آخر يوم من حياة بازوليني

المخرج الإيطالي آبل فرارا يستعرض أحداثه في فيلمه الأخير عن السينمائي والشاعر والرسام

بازوليني  -  آبل فيرارا
بازوليني - آبل فيرارا
TT

آخر يوم من حياة بازوليني

بازوليني  -  آبل فيرارا
بازوليني - آبل فيرارا

ما زال الجدل دائراً حول الفيلم السينمائي الذي عرضته شاشات السينما الإيطالية والأوروبية مؤخراً عن حياة السينمائي والشاعر والرسام والروائي الراحل بيير باولو بازوليني، الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الحياة الثقافية الإيطالية، والأكثر فضائحية في القرن العشرين. الفيلم الذي أخرجه الإيطالي آبل فرّارا هو شهادة سينمائية جديدة لمفكر وشاعر وسينمائي ورسام مبدع دفع حياته للكشف عن فضائح عصره المخبأة تحت السياسة والدين والسلطة.
أنا واثنان من زملائي في نادي الصحافيين الأجانب في روما التقينا بالمخرج الإيطالي آبل فرّارا لنحاوره حول فيلمه الجديد الذي يتناول اليوم الأخير في حياة بازوليني.
كان آبل فرّارا مخرجاً لعيناً، إلا أنه تمكن من الانعتاق من الإدمان على المخدرات، وذلك بخضوعه للعلاج في أحد المشافي بالقرب من مدينة كازيرتا في الجنوب الإيطالي. إنه فنان سريع الغضب في أحيان كثيرة، بيد أن هذا الأمر قد يكون مجرد طريقة له في العمل والتعامل مع الآخرين.
في روما، وتحديداً بأحد مقاهي محطة قطارات أوستيانزا في وسط مدينة روما، كان موعد لقائنا أنا واثنين من زملائي في نادي الصحافيين الأجانب في روما، مع المخرج حول فيلم «بازوليني... اليوم الأخير»، وهذا هو عنوان الفيلم الذي يروي فيه مجرى أحداث آخر يوم من حياة الشاعر.
وصل بالقطار وحال نزوله قال غاضباً: «أي قطار هذا! لقد ركبت في حياتي العديد من القطارات، ولم أر قطاراً بطيئاً كهذا» ثم عبر عن أسفه لنا، وطفق يمسح على خدّ هذا ويمرر يده على رأس ذاك.
بدأ حديثه بالقول: «المشهد، بل الجو العام لتصوير الفيلم، يبدو سوريالياً وليس له أي علاقة بالأربع والعشرين ساعة الأخيرة من حياة بيير باولو بازوليني»، أي تلك الليلة الفاصلة بين 1 و2 نوفمبر (تشرين الثاني) لسنة 1975؛ ليلة مقتل بيير باولو بازوليني، الذي يقوم ببطولته الممثل الأميركي ويليام دافو الذي بلغ من العمر ستاً وستين سنة، وهو المفتون ولا يزال بحب بازوليني.
في هذا الفيلم الجديد عن بازوليني، الذي ينطقه فرّارا بالسين بدل الزاي «باسوليني»، الذي تعود فكرته إلى أكثر من عشرين سنة، أدمج المخرج ثلاثة مشاهد من فيلم آخر عن بازوليني لم يتمه عنوانه «تييو - بورنو - كولوسّال» ومشهدين من «بتروليو» (وهو اسم آخر عمل لبازوليني لم ينهه، وهو أيضاً فيلم لم يتمكن آبل فرّارا من إكماله). يقول عن ذلك: «لا أستطيع أن أدخل إلى ذهن بازوليني إلا عن طريق هذا السيناريو وهذه القصة، إذ لا أعرف شيئاً عن هوسه الجنسي، ولا أدري إلى أي مدى يحق لي أن أسميه هوساً أو تبعية، لكن ذلك الموت الذي لقيه في مدينة أوستيا المطلة على البحر في مكان مظلم وغارق في العدم هو نتيجة لاختياره الوجودي. وفي آخر لقاء له مع صديقه فوريو كولومبو قال (إن حياتي التي أعيشها أدفع ثمنها. أجدني كمن يهبط إلى قعر جهنم، إلا أنه عندما أتمكن من العودة سالماً، هذا إن عدت، أكون قد رأيت أشياء أخرى وأشياء أكثر. أنا لا أحاكم، هذا سفري وليس سفرك)».
إذن فآبل فرّارا مثل بازوليني لا يحاكم إلا أنه عارف تمام العرفان بكل ضروب الهوس والتبعيات أو الإدمان، وهو يقول بأن تلك الضروب تفضي بك إلى «أن يأخذوك إلى السجن أو إلى أن تلقى الموت مسحوقاً بسيارة». هو يدرك كل ذلك لأنه مذ كان عمره 16 سنة، وإلى أن بلغ الستين عاش حياة اللهو، غارقاً في الجنس والمخدرات والخمر وموسيقى «الروك آند رول». وإذا عرضنا لأفلامه، ابتداءً من فيلم «إيان دوري» إلى «لو ريد» مروراً بـ«ملك (من الملائكة) الثأر» إلى «ملك (من المُلك) نيويورك» ومن «القائد العسكري الشرير» إلى «إخوة» وحتى «اذهب اذهب يا طاليس»، نجد أنها كلها أفلام تبحر لاكتشاف الأعماق السحيقة للمدينة: جنس، وعنف، وضروب الإدمان، وجنون وظلام».
لكن آبل فرّارا يعتبر أيضاً مخرجاً ركز اهتمامه على الإثم والإيمان وعلى الانبعاث، إلا أنه لا يوافق على مثل هذا التوصيف قائلاً: «لا أجد انبعاثاً في أفلامي، فشخصياتي لا تتغير قطعاً ولا تتغير أبداً. أما أنا فعلى العكس قد تغيرت إذ كنت مدمناً ولم أعد كذلك. لقد تطهرت من الإدمان منذ سنة ونصف السنة».
وعند سؤالنا له عن تمويلات فيلمه الجديد، ذكر هذا أن وزارة «الكنوز الثقافية الإيطالية» قد ساهمت بقسط مالي.
أما عن حياته اليومية في روما فيقول: «حالما أدخل إلى شقتي بالقرب من ساحة الانتصار بروما، التي أضحت شبيهة بـ(بيفرلي هيل) بالنسبة للسينما الإيطالية، أنزع حذائي، لأصيح بأعلى صوتي، لقد أصبحت نظيفاً ظاهراً وباطناً... هنا الشوارع وسخة للغاية ونحن ننظف أرضية الشقة كل يوم».
ويقول فرارا عن بازوليني ما يقوله عن الديلاي لاما البوذي، الذي هو معلم له: «لما كنا شباباً وكنا نرى أفلامه كنا نشعر بأنه قد أخذنا إلى النور. أفلامه كانت قفزة روحية. لم نشاهد قط أشياء شبيهة بها لأننا كبرنا مع الأفلام الأميركية... لقد تحدثت مع مئات الأشخاص الذين عرفوه، والذين لا يزالون يبكونه ولا أحد منهم قال عنه كلمة سوء. كان نبيلاً، وشفيقاً، يسأل الجميع: كيف حالك؟ هل أكلت؟ أترغب في شرب قهوة؟».
ثم عرض علّينا فرّارا مشاهد مسجلة في كومبيوتره المحمول، يظهر فيها الممثل الذي هو مفتون به، أي الممثل ويليام دافو. إنه مشهد من اللقاء الصحافي الفرنسي في آخر أفلام بازوليني «سالو». والتشابه مع الحدث الأصلي أول ما يشد انتباه المشاهد الذي يعرف الأصل كما يسبب له معاناة وألماً حاداً. وهو يرى أن «الممثل البارع وِيليام دافو قادر على أن يطير إذا طلبت منه ذلك». وفرارا لن يضطر للبحث عن مترجم لأن وِيليام دافو يعيش في إيطاليا منذ تسع سنين، ثم إنه قد تزوج من إيطالية، «كما أننا قارنا صوته بصوت بازوليني فوجدناه هو هو». ثم عرض علينا مشهداً آخر: بازوليني يلعب كرة القدم مع أطفال الضواحي بلباسه العادي، أي ببدلته، وليس بلباس كرة القدم. ويعلق على ذلك بقوله: «في الأربع والعشرين ساعة الأخيرة من حياته، لا أعتقد أنه قد لعب إلا أنه كان يفعل ذلك دائماً. أما إذا كان ماراً بسيارته فإنه غالباً ما كان يركنها جانباً وينزل للملعب».
ويضيف فرارا: «من الملائم إعادة بناء أحداث اليوم الأخير لبازوليني مع شيء من الحبكة السينمائية والروائية التي تصلح لإيجاد معنى لنهاية هذا المبدع الكبير، لا سيما وأنني لم أصوّر لحد الآن مشهد الموت مثلما ورد في تصريحات بينو بلوزي الذي توفي مؤخراً، وهو المتهم والمحكوم عليه الوحيد في قضية القتل تلك. هل كانت ثمة مؤامرة أم لا؟ هذا أمر لا يعنيني. فالأمر يتعلق بفيلم لا ببحث أو تحقيق، فلا يهمني مطلقاً من قتله، كما لا تهمني طريقة قتله. فكل ما يعنيني هو التراجيديا وما فقدناه. مات بازوليني في سن 57 سنة، وكان من الممكن لو عاش أن يقول وأن يفعل الكثير. العديد من معاصريه لا يزالون على قيد الحياة. سيجد المشاهد نفسه أمام عالمين لمثقف بورجوازي يعيش نهاره مع أمه، ويكتب في الصحف، وكل ليلة ينطلق للبحث عما هو بحاجة إليه. كان بازوليني آخر «هيبّي» أو ربما آخر «فريك». كان يمثل الحرية الفردية وقد تجسدت لحماً ودماً. كان بازوليني يقول: «روما سماوية» رغم أن علاقته بها كانت علاقة عنيفة، علاقة اتسمت بالحب والكره.
الفيلم يجعلنا نشعر، كما يقول الكاتب الإيطالي برغالا، «كما لو أن بازوليني هو الذي يقودنا في مسار مجهول، ومفتوح على لقاءات، وفرص ضائعة، على مهارب وانطلاقات جديدة. إنه مسار مجهول من أشياء شخصية، وأماكن حياة، ومخطوطات، وأفلام وبعض أجزاء من أفلام، وآلة الكتابة. نجد الضاحية وأماكن أو مواضع وشخصيات فيلم (أكتّون) وفيلم (ماما روما) وفيلم (الريكوتّا) وفيلم (ألف ليلة وليلة) وفيلم (حظيرة الخنازير) وفيلم (سالو)... نجد أيضاً روما التي قتلته، وذلك ما تجسده صور جثته فوق رمال ساحل مدينة أوستيا القريبة من روما».


مقالات ذات صلة

لين هيلينه لوكن: «دفاعاً عن الذات»... يوظّف الصوت لاستعادة الحياة

يوميات الشرق عُرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

لين هيلينه لوكن: «دفاعاً عن الذات»... يوظّف الصوت لاستعادة الحياة

التعاطف الحقيقي يبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يرى العالم من منظور الآخر

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

«شمشون ودليلة» يُعيد اكتشاف أحمد العوضي ومي عمر كوميدياً

رجل أعمال أجنبي يمتلك «ماسة» نادرة يصل بها إلى مصر ويقيم في أحد الفنادق الكبرى بوسط القاهرة، لكن الماسة المُقدَّرة بملايين الدولارات يتصارع عليها 3 لصوص.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

ياشاسفي جويال: حادث تصادم ألهمني قصة «اليد الملطخة بالحبر»

قال المخرج الهندي ياشاسفي جويال إن فيلمه الروائي الطويل الأول «اليد الملطخة بالحبر والإبهام المفقود» وُلد من واقعة حقيقية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)

أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

قال المخرج المكسيكي أكسل بيرثا إن فيلمه الروائي الطويل الأول «ضد الطبيعة» (Against Nature) انطلق من واقعة قتل حقيقية وقعت في شمال المكسيك.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

كشفت أنّ أصعب أيام التصوير كانت خلال تنفيذ مشهد داخل حظيرة للحيوانات...

أحمد عدلي (القاهرة )

ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب
TT

ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب

كثيراً ما تبدأ كتابات أدب الرحلة من لحظات السفر الأولى، أما كتاب «رحلة في ذاكرة الحرب» فإنَّ صاحبته، الكاتبة المصرية حنان سليمان، تبدأه منذ كانت طفلةً في التاسعة من عمرها تجلس أمام شاشة التلفزيون، تتابع أخبار حرب لا تعرف عنها شيئاً، لكنها تشعر بأنَّها تخصها على نحو ما، تقول: «هناك، في البوسنة، شاهدتُ أولى مآسي العالم تتسلل إلى طفولتي عبر الشاشة. وجوههم لم تُشبه وجوهنا؛ بشرة وعيون أفتح، وألسنة لا نفهمها إلا عبر الترجمة. كان البعد مضاعفاً: جغرافيا، ولغوياً، وشعورياً».

تحمل الكاتبة تلك الحرب معها في جعبة طفولتها، ليتصاعد شغفها باستكشاف تلك الآصرة بعد أن أصبحت صحافية وروائية، لتبدو الرحلة إلى «البوسنة» وكأنها امتداد طبيعي لفضول مبكر قادها لإعداد حقيبتها للانضمام إلى جامعة سريبرينيتسا الصيفية، التي تأخذها في رحلة مكثَّفة عبر تاريخ البوسنة وحاضرها، وتضم جولات ميدانية في المواقع التاريخية والمتاحف، ولقاءات مع نشطاء وأهالٍ.

ما بعد الإبادة

يبدو الكتاب، الصادر عن دار «كتوبيا» للنشر بالقاهرة، قراءةً في آثار الحرب، وما أنتجته من ثقافة تحفظ الذاكرة عبر المتاحف، والرموز والطقوس، والأدب. تصل الكاتبة إلى سريبرينيتسا بعد عقود من ذكرى الإبادة الجماعية التي شهدتها. وترصد، عبر محطات سيرها وتجوالها اليومي، ومشاهداتها وملاحظاتها البسيطة، ما يربط الحاضر بماضي الحرب، بينما تصنع مفارقات واسعة بين طبيعة المكان الجمالية، وبين المجزرة التي شهدتها: «على أرض البوسنة شواطئ وشلالات وجبال وأنهار وألوان من الجمال شتى تأسر العين، ويقوم عليها قطاع ترفيهي وسياحي نشط. هي أيضاً مقصد عالمي لهواة التزلج. لكن يظل المعلم السياحي الأول الراسخ لها في الأذهان هو ذاكرة الحرب، أو بالأحرى ذاكرة الإبادة».

تظل حساسية الملاحظة إحدى أدوات الكاتبة لتسجيل آثار حرب البوسنة على حاضرها، وهي الحرب التي اندلعت مع تفكك يوغوسلافيا، وخلّفت واحدة من أبشع مآسي أوروبا الحديثة، بما شهدته من سياسات التطهير العرقي، و«مجزرة سريبرينيتسا» التي أصبحت لاحقاً رمزاً للإبادة الجماعية في القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.

تتوقف الكاتبة عند تجربة الجامعة الصيفية التي التحقت بها، كانت توفِّر في سنواتها الأولى الإقامة والرعاية الكاملة للدارسين من أنحاء العالم، أخذت تفقد تدريجياً دعم المانحين، خاصة بعد جائحة «كورونا»، حتى تقلصت إمكاناتها بصورة لافتة، ولا يبدو هذا التفصيل عابراً في الكتاب، بل يتحوَّل إلى سؤال عن مصير المؤسسات الثقافية التي تحفظ الذاكرة.

فلا يقتصر دور تلك الجامعة على تدريس تاريخ البوسنة، إنما تؤدي دوراً سنوياً في إحياء ذكرى «مجزرة سريبرينيتسا»، إذ تختتم برامجها بالمشاركة في مسيرة السلام، التي يسير خلالها المشاركون على خطى آلاف الفارين من الموت عام 1995، الأمر الذي يجعل تراجع دعمها خسارةً تتجاوز التعليم والمعرفة إلى الذاكرة التاريخية نفسها.

رموز بصرية

لعل أحد أبرز ملامح الكتاب أنَّه لا يقف عند توثيق الحرب، بل ينصرف إلى ما فعلته البوسنة بذاكرتها بعد الحرب، فبدلاً من إزالة آثار المأساة، اختارت أن تجعلها جزءاً من حياتها اليومية، فترصد الكاتبة مثلاً «زهور سراييفو»؛ تلك الحفر التي خلفتها القذائف في الشوارع، لتبدو كأنَّها زهور نبتت في قلب الإسفلت.

تنظر الكاتبة إليها بوصفها فلسفةً كاملةً في مقاومة النسيان؛ فالمدينة لم تُخفِ جراحها، إنما أبقتها مرئيةً، لتتحوَّل الشوارع نفسها إلى سجل تاريخي مفتوح، ومن الفكرة نفسها تنتقل إلى «وردة سريبرينيتسا» التي نسجتها أمهات الضحايا لتصبح أحد أشهر رموز الإبادة الجماعية؛ 11 بتلة تشير إلى الـ11 من يوليو (تموز)، واللون الأبيض يرمز إلى براءة الضحايا، بينما يتوسَّطها قلب أخضر يستدعي استمرار الحياة، ليلفت الكتاب الانتباه إلى قدرة الثقافة على تحويل الحداد إلى رمز، والرمز إلى ذاكرة جماعية، بما يجعل الفن نفسه امتداداً لفعل المقاومة. لا تكتفي سليمان بتأمل تلك الرموز البصرية، التي شملت التماثيل والجداريات والمتاحف، بل أيضاً البنية السياسية والاجتماعية للدولة، متأملة فلسفة الانتماء نفسها، فتقول: «تتسع الأرض للجميع، ولا يُمنح الانتماء لها بسهولة»، وذلك في سياق حديثها عن قانون الجنسية في البوسنة والهرسك، الذي لا يمنح الجنسية لمجرد الميلاد على أرض البلاد، إنما يشترط أن يكون أحد الأبوين مواطناً بوسنياً.

ومن خلال هذا التفصيل القانوني تفتح الكاتبة باباً للتأمل في مجتمع ما زال يسعى، بعد الحرب، إلى حماية توازنه الديموغرافي والديني شديد الحساسية، حيث تتجاور الهويات الإسلامية والمسيحية واليهودية داخل دولة لا تزال آثار الصراع ماثلةً في بنيتها السياسية، وهو مفتاح لفهم علاقة البوسنيِّين بالأرض، وبالهوية، وبالذاكرة التي ما زالت تحدد كثيراً من اختياراتهم.

تقتفي الكاتبة أيضاً ذاكرة الإبادة في الأدب، لذلك تحرص على اقتناء الروايات البوسنية، وتسجيل ملاحظتها حول قلة ترجمتها إلى الإنجليزية، وأيضاً حضورها الضعيف في الثقافة العربية، وتُخصِّص مساحةً لمقاربات أدبية بين تلك الأعمال، وبين أعمال أخرى مثل رواية «حطب سراييفو» للروائي الجزائري سعيد خطيبي، التي تستدعي بدورها ذاكرة الحرب في البلقان، وتكشف كيف يمكن للرواية أن تعبر الحدود الجغرافية لتلتقي الذاكرة الإنسانية نفسها.

من خلال هذه القراءات يعزِّز الكتاب فكرة أنَّ الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب؛ فإذا كانت المتاحف تحفظ الوقائع، فإنَّ الروايات تحفظ ما هو أكثر هشاشة؛ الخوف، والحنين، والخيبة، والأسئلة التي يتركها العنف في النفوس، ومن هنا تبدو قراءات الكاتبة الأدبية جزءاً أصيلاً من الرحلة، لا استراحة بينها، وكأنَّها تؤمن بأنَّ الطريق إلى البوسنة يمرُّ أيضاً عبر الكتب.

ومن ثم، تطرح الكاتبة تساؤلات عن غياب الاستثمار العربي في المبادرات الثقافية التي تحفظ ذاكرة الإبادة، ودعم المؤسسات المعنية بها، التي تعاني اليوم من تراجع التمويل. ويأتي هذا الطرح متناغماً مع الفكرة المركزية للكتاب؛ وهي مقاومة البوسنيِّين للنسيان، عبر تحويل آثار مأساتهم التاريخية إلى لغة بصرية وأدبية وإنسانية حيّة.

الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب


هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟
TT

هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟

يكاد يكون هذا أكثر الأسئلة تكراراً كلما اشتكى أحد من هيمنة الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما زالت الناس تقرأ؟ ويأتي الجواب عادة حاسماً: لم يعد أحد يقرأ. لكن هذه الإجابة العجلى، على شيوعها، تخفي مفارقة تستحق التأمل. فربما لم يقرأ الإنسان في تاريخه كما يقرأ اليوم كثرة. نحن نستيقظ على الكلمات، ونعمل بالكلمات، ونتواصل بالكلمات، وننام والكلمات لا تزال تلاحقنا على شاشات الهواتف. الأخبار، والرسائل، والتعليقات، والإعلانات، والتعليمات، والإشعارات، كلها تجعل القراءة النشاط الأكثر حضوراً في حياتنا اليومية. لذلك؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟

لقد تغيرت القراءة أكثر مما تراجعت. ففي الماضي كانت القراءة حدثاً استثنائياً، يختار الإنسان كتاباً، ويجلس إليه ساعات، ويمنحه انتباهه الكامل. أما اليوم، فقد أصبحت القراءة تياراً متصلاً لا يكاد ينقطع. غير أن هذا التيار لا يمنح القارئ دائماً فرصة التوقف أو التأمل. إنه يدفعه إلى الانتقال المستمر من نص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبحت السرعة إحدى خصائص القراءة الحديثة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين كمية القراءة وطبيعتها. فكمية القراءة تشير إلى عدد الكلمات التي يمر بها الإنسان في كل يوم، أما طبيعتها فتتعلق بالعلاقة التي يقيمها مع النص ومدى حميميتها. قد يقرأ المرء آلاف الكلمات في يوم واحد، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة توقفاً كافياً يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم وللحياة.

ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات، فنحن نعيش أكثر العصور امتلاءً بها. المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. فالمعرفة ليست حصيلة ما نجمعه من بيانات، وإنما هي القدرة على إقامة العلاقات بينها، واكتشاف المعنى الذي يجمعها. ولهذا؛ كان الكتاب، في أفضل صوره، لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّم القارئ كيف يطرح أسئلة أفضل.

لقد غيرت الوسائط الرقمية مفهوم القراءة نفسه. ففي الكتاب الورقي كانت البداية والنهاية واضحتين يمكن تحسسهما باليد، وكانت العلاقة بالكتاب علاقة حميمية حقاً، وكان القارئ يسير في طريق واحد رسمه المؤلف. أما على الشاشة، فإن كل صفحة تقود إلى عشرات الصفحات، وكل فكرة تستدعي إشعاراً جديداً أو رابطاً آخر، وقد تقاطعك الإعلانات أثناء ذلك. وهكذا أصبحت القراءة أشبه بالتجوال في مدينة لا تنتهي شوارعها. ولا ينبغي أن يكون تصورنا لهذه القضية مأساوياً؛ فهذه الحرية الهائلة في الوصول إلى النصوص هي إحدى أعظم منجزات العصر، لكنها في الوقت نفسه جعلت المحافظة على الانتباه تحدياً ثقافياً غير مسبوق.

ولهذا؛ فإن أخطر ما يهدد القراءة ليس قلة الكتب، ولا عزوف الناس عنها، بل تآكل القدرة على المكوث مع فكرة واحدة حتى تبلغ مداها. هذا هو مربط الفرس. فالقراءة العميقة تحتاج إلى الصبر، والصبر أصبح لا يطاق في زمن الإيقاع المتسارع، وفي زمن الكم الهائل من النصوص الذي يريد أن يقتحم وعينا في كل لحظة. وحين يعتاد العقل القفز السريع بين النصوص، فإنه يربح اتساعاً في الاطلاع، لكنه قد يخسر القدرة على التعمق والخروج من دائرة الفهم السطحي. وهنا لا تنقص كمية القراءة، بل يتغير شكلها ووظيفتها.

ولعل أهم ما تمنحه القراءة العميقة أنها تعيد إلى الإنسان ملكة الانتباه. والانتباه ليس مجرد تثبيت النظر على الكلمات، بل هو القدرة على الإقامة مع فكرة واحدة حتى تستنفد ما تقوله. فالإنسان لا يفهم النصوص لأنه يقرأها بسرعة، وإنما لأنه يمنحها الزمن الذي يسمح لها بأن تكشف عن طبقاتها الخفية. وربما كانت الأزمة الثقافية اليوم أقل ارتباطاً بندرة الكتب منها بندرة الانتباه.

فنحن نعيش في اقتصاد جديد تتنافس فيه التطبيقات والمنصات ووسائل الإعلام على الاستحواذ على أعيننا وعقولنا، حتى أصبح الانتباه نفسه مورداً نادراً. ولهذا تغدو القراءة، في أعمق معانيها، مقاومة لهذا التشظي، فهي ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تدريب يومي على استعادة السيادة على الذهن، وعلى تحريره من الإيقاع الذي تفرضه وفرة المعلومات.

ولعل هذا يفسر ظاهرة لافتة في حياتنا الثقافية. فنحن نتداول اليوم اقتباسات أكثر من أي وقت مضى، لكننا نناقش أفكاراً كبرى أقل من ذي قبل. أصبحت الجملة القصيرة أكثر انتشاراً من الحجة الطويلة، والعنوان أكثر تأثيراً من الكتاب، والملخص أكثر رواجاً من النص الكامل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحنين للماضي بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى القراءة نفسها. فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنما هي تدريب على الإصغاء، وعلى تحمّل التعقيد، وعلى مقاومة الإغراء الدائم بالانتقال إلى الشيء التالي.

ولهذا؛ فإن مستقبل القراءة لن يتحدد بعدد الكتب المطبوعة، ولا بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل بقدرتنا على استعادة القراءة بوصفها فعلاً من أفعال الانتباه. فالثقافة لا تُقاس بما نستهلكه من كلمات، وإنما بما تتركه تلك الكلمات فينا من أثر. قد نقرأ كثيراً ولا يتغير فينا شيء، وقد نقرأ صفحة واحدة فتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم بأسره.

لذلك؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: هل ما زالت تقرأ بالكيفية التي تجعل القراءة تجربة تُعيد بناء الإنسان، لا مجرد عادة يستهلك بها الكلمات والوقت؟ فبين كثرة القراءة وجودتها، وبين وفرة النصوص وعمق التلقي، تتحدد ملامح الثقافة في عصرنا، ويتحدد معها نوع الإنسان الذي نصنعه بقراءاتنا.

* كاتب سعودي


«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب
TT

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

عن منشورات «الاتحاد العام للأدباء والكتاب» في العراق، 2026، صدرت للكاتب جمال العتابي مجموعة قصصية بعنوان «ساق تحدق» في «127» صفحة، تضم 27 قصة قصيرة، تنعكس فيها خبرة العتابي الإبداعية التي تمتد لأكثر من نصف قرن، زاوج فيها بين النقد التشكيلي، والموسيقى، والسرد، وهو ما يفسر الكثافة والعمق البصري في قصصه.

في قصص العتابي هذه، تتحول الذاكرة إلى وسيلة للمقاومة، حيث يوزع الكاتب الأحداث على شكل شذرات دافعاً بالقارئ إلى إعادة تركيبها. يتجلّى هذا في قصة «دليل الهاتف»؛ حيث يعثر البطل «كامل» على دفتر هاتف قديم يتحوّل إلى بوابة لاستعادة تاريخ من الخراب. يقول السارد: «حدق في السجل الذي ظل يبحث عنه طوال تلك المدة التي شهدت موجة من العنف... اضطر بسببها إلى الهرب والإفلات من الجحيم» (المجموعة 5).

تتحول الأرقام الباردة إلى شواهد على حيوات تلاشت. ففي إحدى القصص، يتصل كامل بصديقه «نزار»، فيكتشف أنه أصيب بالشلل وفقد النطق، ومع ذلك يقول نزار: «تحولت إلى نصف رجل الآن... لكن ذاكرتي ما تزال حية» (المجموعة 10). وتختصر هذه اللحظة فكرة المجموعة: «قد ينهار الجسد، لكن الذاكرة تبقى المعقل الأخير لمقاومة الخراب».

وتستمر هذه المقاومة في قصة «بائع الشاي الأخير»، حيث يلتقي الصديقان «حسن وكريم» بعد سنوات من الفراق والقمع، ليكشف كريم أن الخوف جعله ينكر اسمه طويلاً: «كنت أخشى حتى من اسمي يا حسن، صار ظلي يلاحقني». ثم يختم اللقاء بعبارة تفيض بالوجع: «حسن... لو جئت لي غداً، وقلت لي مرحباً كريم مرة، أعدك سأرد... لكن لا تتأخر، فأنا بدأت أنسى شكل الحلم» (ص 32).

لا يتناول العتابي الحرب عبر البيانات العسكرية، بل بوصفها حالة وجودية تتغلغل في حيوات البسطاء. في قصة «ذات صباح»، نعيش حلم الشاب «خالد السلمان» الذي جاء إلى العاصمة ليدرس، وكان يردد بخوف: «أخاف كثيراً... أخاف أموت قبل ما (أوفي) بوعدي لأمي...». لكن حلمه يتبدد بانفجار سيارة مفخخة، وتأتي الصدمة من البرود الإعلامي الذي نقل الكارثة بعبارة: «انتهى الخبر» (ص 19).

وفي قصتي «خط النار»، يرفع الكاتب القناع عن الشعارات السياسية الكبرى التي تحول الحروب إلى مقبرة للفقراء، بينما يجلس صناع القرار خلف مكاتبهم الفارهة، واصفاً أجساد الجنود البسطاء بأنها «تتناثر مثل الطيور الذبيحة» (العتابي 43). وفي «فرصة العمر»، تواجه السلطة الأب بسؤال مخادع: «كيف تقبل تحرم الولد من فرصة العمر في المشاركة لمواجهة العدو؟» (العتابي 45).

وتكتمل المأساة في «إجازة تأجيل الموت»، حيث يقدم الجندي سالم خروفاً رشوةً لضابطه ليشتري أياماً إضافية من الحياة. ويبلغ المشهد ذروته عندما يكتب اسمه باللون الأحمر على ظهر الخروف (ص 53)، فيغدو الخروف معادلاً رمزياً للجندي؛ فكلاهما يُساق إلى الذبح بلا إرادة، ويصبح الاسم المكتوب محاولة أخيرة لإثبات الوجود في مواجهة موتٍ يقترب. وفي قصة «بابا نائم»، تبلغ المفارقة ذروتها عندما تسحب طفلة الغطاء عن جثمان أبيها قائلة: «بابا نائم» (ص 93). وفي «موت جميل»، يفضح الكاتب تجميل القتل بسخرية سوداء؛ إذ توصف الرصاصة بأنها «مغلفة بطبقة ناعمة من مركب زهري» ص 89).

ومن جهة أخرى، تحضر المدينة في المجموعة كائناً حياً يتألم ويشيخ بفعل الحصار؛ إذ تظهر بغداد في «بائع الشاي الأخير»، وهي ترزح تحت وطأة الاغتراب، ويصف الكاتب شارع المتنبي بقوله: «كان شارع المتنبي يتنفس بصعوبة ينوء بثقل الحصار... كانت الكتب كالأشلاء تئن من الجوع معروضة على أرصفة الشارع» (ص 29). إن تشبيه الكتب بالأشلاء يوضح عمق الانهيار الثقافي والاقتصادي.

وفي قصة «أمل في سروال»، يتناول الكاتب التحولات الطبقية عبر سوق الملابس المستعملة (البالة)، حيث «كل قطعة تحمل قصة» (العتابي 48) صاحبها الأول. فيجد المشتري الفقير نفسه مجبراً على ارتداء تاريخ شخص مجهول. وفي مقابل هذا الخراب، يلتفت الكاتب في قصة «فقدان سلسلة» إلى دفء الريف ممثلاً بنهر الغراف ومدرسته القديمة التي «ليست بناية من حجر، إنما روح حية تنبض وسط الطبيعة، على ضفاف نهر لا يعرف التوقف» (ص 100).

يبلغ جمال العتابي ذروة اشتغاله الفني حين يمنح الأشياء والأعضاء المبتورة القدرة على الكلام، فتغدو شخصيات فاعلة تكشف ما عجز الإنسان عن قوله. ففي قصة «ساق تحدق» لا تبقى الساق المبتورة مجرد عضو مفقود، بل تتحول إلى شاهد حي على الخراب العراقي؛ إذ تخاطب الطبيب بقولها: «هذا وطني يتناثر في أبهاء الريح ما بين قتيل في الساحات وبين جريح» (ص 118). بهذا الخطاب تنتقل الساق من أنَّها جزءٌ من الجسد إلى ضمير جمعي يستحضر الوطن الجريح، ثم تستعيد ذكريات الركض وصعود الجبال لتغدو عيناً ساهرة تحدق في بشاعة الحرب وتدين صُنّاعها.

* كاتب عراقيوتتكرر هذه الأنسنة في قصة «لسان يترنح»، إذ لا ينجح القمع في إسكات الحقيقة رغم بتر اللسان: «أنتم تقطعون اللحم، أما الحقيقة فهي تسكن في العظام» (ص 115). وهنا تتحول الإعاقة الجسدية إلى فعل مقاومة، حين يبتكر الناس لغة بديلة، فيغدو مشهد «صار الناس يشيرون بأصابعهم إلى أفواههم المغلقة، ثم إلى قلوبهم» (ص 115) دالاً على أن التواصل الإنساني أوسع من حدود اللغة المنطوقة، وأن الحقيقة تستطيع أن تجد دائماً وسيلة جديدة للتعبير.

ولا يقتصر هذا الحس الإنساني على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الكائنات الأخرى. ففي قصة «تيمة كلب» يغدو الكلب رمزاً للوفاء، ويصبح غرس شجرة في مكانه بعد موته فعلاً يحفظ الذاكرة ويقاوم الفناء (ص 115).

أما في قصة «اتحاد النمل»، فإن العتابي يمنح النمل صوتاً أخلاقياً يواجه استعلاء الإنسان، حين يعلن: «لسنا ضدك، لكننا لسنا دونك، نحن نعيش على هذه الأرض كما تعيش... لكن لا نملك حذاءً لنسحق به أحداً» (ص 111).

ومن التقنيات البارزة في المجموعة اعتماد النهايات المفتوحة التي تجعل القارئ مشاركاً في إنتاج الدلالة. ففي قصة «الوردة المجففة» لا يحسم السارد معنى الاحتفاظ بالوردة، بل يتركه معلقاً عبر قوله: «ربما لتحتفظ بالرائحة. وربما لتتذكر أن بعض الرسائل تعرف طريقها، حتى في العتمة» (ص 40). إن تكرار لفظة «ربما» يوسع أفق التأويل، ويمنح المتلقي حرية استكمال المعنى وفق خبرته ووعيه.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها في قصة «رفعت الجلسة»؛ إذ لا تنتهي المحاكمة بقرار القاضي، وإنما تنقضها صرخة درويش: «لا... لم ترفع الجلسة، ما زالت مستمرة» (ص 126). وبهذه النهاية يتحول الحكم القضائي إلى محاكمة أخلاقية مفتوحة، ويغدو القارئ طرفاً فيها، مطالباً بإصدار موقفه من الظلم بدل الاكتفاء بمراقبته.

وخلاصة القول: تنحاز مجموعة «ساق تحدق» بوضوح إلى الإنسان المقهور والمهمش؛ فالجندي، وبائع الشاي، والكادح، واليتيم، جميعهم يمثلون وجوهاً لمعاناة واحدة. من خلال المفارقة، والرمز، وأنسنة الأشياء، والنهايات المفتوحة.