فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

وسط تغيّرات مثيرة في المشهد السياسي والأمني في أفغانستان

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي
TT

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

لم تعد حركة طالبان المتشددة في أفغانستان مجرد ميليشيا رثة لطلبة مدارس دينية نصف أميّين. بل لقد دفعت السنوات العشر الماضية قيادة «طالبان» إلى عالم الدبلوماسية الإقليمية الغادر، حيث يُظهر عتاة الجواسيس أنفسهم كدبلوماسيين، ويصبحون مصدراً للمعدات العسكرية والدعم السياسي، وينخرط المسؤولون العسكريون من القوى الإقليمية في عمليات بناء تحالفات لتنصيب حكومات توافق رغباتهم في العاصمة الأفغانية كابل. ولقد أضفت الاتصالات المكثفة بين حركة طالبان الأفغانية والدول الإقليمية، بما في ذلك إيران والصين وروسيا، وجهاً من الشرعية على هذه الميليشيا، داخل المجتمع الأفغاني وكذلك على المستوى الإقليمي.
يرجح محللون سياسيون أن تقلل الاتصالات التي جرت أخيراً بين الدول الإقليمية الرئيسية المحيطة بأفغانستان -تحديداً، الصين وروسيا وإيران- وحركة طالبان الأفغانية من اعتماد الحركة - الميليشيا على باكستان. وفي الوقت ذاته، في ظل وجود اتصالات دبلوماسية وثيقة لحركة طالبان الأفغانية مع الدول الثلاث، ثمة فرصة كبيرة لظهور الميليشيا ككيان سياسي شرعي داخل المجتمع الأفغاني وعلى المستوى الإقليمي.
وعلى الرغم من أن الاتصالات بين «طالبان» الأفغانية والحكومة الروسية ما كانت سرية، فإن المسؤولين الروس العاملين في المنطقة لم يعترفوا علانية بوجود اتصالات سياسية بين الحكومة الروسية و«طالبان» إلا خلال الأسبوع الماضي. وحول هذا الأمر قال العميد محمود شاه، وهو مسؤول استخبارات كبير متقاعد وخبير أفغاني: «يقول الروس علناً إن الأميركيين على اتصال مع «طالبان»، فلماذا يريدون منع الدول الأخرى من البقاء على اتصال مع (طالبان)؟!».
من ناحية ثانية، ظهر الاتصال بين الحكومة الإيرانية والحكومة الأفغانية عندما قُتل القائد الأعلى السابق لـ«طالبان»، الملا أختر منصور، في غارة أميركية بطائرة «درون» من دون طيار على الحدود الباكستانية - الإيرانية في أثناء دخوله الأراضي الباكستانية من إيران. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن الغارة وقعت في أثناء استقلاله سيارة أجرة من الحدود الإيرانية إلى مدينة كويتا الباكستانية قرب الحدود مع أفغانستان، بعد بقائه لـ«مدة طويلة» في إيران. وبالمثل، أخبر الخبير الأفغاني الشهير رحيم الله يوسف زي، هذا الكاتب بأن الحكومة الصينية كانت على اتصال مع الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، قائلاً: إن «الصينيين يريدون التوسط بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان الأفغانية». وبالتالي، فإن كل هذه الاتصالات المنطوية على دبلوماسية بين «طالبان» والجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك إيران والصين وروسيا، ستضفي شرعية سياسية على «طالبان» داخل المجتمع الأفغاني، وأيضاً في الوضع الأمني الإقليمي. ونتيجة لذلك، تضفي الجهات الفاعلة الإقليمية الصبغة الشرعية بشكل متزايد على وجود «طالبان» ونشاطها، لأنه وفق رحيم الله يوسف زاي: «كل شخص يريد التحدث مع (طالبان)، وكل شخص يريد زيارة مسؤولي (طالبان) في العاصمة القطرية الدوحة».
- الخيارات العسكرية
كل هذا لم يمنع «طالبان» من الاعتماد المتواصل على الخيارات العسكرية كوسيلة لتحقيق أهدافها في أفغانستان. وتشير التقارير الصادرة من أفغانستان إلى أن الحركة ما زالت تنخرط في عمليات عسكرية فعّالة ضد قوات الحكومة الأفغانية وكذلك قوات حلف شمال الأطلسي «ناتو» داخل أفغانستان طوال فصل الشتاء. وأفاد «اتحاد أبحاث وتحليل الإرهاب» (TRAC)، وهو منظمة دولية لمراقبة الإرهاب مقرها العاصمة الأميركية واشنطن، في تقريره الأخير، بأن شهر يناير (كانون الثاني) كان فترة غير عادية في أفغانستان من منظور «طالبان». إذ ورد في تقرير «الاتحاد» الأخير قوله: «لقد كان يناير الماضي شهراً نشطاً بشكل استثنائي لكل من (طالبان IEA) و(داعش خراسان ISK)، مع إعلان (طالبان) وحدها بشكل مذهل مسؤوليتها عن 472 حادثاً على مدى موسم غير قتالي تقليدي في أفغانستان». وحتى بعد استبعاد الهجمات الكبرى التي وقعت في كابل على مدى الشهر، فإن العدد الهائل لبيانات إعلان المسؤولية عن الحوادث بالنسبة إلى بقية أفغانستان في يناير يعد صاعقاً. وسيكون 472 إعلان مسؤولية عن حوادث عدداً مذهلاً في شهر يوليو (تموز)، أما بالنسبة إلى شهر يناير فهو غير مسبوق. وهو يؤدي إلى استنتاج أن أوقات «موسم للقتال في أفغانستان» قد انتهت، لأن القتال «أصبح الآن على مدار السنة».
خلال الشهر الماضي، اتهم جنرال أميركي يعمل في أفغانستان، روسيا بتقديم أسلحة إلى «طالبان»، غير أن الحكومة الروسية رفضت هذا الادعاء. ولكن حتى الخبراء العسكريون المستقلون المقيمون في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يرون أن «طالبان» لا تحتاج إلى أي دولة أجنبية لتزويدها بالسلاح، وحسب العميد محمود شاه: «هناك الكثير من الأسلحة في أفغانستان التي يمكنك تسليح جيش من العالم الثالث بها، في ظل توافر الأسلحة في تلك الدولة التي مزّقتها الحرب».
... وخيار المباحثات
وفي هذا السياق، لم تظهر حركة طالبان، إبان السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، كقوة عسكرية فحسب، بل أيضاً كقوة على وشك الحصول على الشرعية السياسية من الجهات الفاعلة الإقليمية. وفي الشهر الماضي، عرض الرئيس الأفغاني أشرف غني على قيادة «طالبان»، بالفعل، مباحثات سلام مقابل تعهّد بالتخلي عن العنف. وتدعم الحكومة الباكستانية أيضاً مبادرة السلام التي عرضها الرئيس الأفغاني، إلا أنها، أوضحت للحكومة الأفغانية أنه في حال وقوع أعمال عنف واسعة النطاق داخل أفغانستان، فإن إمكانية إجراء مباحثات سلام ستتلاشى.
وهنا يُذكر أنه في عام 2015، أرادت الحكومة الأفغانية التباحث مع «طالبان» بهدف منع الحركة من شن «هجوم الربيع»، وحدث عكس هذا التوقع تماماً في أفغانستان في أعقاب المباحثات مع «طالبان» برعاية باكستان. وفي أفغانستان، كما هو متوقع، أعقبت هذه الزيادة في العنف تصريحات متعنتة من المسؤولين الأفغان بأنهم سيتعاملون مع «طالبان» بيد من حديد.
من ناحية أخرى، اتخذ الجانب الباكستاني موقفاً مختلفاً تماماً. ففي ذلك الوقت، قال مستشار رئيس الوزراء للشؤون الخارجية -آنذاك- سرتاج عزيز: «إن التهديد باستخدام العمل العسكري ضد العناصر غير القابلة للتصالح (طالبان) لا يمكن أن يسبق عرض إجراء المباحثات بالنسبة إلى جميع المجموعات وردها على مثل هذا العرض». وكان يقول للجانب الأفغاني إنه ينبغي ألا يُرفقوا أي شروط مسبقة لإجراء المباحثات، وإن عليهم تهيئة أجواء مواتية لها، كما أن عليهم ألا يحددوا أي موعد نهائي. ونتيجة لذلك، لم تنطلق هذه المباحثات المأمولة.
- أفغانستان مقبرة للسلام
الحقيقة أن أفغانستان ليست مجرد مقبرة للإمبراطوريات، بل هي مقبرة أيضاً لجهود السلام. ففي الماضي القريب، بذل الباكستانيون والسعوديون والصينيون والعديد من الجهات الفاعلة الإقليمية جهوداً لإقناع حركة طالبان الأفغانية والحكومة الأفغانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. ونظمت وكالات الاستخبارات الأميركية والغربية المسار الأول للمفاوضات في ألمانيا، الذي أبلغ مسؤولون أميركيون الجيش الباكستاني عنه في ديسمبر (كانون الأول) 2011.
أيضاً حاولت باكستان تنظيم إجراء مباحثات مباشرة بين «طالبان» وسلطات أفغانستان خلال السنوات الثلاث الماضية، لكن المحاولة لم تنجح. وفي الماضي، لم تنجح محاولات جهود السلام لسبب رئيسي هو أن كلاً من الحكومة الأفغانية و«طالبان» لم تأخذا إمكانية إجراء مباحثات كخيار جاد لحل نزاعهما، وواصل الطرفان جهودهما العسكرية من أجل حسم الصراع عسكرياً. ورغم ذلك، في الماضي، أبدى الطرفان موافقتهما على إمكانية الجلوس إلى طاولة المفاوضات وجهاً لوجه.
أما الآن، فهناك تغيّر طفيف في الموقف، وبالتوازي مع رفض «طالبان» الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع حكومة أفغانستان، قال متحدث «طالبان» أخيراً: «سنتحدث مباشرة مع واشنطن... نظام كابل عبارة عن نظام دُمى لن نتفاوض معه». ويعتقد معظم المحللين أن بيان «طالبان» هذا يعكس ثقة الحركة المكتسبة حديثاً لأنها تسيطر الآن على معظم الأراضي الأفغانية، كما أنها حصلت على ما يشبه الشرعية السياسية من الجهات الفاعلة الإقليمية.
وفي هذه الأثناء، ازدادت توقعات الحكومة الأفغانية والمسؤولين الأميركيين بأن باكستان قد تجلب «طالبان» إلى طاولة المفاوضات، بالإضافة إلى إقناع قيادة الحركة بالموافقة على حل سلمي للصراع. وكذلك واصلت الحكومة الأفغانية الضغط على الحكومة الباكستانية للتأثير على سياسات «طالبان». ولكن، في المقابل، الواضح أنه كلما تعرضت باكستان للضغط، فإنها تتوخى حذراً أكبر في دورها المحتمل بالتسوية السلمية الأفغانية. وقبل زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهيد خاقان عباسي، لكابل مباشرة، نُقِل عن مسؤول عسكري كبير قوله في وسائل الإعلام الباكستانية أنه ليس لدى باكستان التأثير على حركة طالبان الأفغانية، ولم تدّع أبداً امتلاكها تأثيراً على سياساتها. كما أوضح المسؤول العسكري أن الجيش الباكستاني لا يمتلك أي قدرة على جلب «طالبان» الأفغانية إلى طاولة المفاوضات مع سلطات كابل.
وبعد هذا البيان، حرص المسؤولون الباكستانيون أيضاً، في أعقاب مباحثاتهم مع ممثلي الحكومة الأفغانية في كابل، على أنهم لم يقولوا شيئاً عن قدرة باكستان على التأثير على سياسات «طالبان» أو جلبهم إلى طاولة المفاوضات. ووفقاً للبيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء عباسي في ختام زيارته لكابل، رحّب عباسي برؤية الرئيس أشرف غني للسلام والمصالحة في أفغانستان، وعرضه التباحث من أجل السلام مع «طالبان». وجاء في البيان: «دعا الزعيمان (طالبان) للاستجابة بشكل إيجابي لعروض السلام والانضمام إلى عملية السلام دون مزيد من التأخير. واتفقا على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع الأفغاني الجاري، وعلى أن الحل السياسي هو أفضل وسيلة للتقدم».
- أسس التوقعات
هذا، وتستند توقعات الحكومة الأفغانية في المقام الأول إلى تصوّرات مفادها أن معظم قيادة «طالبان» ما زالت مستقرة مقيمة في مدينة كويتا (بجنوب باكستان) قرب الحدود الأفغانية. ويرتكز هذا التصور على تقارير وسائل الإعلام في الصحف الأميركية التي مفادها أن قيادة «طالبان»، بما في ذلك الراحل الملا عمر، ظلت مقيمة في كويتا خلال الفترة منذ الغزو الأميركي لأفغانستان. وبصرف النظر عن صحة هذه التصوّرات أم لا، فثمة حقيقة خلفها هي أن باكستان كانت في الماضي تدعم حركة طالبان الأفغانية سياسياً وعسكرياً.
إن سياسة الحذر الباكستانية تجاه «طالبان» حديثة العهد، إذ لا يتجاوز عمرها بضعة أشهر، بينما في الماضي كان المسؤولون الباكستانيون يتفاخرون بتأثير بلادهم على الحركة الأفغانية. وفي تناقض تام مع موقف إسلام آباد الأخير المتمثل في إبقاء تأثيرها على «طالبان» تحت غطاء سياسي، من الواضح أن باكستان على اتصال مع الحركة من خلال مكتب الأخيرة في الدوحة. وقام وفد من «طالبان» مكوّن من 3 أعضاء من مكتب الدوحة بزيارة إسلام آباد في يناير، وأجرى مباحثات مع مسؤولين باكستانيين. ووفقاً لتقارير، تباحثت وفود «طالبان» المكوّنة من 3 أعضاء من مكتب الدوحة أيضاً مع ممثلي الحكومة الأفغانية، فيما نفت الحكومة هذا الأمر. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن باكستان أطلعت المسؤولين الأميركيين والأفغان على نتائج هذه المباحثات مع ممثلي «طالبان».
مع ذلك، باشرت باكستان النأي بنفسها علانية عن الحركة الأفغانية، ويبدو أنها تبعث برسالة استياء من التقارير التي تفيد بأنها يمكن أن تؤثر على سياسات «طالبان» أو تجلبها إلى طاولة المفاوضات. والجدير بالذكر، في هذا السياق، أن باكستان نقلت بالفعل للمسؤولين الأفغان والأميركيين، عبر القنوات الدبلوماسية، عجزها عن جلب «طالبان» إلى طاولة المفاوضات تحت كل الظروف. وتعتقد السلطات الباكستانية أنه بعد موجة من سفك الدماء في أفغانستان، التي من المتوقع حدوثها في «موسم الربيع» الحالي، سيكون من المستحيل تسهيل المباحثات بين «طالبان» وسلطات كابل.
- جماعة «تحريك طالبان باكستان» النشأة والتحول
> تعود بداية الاضطرابات التي عمّت المناطق القبلية في باكستان، إلى الفترة التي أعقبت الغزو الأميركي لأفغانستان مباشرةً عام 2001، لكن الاضطرابات سرعان ما تحولت إلى حالة أشبه بالتمرد عام 2004، وبلغ الوضع ذروته في ديسمبر (كانون الأول) 2007 عندما اجتمع نحو 40 من قادة الجماعات الإرهابية المسلحة في المناطق القبلية الباكستانية وفي منطقة «خيبر باختون خا» البشتونية الحدودية للاتفاق على تأسيس كيان موحّد كمظلة لجميع الكيانات أطلقوا عليها لاحقاً اسم «تحريك طالبان باكستان» (أي، حركة طالبان باكستان)، وعُيّن بيت الله محسود زعيماً لها، ليلقى حتفه لاحقاً.
كان محسود قد أكد أن الهدف من تأسيس التحالف هو «الجهاد الدفاعي»، ولكن عندما اتجه الصحافيون الباكستانيون إلى منطقة جنوب وزيرستان في مايو (أيار) 2008، أبلغهم محسود بأنه يعتبر الولايات المتحدة «عدوه الشخصي»، وكان في بعض الأحيان يهدد بتوسيع نطاق جهاده ومده إلى الدول الغربية.
وفي نهاية عام 2008، تلقت الحكومة الباكستانية معلومات من العواصم الأوروبية بأنهم ألقوا القبض على مواطنين باكستانيين وأوروبيين اعتنقوا الإسلام ويخططون لشن اعتداءات إرهابية في مدن أوروبية، وأيضاً أن هؤلاء تلقوا تدريباتهم في معسكرات تابعة لمحسود. وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط» عام 2008، قال مسؤول باكستاني: لقد «تلقينا معلومات مؤكدة من ألمانيا وإسبانيا تفيد بأن إرهابيين تلقوا تدريبات في معسكرات تابعة لمحسود قد ألقي القبض عليهم في تلك الدول». كان ذلك البلاغ بمثابة الإشارة الأولى على أن جماعة «تحريك طالبان باكستان» قد تحولت إلى «جماعة جهادية عالمية».
ومن ثم، تمكنت أجهزة الاستخبارات الباكستانية ومعها عدد محدود من الكتاب والخبراء المعنيين بالإرهاب والقتال، من توثيق ورصد الأدلة على وجود تعاون بين «تحريك طالبان باكستان» وتنظيم «القاعدة» الإرهابي. وأفاد الخبراء بأنه ليس سراً أن التنظيمين نفّذا عمليات إرهابية في المدن الباكستانية بمساعدة عناصر محلية. وبات من المعروف الآن أن «تحريك طالبان باكستان» أُسست في ديسمبر (كانون الأول) (كانون أول) 2007 للعمل كمظلة لأكثر من 20 جماعة في منطقة جنوب وزيرستان الحدودية مع أفغانستان، وأن ذلك التاريخ يمثل بداية بزوغها. ومنذ نشأتها الأولى، كان وجود المتشددين العرب ملحوظاً بقوة لكنه اقتصر في البداية على التمويل. ولقد اعترف الزعيم الذي لقي حتفه، محسود، في مقابلة شخصية، بأن العرب وتنظيم «القاعدة» كلاهما قدم تمويلات ساعدت في تأسيس جماعة «تحريك طالبان باكستان».
من جهة أخرى، لا عجب أنه في غضون سنتين من تأسيسها، بات للجماعات العربية المرتبطة بـ«القاعدة» ممثلون في المجلس المركزي لجماعة «تحريك طالبان باكستان». وأفاد الخبراء بأن تلك كانت المرة الأولى التي يكون فيها للمتشددين نفوذ في صناعة القرار داخل الجماعة. وللعلم، ينتسب العديد من مقاتلي التنظيم على الأرض، وكذلك العديد من قادتها، إلى مدرسة «الديوبندية» الفكرية المتطرفة، لكن أتباع تلك المدرسة تلاشوا مع مرور الوقت لصالح العناصر المسلحة والتنظيمات الطائفية والمناطقية التي حوّلت عملياتها من وسط باكستان إلى المناطق القبلية. من تلك التنظيمات كانت جماعات مسلحة مثل «عسكر طيبة» المتشددة، وبعض العناصر الأصولية من «الجماعة الإسلامية» وغيرها من الجماعات المسلحة التي سيطرت على القرار داخل «تحريك طالبان» حتى عام 2010.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.