فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

وسط تغيّرات مثيرة في المشهد السياسي والأمني في أفغانستان

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي
TT

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

لم تعد حركة طالبان المتشددة في أفغانستان مجرد ميليشيا رثة لطلبة مدارس دينية نصف أميّين. بل لقد دفعت السنوات العشر الماضية قيادة «طالبان» إلى عالم الدبلوماسية الإقليمية الغادر، حيث يُظهر عتاة الجواسيس أنفسهم كدبلوماسيين، ويصبحون مصدراً للمعدات العسكرية والدعم السياسي، وينخرط المسؤولون العسكريون من القوى الإقليمية في عمليات بناء تحالفات لتنصيب حكومات توافق رغباتهم في العاصمة الأفغانية كابل. ولقد أضفت الاتصالات المكثفة بين حركة طالبان الأفغانية والدول الإقليمية، بما في ذلك إيران والصين وروسيا، وجهاً من الشرعية على هذه الميليشيا، داخل المجتمع الأفغاني وكذلك على المستوى الإقليمي.
يرجح محللون سياسيون أن تقلل الاتصالات التي جرت أخيراً بين الدول الإقليمية الرئيسية المحيطة بأفغانستان -تحديداً، الصين وروسيا وإيران- وحركة طالبان الأفغانية من اعتماد الحركة - الميليشيا على باكستان. وفي الوقت ذاته، في ظل وجود اتصالات دبلوماسية وثيقة لحركة طالبان الأفغانية مع الدول الثلاث، ثمة فرصة كبيرة لظهور الميليشيا ككيان سياسي شرعي داخل المجتمع الأفغاني وعلى المستوى الإقليمي.
وعلى الرغم من أن الاتصالات بين «طالبان» الأفغانية والحكومة الروسية ما كانت سرية، فإن المسؤولين الروس العاملين في المنطقة لم يعترفوا علانية بوجود اتصالات سياسية بين الحكومة الروسية و«طالبان» إلا خلال الأسبوع الماضي. وحول هذا الأمر قال العميد محمود شاه، وهو مسؤول استخبارات كبير متقاعد وخبير أفغاني: «يقول الروس علناً إن الأميركيين على اتصال مع «طالبان»، فلماذا يريدون منع الدول الأخرى من البقاء على اتصال مع (طالبان)؟!».
من ناحية ثانية، ظهر الاتصال بين الحكومة الإيرانية والحكومة الأفغانية عندما قُتل القائد الأعلى السابق لـ«طالبان»، الملا أختر منصور، في غارة أميركية بطائرة «درون» من دون طيار على الحدود الباكستانية - الإيرانية في أثناء دخوله الأراضي الباكستانية من إيران. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن الغارة وقعت في أثناء استقلاله سيارة أجرة من الحدود الإيرانية إلى مدينة كويتا الباكستانية قرب الحدود مع أفغانستان، بعد بقائه لـ«مدة طويلة» في إيران. وبالمثل، أخبر الخبير الأفغاني الشهير رحيم الله يوسف زي، هذا الكاتب بأن الحكومة الصينية كانت على اتصال مع الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، قائلاً: إن «الصينيين يريدون التوسط بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان الأفغانية». وبالتالي، فإن كل هذه الاتصالات المنطوية على دبلوماسية بين «طالبان» والجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك إيران والصين وروسيا، ستضفي شرعية سياسية على «طالبان» داخل المجتمع الأفغاني، وأيضاً في الوضع الأمني الإقليمي. ونتيجة لذلك، تضفي الجهات الفاعلة الإقليمية الصبغة الشرعية بشكل متزايد على وجود «طالبان» ونشاطها، لأنه وفق رحيم الله يوسف زاي: «كل شخص يريد التحدث مع (طالبان)، وكل شخص يريد زيارة مسؤولي (طالبان) في العاصمة القطرية الدوحة».
- الخيارات العسكرية
كل هذا لم يمنع «طالبان» من الاعتماد المتواصل على الخيارات العسكرية كوسيلة لتحقيق أهدافها في أفغانستان. وتشير التقارير الصادرة من أفغانستان إلى أن الحركة ما زالت تنخرط في عمليات عسكرية فعّالة ضد قوات الحكومة الأفغانية وكذلك قوات حلف شمال الأطلسي «ناتو» داخل أفغانستان طوال فصل الشتاء. وأفاد «اتحاد أبحاث وتحليل الإرهاب» (TRAC)، وهو منظمة دولية لمراقبة الإرهاب مقرها العاصمة الأميركية واشنطن، في تقريره الأخير، بأن شهر يناير (كانون الثاني) كان فترة غير عادية في أفغانستان من منظور «طالبان». إذ ورد في تقرير «الاتحاد» الأخير قوله: «لقد كان يناير الماضي شهراً نشطاً بشكل استثنائي لكل من (طالبان IEA) و(داعش خراسان ISK)، مع إعلان (طالبان) وحدها بشكل مذهل مسؤوليتها عن 472 حادثاً على مدى موسم غير قتالي تقليدي في أفغانستان». وحتى بعد استبعاد الهجمات الكبرى التي وقعت في كابل على مدى الشهر، فإن العدد الهائل لبيانات إعلان المسؤولية عن الحوادث بالنسبة إلى بقية أفغانستان في يناير يعد صاعقاً. وسيكون 472 إعلان مسؤولية عن حوادث عدداً مذهلاً في شهر يوليو (تموز)، أما بالنسبة إلى شهر يناير فهو غير مسبوق. وهو يؤدي إلى استنتاج أن أوقات «موسم للقتال في أفغانستان» قد انتهت، لأن القتال «أصبح الآن على مدار السنة».
خلال الشهر الماضي، اتهم جنرال أميركي يعمل في أفغانستان، روسيا بتقديم أسلحة إلى «طالبان»، غير أن الحكومة الروسية رفضت هذا الادعاء. ولكن حتى الخبراء العسكريون المستقلون المقيمون في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يرون أن «طالبان» لا تحتاج إلى أي دولة أجنبية لتزويدها بالسلاح، وحسب العميد محمود شاه: «هناك الكثير من الأسلحة في أفغانستان التي يمكنك تسليح جيش من العالم الثالث بها، في ظل توافر الأسلحة في تلك الدولة التي مزّقتها الحرب».
... وخيار المباحثات
وفي هذا السياق، لم تظهر حركة طالبان، إبان السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، كقوة عسكرية فحسب، بل أيضاً كقوة على وشك الحصول على الشرعية السياسية من الجهات الفاعلة الإقليمية. وفي الشهر الماضي، عرض الرئيس الأفغاني أشرف غني على قيادة «طالبان»، بالفعل، مباحثات سلام مقابل تعهّد بالتخلي عن العنف. وتدعم الحكومة الباكستانية أيضاً مبادرة السلام التي عرضها الرئيس الأفغاني، إلا أنها، أوضحت للحكومة الأفغانية أنه في حال وقوع أعمال عنف واسعة النطاق داخل أفغانستان، فإن إمكانية إجراء مباحثات سلام ستتلاشى.
وهنا يُذكر أنه في عام 2015، أرادت الحكومة الأفغانية التباحث مع «طالبان» بهدف منع الحركة من شن «هجوم الربيع»، وحدث عكس هذا التوقع تماماً في أفغانستان في أعقاب المباحثات مع «طالبان» برعاية باكستان. وفي أفغانستان، كما هو متوقع، أعقبت هذه الزيادة في العنف تصريحات متعنتة من المسؤولين الأفغان بأنهم سيتعاملون مع «طالبان» بيد من حديد.
من ناحية أخرى، اتخذ الجانب الباكستاني موقفاً مختلفاً تماماً. ففي ذلك الوقت، قال مستشار رئيس الوزراء للشؤون الخارجية -آنذاك- سرتاج عزيز: «إن التهديد باستخدام العمل العسكري ضد العناصر غير القابلة للتصالح (طالبان) لا يمكن أن يسبق عرض إجراء المباحثات بالنسبة إلى جميع المجموعات وردها على مثل هذا العرض». وكان يقول للجانب الأفغاني إنه ينبغي ألا يُرفقوا أي شروط مسبقة لإجراء المباحثات، وإن عليهم تهيئة أجواء مواتية لها، كما أن عليهم ألا يحددوا أي موعد نهائي. ونتيجة لذلك، لم تنطلق هذه المباحثات المأمولة.
- أفغانستان مقبرة للسلام
الحقيقة أن أفغانستان ليست مجرد مقبرة للإمبراطوريات، بل هي مقبرة أيضاً لجهود السلام. ففي الماضي القريب، بذل الباكستانيون والسعوديون والصينيون والعديد من الجهات الفاعلة الإقليمية جهوداً لإقناع حركة طالبان الأفغانية والحكومة الأفغانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. ونظمت وكالات الاستخبارات الأميركية والغربية المسار الأول للمفاوضات في ألمانيا، الذي أبلغ مسؤولون أميركيون الجيش الباكستاني عنه في ديسمبر (كانون الأول) 2011.
أيضاً حاولت باكستان تنظيم إجراء مباحثات مباشرة بين «طالبان» وسلطات أفغانستان خلال السنوات الثلاث الماضية، لكن المحاولة لم تنجح. وفي الماضي، لم تنجح محاولات جهود السلام لسبب رئيسي هو أن كلاً من الحكومة الأفغانية و«طالبان» لم تأخذا إمكانية إجراء مباحثات كخيار جاد لحل نزاعهما، وواصل الطرفان جهودهما العسكرية من أجل حسم الصراع عسكرياً. ورغم ذلك، في الماضي، أبدى الطرفان موافقتهما على إمكانية الجلوس إلى طاولة المفاوضات وجهاً لوجه.
أما الآن، فهناك تغيّر طفيف في الموقف، وبالتوازي مع رفض «طالبان» الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع حكومة أفغانستان، قال متحدث «طالبان» أخيراً: «سنتحدث مباشرة مع واشنطن... نظام كابل عبارة عن نظام دُمى لن نتفاوض معه». ويعتقد معظم المحللين أن بيان «طالبان» هذا يعكس ثقة الحركة المكتسبة حديثاً لأنها تسيطر الآن على معظم الأراضي الأفغانية، كما أنها حصلت على ما يشبه الشرعية السياسية من الجهات الفاعلة الإقليمية.
وفي هذه الأثناء، ازدادت توقعات الحكومة الأفغانية والمسؤولين الأميركيين بأن باكستان قد تجلب «طالبان» إلى طاولة المفاوضات، بالإضافة إلى إقناع قيادة الحركة بالموافقة على حل سلمي للصراع. وكذلك واصلت الحكومة الأفغانية الضغط على الحكومة الباكستانية للتأثير على سياسات «طالبان». ولكن، في المقابل، الواضح أنه كلما تعرضت باكستان للضغط، فإنها تتوخى حذراً أكبر في دورها المحتمل بالتسوية السلمية الأفغانية. وقبل زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهيد خاقان عباسي، لكابل مباشرة، نُقِل عن مسؤول عسكري كبير قوله في وسائل الإعلام الباكستانية أنه ليس لدى باكستان التأثير على حركة طالبان الأفغانية، ولم تدّع أبداً امتلاكها تأثيراً على سياساتها. كما أوضح المسؤول العسكري أن الجيش الباكستاني لا يمتلك أي قدرة على جلب «طالبان» الأفغانية إلى طاولة المفاوضات مع سلطات كابل.
وبعد هذا البيان، حرص المسؤولون الباكستانيون أيضاً، في أعقاب مباحثاتهم مع ممثلي الحكومة الأفغانية في كابل، على أنهم لم يقولوا شيئاً عن قدرة باكستان على التأثير على سياسات «طالبان» أو جلبهم إلى طاولة المفاوضات. ووفقاً للبيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء عباسي في ختام زيارته لكابل، رحّب عباسي برؤية الرئيس أشرف غني للسلام والمصالحة في أفغانستان، وعرضه التباحث من أجل السلام مع «طالبان». وجاء في البيان: «دعا الزعيمان (طالبان) للاستجابة بشكل إيجابي لعروض السلام والانضمام إلى عملية السلام دون مزيد من التأخير. واتفقا على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع الأفغاني الجاري، وعلى أن الحل السياسي هو أفضل وسيلة للتقدم».
- أسس التوقعات
هذا، وتستند توقعات الحكومة الأفغانية في المقام الأول إلى تصوّرات مفادها أن معظم قيادة «طالبان» ما زالت مستقرة مقيمة في مدينة كويتا (بجنوب باكستان) قرب الحدود الأفغانية. ويرتكز هذا التصور على تقارير وسائل الإعلام في الصحف الأميركية التي مفادها أن قيادة «طالبان»، بما في ذلك الراحل الملا عمر، ظلت مقيمة في كويتا خلال الفترة منذ الغزو الأميركي لأفغانستان. وبصرف النظر عن صحة هذه التصوّرات أم لا، فثمة حقيقة خلفها هي أن باكستان كانت في الماضي تدعم حركة طالبان الأفغانية سياسياً وعسكرياً.
إن سياسة الحذر الباكستانية تجاه «طالبان» حديثة العهد، إذ لا يتجاوز عمرها بضعة أشهر، بينما في الماضي كان المسؤولون الباكستانيون يتفاخرون بتأثير بلادهم على الحركة الأفغانية. وفي تناقض تام مع موقف إسلام آباد الأخير المتمثل في إبقاء تأثيرها على «طالبان» تحت غطاء سياسي، من الواضح أن باكستان على اتصال مع الحركة من خلال مكتب الأخيرة في الدوحة. وقام وفد من «طالبان» مكوّن من 3 أعضاء من مكتب الدوحة بزيارة إسلام آباد في يناير، وأجرى مباحثات مع مسؤولين باكستانيين. ووفقاً لتقارير، تباحثت وفود «طالبان» المكوّنة من 3 أعضاء من مكتب الدوحة أيضاً مع ممثلي الحكومة الأفغانية، فيما نفت الحكومة هذا الأمر. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن باكستان أطلعت المسؤولين الأميركيين والأفغان على نتائج هذه المباحثات مع ممثلي «طالبان».
مع ذلك، باشرت باكستان النأي بنفسها علانية عن الحركة الأفغانية، ويبدو أنها تبعث برسالة استياء من التقارير التي تفيد بأنها يمكن أن تؤثر على سياسات «طالبان» أو تجلبها إلى طاولة المفاوضات. والجدير بالذكر، في هذا السياق، أن باكستان نقلت بالفعل للمسؤولين الأفغان والأميركيين، عبر القنوات الدبلوماسية، عجزها عن جلب «طالبان» إلى طاولة المفاوضات تحت كل الظروف. وتعتقد السلطات الباكستانية أنه بعد موجة من سفك الدماء في أفغانستان، التي من المتوقع حدوثها في «موسم الربيع» الحالي، سيكون من المستحيل تسهيل المباحثات بين «طالبان» وسلطات كابل.
- جماعة «تحريك طالبان باكستان» النشأة والتحول
> تعود بداية الاضطرابات التي عمّت المناطق القبلية في باكستان، إلى الفترة التي أعقبت الغزو الأميركي لأفغانستان مباشرةً عام 2001، لكن الاضطرابات سرعان ما تحولت إلى حالة أشبه بالتمرد عام 2004، وبلغ الوضع ذروته في ديسمبر (كانون الأول) 2007 عندما اجتمع نحو 40 من قادة الجماعات الإرهابية المسلحة في المناطق القبلية الباكستانية وفي منطقة «خيبر باختون خا» البشتونية الحدودية للاتفاق على تأسيس كيان موحّد كمظلة لجميع الكيانات أطلقوا عليها لاحقاً اسم «تحريك طالبان باكستان» (أي، حركة طالبان باكستان)، وعُيّن بيت الله محسود زعيماً لها، ليلقى حتفه لاحقاً.
كان محسود قد أكد أن الهدف من تأسيس التحالف هو «الجهاد الدفاعي»، ولكن عندما اتجه الصحافيون الباكستانيون إلى منطقة جنوب وزيرستان في مايو (أيار) 2008، أبلغهم محسود بأنه يعتبر الولايات المتحدة «عدوه الشخصي»، وكان في بعض الأحيان يهدد بتوسيع نطاق جهاده ومده إلى الدول الغربية.
وفي نهاية عام 2008، تلقت الحكومة الباكستانية معلومات من العواصم الأوروبية بأنهم ألقوا القبض على مواطنين باكستانيين وأوروبيين اعتنقوا الإسلام ويخططون لشن اعتداءات إرهابية في مدن أوروبية، وأيضاً أن هؤلاء تلقوا تدريباتهم في معسكرات تابعة لمحسود. وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط» عام 2008، قال مسؤول باكستاني: لقد «تلقينا معلومات مؤكدة من ألمانيا وإسبانيا تفيد بأن إرهابيين تلقوا تدريبات في معسكرات تابعة لمحسود قد ألقي القبض عليهم في تلك الدول». كان ذلك البلاغ بمثابة الإشارة الأولى على أن جماعة «تحريك طالبان باكستان» قد تحولت إلى «جماعة جهادية عالمية».
ومن ثم، تمكنت أجهزة الاستخبارات الباكستانية ومعها عدد محدود من الكتاب والخبراء المعنيين بالإرهاب والقتال، من توثيق ورصد الأدلة على وجود تعاون بين «تحريك طالبان باكستان» وتنظيم «القاعدة» الإرهابي. وأفاد الخبراء بأنه ليس سراً أن التنظيمين نفّذا عمليات إرهابية في المدن الباكستانية بمساعدة عناصر محلية. وبات من المعروف الآن أن «تحريك طالبان باكستان» أُسست في ديسمبر (كانون الأول) (كانون أول) 2007 للعمل كمظلة لأكثر من 20 جماعة في منطقة جنوب وزيرستان الحدودية مع أفغانستان، وأن ذلك التاريخ يمثل بداية بزوغها. ومنذ نشأتها الأولى، كان وجود المتشددين العرب ملحوظاً بقوة لكنه اقتصر في البداية على التمويل. ولقد اعترف الزعيم الذي لقي حتفه، محسود، في مقابلة شخصية، بأن العرب وتنظيم «القاعدة» كلاهما قدم تمويلات ساعدت في تأسيس جماعة «تحريك طالبان باكستان».
من جهة أخرى، لا عجب أنه في غضون سنتين من تأسيسها، بات للجماعات العربية المرتبطة بـ«القاعدة» ممثلون في المجلس المركزي لجماعة «تحريك طالبان باكستان». وأفاد الخبراء بأن تلك كانت المرة الأولى التي يكون فيها للمتشددين نفوذ في صناعة القرار داخل الجماعة. وللعلم، ينتسب العديد من مقاتلي التنظيم على الأرض، وكذلك العديد من قادتها، إلى مدرسة «الديوبندية» الفكرية المتطرفة، لكن أتباع تلك المدرسة تلاشوا مع مرور الوقت لصالح العناصر المسلحة والتنظيمات الطائفية والمناطقية التي حوّلت عملياتها من وسط باكستان إلى المناطق القبلية. من تلك التنظيمات كانت جماعات مسلحة مثل «عسكر طيبة» المتشددة، وبعض العناصر الأصولية من «الجماعة الإسلامية» وغيرها من الجماعات المسلحة التي سيطرت على القرار داخل «تحريك طالبان» حتى عام 2010.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.