البوصيري عبد الله: الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر

حوار عن المشهد المسرحي الليبي في صعوده وهبوطه

البوصيري عبد الله
البوصيري عبد الله
TT

البوصيري عبد الله: الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر

البوصيري عبد الله
البوصيري عبد الله

يعيش المسرح الليبي الحالي - بحسب تعبير أحد النقاد - «الحالة الظلية» من حيث التجربة النصية والعرض، مستكينا إلى هدوء يبدو فيه مشغولا بسؤال المرحلة وتقلباتها العاصفة. وللوقوف على ملامح وأحوال المشهد الحالي، كان هذا الحوار مع الكاتب المسرحي البوصيري عبد الله لمعرفة أبعاد هذا الفضاء من خلال مسيرته الطويلة في التأليف المسرحي، ولكونه بحكم عمله متابعاً دقيقاً لما قدم ويقدم على خشبات العرض
> أفضل أن أبدأ حواري معك بالحديث عن مسرحيتك «لعبة السلطان والوزير». وعلى حدِّ علمي أن هذه المسرحية كتبت في مطلع ثمانينات القرن الماضي، ومع ذلك لا يزال يعكس الواقع المعاش. كيف يبدو لك النص المسرحي الليبي الحديث في تعاطيه مع المشهد الحالي؟
- أولاً اسمح لي بتصحيح بسيط يتصل بتاريخ المسرحية المذكورة، فهي كتبت ونشرت في مجلة «الأقلام العراقية» في السبعينات ولكنها عرضت في الثمانينات. أما بخصوص سؤالك فأقول: إنه يتعذر علينا - للأسف - قراءة النص المسرحي الليبي الآن.. وخلال السنوات الأخيرة، وذلك لعدم وجود نصوص مسرحية تسمح لنا بالتأمل والتقويم.. ليست ثمة نصوص منشورة لا في الصحف، ولا مطبوعة في كتب، أما فيما يخص النص «الركحي»، أي المسرحيات التي تكتب مباشرة إلى الفرق، فقد بدأت بأسلوب مغازلة الثورة، وذلك على سبيل الترحيب بنظام جديد يأمل أصحاب تلك المسرحيات أن يكون أفضل حالاً مما سبقه، بيد أن الأعوام العجاف التي مرت لا تشير إلى ذلك أبداً. وقد استشعرت بعض المسرحيات بخيبة أمل فطفقت تنتقد وتكشف وتعري ولكن رغبة في التنفيس لا رغبة في التغيير. وعلى العموم فإن الخطاب المسرحي الحقيقي.. أي الخطاب الذي يسترشد وينقد ويحلل ما فتئ غائباً. وإذا حضر كموضوع غاب كقيمة فنية.
> عرفنا انك كتبت مسرحية جديدة بعنوان «أحوال حايلة»، وقد وصفتها بأنها «كوميديا سوداء مثل ليلة بلا قمر» تتناول فيها واقع هذه الأعوام العجاف فهل هي من «النوع الذي يسترشد وينقد ويحلل» حسب تعبيرك؟
- نعم.. أزعم أنها كذلك.. إذ إني عنيت عناية خاصة بتصوير السلبيات التي رافقت انتفاضة فبراير (شباط)، ووقفت عند المعوقات التي تحول دون تطور البلاد واستقرارها. وبالمناسبة أنا لم ألقِ اللوم على السياسيين - إن كان حقاً لدينا سياسيون - وإنما ألقيت اللوم على الشعب الذي عبرت بعض فئاته عن مخزون من الدموية والأنانية والجشع وغياب الوعي على نحو لا يوصف، ولذلك تنهض المسرحية على كشف أربعة نماذج تمثل أربعة كيانات أفرزتها المرحلة. ومع ذلك لا أعرف سبيلا إلى عرضها، فكل زملائي من المخرجين الذين تحمسوا للنص ما لبث حماسهم أن خمد واصفين النص بأنه (خطير) وهو ما يعكس إحساسنا بانعدام حرية التعبير، وهكذا يصبح الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر.
> هذا الحديث يقودنا إلى رحلة المسرح الليبي وصراعه مع الرقابة والحجب وهمومهما، فهل يمكننا أن نلقي الضوء على تفاصيل هذه الرحلة الطويلة والمريرة.
- المسرح الليبي هو أكثر الأجناس الأدبية والفنية عرضة للمصادرة والحجب... إنه مسكون بالخوف من السلطة، ومسكون في الوقت ذاته بروح مشاكسة السلطة... إن صراعه مع السلطة الرقابية له فعلاً تاريخ طويل ومرير، وقد حاول المسرحيون الهروب من عين الرقابة بواسطة التحايل... واللف والدوران والتغريب، وتجاوز الزمان والمكان، فأحيانا كان الهروب يتم بواسطة اللجوء إلى التاريخ واستلهام التراث، كما حدث أثناء الاحتلال الإيطالي، وأحيانا باللجوء إلى الغمز واللمز كما هو الحال في العهد الملكي، ومثال ذلك مسرحيات: (العسل المر، وشيخ المنافقين، ولو تزرق الشمس، حوت يأكل حوتاً.. وغيرها). وأحياناً بأسلوب (شد العصا من الوسط) بحيث لا تعرف السلطة الرقابية ما إذا كانت المسرحيات تسير وفق أحكامها أم أنها على الضد، وهذا حدث خلال مرحلة سلطة (العسكريتاريا).
> كأن مسرحنا لم يعش فترة ازدهار أبداً. وإن كان حاله عكس هذا الاستنتاج فإني أسألك: متى عاش المسرح الليبي عصره الذهبي.. إن كان قد عاش فعلا عصراً كهذا؟
- لم يعرف المسرح الليبي عصراً ذهبياً واحداً، بل عاش ثلاثة عصور ذهبية، كان أولها في فترة الأربعينات وتحديدا من سنة 1944 إلى 1948، ففي هذه الفترة كان المسرح الليبي يدور على ستة محاور هي: الفرق المسرحية العاملة وفرق النوادي الرياضية وفرق المؤسسات الشبابية كرابطة الشباب الإسلامية والفرق الإيطالية المقيمة والفرق الإيطالية الزائرة التي كانت لها زيارات شهرية تقريباً، بالإضافة إلى المسرح المدرسي الذي كان له مهرجان خاص يقام كلُّ عام بمناسبة المولد النبوي الشريف.
والعصر الذهبي الثاني كان في فترة الستينات، أي في الفترة الممتدة من سنة 1964 - 1967. في هذه الفترة تولى خليفة التليسي وزارة الإعلام والثقافة فأسس إدارة الفنون والآداب وأسند إلى الفنان المسرحي شعبان القبلاوي قيادة هذه الإدارة، فيما أسندت مهام رئيس قسم المسرح إلى المسرحي عبد الحميد المجراب، فشهد المسرح خلالها هذه الفترة إزهارا طيباً نعثر على صداه في صحف المرحلة المرصعة بكتابات النقاد: سليمان كشلاف، ومحمد أحمد الزوي، وفوزي البشتي، والصيد أبو ديب، وعبد الرحمن الشاطر. والجدير بالذكر أنه في هذه الفترة تأسست فرقتان للمسرح الوطني إحداهما بطرابلس والثانية بمدينة ببنغازي، كما تأسس معهد التمثيل والموسيقى بطرابلس.
أما العصر الذهبي الثالث فانطلق في سنة 1971. وقد قاد حركة الازدهار هذه رجل عشق المسرح على نحو نادر الوجود ألا وهو إبراهيم عريبي الذي يجب أن نحييه بهذه المناسبة، فقد سعى هذا الرجل إلى تأسيس ظاهرة المهرجانات المسرحية، وأصدر لوائح المكافآت للممثلين والمخرجين والكتاب، ووزع مقاراً على الفرق المسرحية وقد كانت قبل ذلك تقيم في «جراجات». وقد أسفرت جهوده النبيلة عن تأسيس الهيئة العامة للمسرح والموسيقى وهي أعلى درجة إدارية يحظى بها المسرح الليبي. وعملت هذه الهيئة على إيفاد عددٍ من المواهب لدراسة فنون المسرح دراسة تخصصية. ومن مميزات هذا العصر الذهبي أنه استطاع أن يخلق أقلاماً جديدة مارست النقد التطبيقي – مع التحفظ - الأمر الذي ساعد في لفت أنظار الناس إلى النشاط المسرحي الوطني. وقد انتكس هذا العصر سنة 1976م. بسببين: أولهما التأويل والوشايات التي كان يقدمها المخبرون - وبعضهم من أهل المسرح - وثانيهما صدور قانون التجنيد الإجباري الذي زج بكثير من رجال المسرح في معسكرات التدريب، ومن بينهم هذا الذي يخاطبك الآن.
> بعد مرور أكثر من مائة سنة على المسرح الليبي، ماذا كسب المسرح الليبي؟ وماذا خسر؟
- كسب المسرح تجربة مديدة انطلقت منذ سنة 1908 على يدي محمد قدري المحامي، وهذه التجربة زاخرة بالعطاء، وتعد من التراث الثقافي الوطني وفيه - بكل تأكيد - دروس وعبر. وخلال هذه الرحلة كسب المسرح مواقف وطنية وقومية وإنسانية واجتماعية مشرفة وهي أجل مكاسبه، ثم كسب كُتاباً رسخوا الدراما كجنس أدبي بجانب الرواية والقصة، ومخرجين مسلحين بالعلم والدراسة مما ساعد على تطوره الحرفي، وكفاءات في مجال التمثيل والديكور والموسيقى التصويرية، وكتاباً حاولوا اقتحام النقد التطبيقي فتركوا لنا تراثاً نقدياً جديراً بالدراسة، وكذلك كسب عددا من الأبحاث الأكاديمية ما يعني ترسيخ وتجذير التجربة المسرحية الليبية. ولكنه في المقابل تخلف على مستوى الفكر والموقف، وبذلك فقد احترامه وتوسعت دائرة التشكيك في وظيفته وفاعليته نتيجة انتشار ظاهرة التطرف.
> هناك من يرى أن أزمة المسرح الليبي، بل العربي عموما واقع في فخ الاشتغال على الموضوع.. على الصياغة الأدبية، أي التركيز على العنصر السمعي أكثر من التركيز على العنصر البصري، وهذا مخالف لشروط الدراما.. أليس كذلك؟
- صدقت.. إن كلمة الدراما في أصلها اليوناني تعنى «الكلام المتزامن مع الحركة» وهذا النوع من الأدب البصري لم يعرفه العرب، وإنما عرفوا وعشقوا الفنون السمعية، إذن ذوق الإنسان العربي هو في الأصل ذوق يعتمد على حاسة السمع لا على حاسة البصر، وذلك كنتيجة لولعهم الشديد بالشعر الذي كان في الأساس شعرا غنائياً وجدانياً وليس حكائياً درامياً.. وهذا الولع يتمثل لنا في ظاهرة سوق عكاظ التي هي مجرد مباراة كلامية يشنف فيها الناس أسماعهم بأحلى الكلم، شعراً كان أم نثراً، ثم شاع فن النثر عن طريق رواة أخبار العرب، وفي العصر العباسي ظهر أدب الكدية، والمقامات، مثل مقامات بديع الزمان الهمداني والحريري، والزمخشري، وهي جميعها تسعى إلى متعٍ سمعية، ومن هنا اعتمد الدين الإسلامي على حاسة السمع لتوصيل آي القران الكريم وشرح أحكامه. وعندما استورد العرب المسرح جعلوه مسرحاً غنائياً يحفل بالشعر قبل سواه، فلا غرو إن افتقد المسرحيون العرب التركيز على القيمة البصرية في أعمالهم الدرامية والانشغال بالموضوع أكثر من الانشغال بطريقة العرض وفق حرفية المسرح، ثم ثمة سبب آخر وهو أن أغلب الذي يكتبون للمسرح العربي هم في الأصل أدباء (شوقي، وعزيز أباظة، والحكيم، وتيمور) وليسوا مسرحيين.. والأدهى من ذلك أن يغرق أصحاب النقد التطبيقي من العرب في ذات المطب حيث نراهم يركزون اهتمامهم على الموضوع ويهملون بقية العناصر الفنية الأخرى.
> ولكن بعض المخرجين يرى أن المسرح الليبي، والعربي عموماً، يعاني أزمة غياب النص.. فما رأيك؟
- هل المقصود هو غياب النص الجيد، أو النص الكوميدي الذي يضحكنا ويسلينا، أو النص التراجيدي أو... أو..؟ ما هو النص الذي يبحث عنه الأساتذة المخرجون ولم يجدونه؟ إن القول بغياب النص ليس سوى تبرير للتكاسل وعدم الاطلاع، والافتقار لشهية القراءة، وإذا كانت شهية القراءة عند المخرجين العرب مفتوحة لما قالوا هذا القول النافل. لقد حلفت صحف ومجلات ومؤسسات عربية بنشر وترجمة وطباعة عدد غير قليل من المسرحيات العربية والعالمية فأين ذهب هذا الكم الهائل من المسرحيات؟
ومن ناحية أخرى... في مطلع السبعينات من القرن الماضي ظهرت فكرة التأليف الجماعي، وهو أن يبدع المسرحيون نصوصاً ارتجالية ثم يعيدون صياغتها حسب المعايير وشروط الدراما. وهذه أيضا وسيلة جيدة لتوفير النص المناسب للفرقة.
ومن جانب ثالث... ثمة حالياً نظرية تدعو إلى التمرد على المؤلف المسرحي وتحرض رجال المسرح على إيجاد نصوصهم الخاصة التي تستجيب لفكرهم وقدراتهم وإمكاناتهم. وعليهم أن يفعلوا... وعندئذ سيتضح لهم أن غياب النص ليس سوى أكذوبة كطائر العنقاء.



مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.


دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
TT

دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)

أظهرت تجربة سريرية عالمية نتائج واعدة لدواء جديد مبتكر لعلاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية وصعوبة في العلاج.

وأوضح الباحثون، بقيادة «المركز الوطني للسرطان» في سنغافورة، أن الدواء الجديد تفوَّق بشكل ملحوظ على العلاج الكيميائي التقليدي في تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة وإبطاء تقدُّم المرض، ونُشرت النتائج، الخميس بدورية «Annals of Oncology».

ويُطلق على سرطان الثدي ثلاثي السلبية هذا الاسم؛ لأنَّه يفتقر إلى 3 مستقبلات رئيسية توجد عادة في أنواع أخرى من سرطان الثدي، وهي مستقبلات هرمون الإستروجين، ومستقبلات هرمون البروجستيرون، وبروتين «HER2». ويجعل هذا الغياب المرض غير مستجيب للعلاجات الهرمونية أو العلاجات الموجهة، ما يحدُّ من خيارات العلاج المتاحة ويجعل العلاج الكيميائي الخيار التقليدي الأساسي. ويتميَّز هذا النوع بسرعة النمو والانتشار، وبارتفاع احتمالية عودته بعد العلاج.

وأُجريت الدراسة ضمن تجربة سريرية دولية متعددة المراكز شملت 644 مريضاً من دول عدة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا؛ بهدف تقييم فاعلية الدواء الجديد الذي يحمل اسم «داتوبوتاماب ديروكستيكان» (Dato-DXd).

ويعمل الدواء عبر استهداف بروتين يُعرف باسم «TROP2»، وهو موجود بكثرة على سطح كثير من الخلايا السرطانية. ويرتبط الدواء بهذا البروتين ثم يدخل إلى الخلية السرطانية، حاملاً مادة كيميائية قوية تقتلها من الداخل، مما يتيح توجيه العلاج مباشرة إلى الورم وتقليل الضرر على الخلايا السليمة في الجسم، وبالتالي تحسين الفاعلية، والحد من بعض الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وأظهرت النتائج أنَّ الدواء الجديد حقَّق تفوقاً واضحاً على العلاج الكيميائي، حيث بلغ متوسط البقاء دون تطوُّر المرض 10.8 شهر مقارنة بـ5.6 شهر مع العلاج الكيميائي. وارتفع متوسط البقاء الكلي إلى 23.7 شهر مقابل 18.7 شهر في مجموعة العلاج التقليدي.

كما سجَّل الدواء معدل استجابة للعلاج بلغ 63 في المائة مقارنة بـ29 في المائة فقط مع العلاج الكيميائي، بينما استمرَّت الاستجابة لمدة أطول بلغت 12.3 شهر مقابل 7.1 شهر.

ومن حيث الأمان، كانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً مع الدواء الجديد تشمل التهاب الفم، والغثيان، وتساقط الشعر، وانخفاض خلايا الدم البيضاء، إلا أنَّ نسبة المرضى الذين اضطروا إلى إيقاف العلاج كانت أقل بنسبة 4 في المائة مقارنة بالعلاج الكيميائي 7 في المائة.

ويشير الباحثون إلى أنَّ هذه النتائج تُمثِّل تقدماً مهماً في علاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، وهو نوع يرتبط بمعدلات انتكاس مرتفعة واستجابة محدودة للعلاجات التقليدية، خصوصاً لدى المرضى غير المؤهلين للعلاج المناعي أو العلاجات الموجهة.


عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)
عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)
TT

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)
عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة، مفادها أنّ الشاعر والكاتب المسرحي الكبير اعتزل الحياة الأدبية مبكراً وانسحب إلى هدوء الريف.

وأظهرت دراسات حديثة الموقع الدقيق وأبعاد العقار الذي اشتراه شكسبير في لندن عام 1613، ممّا يفتح الباب أمام تساؤلات عن نيّاته في تلك الفترة. وكان الاعتقاد السائد أنّ الكاتب اعتزل في ستراتفورد أبون آفون نحو عام 1611، قبل وفاته بـ3 سنوات، وإنما المعطيات الجديدة التي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» تقوّض هذه الفكرة، وتشير إلى احتمال بقائه نشطاً في الحياة المسرحية والثقافية في العاصمة.

وأشرفت على هذه النتائج الباحثة لوسي مونرو، التي اعتمدت على تحليل وثائق ملكية تعود إلى القرن السابع عشر، إضافة إلى مخطَّط مهم مُهمَل منذ عام 1688.

وبمقارنة الأسماء الواردة في المخطَّط مع وثيقة تعود إلى عام 1665، حدَّدت مونرو الموقع الدقيق لعقار شكسبير في حي بلاكفرايرز قرب نهر التايمس، مؤكدة أنّ اللوحة التذكارية الحالية تشير إلى الموقع الصحيح، لا إلى تقدير تقريبي. كما كشفت الوثائق أنّ المبنى كان واسعاً نسبياً، بطول نحو 45 قدماً وعرض بين 13 و15 قدماً، قبل أن يُقسّم إلى وحدتين سكنيتين بحلول عام 1645.

ويكتسب الموقع أهميته من قربه من فرقة «فرقة الملك»، التي كتب لها شكسبير ومثَّل ضمنها، إضافة إلى قربه من مسرح غلوب، ممّا يعزّز احتمال أنّ شراء العقار لم يكن مجرّد استثمار مالي، بل كان جزءاً من نشاطه المهني المستمر.

وفي تلك المرحلة، شارك شكسبير في كتابة «ذا تو نوبل كينسمن» مع جون فلتشر، كما أسهم في «هنري الثامن»، ممّا يدل على استمرار حضوره الإبداعي، وقد تكون بعض هذه الأعمال قد كُتبت داخل هذا العقار.

ما خبّأه البيت تكشفه السنوات (نيويورك تايمز)

ورغم عدم اليقين بشأن إقامته الشخصية فيه، تشير الوثائق إلى أنّ مستأجراً يُدعى جون روبنسون كان يسكن العقار عند وفاة شكسبير. ويرجّح بعض الباحثين، منهم كريس لاوتاريس، أنّ روبنسون كان طبّاعاً، ممّا يفتح احتمال أنّ شكسبير كان يخطّط لترتيب أعماله والإشراف على نشرها. كما يؤكد موقع بلاكفرايرز، كونه مركزاً ثقافياً غنياً بالمكتبات والموارد المسرحية، أنّ العقار قد جمع بين السكن والعمل.

وكان المبنى قد أُقيم أصلاً على أنقاض دير قديم، وربما استُخدم المبنى المجاور حانةً بحلول ثلاثينات القرن السابع عشر. ومع الزمن، فُقدت أجزاء منه بسبب ضعف الأساسات، قبل أن يُدمَّر بالكامل في حريق لندن العظيم، ممّا زاد من غموض تاريخه. وكانت حفيدة شكسبير، إليزابيث هول، قد ورثت العقار قبل أن تبيعه عام 1665، قبيل الحريق مباشرة.

وفي المجمل، ورغم أنّ الاكتشاف لا يقدّم دليلاً حاسماً على نية شكسبير العودة إلى لندن، فإنه يُعيد رسم صورة مختلفة لكاتب ظلَّ منخرطاً في عمله، وربما كان يطمح إلى مواصلة الكتابة والمشاركة في الحياة المسرحية حتى أيامه الأخيرة.

* خدمة «نيويورك تايمز»