قصر قرطاج ومعركة إطفاء الحرائق

تونس بعد 62 سنة من استقلالها عن فرنسا

قصر قرطاج ومعركة إطفاء الحرائق
TT

قصر قرطاج ومعركة إطفاء الحرائق

قصر قرطاج ومعركة إطفاء الحرائق

تعقد التجاذب السياسي مجدداً في تونس بين أنصار المسار الانتخابي والداعين إلى تأجيله أو إيقافه بحجة التخوف من أن يؤدي إلى فوز ساحق لمرشحي التيارات المحسوبة على «الإسلام السياسي»، على غرار ما جرى في الجزائر قبل نحو 30 سنة ثم في بلدان عربية كثيرة. ولقد تأزم المشهد الأمني والسياسي والاجتماعي مجدداً وتعاقبت الحرائق والاضطرابات في مؤسسات التعليم في الذكرى 62 لإعلان الاستقلال عن فرنسا، رغم رهانات الدولة منذ الزعيم الاستقلالي الحبيب بورقيبة على خيارات تعميم التعليم ورصد ثلث ميزانية الدولة لقطاع التربية.
ولكن، رغم مناخ الأزمة السياسية والاجتماعية، انتظمت في قصر قرطاج الرئاسي، وفي عدة مدن، بطلب من الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ومساعديه، احتفالات خاصة بذكرى الاستقلال. وتزايد الاهتمام الشعبي بهذه الاحتفالات بسبب الزوبعة التي انفجرت في المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام رداً على الانتقادات غير المسبوقة التي وجهتها سهام بن سدرين، الناشطة الحقوقية اليسارية، ورئيسة هيئة الكشف عن تجاوزات الدولة في العقود الماضية لبورقيبة ولوثيقة الاستقلال، انطلاقاً من وثائق قالت إنها سرية وحصلت عليها بطريقتها الخاصة في فرنسا. وبعدما رد 60 مؤرخاً جامعياً تونسياً على بن سدرين، استقبل الرئيس التونسي بعضهم فازداد تعاطف بعض نشطاء «فيسبوك» معها.
السؤال الكبير يظل في تونس بعد 6 عقود من المد والجزر: هل سينجح النموذج التنموي والسياسي التحديثي الذي وضع أسسه الزعيم الاستقلالي الحبيب بورقيبة، ويدافع عنه اليوم «تلميذه» الباجي قائد السبسي... أم تنهار تونس مثلما انهارت دول عربية أخرى بسبب تراكم مشكلاتها وأزماتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية؟
واستطراداً، هل ينجح قائد السبسي، وريث بورقيبة في قصر قرطاج، في إطفاء الحرائق التي تندلع في البلد على أكثر من جبهة منذ سنوات... أم تعصف شظايا تلك الحرائق مجدداً بمؤسسات الدولة والمجتمع، مثلما أحرق الرومان قرطاج (قرطاجة) البونيقية عام 146 قبل الميلاد... وقضوا نهائياً على إمبراطوريتها وحضارتها ومجدها؟
وزير التربية التونسي حاتم بن سالم أعلن بمناسبة تفقده مؤسسات تعليم شملتها الحرائق وإضرابات نقابات الأساتذة في محافظة القصرين، بالقرب من الحدود الجزائرية، أن مجلس الوزراء قرر تطبيق القانون بحزم مع النقابات دفاعاً عن مصالح ملايين الطلاب وعن البلاد وعن هيبة الدولة، بما في ذلك عبر قطع رواتب رجال التعليم المضربين ومحاكمة المتهمين في جرائم حرق عدد من مبيتات الطالبات في عدة مدن.

إضرابات وحرائق
في الوقت نفسه، عادت قيادات بعض النقابات التي نجحت في إسقاط عدد من الوزراء والحكومات خلال الأعوام الماضية إلى تصعيد لهجتها والقيام بتحركات للمطالبة بتعديل جديد في تركيبة الحكومة. ولقد اعترض رئيس الحكومة يوسف الشاهد وعدد من الوزراء وقيادات الأحزاب الكبرى على هذه الدعوات، وأكدوا حاجة البلاد إلى الاستقرار. كذلك أكد الخطاب المطوّل الذي توجه به الرئيس الباجي قائد السبسي إلى الشعب في ذكرى الاستقلال على حاجة البلاد إلى «إطفاء نيران الاضطرابات»، وإلى إنجاح النموذج السياسي الديمقراطي التعددي التونسي عبر تدارك الخسائر التي لحقت بالاقتصاد التونسي بفعل الإضرابات والعمليات الإرهابية، وتضخم حجم الأجور في ميزانية الدولة، واستفحال الديون التي تطورت من 40 إلى 70 في المائة من الناتج الوطني خلال الأعوام السبعة الماضية. ويعتقد بعض الخبراء الاقتصاديين، مثل الصادق جبنون، أن إشعال فتيل الإضرابات بصفة مسترسلة أربك اقتصاد البلاد وأضر بمصالح ملايين العائلات. غير أن الخطب النارية لبعض النقابيين والمعارضين اليساريين لا تزال تدفع الشباب العاطل عن العمل والفقراء نحو مزيد من الاحتجاجات.

إيقاف المسار الانتخابي
رضا الشكندالي، الخبير المدير العام السابق لمؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، حذر من جانبه من الصبغة الكارثية للاضطرابات الاجتماعية، وغياب الاستقرار الحكومي، والقرارات السياسية التي تؤثر سلباً في أجواء الانتخابات وفي مناخ الاستثمار والإنتاج وتعمق أزمة الثقة في السياسيين وفي صناع القرار وفي المؤمنين بالإصلاح السياسي وإمكانية تكريس المصالحة بين الثقافات الشرقية والديمقراطية. كما اعتبر المحامي والناشط السياسي عماد بن حليمة، أن الحكومة مطالبة بتطبيق القوانين بحزم، ويحق لها اقتطاع رواتب المضربين عن العمل والمتسببين في خسائر للمجتمع والبلاد. أما سفيان طوبال، رئيس كتلة الحزب الحاكم في البرلمان، وزياد العذاري وزير التنمية الاقتصادية والتعاون الدولي والأمين العام لحزب «النهضة»، فانتقدا التحركات الجديدة التي تهدف إلى إسقاط الحكومة أو إيقاف المسار الانتخابي، ودفع مزيد من الشباب نحو الاعتصامات والاضطرابات، بحجة ارتفاع عدد العاطلين عن العمل من نحو 13 في المائة قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 إلى نحو 16 في المائة حالياً. أيضاً، أكد الوزير اليساري سمير الطيب وعدد من زعماء الأحزاب المشاركة في حكومة «الوحدة الوطنية» حاجة البلاد إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وإيقاف نزيف الاضطرابات الاجتماعية التي تسببت - حسب خطاب الرئيس التونسي قائد السبسي - في خسائر بالمليارات في قطاعات الفوسفات والمحروقات والسياحة والاستثمار والتصدير.

المسكوت عنه
إلا أن أخطر ما في تصعيد الاضطرابات النقابية والتحركات الاجتماعية السياسية، حسب عدد من الخبراء والسياسيين، مثل محمد عبو زعيم حركة التيار الديمقراطي في البرلمان، وجود مساعٍ من قبل عدة أطراف لإيقاف المسار الانتخابي الذي بدأ قبل أسابيع، ومن المقرر أن يؤدي إلى تنظيم انتخابات بلدية عامة يوم 6 مايو (أيار) المقبل. وتخشى أطراف كثيرة راهناً من أن تؤدي هذه الانتخابات إلى تغيير المشهد السياسي واختفاء الغالبية الساحقة من الأحزاب الصغيرة التي تجاوز عددها 200 منذ الإطاحة بحكم الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011. أيضاً لا يخفي كثير من الساسة تخوفهم من أن تؤثر نتائج هذه الانتخابات في التحضيرات للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة لعام 2019، من حيث تكريس حزبين كبيرين أو 3 لا غير. وحقاً، صدرت دعوات إلى رئيس الجمهورية بإيقاف هذه الانتخابات أو إلغائها عن عدد من السياسيين البارزين، مثل أحمد نجيب الشابي، زعيم الحزب الجمهوري سابقاً وزعيم المعارضة القانونية قبل 2011. واعتبر البرلماني السابق محمود البارودي أن «المسكوت عنه» بالنسبة لدعاة تأجيل الانتخابات أو إلغائها «تجنب تكرار سيناريو انتخابات 1990 في الجزائر»، عندما تسبب الفوز الساحق لمرشحي تيار ما تسمى جماعات «الإسلام السياسي» إلى منعرج عسكري أمني خطير وإلى وقف كامل للتجربة الديمقراطية والتعددية.

«الخطر الداهم»
من ناحية ثانية، تعالت الأصوات في صفوف المركزية النقابية والبرلمانيين والسياسيين لمطالبة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي باستخدام صلاحياته الدستورية لاعتبار البلاد في وضع خطير جداً، ما يستوجب تعطيل المسار الانتخابي وإحالة صلاحيات الحكومة والبرلمان إلى رئاسة الجمهورية. كذلك طالب عدد من السياسيين مثل الوزير السابق محسن مرزوق زعيم حزب «مشروع تونس»، وياسين إبراهيم زعيم حزب «آفاق»، الرئيس التونسي، بتعديل النظام السياسي الحالي عبر التقدم بمشروع لتعديل الدستور يعطي صلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية وينهي الأزمات المتعاقبة بين البرلمان والمؤسسات التنفيذية للدولة. ويحتج هؤلاء بتعاقب الاضطرابات الاجتماعية في مناطق إنتاج الفوسفات والمحروقات والتجاوزات للسلطة من قبل نقابات مهنية في كامل البلاد، وخصوصاً نقابات الأساتذة والأطباء الشبان وبعض نقابات الأمن التي هاجم أنصارها إحدى المحاكم في العاصمة تونس وأفرجوا عن رجال أمن موقوفين بقوة السلاح.
ومن جانب آخر، يحتج آخرون باستفحال المؤشرات المالية وطنياً، وخصوصاً تدهور قيمة الدينار التونسي، والتراجع الذي يسجل لأول مرة منذ 30 سنة في احتياطي البنك المركزي من العملة الأجنبية، إذ بلغ نحو 77 يوماً فقط مقابل معدل يحوم حول 120 يوماً عادة. ولكن هل ترتقي كل هذه الصعوبات والمشكلات إلى درجة الكلام عن خطر داهم، وفق ما ينص عليه الدستور الذي يبيح لرئيس الجمهورية بسببه إعلان «حالة طوارئ»، ومعها أيضاً إجراءات استثنائية جداً من بينها إيقاف المسار الانتخابي؟

... تضخيم
في اتجاه موازٍ، ردّ برلمانيون وسياسيون من الائتلاف الحاكم مطالب دعاة تعطيل المسارين الانتخابي والسياسي، واتهموا أصحابها بتضخيم حجم الأزمات المالية والاجتماعية والأمنية التي تمر بها البلاد «لأهداف انقلابية»، وبسبب انعدام ثقتهم في النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع. وفي هذا السياق، أصدر زعيم الحزب الحاكم حافظ قائد السبسي بياناً رداً على تلك الحملات أعلن فيه تمسك حزبه بالمسار الانتخابي وتوقع فوز حزبه بالمرتبة الأولى فيها. وصدرت مواقف مماثلة من قيادات أحزاب «النهضة» والمسار والتيار الديمقراطي والحراك.
بل إن قيادات الأحزاب التي تصنّف ضمن مجموعات أقصى اليسار، أي أحزاب «الجبهة الشعبية» بزعامة حمه الهمامي رئيس الحزب العمالي الشيوعي، انخرطت بدورها في المسار الانتخابي وقدّمت مرشحين لها في أكثر من 140 بلدية، أي في نحو نصف عدد البلديات التي يجري التنافس فيها. وكشف استفحال الصدام السياسي بين الأطراف المؤثرة في الأحزاب والنقابات من جهة، وفي الحكومة والمعارضة من جهة أخرى، تعمق الهوة بين الفاعلين الكبار في القرار السياسي والاقتصادي والأمني التونسي. واستفحلت الأزمة عندما ساند سمير ماجول، الرئيس الجديد لاتحاد نقابة رجال الأعمال، المطالبين بتغيير جديد في تركيبة الحكومة بزعامة نور الدين الطبوبي الأمين العام لاتحاد نقابات العمال، ومحسن مرزوق زعيم حزب «مشروع تونس» وصاحب ثالث كتلة في البرلمان. لكن قيادات الأحزاب الرئيسية المشاركة في حكومة «الوحدة الوطنية»، مثل الوزير السابق للعدل نور الدين البحيري، تعترض على خيار توريط البلاد في إضاعة الوقت في مزيد من التعديلات الحكومية والدستورية والقانونية.

قرطاج وإطفاء الحرائق
وهكذا، مرة أخرى تجد النخب السياسية والثقافية نفسها مضطرة إلى اللجوء إلى قصر الرئاسة في قرطاج وإلى السلطة المعنوية للأب الروحي. ولقد كان موكب إحياء الذكرى السنوية 62 لاستقلال تونس في قصر قرطاج مناسبة نجح خلالها الرئيس الباجي قائد السبسي في أن يجمع حوله زعماء وممثلون عن كل الأطراف السياسية المشاركة في الحكم أو المعارضة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن وزراء حكومات الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي... إلى حكومات ما بعد ثورة يناير 2011.
وبالفعل، جمع الحدث الرئيس السبسي، مدير الأمن ثم وزير الداخلية والدفاع والخارجية في عهد الحبيب بورقيبة، ورئيس أول برلمان في عهد بن علي الهادي البكوش الأمين العام للحزب الحاكم في عهد بورقيبة وبن علي وأول رئيس حكومة في عهد بن علي، والرئيس الأسبق لتونس فؤاد المبزع ومعارضيهم السابقين الذين وصلوا إلى سدة الحكم مثل علي العريّض رئيس الحكومة عام 2013 وزعامات التيارات الدستورية الليبرالية واليسارية والقومية العروبية والإسلامية.
كذلك جمعت القاعة ذاتها زعامات النقابات والمعارضة التي صعدت انتقاداتها للحكم ولوثيقة قرطاج التي وقعتها أبرز الأحزاب والنقابات في سبتمبر (أيلول) 2016، ما أدى إلى تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» الحالية برئاسة يوسف الشاهد بمشاركة ممثلين عن نحو 10 أحزاب ونقابات. ورغم تجاوزه الـ90 من عمره صمد الباجي قائد السبسي وارتجل كعادته خطاباً تجاوز الساعة حاول من خلاله إطفاء الحرائق التي أضمت في كل الجهات... ووظف الشبه بينه وبين الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة من حيث أسلوب الخطابة والكاريزماتية. وأسهم خطابه واستضافته لخصومه ومعارضيه مع مسانديه بمناسبة العيد الوطني 62 في إطفاء كثير من الحرائق وتحييد كثير من الألغام، خصوصاً أنه التقى على هامش الاحتفالات برموز من المعارضة.

ورقة ترمب وماكرون
وإذ تجنب رئيس الجمهورية، كعادته، قراءة خطابه فإنه اعتمد فيه منهجية إطفاء حرائق واضحة استهلها بتلاوة مقتطفات من رؤساء العالم التي تنوه بالمسارين الديمقراطي والانتخابي في تونس، من بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. قائد السبسي رد على المشككين في المسار السياسي والانتخابي بورقة الدعم الدولي لما يوصف بالاستثناء الديمقراطي التونسي، ورغم الضغوط الكبيرة التي مارستها أحزاب علمانية وأطراف مالية وسياسية ونقابية وأمنية على الرئيس التونسي لكي يتقدم للبرلمان بمشروع تعديل الدستور ويفك التحالف الحالي بين حزبه وبقية مكونات حكومة «الوحدة الوطنية»، وخصوصاً «النهضة»، فإنه فاجأهم مجدداً بالدفاع عن الدستور الحالي وعن خيار الوحدة الوطنية الذي تبناه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة عند تشكيل حكومات شارك فيها ممثلو النقابات ومختلف التيارات. بل، كان قائد السبسي براغماتياً جداً إذ قال: «لم أشارك في صياغة هذا الدستور الذي انتخبني الشعب اعتماداً عليه، وليس دوري تعديله، ولكن البرلمان هو الذي يقوم بذلك».

تجاذبات... ولكن
وفي هذه الأثناء، في ظل استمرار التجاذبات من جهة، ومحاولات إنجاح المسار الانتخابي من جهة أخرى، قد يزداد الاهتمام بالشواغل السياسية على حساب الملفات الاقتصادية والمالية والتنموية. وفي ظل تدهور المقدرة الشرائية للطبقتين الوسطى والفقيرة، يخشى علماء الاجتماع من انفجار الأوضاع في أي وقت، خصوصاً في المحافظات الداخلية والأحياء الفقيرة حول العاصمة والمدن الكبرى. وفي مثل هذه الحالة قد تجد تونس نفسها مهددة مرة أخرى بانتفاضة جديدة يفجرها المهمشون والشباب العاطل عن العمل ويجني ثمرتها بعض السياسيين.
فهل يكون قارب النجاة بالنسبة لتونس والاستثناء التونسي سياسياً... أم يحتاج ضمانات اقتصادية ومالية وأمنية؟

محطات في تاريخ تونس المستقلة
في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) كان الحزب الحر الدستوري (الجديد) - تمييزاً له عن الحزب الحر الدستوري الذي كان قد أسسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي عام 1920، الذي أصبح يعرف بعد ظهور الحزب الجديد بـ«الحزب القديم» - أبرز محاور الحراك الوطني من تقرير المصير وإنجاز الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي. ولقد أسس الحزب الجديد نخبة من الناشطين على رأسهم الطبيب الدكتور محمود الماطري رئيس ديوانه السياسي والمحامي الحبيب بورقيبة أمينه العام (أو الكاتب العام) ومعهم الطاهر صفر والبحري قيقة ومحمد بورقيبة. وظهر الدستور الجديد للحزب في المؤتمر الذي انعقد يوم 2 مارس (آذار) 1934 بمدينة قصر هلال في الساحل التونسي.
ما يجدر ذكره أن فرنسا كانت قد وعدت الحزب بالاستقلال عام 1952، بيد أن تراجعها عن وعدها أدى إلى اندلاع الثورة الشعبية المسلحة. وبالتالي، اضطرت السلطات الفرنسية للدخول في مفاوضات عام 1955 أقرت فيها حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي بيار منديس فرانس بـ«الاستقلال الداخلي» لتونس. ثم الاستقلال التام في العام التالي 1956 على الرغم من معارضة قوى اليمين الفرنسي.
حركة المقاومة التونسي المسلحة ظهرت بين ربيع 1952 و1954، وتشكّلت من زمر ومجموعات صغيرة انخرطت في معارك كثيرة ضد الأهداف الاستعمارية، وخصوصاً جنوب تونس وغربها، وكان بين أبرز قادتها الميدانيين الساسي الأسود والأزهر الشرايطي. أما الحبيب بورقيبة، أبرز الزعماء السياسيين فعاد من المنفى وأطلق العملية التفاوضية مع الفرنسيين حول الاستقلال. ولقد واصل بورقيبة التفاوض بعد سقوط حكومة منديس فرانس، وأنجز «بروتوكول الاستقلال» يوم 20 مارس 1956.
شخصية بورقيبة كانت محورية في الحراك الاستقلالي. ومن أبرز نشاطاته توجهه إلى العاصمة المصرية القاهرة وفتحه مكتب المغرب العربي وسفره إلى نيويورك عام 1945. ولكن مسيرته لم تخلُ من الاعتقال والنفي والمعاناة. ومنذ عام 1949 أعاد بورقيبة تنظيم الحزب الحر الدستوري، وبعد إنجاز الاستقلال يوم 20 مارس 1956، انتخب بورقيبة رئيساً للمجلس القومي التأسيسي يوم 8 أبريل (نيسان) ثم كلّف يوم 11 أبريل بتشكيل الحكومة التونسية الأولى. وفي 25 يوليو (تموز) 1957 قرر المجلس القومي التأسيسي بالإجماع إعلان الجمهورية وأصبح الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية.
بعد ذلك، وبعد إنجاز قيادة تونس المستقلة بناء الدولة الحديثة، ونجاحها في احتواء الولاء القبلي والجهوي وتعزيز الروح الوطنية وتحديثها التعليم و«تونسة» الإعلام والإدارة، جرى تغيير اسم الحزب الحاكم ليغدو الحزب الاشتراكي الدستوري.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.