النموذج هو رضا شاه مؤسس النظام البهلوي في بداية القرن العشرين، والذي يعده كثيرون ديكتاتوراً. بسط رضا شاه قوته في فترة تذكر الكتب التاريخية أن إيران كانت فيها على حافة الانهيار. تماماً مثل الیوم، کما یقول أنصار الفكرة.
بالطبع، رئيس جمهورية بخلفية عسكرية لا ينحصر في نموذج رضا شاه بهلوي. روحاني الجالس اليوم على كرسي الرئاسة شغل منصب قائد الدفاع الجوي، وقائد مقرّ خاتم الأنبياء للدفاع في منتصف الثمانينات. لكن ما يقصده اليوم المحافظون، رئاسة عسكري محترف وليس شخصاً تم حقنه من خارج المؤسسة العسكرية إلى أضلاعها الداخلية.
إضافةً إلى ذلك، فإن ما تقصده وسائل إعلام «الحرس الثوري» من الرئيس العسكري ليس من بين قادة الجيش. فالجيش خارج اللعبة في إيران. القصد جنرالات «الحرس الثوري».
يتذكر الناشطون السياسيون تلقائياً شخصين هما محسن رضايي ومحمد باقر قاليباف، كلما امتدّ الحديث إلى هذا الموضوع. الاثنان من قادة الحرس الثوري في حرب الخليج الأولى. الاثنان من المحافظين. كلاهما دخل معركة الانتخابات الرئاسية وجرّب طعم الهزيمة في كل مرة؛ قالیباف مُني بالهزیمة 3 مرات، ومحسن رضايي تلقاها مرتین. ربما لأنهم لم يحظوا بمساندة المحافظين. من جانبه محسن رضايي في كل مرة ترشح للانتخابات، لم يكن مرشح المحافظين. ومحمد باقر قاليباف أقصاه المحافظون كل مرة في الدقيقة التسعين. الآن كل منهما لديه مهام غير عسكرية. رضايي أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام، وقاليباف عضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام، بعدما كان عمدة طهران لـ12 عاماً.
على ما يبدو، فإن ذلك سبب في خروج هؤلاء من دائرة المرشحين. منظّرو المحافظين المقربون من «الحرس الثوري» عندما يتكلمون عن رئاسة عسكري يقصدون أن يكون عسكرياً في الوقت الحاضر. فضلاً عن ذلك، هم يعرفون أن الناس في الانتخابات لم يرغبوا إطلاقاً في مرشحين عسكريين. انتخابات الرئاسة أبانت بوضوح أن الإيرانيين لم يرحبوا بالجنرالات. رضايي وقاليباف وأمين عام مجلس الأمن القومي علي شمخاني انهزموا کلهم في الانتخابات الرئاسية.
ومن المثير للاهتمام، أنه بناءً على عدم ترحيب الرأي العام بالعسكريين حاول کلٌّ من رضايي وقاليباف تقديم نفسیهما كأشخاص غير عسكريين. والمثير أن روحاني خلال تنافسه مع قاليباف في الانتخابات الرئاسية، أخذ على منافسه خلفيته العسكرية واعتبرها نقطة ضعف، وبتأكيده الرتبة العسكرية لقاليباف حاول النيل من صورته الاجتماعية. مقطع هذا الهجوم تداوله الإيرانيون ملايين المرات في شبكات التواصل الاجتماعي وتسبب في انهيار سلة قاليباف الانتخابية. كأن خلفيته العسكرية أصبحت كعب أخيل لمحاولاته. وعليه، فإن المنظّرين المقربين من «الحرس الثوري» يدركون جيداً أن العسكري الذي من المقرر أن يدخل سباق الانتخابات الرئاسية يجب أن يكون رمزاً ويحظى بشعبية بين الناس. وفق المخطط الدعائي الذي تابعه «الحرس الثوري» في السنوات الأخيرة في تضخيم صورة بعض قادته، فإن قاسم سليماني يمتلك المواصفات المذكورة حسب ما یدّعون. قائد فيلق «القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» الذي یقوم المحافظون والمتشددون بعمل المستحيل لصناعة صورة البطل منه. قام التيار المحافظ بتعبئة السينما واللوحات الدعائية والتلفزيون والمهرجانات والصحف المحافظة والمواقع الإخبارية والتحليلية والجوامع لتحويله إلى شخصية كاريزمية وقيادي متمكن ومنقذ لإيران. في كلمة واحد «عسكري استراتيجي»؛ ألیس هذا ما یطالب به منظّرو المتشددین؟ ربما بناءً علی ذلك لا تأبى الحلقات الصانعة للقرار في الحرس الثوري والأوساط المتنفذة من ذكر اسمه كمرشح مطلوب للانتخابات الرئاسية.
«قدرات» قاسم سليماني من وجهة نظر هذه الدوائر تكمن في أنه «كان قادراً على إحداث تغيير عبر استخدام قوى غير إيرانية لكن مؤمنة بآيديولوجية إيران. يعني أنه أنفق أقل الموارد وجلب أكثر الأرباح لإيران. شخص استراتيجي استطاع أن يوحّد المؤمنين بالحضارة الإسلامية (وفق القراءة الإیرانية) من أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا ولبنان ويقودهم إلى هدف واحد». هذه العبارات لأمين عام «حزب الله إيران» حسن الله كرم ليست بسيطة يمكن التغاضي عنها بسهولة. یمکن للمرء أن يشم منها رائحة الهيمنة على المنطقة والتوسع الآيديولوجي الإيراني.
في وقت سابق، كانت قد أُثيرت قضية دخوله إلى الانتخابات، ولكنّ قاسم سلیماني رفض بشدة. وفي رسالة إلى المرشد الإيراني أطلق على نفسه اسم الجندي الأبدي للمرشد وللشعب. ومع ذلك فإن الأوضاع اليوم مختلفة وقد يزول إنكار سليماني لذاته بإشارة من خامنئي.
لكن القضية ليست بهذه البساطة، «الحرس الثوري» تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى تنّين من 7 رؤوس يبتلع إيران، تتنافس في داخله مجموعات مختلفة بمصالح متباينة. مجموعات ليس من الواضح أن تقبل جميعها قاسم سليماني.
إضافة إلى ذلك، فإن إثارة رئاسة جنرال قد يضر مشروع علي لاريجاني، رئيس البرلمان المتنفذ الذي يملك علاقات جيدة مع «الحرس الثوري» والذي شغل سابقاً منصب قائمقام هيئة الأركان في «الحرس الثوري»، وقائمقام غير عسكري لجهاز عسكري. يرنو لاريجاني اليوم إلى كرسي باستور (مقر الرئاسة)، ومن الممكن أن يذهب حلمه أدراج الرياح بسبب فكرة «الجنرال الرئيس».
خلال هذه الأيام، اتخذ الإصلاحيون موقفاً قاسياً ضد هذه الفكرة. مصطفي تاج زاده الذي كان مساعد وزير الداخلية في حكومة محمد خاتمي، ناشد عبر الشبكات الاجتماعي أي شخص يهمه أمر المجتمع المدني والحرية أن يقف بوجه تطلعات الحرس الثوري للهيمنة على السياسة. عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة في زمن محمد خاتمي، أشار بدوره إلى تجربة باكستان والهند وبنغلاديش، لكي يقول في هذا الصدد إن رئاسة العسكريين كارثية. وفي إشارة إلى تحذير الخميني من تدخل العسكريين في السياسة، اعتبر عدد من أعضاء البرلمان الإصلاحيين مشروع رئاسة الجنرال على نقيض توصيات الخميني.
لكن الحقيقة هي أن الإصلاحيين خائفون. إنهم يعرفون جيداً أن جنرالات الحرس الثوري يدخلون المعركة من موقع القوة ولن يتراجعوا بسهولة. تاج زاده يشير إلى هذه القضية بوضوح معتبراً إياها نقطة تحول، إما يتراجع «الحرس الثوري» إلی المعسكرات وإما يواصل مسار رقعة نفوذه، وبعد فتح الاقتصاد واختطاف السياسة الخارجية يحاول الحصول على كرسي الرئاسة. وبطبيعة الحال أظهر «الحرس الثوري» أنه ليس أهلاً للتراجع. التجربة تثبت ذلك والظروف ترجّح حدوثه.
كلمة الرمز لكل المدافعين عن فكرة رئاسة العسكريين هي «الانهيار والتفكك». وفق منظور هؤلاء فإن الإيرانيين أمام خيار شبح تفكك إيران وانهيار كل شيء، وتحوُّل إيران إلى ليبيا أو سوريا من جانب. هم يخوّفون الناس من الموت حتى يقتنعوا بالحمّى، ينطق ما تشهده إيران هذه الأيام بذلك.
ولكن ربما القضية ليست قضية الانهيار؛ أو على الأقل هذه ليست القضية الرئيسية لجنرالات الحرس، وثمة قضية أهم منها بالنسبة إليهم:
المرشد الإيراني مريض، والكل يعلم أنه لن يكون على قيد الحياة لفترة طويلة. بموت المرشد الإيراني ونظراً إلى اتساع صلاحیاته، ستدخل إيران في أزمة التنافس علی من يخلفه وبإمكان هذه الأزمة أن تحرق اليابس والأخضر. إن الحرس الثوري الذي أظهر خلال هذه السنوات أنه يغزو إيران خندقاً على أثر خندق، يعدّ نفسه لهذه الأزمة، ومن الممكن تفسير مناقشة الرئيس العسكري في سياق استعداد ورغبة الحرس الثوري هذه.
وربما سيأتي شخص ما ليقول إن هذا النقاش هو واحد من عشرات النقاشات العابرة والمثيرة للجدل التي نشهدها في المجال السياسي الإيراني قبل أن تُهمَّش بعد فترة. تحديداً مثل نقاش تغيير النظام السياسي من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني (رئيس الوزراء)؛ النقاش الذي أثاره خامنئي لكنه همِّش في النهاية.



لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، أن التهديد الأمني الذي استهدف «قاعدة فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

واستدعت لندن أمس، السفير الإيراني لديها للتعبير عن احتجاجها، كما أدرجت مواطنين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، «لدورهما في تسهيل أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها»، وذلك على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول).

وحذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها. وقال البيان المشترك الذي وقعته 29 دولة، إن «أي محاولة من جانب إيران لتهديد أشخاص على أراضينا، أو إسكاتهم، أو ترهيبهم، أو مضايقتهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو إكراههم.... يُعدّ أمراً غير مقبول».


حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، الاثنين، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

وفي هذا السياق، أعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني فيها، وإدراج مواطنَين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الأسبوع الماضي، بشكل مفاجئ، سحب جميع قاذفاتها من طراز «بي1» من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، عقب الحادثة.

وقال بيرنهام أمام «مجلس العموم (البرلمان)»: «تقييمنا هو أنه من المرجح للغاية أن يكون قد جرى التنسيق في إيران، وبتوجيه شبه مؤكد من (الحرس الثوري) الإيراني». وأضاف: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، مستخدمين كامل صلاحياتنا لاستهدافها واستهداف قنوات تمويلها».

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير الإيراني في لندن.

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وقال وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند: «نعلن أيضاً تصنيف مواطنَين إيرانيين اثنين؛ لدورهما في تسهيل أو الانخراط في أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد واضح يتمثل في التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها».

وأثارت الواقعة تكهنات واسعة منذ استدعاء الشرطة إلى القاعدة الواقعة في جنوب غربي إنجلترا، بعدما أبلغ مزارع عن وجود مجموعة من الرجال معهم شاحنات صغيرة بيضاء، يمارسون نشاطاً وصفه بأنه «مريب».

ورغم إجراء شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً موسعاً، فإنه قد أُفرج بكفالة عن المشتبه فيهم الـ7 الذين أوقفوا على مدى أيام، ومن بينهم مواطن بريطاني - إيراني، من دون توجيه اتهامات إلى أي منهم.

وصنّفت السلطات البريطانية الواقعة، في حينها، حادثةً «كبيرة»؛ مما أدى إلى إخلاء قرية مجاورة للقاعدة، غير أن مصدر التهديد وطبيعته ظلا يكتنفهما الغموض.

ولم يعثر المحققون على أي متفجرات داخل الشاحنات الصغيرة، لكنهم عثروا على كمية من البنزين، وفق ما ذكره مسؤولون.

وذكّر ميليباند بأن المملكة المتحدة قد «صنّفت (الحرس الثوري) الإيراني بموجب صلاحياتنا الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول، وفرضت عقوبات كبيرة على المسؤولين عن أنشطة إيران الخبيثة».


تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
TT

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)

يتباعد موقفا طهران وواشنطن حول شروطهما للعودة إلى التفاوض، مما يجعل فرص إنهاء الحرب تبدو بعيدة في الوقت الحالي. وقالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، وليس في مرة لاحقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن بلاده لا تزال تدرس الرد الأميركي، وأنها ستنقل موقفها إلى واشنطن عبر الوسطاء فور الانتهاء من تقييمه، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة، إلى جانب أطراف أخرى أبرزها روسيا التي عادت إلى ساحة الوساطة بقوة مؤخراً في مسعى يرمي إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الثامن.

خلاف على الشروط

لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ)

تأتي التصريحات الإيرانية في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات في التوصل إلى صيغة مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وكانت طهران قد قدمت مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، وأكدت لاحقاً تلقيها رداً أميركياً، لكن الاتصالات لم تحقق تقدماً ملموساً منذ ذلك الحين.

من جانبه، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إن الردَّ الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال 7 أيام، «غيرُ كافٍ». وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من بقية الشروط، من دون أن يحدد أي الشروط التي وافقت عليها واشنطن وتلك التي لن توافق عليها.

وأضاف أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها.

وأشار رضائي إلى أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، قائلاً إن «دبلوماسية إيران تغيّرت»، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

وتكتسب الأزمة أهمية دولية بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل استعادة حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في أي تسوية محتملة.

توسيع نطاق المواجهة

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي، صعّد رضائي لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إدارة الرئيس دونالد ترمب بالفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المتعلقة بالمضيق، وموجهاً انتقادات حادة إلى لعمليات الأميركية.

كما حذّر من أن تجدد القتال على نطاق واسع قد يدفع إيران إلى استهداف بنى تحتية في المنطقة، تشمل الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى، في تهديد من شأنه توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع.

ولم يقدم رضائي تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف المحتملة أو توقيت تنفيذ هذه التهديدات، التي تأتي في ظل استمرار التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في ترتيب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض؛ إذ تصر الولايات المتحدة على مناقشة البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، بينما تريد طهران إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الأمن في الممر المائي، على أن يُبحث الملف النووي ضمن مسار المفاوضات لاحقاً.

حوار أميركي ـ إسرائيلي بشأن ضرب إيران

لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل في خلفية ميدان وسط طهران 12 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

كان الكاتب في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف عن أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إسرائيل هي المتحمسة لاستئناف الحرب، فطلبوا منها مهاجمة إيران منفردة، كي تتحمل هي الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأضاف بن كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة.

استعادة إنتاج المسيّرات والصواريخ

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

جاء الطلب الأميركي بهجوم منفرد تقوم به إسرائيل، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

كانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت مؤخراً أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

تصعيد في «هرمز»

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في غضون ذلك، أعلن «الحرس الثوري» أن قواته استهدفت، يوم الاثنين، سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها. وقالت بحرية «الحرس الثوري» في بيان نُشر على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، إن «ناقلة نفط عملاقة تعرضت لضربة في مضيق هرمز واشتعلت فيها النيران».

وأضاف البيان أن السفينة المستهدفة «حاولت العبور بعد تعطيل أجهزة التعرّف والتتبع الخاصة بها، وأنها تجاهلت التحذيرات الصادرة عن بحرية (الحرس الثوري)».

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ مما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق مساء يوم الأحد، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي. وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إسنا) بأن هذه هي ثالث ناقلة نفط «مخالفة» تشتعل فيها النيران منذ يوم السبت، خلال عبورها مساراً غير مسموح به في مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن «جميع السفن الموجودة في نطاق مضيق هرمز التي تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بها ستُصنف على أنها معادية، وسيتم التعامل معها بحزم وشدة».

منافسة على التحكم في المضيق

من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يوم الأحد، استهداف سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدِفةً مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ مما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم السبت، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها.

ومنذ بداية الحرب، استهدفت إيران مراراً سفناً حاولت عبور مضيق هرمز من دون الحصول على إذن منها.

كان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» علي عظمائي، قد حذّر خلال عطلة نهاية الأسبوع من أن أي سفينة تُغلق أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء عبور المضيق ستُعد هدفاً معادياً.

وقيّدت إيران حركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية. وأصبحت الملاحة في المضيق والتحكم بها إحدى نقاط التجاذب الأساسية بين طهران وواشنطن، إذ تتمسك الأولى بأن تكون هي المشرفة على حركة العبور عبر مسار تحدده، في حين ترفض الثانية وأطراف عدة أخرى هذا الأمر.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وتعكس المواقف الإيرانية في مضيق هرمز والمفاوضات والملف النووي اتساع الفجوة مع واشنطن، مما يزيد من نطاق التوترات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية للحرب مرتبطة بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته.

غير أن التهديدات باستهداف البنى التحتية الإقليمية، إلى جانب تصاعد الهجمات، تُبرز حجم المخاطر التي قد تواجه أي جهود لاحتواء الصراع ومنع امتداده إلى جبهات جديدة.