هل كانت نظريات فرويد محض أوهام؟

كتاب يتهمه بأنه كان «دجالاً» يرمي إلى بلوغ الشهرة بأي ثمن

فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.
فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.
TT

هل كانت نظريات فرويد محض أوهام؟

فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.
فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.

ما من أديب أو عالم أو فيلسوف - بالغة ما بلغت مكانته الفكرية - بمنجى من نيران النقد أو فوق المساءلة. هذا ما يؤكده كتاب جديد عن مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد (1856 - 1939) يحمل عنوان «فرويد: تكوين وهم» من تأليف فردريك كروز، صدر عن دار بروفايل للنشر في 746 صفحة.
لم يكن فرويد مجرد عالم موهوب (فالغرب زاخر بالعلماء الموهوبين في مختلف المجالات) وإنما كان واحدا من صناع العقل الحديث، «مناخا كاملا من الرأي- نعيش تحته حيواتنا المختلفة» كما وصفه الشاعر و. ه. آودن في قصيدة له عام 1939، ولكن هذا الكتاب يشن على فرويد حملة شعواء. وكما يقول تيم سميث –لينج في جريدة «ذا ديلي تلغراف» البريطانية فإن فردريك كروز بدأ حياته فرويديا، وأخرج في 1966 كتابا في التحليل النفسي عن الروائي الأميركي ناثانيل هوثورن عنوانه «خطايا الآباء». لكنه ما لبث أن انقلب على نظريات فرويد في أواخر سبعينات القرن الماضي. ويقوم هجومه على «طبيب فيينا» - كما كان فرويد يدعي - على ركيزتين: (1) إن التحليل النفسي علم زائف (2) إن فرويد ذاته مفتقر إلى الأمانة العقلية والمهنية.
يذهب كروز إلى أن فرويد من حيث الجوهر محتال كان يرمي إلى بلوغ الشهرة بأي ثمن، اعتمد في صياغة نظرياته على تخمينات مغربة في الخيال، وحاول محو أخطائه الماضية وإقامة تمثال - على صعيد دولي - لنفسه ولنظرياته، معتمدا على تقديس المحيطين به – من تلاميذ وأتباع. وكان أبرز المدافعين عنه ابنته آنا فرويد - وقد صارت محللة نفسية مثل أبيها - وعالم النفس البريطاني، كاتب سيرة فرويد، إرنست جونز. وقد سعى هذان الاثنان إلى إخفاء أخطائه.
كان فرويد - بحسب ما يقوله كروز - يكذب أحيانا في تقاريره عن حالات المرضى الذين يفحصهم. ففي رسالة منه إلى صديقه وزميله فيلهلم فليس - في مطلع حياته المهنية - يشكو من أن عيادته تكاد تخلو من المرضى النفسيين وأنه لا يجد زبائن. وحين نشرت هذه الرسائل حجبت آنا فرويد هذه السطور.
وقلما كان فرويد ينجح في علاج مرضاه كما أنه كان يتجاهل أحيانا أخلاقيات المهنة الطبية على نحو خليق أن يصدمنا في هذا القرن الحادي والعشرين. فذات مرة اشترك مع صديقه فيليس في معالجة مريضة تدعى إما إكستاين كانت تشكو من أعراض بدنية وذهنية شخصها الاثنان على أنها حالة هيستريا. عمد فرويد إلى معالجتها بالكوكايين (وكان يعده دواء شافيا لكل الأمراض) ثم بجراحة في الأنف. وحين فشل فيليس في إجراء الجراحة تدهورت حالة المريضة وأوشكت على التلف ولكن فرويد أبى أن يتراجع عما فعلاه مصرا على أن النزيف المميت الذي حدث للمريضة بعد الجراحة كان مجرد عرض من أعراض الهستريا وأنه راجع إلى تعلق المريضة لاشعوريا به (بفرويد!). وكتب في رسالة إلى فيليس (8 مايو/أيار 1896): «لقد جددت نزيفها بوصف ذلك وسيلة لا تخيب لإعادة إحياء مودتي لها». وحين لم يعد هناك أمل في نجاح العلاج ادعى فرويد أن المريضة تمثل حالة مستعصية على التحليل النفسي وأنه مكتوب عليها أن تظل «غير سوية حتى نهاية حياتها». وعمد أنصار فرويد إلى التغطية على هذه القصة فحذفتها آنا فرويد من سجل حالات مرضى أبيها.
وممن انتقدوا نظريات فرويد ومناهجه فيلسوف العلم كارل بوبر الذي ذهب في منتصف القرن الماضي إلى أن نظريات فرويد موضع شك علميا، إذ لا هي بالتي يمكن إثباتها ولا هي بالتي يمكن دحضها. وذهب أنصار علم النفس التجريبي إلى أن أغلب آرائه مجرد فروض نظرية لا تثبتها التجربة. وقال رتشارد فون كرافت - إبنج، المتخصص في بحوث الجنس، إن أفكار فرويد أقرب إلى أن تكون «قصة علمية من قصص الجنيات أو الخيال».
والرأي عندي أن كتاب كروز (الذي لا يخلو من تهجم شخصي وبعد أحيانا عن الموضوعية) مفيد من حيث أنه يلفتنا إلى أن فرويد -مثل غيره من كبار المفكرين - لم يكن إلا بشرا يخطئ ويصيب، وأن آراءه لم تكن تخلو أحيانا من الغرض أو الهوى أو التحيز. لكن الكتاب – من ناحية أخرى - لا يفلح في زحزحة فرويد عن عرشه، فهو يظل أيقونة فكرية مؤثرة في مجالات الفكر كافة بل في لغة المحادثات التي نستخدمها في حياتنا اليومية وذلك منذ أن أشاع فرويد مصطلحات «الهو» «الأنا» «الأنا الأعلى» «الرقيب» «الكبت» «مركب (عقدة) أوديب». لقد أرسى فرويد قواعد الدراسة العلمية لقارة اللاشعور (وكان من الأمانة بحيث ذهب إلى أن الشعراء والأدباء والفلاسفة مثل سوفوكليس وشكسبير ودوستويفسكي وشوبنهور قد سبقوه إلى اكتشاف هذه القارة) وقدم منهجا مبتكرا في تفسير المضامين الظاهرة والكامنة للأحلام، وألقى الضوء على الدور الخطير الذي تلعبه الغريزة الجنسية ونوازع العدوان في سلوك البشر، وأكد وجود الدافع الجنسي بمراحله الفمية والشرجية لدى الأطفال، وبين أن انشقاق الذهن إلى طبقات راجع إلى صراع نفسي داخلي بين مجموعات متنوعة من القوى، وعالج قضايا مهمة مثل مشكلات الحضارة، ومستقبل الدين، والصراع بين غرائز البقاء (إيروس) والرغبة في الموت (ثاناتوس)، وأصول العصاب، ودلالة النكات على محتويات اللاشعور، والطوطم والتابو، وسيكولوجية الحياة اليومية، والحرب والموت، وما وراء مبدأ اللذة، والصلة بين سيكولوجية الجماعة وتحليل الأنا، والكف والعرض والقلق، والأحلام في المأثورات الشعبية (الفولكلور)، فضلا عن تحليلاته لفنانين مثل ليوناردو دافنشي ولأعمال أدبية مثل «أوديب ملكا» لسوفوكليس، و«هملت» لشكسبير، و«فاوست» لجوته، و«الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي. هذه كلها منجزات باقية على الزمن تكفل لفرويد الخلود وإن كره شانئوه. إن فرويد - ببساطة - قد جاء ليبقى.


مقالات ذات صلة

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)
ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أستراليا تضبط 100 ألف صرصور غريب «غير قانوني»

جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)
جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تضبط 100 ألف صرصور غريب «غير قانوني»

جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)
جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)

ضبطت السلطات الأسترالية أكثر من 100 ألف صرصور غريب حي لدى مرب تجاري في ولاية نيوساوث ويلز، فيما وصفه المسؤولون بأنه أكبر عملية ضبط على الإطلاق للافقاريات الغريبة غير القانونية في البلاد.

وقالت وزارة التغير المناخي والطاقة والبيئة والمياه الأسترالية اليوم الجمعة إن الحشرات، التي تقدر قيمتها بنحو 200 ألف دولار أسترالي ( 142 ألف دولار أميركي)، شملت صراصير دوبيا وصراصير مدغشقر ذات الصفير، وهي أنواع لا يمكن استيرادها قانونيا إلى أستراليا. وبموجب القانون الأسترالي، فإن الأنواع غير المعتمدة للاستيراد لا يمكن أيضا الاحتفاظ بها أو تربيتها أو بيعها قانونيا، بغض النظر عن كيفية الحصول عليها.

وتمت عملية الضبط في باثورست، على بعد حوالي 200 كيلومتر غرب سيدني، وحذرت السلطات الشركات المعنية بالحيوانات الأليفة وأصحاب الزواحف من أن حيازة هذه الحشرات أو تربيتها أو الاتجار بها قد يؤدي إلى عقوبات بموجب القانون الاتحادي.

وتفرض أستراليا بعضا من أكثر الضوابط صرامة المتعلقة بالأمن الحيوي في العالم لحماية الحياة البرية الفريدة والصناعات الزراعية من الأنواع الغازية والأمراض.

وقالت الوزارة في بيان: «إننا نأخذ مهمتنا في حماية التنوع البيولوجي الفريد لأستراليا وانتهاكات القانون البيئي الوطني على محمل الجد». وذكرت الوزارة أن الصراصير لم تخضع لتقييمات المخاطر البيئية ويمكن أن تشكل تهديدا للحياة البرية الأصلية والزراعة إذا أطلقت في البيئة.

وتشرف دائرة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في نيوساوث ويلز على القتل الرحيم والتخلص من هذه الحشرات. وقالت السلطات إنها لاحظت تربية وتجارة غير قانونية للصراصير الغريبة، بما في ذلك الأنواع المستخدمة عادة كغذاء للزواحف، وجرى تشجيع أصحاب الزواحف على التحول إلى البدائل القانونية مثل صراصير الليل وصراصير الخشب.


باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان

باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان
TT

باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان

باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان

كشف باحث مستقل عن أخطاء محتملة في مئات الدراسات العلمية، بينها أبحاث متعلقة بالسرطان، نتيجة استخدام أجسام مضادة غير مناسبة في التجارب المخبرية، ما يثير تساؤلات بشأن موثوقية بعض النتائج المنشورة في دوريات علمية مرموقة.

ونقلت وسائل إعلام بريطانية أن الباحث شولتو ديفيد راجع 334 دراسة علمية محكّمة تناولت بروتيناً يُعرف باسم «p16-INK4a»، وهو من البروتينات المستخدمة على نطاق واسع في أبحاث السرطان لكونه يعمل مثبطاً للأورام. وأشار ديفيد إلى أن عدداً كبيراً من الباحثين استخدموا أجساماً مضادة كان يُفترض أن تتعرف على هذا البروتين، لكنها في الواقع كانت ترتبط ببروتين آخر مختلف يُدعى «p16-ARC»، ما قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة بشأن النتائج.

ووفقاً لمراجعته، فإن نحو 95 في المائة من الدراسات التي فحصها تبدو أنها استخدمت هذه الأجسام المضادة بصورة خاطئة، رغم أن بعضها صدر عن جامعات بارزة، بينها أكسفورد وكامبردج، ونُشر في مجلات علمية متخصصة.

وأوضح ديفيد أن بعض الفرق البحثية أعلنت نجاح تجاربها اعتماداً على مادة لم تكن قادرة أساساً على إنتاج النتائج المعلنة.


تحذيرات متزايدة من ظاهرة «النينيو»... هل تتأثر بها المنطقة العربية؟

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات متزايدة من ظاهرة «النينيو»... هل تتأثر بها المنطقة العربية؟

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)

دعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في بيان لها، الثلاثاء، دول العالم المختلفة إلى الاستعداد لظاهرة «النينيو». ووفق المنظمة تحدث ظاهرة «النينيو» بسبب ارتفاع غير عادي في درجة حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ومن المتوقع أن تؤثر على أنماط درجات الحرارة العالمية وهطول الأمطار في العالم، وهو ما يزيد من خطر حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ويرتبط المحيط والغلاف الجوي ارتباطاً وثيقاً. ولذلك، يولي خبراء الأرصاد الجوية اهتماماً بالغاً بدرجات حرارة المحيط وظروفه للمساعدة في التنبؤ بأنماط الطقس المستقبلية حول العالم. وعادةً ما تتحرك الموجات من المياه الدافئة المرتفعة شرقاً عبر المحيط الهادئ قبل بضعة أشهر من ظهور ظاهرة «النينيو». وقد رُصدت بالفعل عدة موجات منها في بيانات الأقمار الاصطناعية لعام 2026. وتُظهر بيانات مستوى سطح البحر، المُستقاة من قمر اصطناعي أطلقته وكالة «ناسا» وشركاؤها الأوروبيون، وصول موجة من المياه الدافئة، يبلغ عرضها مئات الأميال، إلى المحيط الهادئ قبالة سواحل أميركا الجنوبية، مما يُشير إلى احتمال ظهور «النينيو» في وقت لاحق من العام. ونظراً إلى تمدد المياه مع ارتفاع درجة حرارتها، فإن ارتفاع مستوى سطح البحر في منطقة ما يدل على ارتفاع درجة حرارته.

ووفقاً للرصدات الواردة من منصات مختلفة تستخدمها المنظمة، فإن درجة حرارة سطح البحر وسط شرق المحيط الهادئ الاستوائي -وهي المنطقة المرجعية للرصد والمراقبة- قد اقتربت في أواخر أبريل (نيسان) إلى منتصف مايو (أيار) من مستويات ظاهرة «النينيو».

عوامة تُستخدم لجمع البيانات في خليج بايونير وسط المحيط الأطلسي (أ.ب)

قال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «(النينيو) يبدأ تكونها عقب فصل الربيع مباشرةً، أي في شهري مايو ويونيو (حزيران)، وتستمر لمدة 6 أشهر وأحياناً 9 أشهر، وهي ظاهرة غير منتظمة الحدوث؛ فلا يمكن توقع حدوثها بشكل دقيق، ولكن تأثيرها يكون على المناخ العالمي كله، وبخاصة المناطق المدارية الاستوائية».

ويمكن أن تتسبب ظاهرة «النينيو» في هطول أمطار غزيرة في بعض المناطق ونقص في تساقطها بمناطق أخرى، مما يؤثر على الحياة اليومية والتجارة في جميع أنحاء العالم.

إنذار مناخي عاجل

ويؤكد علماء المناخ أن كل ظاهرة فريدة من نوعها، وأن هناك تبايناً كبيراً بينها من حيث الشدة والنتائج. لكن تنبؤات ظاهرة «النينيو» يمكن أن تساعد الناس حول العالم على الاستعداد للتغيرات المقبلة في الظواهر الجوية المتطرفة، وهي أداة أساسية في عالم يزداد احتراراً.

وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمال حدوث ظاهرة «النينيو» بنسبة 80 في المائة خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس (آب) 2026. وهناك احتمالات تقترب من 90 في المائة أو تزيد عليها باستمرار هذه الظاهرة حتى نوفمبر (تشرين الثاني) على الأقل. وعلى الرغم من أن درجة من عدم اليقين لا تزال تكتنف الذروة التي ستبلغها قوة ظاهرة «النينيو» وتوقيتها، فإن معظم نماذج التنبؤات تشير إلى أن هذه الظاهرة ستكون معتدلة على الأقل -وربما قوية.

مخاوف متزايدة من ارتفاع درجات الحرارة في نصف الكرة الشمالي خلال الصيف (أ.ب)

يُذكر أن ظاهرة «النينيو» قادرة على إحداث اضطراب جوي هائل. فهي تُغير مسارات التيارات النفاثة وتُقلب أنماط هطول الأمطار، مما يُؤدي إلى عواصف أشد في بعض مناطق العالم، بينما تُسبب الجفاف في مناطق أخرى. كما أنها قادرة على رفع درجات الحرارة المرتفعة بشكل كبير، ولو لفترة وجيزة.

وتُؤدي هذه الدورة المناخية عادةً إلى الجفاف وارتفاع درجات الحرارة في أستراليا، وجنوب ووسط أفريقيا، والهند، وأجزاء من أميركا الجنوبية، بما في ذلك غابات الأمازون المطيرة. في المقابل، قد تشهد المناطق الجنوبية من الولايات المتحدة، وأجزاء من الشرق الأوسط، وجنوب وسط آسيا، هطول أمطار غزيرة.

ومن المعروف أن هذا النمط يؤثر في ظروف المناخ الإقليمية؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة هطول الأمطار في جنوب الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأجزاء من القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، في حين يتسبب بجفاف في أستراليا وأميركا الوسطى وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا. وقالت المنظمة إنه يمكن أن يسبب ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، ويؤجج الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه.

حجم تأثر المنطقة العربية

وعن الأثر المتوقع لهذه الظاهرة على منطقتنا العربية، قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «المنطقة العربية لا تتأثر مباشرة بظاهرة (النينيو)، والدراسات المنشورة عالمياً تؤكد عدم وجود تأثير مباشر من (النينيو) في أغلب المنطقة العربية، ولكن قد تتأثر المناطق الاستوائية لحوض المحيط الهندي والمحيط الأطلسي، والتي بدورها يكون لها تأثير على الأجواء في بعض المناطق العربية». وأضاف أنه «إلى الآن لا توجد إشارة واضحة على أجواء خارجة عن المألوف سنوياً في فصل الصيف في منطقتنا بسبب ظاهرة (النينيو)».

شخص يحتمي من أشعة الشمس تحت مظلة أمام متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

ويوضح عصام أنه «من الطبيعي أن تهب خلال الصيف موجات حارة على المنطقة العربية بسبب وجود المرتفعات المدارية اللي تغطي أغلب أرجاء المنطقة، وهو ما يتسبب في ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف».

وقال الدكتور محمد السيد شلتوت، أستاذ علوم البحار الفيزيائية والتغيرات المناخية في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية في مصر: «ظاهرة (النينيو) ليست هي الظاهرة المناخية الأكثر تأثيراً على العالم العربي، بينما تعد ظاهرة تذبذب شمال الأطلسي (NAO)، وهي تغير طبيعي في الضغط الجوي يحدث فوق شمال المحيط الأطلسي، وتنتج عن تباين الضغط بين (مرتفع الآزور) شبه الاستوائي و(منخفض آيسلندا) شبه القطبي، الأكثر تأثيراً. ويحدد هذا التباين اتجاه وقوة الرياح الغربية والتيار النفاث، مما يؤثر بشدة في أنماط الطقس والمناخ في المنطقة العربية».

بحيرة جافة في حديقة السلام بمدينة سان خوسيه بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» عام 2019 (أ.ف.ب)

وقال شلتوت إن ظاهرة «النينيو» هي ظاهرة احترار حراري للمياه في الجزء الأوسط الشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي، مما يؤدي إلى حدوث تغيرات في ظروف الطقس ودرجات الحرارة وتوزيع الأمطار في العالم كله بما في ذلك الوطن العربي، ولكن هذا التأثير يكون أقل وضوحاً في منطقتنا العربية، كما أنها ترتبط دائماً بارتفاع في درجات الحرارة، وهو ما يؤثر على حركة الرياح والعواصف، وهو ما قد يظهر أثره في المياه السطحية في البحرين الأحمر والعربي.

وأوصى شلتوت الأنظمة العربية بتعزيز القدرة على التنبؤ المبكر بظروف الطقس والتغيرات المناخية المتطرفة، ورفع قدرات قطاعات الطاقة والصحة والزراعة والموارد المائية والآثار خصوصاً في هذا الصدد، ناصحاً بضرورة التعاون وتبادل المعلومات مع الشبكات الإقليمية المعنية في مجالات الرصد المناخي المبكر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended