آخر يوم من حياة بازوليني

المخرج الإيطالي آبل فرارا يستعرض أحداثه في فيلمه الأخير عن السينمائي والشاعر والرسام

بازوليني  -  آبل فيرارا
بازوليني - آبل فيرارا
TT

آخر يوم من حياة بازوليني

بازوليني  -  آبل فيرارا
بازوليني - آبل فيرارا

ما زال الجدل دائراً حول الفيلم السينمائي الذي عرضته شاشات السينما الإيطالية والأوروبية مؤخراً عن حياة السينمائي والشاعر والرسام والروائي الراحل بيير باولو بازوليني، الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الحياة الثقافية الإيطالية، والأكثر فضائحية في القرن العشرين. الفيلم الذي أخرجه الإيطالي آبل فرّارا هو شهادة سينمائية جديدة لمفكر وشاعر وسينمائي ورسام مبدع دفع حياته للكشف عن فضائح عصره المخبأة تحت السياسة والدين والسلطة.
أنا واثنان من زملائي في نادي الصحافيين الأجانب في روما التقينا بالمخرج الإيطالي آبل فرّارا لنحاوره حول فيلمه الجديد الذي يتناول اليوم الأخير في حياة بازوليني.
كان آبل فرّارا مخرجاً لعيناً، إلا أنه تمكن من الانعتاق من الإدمان على المخدرات، وذلك بخضوعه للعلاج في أحد المشافي بالقرب من مدينة كازيرتا في الجنوب الإيطالي. إنه فنان سريع الغضب في أحيان كثيرة، بيد أن هذا الأمر قد يكون مجرد طريقة له في العمل والتعامل مع الآخرين.
في روما، وتحديداً بأحد مقاهي محطة قطارات أوستيانزا في وسط مدينة روما، كان موعد لقائنا أنا واثنين من زملائي في نادي الصحافيين الأجانب في روما، مع المخرج حول فيلم «بازوليني... اليوم الأخير»، وهذا هو عنوان الفيلم الذي يروي فيه مجرى أحداث آخر يوم من حياة الشاعر.
وصل بالقطار وحال نزوله قال غاضباً: «أي قطار هذا! لقد ركبت في حياتي العديد من القطارات، ولم أر قطاراً بطيئاً كهذا» ثم عبر عن أسفه لنا، وطفق يمسح على خدّ هذا ويمرر يده على رأس ذاك.
بدأ حديثه بالقول: «المشهد، بل الجو العام لتصوير الفيلم، يبدو سوريالياً وليس له أي علاقة بالأربع والعشرين ساعة الأخيرة من حياة بيير باولو بازوليني»، أي تلك الليلة الفاصلة بين 1 و2 نوفمبر (تشرين الثاني) لسنة 1975؛ ليلة مقتل بيير باولو بازوليني، الذي يقوم ببطولته الممثل الأميركي ويليام دافو الذي بلغ من العمر ستاً وستين سنة، وهو المفتون ولا يزال بحب بازوليني.
في هذا الفيلم الجديد عن بازوليني، الذي ينطقه فرّارا بالسين بدل الزاي «باسوليني»، الذي تعود فكرته إلى أكثر من عشرين سنة، أدمج المخرج ثلاثة مشاهد من فيلم آخر عن بازوليني لم يتمه عنوانه «تييو - بورنو - كولوسّال» ومشهدين من «بتروليو» (وهو اسم آخر عمل لبازوليني لم ينهه، وهو أيضاً فيلم لم يتمكن آبل فرّارا من إكماله). يقول عن ذلك: «لا أستطيع أن أدخل إلى ذهن بازوليني إلا عن طريق هذا السيناريو وهذه القصة، إذ لا أعرف شيئاً عن هوسه الجنسي، ولا أدري إلى أي مدى يحق لي أن أسميه هوساً أو تبعية، لكن ذلك الموت الذي لقيه في مدينة أوستيا المطلة على البحر في مكان مظلم وغارق في العدم هو نتيجة لاختياره الوجودي. وفي آخر لقاء له مع صديقه فوريو كولومبو قال (إن حياتي التي أعيشها أدفع ثمنها. أجدني كمن يهبط إلى قعر جهنم، إلا أنه عندما أتمكن من العودة سالماً، هذا إن عدت، أكون قد رأيت أشياء أخرى وأشياء أكثر. أنا لا أحاكم، هذا سفري وليس سفرك)».
إذن فآبل فرّارا مثل بازوليني لا يحاكم إلا أنه عارف تمام العرفان بكل ضروب الهوس والتبعيات أو الإدمان، وهو يقول بأن تلك الضروب تفضي بك إلى «أن يأخذوك إلى السجن أو إلى أن تلقى الموت مسحوقاً بسيارة». هو يدرك كل ذلك لأنه مذ كان عمره 16 سنة، وإلى أن بلغ الستين عاش حياة اللهو، غارقاً في الجنس والمخدرات والخمر وموسيقى «الروك آند رول». وإذا عرضنا لأفلامه، ابتداءً من فيلم «إيان دوري» إلى «لو ريد» مروراً بـ«ملك (من الملائكة) الثأر» إلى «ملك (من المُلك) نيويورك» ومن «القائد العسكري الشرير» إلى «إخوة» وحتى «اذهب اذهب يا طاليس»، نجد أنها كلها أفلام تبحر لاكتشاف الأعماق السحيقة للمدينة: جنس، وعنف، وضروب الإدمان، وجنون وظلام».
لكن آبل فرّارا يعتبر أيضاً مخرجاً ركز اهتمامه على الإثم والإيمان وعلى الانبعاث، إلا أنه لا يوافق على مثل هذا التوصيف قائلاً: «لا أجد انبعاثاً في أفلامي، فشخصياتي لا تتغير قطعاً ولا تتغير أبداً. أما أنا فعلى العكس قد تغيرت إذ كنت مدمناً ولم أعد كذلك. لقد تطهرت من الإدمان منذ سنة ونصف السنة».
وعند سؤالنا له عن تمويلات فيلمه الجديد، ذكر هذا أن وزارة «الكنوز الثقافية الإيطالية» قد ساهمت بقسط مالي.
أما عن حياته اليومية في روما فيقول: «حالما أدخل إلى شقتي بالقرب من ساحة الانتصار بروما، التي أضحت شبيهة بـ(بيفرلي هيل) بالنسبة للسينما الإيطالية، أنزع حذائي، لأصيح بأعلى صوتي، لقد أصبحت نظيفاً ظاهراً وباطناً... هنا الشوارع وسخة للغاية ونحن ننظف أرضية الشقة كل يوم».
ويقول فرارا عن بازوليني ما يقوله عن الديلاي لاما البوذي، الذي هو معلم له: «لما كنا شباباً وكنا نرى أفلامه كنا نشعر بأنه قد أخذنا إلى النور. أفلامه كانت قفزة روحية. لم نشاهد قط أشياء شبيهة بها لأننا كبرنا مع الأفلام الأميركية... لقد تحدثت مع مئات الأشخاص الذين عرفوه، والذين لا يزالون يبكونه ولا أحد منهم قال عنه كلمة سوء. كان نبيلاً، وشفيقاً، يسأل الجميع: كيف حالك؟ هل أكلت؟ أترغب في شرب قهوة؟».
ثم عرض علّينا فرّارا مشاهد مسجلة في كومبيوتره المحمول، يظهر فيها الممثل الذي هو مفتون به، أي الممثل ويليام دافو. إنه مشهد من اللقاء الصحافي الفرنسي في آخر أفلام بازوليني «سالو». والتشابه مع الحدث الأصلي أول ما يشد انتباه المشاهد الذي يعرف الأصل كما يسبب له معاناة وألماً حاداً. وهو يرى أن «الممثل البارع وِيليام دافو قادر على أن يطير إذا طلبت منه ذلك». وفرارا لن يضطر للبحث عن مترجم لأن وِيليام دافو يعيش في إيطاليا منذ تسع سنين، ثم إنه قد تزوج من إيطالية، «كما أننا قارنا صوته بصوت بازوليني فوجدناه هو هو». ثم عرض علينا مشهداً آخر: بازوليني يلعب كرة القدم مع أطفال الضواحي بلباسه العادي، أي ببدلته، وليس بلباس كرة القدم. ويعلق على ذلك بقوله: «في الأربع والعشرين ساعة الأخيرة من حياته، لا أعتقد أنه قد لعب إلا أنه كان يفعل ذلك دائماً. أما إذا كان ماراً بسيارته فإنه غالباً ما كان يركنها جانباً وينزل للملعب».
ويضيف فرارا: «من الملائم إعادة بناء أحداث اليوم الأخير لبازوليني مع شيء من الحبكة السينمائية والروائية التي تصلح لإيجاد معنى لنهاية هذا المبدع الكبير، لا سيما وأنني لم أصوّر لحد الآن مشهد الموت مثلما ورد في تصريحات بينو بلوزي الذي توفي مؤخراً، وهو المتهم والمحكوم عليه الوحيد في قضية القتل تلك. هل كانت ثمة مؤامرة أم لا؟ هذا أمر لا يعنيني. فالأمر يتعلق بفيلم لا ببحث أو تحقيق، فلا يهمني مطلقاً من قتله، كما لا تهمني طريقة قتله. فكل ما يعنيني هو التراجيديا وما فقدناه. مات بازوليني في سن 57 سنة، وكان من الممكن لو عاش أن يقول وأن يفعل الكثير. العديد من معاصريه لا يزالون على قيد الحياة. سيجد المشاهد نفسه أمام عالمين لمثقف بورجوازي يعيش نهاره مع أمه، ويكتب في الصحف، وكل ليلة ينطلق للبحث عما هو بحاجة إليه. كان بازوليني آخر «هيبّي» أو ربما آخر «فريك». كان يمثل الحرية الفردية وقد تجسدت لحماً ودماً. كان بازوليني يقول: «روما سماوية» رغم أن علاقته بها كانت علاقة عنيفة، علاقة اتسمت بالحب والكره.
الفيلم يجعلنا نشعر، كما يقول الكاتب الإيطالي برغالا، «كما لو أن بازوليني هو الذي يقودنا في مسار مجهول، ومفتوح على لقاءات، وفرص ضائعة، على مهارب وانطلاقات جديدة. إنه مسار مجهول من أشياء شخصية، وأماكن حياة، ومخطوطات، وأفلام وبعض أجزاء من أفلام، وآلة الكتابة. نجد الضاحية وأماكن أو مواضع وشخصيات فيلم (أكتّون) وفيلم (ماما روما) وفيلم (الريكوتّا) وفيلم (ألف ليلة وليلة) وفيلم (حظيرة الخنازير) وفيلم (سالو)... نجد أيضاً روما التي قتلته، وذلك ما تجسده صور جثته فوق رمال ساحل مدينة أوستيا القريبة من روما».


مقالات ذات صلة

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

يوميات الشرق عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

لم تكن «اللحمة» مجرد طعام على موائد المصريين، بل كانت دائماً تحمل معنى أكبر، فهي دليل وليمة محترمة، وعلامة على «الستر» و«الهيبة».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)

«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

أياً تكن الانتقادات التي توجه إلى فيلم آن ماري جاسر «فلسطين 36» سيبقى لوقت طويل محطةً أساسيةً في مسار السينما الفلسطينية.

سوسن الأبطح
يوميات الشرق ماكس هوانغ مع جاكي شان (فيسبوك)

ماكس هوانغ: خبرتي مع جاكي شان ساعدتني في «7DOGS»

أكد هوانغ أنّ التحدّي الأكبر كان الحفاظ على التوازن بين الأداء البدني العنيف والحضور التمثيلي للشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة المصرية تارا عماد شاركت في «سفن دوجز»  (حسابها على فيسبوك)

تارا عماد: نفذت معظم مشاهد الأكشن بنفسي في «سفن دوجز»

قالت الممثلة المصرية تارا عماد إن فيلم «سفن دوجز» بمنزلة تجربة سينمائية جديدة بالنسبة لها، وعدته «مغامرة كاملة».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)

محمد صلاح أبو سيف: تجنبت إخراج فيلم عن والدي

أكد المخرج المصري محمد أبو سيف نجل المخرج الراحل صلاح أبو سيف أن أسرته قامت قبل سنوات بإهداء مكتبة ومقتنيات والده لوزارة الثقافة المصرية.

انتصار دردير (القاهرة)

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».