القمة الثلاثية تتمسك بوحدة سوريا والحل السياسي

روحاني طالب أنقرة بتسليم عفرين لدمشق... وإردوغان يريد مواصلة العمليات العسكرية

بوتين وإردوغان وروحاني في ختام قمة أنقرة أمس (أ.ف.ب)
بوتين وإردوغان وروحاني في ختام قمة أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

القمة الثلاثية تتمسك بوحدة سوريا والحل السياسي

بوتين وإردوغان وروحاني في ختام قمة أنقرة أمس (أ.ف.ب)
بوتين وإردوغان وروحاني في ختام قمة أنقرة أمس (أ.ف.ب)

اتفق رؤساء تركيا وروسيا وإيران على العمل لتسريع الجهود لضمان الهدوء على الأرض في سوريا وحماية المدنيين في مناطق خفض التصعيد والتعاون لإحراز تقدم في المسار السياسي الذي نص عليه القرار 2254 الصادر من المجلس الدولي وتحقيق هدنة دائمة بين أطراف النزاع.
وأكد الرئيس التركي رجب طب إردوغان والروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني في ختام قمتهم في أنقرة أمس تمسكهم بوحدة الأراضي السورية والعمل من أجل القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية. وقال إردوغان في مؤتمر صحافي مشترك عقب القمة إن «وحدة أراضي سوريا تعتمد على الابتعاد عن جميع المنظمات الإرهابية» (في إشارة إلى الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية وامتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور). وتابع: «أي عقلية لا تقبل بتطابق أهداف داعش والوحدات الكردية، لا يمكنها خدمة السلام الدائم في سوريا»، مؤكدا أن بلاده لن تتوقف حتى يستتب الأمن في جميع المناطق التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، وعلى رأسها منبج.
وأكد استعداد بلاده للعمل بشكل مشترك مع روسيا وإيران لجعل تل رفعت منطقة مؤهلة من جديد كي يعيش فيها السوريون، وقال إنه يجب أن نبني مساكن في المناطق الآمنة لاستيعاب اللاجئين بشكل يتناسب مع الطراز المعماري في المكان كي يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي، مشيرا إلى أن تركيا وروسيا تتعاونان في إقامة مستشفى في تل أبيض لعلاج النازحين من الغوطة الشرقية وأن القوات المسلحة التركية والروسية ستتعاونان لإقامة المستشفى. وشدد على ضرورة الإسراع في التوصل إلى تسوية للأزمة السورية، منوّها إلى وجوب عدم إضاعة الوقت «لأن الناس يموتون هناك». ورأى أن الأمل في النجاح يزداد قوة.
وجدد الرئيس التركي تأكيده على أنّ مسار أستانة ليس بديلا لمفاوضات جنيف، إنما هو متمم لها.
وفيما يتعلق بالتطورات في الشمال السوري، قال إردوغان: «لن نسمح بأن يخيّم الظلام والسوداوية على مستقبل سوريا والمنطقة نتيجة تسلّط عدد من التنظيمات الإرهابية».
ولفتت إلى أن تركيا استطاعت تطهير 4 آلاف كيلومتر من الإرهابيين ثم أمنتها لعودة اللاجئين إلى بيوتهم، متوقعا عودة مئات آلاف اللاجئين إلى عفرين عقب انتهاء عمليات تأمينها من الإرهابيين ومخلفاتهم في إطار عملية «غصن الزيتون» التي ينفذها الجيشين التركي والسوري الحر.
وقال إردوغان إن القمة الثلاثية شهدت مشاورات من شأنها «إنارة درب المرحلة القادمة». وأشار إلى أنه بحث مع نظيريه الروسي والإيراني، قضية إحلال السلام في سوريا والخطوات المقبلة لتحقيق هذا الهدف. وأضاف أن الشعب السوري هو الطرف الخاسر من الأزمة والاشتباكات الدائرة في بلاده، وأنّ الطرف الرابح فهو معروف من قِبل الجميع، وأن الهدف من القمة الثلاثية هو إعادة إنشاء وإحياء سوريا يسودها السلام في أقرب وقت، داعيا المجتمع الدولي لدعم الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي للأزمة في سوريا.
وعن الخدمات التي تقدمها بلاده إلى مناطق «درع الفرات» شمال سوريا، قال إردوغان: «تركيا تكفّلت بجميع الإجراءات من أجل توفير جميع احتياجات 160 ألف شخص عادوا إلى جرابلس والراعي والباب».
من جانبه، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أهمية ألا يتم تسييس المساعدات الإنسانية في سوريا، لافتا إلى أن إردوغان تقدم بمقترحات لتوسيع تقديم المساعدات الإنسانية والطبية للمحتاجين في سوريا و«سوف نضع خطوات عملية في هذا الاتجاه». وأضاف بوتين: «نحن نعمل مع شركائنا الأتراك والإيرانيين للتوصل إلى حل للوضع في سوريا وكدول ضامنة نعمل على زيادة التنسيق من أجل تخفيف التوتر في سوريا». وأشار بوتين إلى أن القمة ناقشت الملف السوري بكل تفاصيله وأن روسيا تشدد، مثل تركيا وإيران، على وحدة الأراضي السورية.
وبدوره، قال روحاني، إن التنظيمات الإرهابية تخدم مصالح قوى بعينها بينها أميركا، ودعا جميع الدول إلى احترام استقلال سوريا. وأضاف روحاني، خلال المؤتمر الصحافي، أن «بعض البلدان و«بينها أميركا» تساند جماعات إرهابية في سوريا، مثل «داعش»، لأنها تخدم مصالح هذه الدول.
وشدد على أن إيران تعتقد بعدم وجود حل عسكري للأزمة السورية وأن الحفاظ على استقلال سوريا هو أولوية بالنسبة لطهران. وتساءل: «ماذا تفعل الحكومة الأميركية على بعد آلاف الكيلومترات عن أرضها في سوريا؟ ومن دعا الجنود الأميركيين للوجود في سوريا.
وفي الوقت نفسه، قال روحاني إنه يجب تسليم السيطرة على منطقة عفرين التي سيطرت عليها القوات التركية وحلفاؤها من فصائل الجيش السوي الحر إلى جيش النظام السوري. وأضاف روحاني أن التطورات الجارية في عفرين لن تكون مفيدة إذا أخلت بوحدة الأراضي السورية، ويتعين تسليم السيطرة على هذه المناطق للجيش السوري.
وعبر روحاني في الوقت ذاته عن شكره لتركيا على دعمها الكبير للاجئين السوريين.
وقد صدر عن القمة الثلاثية بيان مشترك أكد رفض الدول الثلاث كل المحاولات الرامية لـ«خلق واقع ميداني جديد في سوريا تحت ستار مكافحة الإرهاب». وأشار البيان إلى أن القمة بحثت التطورات التي شهدتها سوريا منذ القمة الثلاثية الأولى التي انعقدت العام الماضي في مدينة سوتشي الروسية، لافتا إلى أن الرؤساء الثلاثة أعربوا عن سعادتهم للإسهامات الإيجابية لمسار أستانة في إيجاد حل للأزمة في سوريا.
وأكد البيان أن صيغة أستانة هي أكثر مبادرة دولية فعالة من ناحية المساهمة في غرس السلم والاستقرار في سوريا عبر تسريع عملية جنيف الرامية لإيجاد حل سياسي دائم للصراع السوري، والمساعدة على خفض وتيرة العنف في عموم سوريا. وأضاف البيان أن الرؤساء الثلاثة شددوا على مواصلة التعاون الفعال فيما بينهم بهدف إحراز تقدم في المسار السياسي الذي نص عليه القرار 2254 الصادر عن المجلس الدولي وتحقيق هدنة دائمة بين أطراف النزاع. وأضاف البيان أن الرؤساء جددوا التزامهم بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وحدة ترابها وبنيتها غير القائمة على عرق معين، وإصرارهم على التصدي للأجندات الانفصالية في سوريا.
وسبق انعقاد القمة اجتماع لوزراء خارجية الدول الثلاث ناقشوا خلاله الموضوعات المطروحة على القمة. كما عقد إردوغان اجتماعا مع روحاني قبل انطلاق أعمال القمة تناولا خلاله تطورات الوضع في سوريا وسير اتفاق وقف إطلاق النار واتفاق مناطق خفض التصعيد وعملية غصن الزيتون العسكرية التي تنفذها تركيا مع فصائل من الجيش السوري الحر في منطقة عفرين بشمال سوريا والتي أبدت إيران معارضة لها.
كما عقد بوتين اجتماعا مع نظيره الإيراني تناولا فيه الوضع في سوريا.
وكان إردوغان التقى بوتين أول من أمس في أنقرة حيث جرى بحث الوضع في سوريا بمختلف أبعاده وعملية غصن الزيتون ومناطق خفض التصعيد والوضع في الغوطة الشرقية وسبل توفير المساعدات الإنسانية لسكانها.
كما ترأس إردوغان وبوتين اجتماع المجلس الاستراتيجي الأعلى المشترك، وأكدا في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع تمسك بلديهما بوحدة أراضي سوريا والاستمرار في مكافحة الإرهاب بكل عزم والحفاظ على وقف إطلاق النار.
في سياق مواز، أكد قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزيف فوتيل أن بلاده تجري حواراً مكثفاً مع تركيا بشأن سوريا. وقال، خلال كلمة مشاء أول من أمس في منتدى بعنوان «استقرار العراق وسوريا بعد داعش»، نظمه «معهد السلام بواشنطن»، بمشاركة مسؤولين آخرين، معلقا على الخلاف بين بلاده وتركيا بشأن الأولويات في سوريا، وعلى رأسها مدينة منبج التي تسيطر عليها الوحدات الكردية بأن قنوات الاتصال بين الجانبين «جيدة ومفتوحة». وأضاف: «نحن في حوار مكثف مع تركيا بهذا الخصوص، والشيء المهم الذي تعلمناه في سوريا هو ضرورة وجود آليات للحديث مع الناس، بسبب وجود لاعبين كثر في المنطقة».
وحول عملية غصن الزيتون التي نفذتها تركيا في عفرين السورية، قال فوتيل إن عملية «غصن الزيتون» أثرت على عمليات التحالف ضد «داعش» بالشمال السوري.
وكانت وكالة أنباء الأناضول التركية أكدت قيام القوات الأميركية في منبج بإنشاء قاعدتين عسكريتين جديدتين في المدينة التي ترغب تركيا في تطهيرها من وحدات حماية الشعب الكردية الذين وعدت واشنطن من قبل بإخراجهم إلى شرق الفرات، كما تم خلال الأيام الأخيرة نشر عناصر جديدة من القوات الأميركية هناك.



تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.


«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».