عندما يتحول المعلمون إلى باعة في شوارع صنعاء

إجراءات الحوثيين قطعت رواتبهم... وتحذير من انهيار وشيك للمنظومة التعليمية

معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)
معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)
TT

عندما يتحول المعلمون إلى باعة في شوارع صنعاء

معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)
معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)

ترك صادق أحمد هزبر، المعلم في إحدى مدارس محافظة إب تلاميذه، ليجول في شوارع العاصمة صنعاء، بائعا لشراب التوت، لعلّه بهذا المسعى يتمكن من توفير متطلبات أسرته الضرورية بعد انقطاع مرتبه الحكومي، منذ نحو عام ونصف، جراء الصراع المسلح الذي يعصف باليمن.
يقول هزبر «اضطررت لحمل «زمزمية» كبيرة على ظهري (وعاء معدني يتسع 20 لترا) معبأة بشراب التوت، لأطوف بها منذ ساعات الصباح وحتى الظهيرة في شوارع العاصمة رفقة أكواب بلاستيكية أبيع فيها المشروب الذي أعده في المنزل. لقد عانيت وأولادي كثيراً بسبب الأوضاع وتوقف الرواتب، لكنني قررت ألا أستسلم أبداً» مضيفا «ها أنا أواصل مشوار العمل وأعين أسرتي وأولادي على الصمود لأكفيهم ذل السؤال والحاجة، رغم أن هذا العمل أصبح مردوده المادي شحيحا لكن السعي خلف الرزق أفضل بكثير من انتظاره».
وعلى العكس من هزبر، تواصل حنان مصطفى عملها معلمة في إحدى مدارس العاصمة، لكنها تختصر معاناتها بقولها «لم يعد بإمكاني الاستمرار (....) فقدت وزملائي الثقة بأنفسنا، ما الذي يمكن أن تقدمه المعلمة أو المعلم للتلاميذ في ظل الشعور القاتل بالمهانة والحاجة والانكسار».
ولمواجهة معضلة انقطاع الراتب؛ لجأت بعض المدارس الحكومية إلى فرض مبالغ مالية على أولياء الأمور، تتراوح ما بين 1000 - 2000 ريال في الشهر (نحو دولارين إلى 4 دولارات) ليتم توزيع ما يتم جمعه على المواظبين، لكن في المحصلة، هو مبلغ لا يكاد يكفي أجرة المواصلات بحسب ما يؤكده المعلم محمد حسام، الذي صادفناه أمام مدرسته بمديرية معين بصنعاء. يقول محمد بعد طرح السؤال عليه عن هذه المساهمة المجتمعية «تلك المبالغ ضئيلة جدا ولا تعوض انقطاع المرتبات وبالنسبة لي بالكاد يغطي المبلغ الذي أحصل عليه إيجار المواصلات بين المنزل والمدرسة».
ويتساءل: «نحن في المدرسة ملتزمون يوميا بالدوام المدرسي منذ بداية العام الدراسي وحتى اليوم، لكن لماذا لا تلتزم الجهات المختصة بدفع رواتبنا التي تقتات منها أسرنا وتمثل مصدر دخلنا الوحيد؟»، متابعا حديثه منكسرا «هل تصدقون إذا قلت لكم إن أولادي لم يحضروا للمدرسة منذ أكثر من شهر لأني لم أستطع توفير مصروف المدرسة ولا أجرة المواصلات لولدي سليم وإيمان». ويكشف محمد عن أنه بسبب انقطاع الرواتب أصبح وزملاؤه المعلمون، عاجزين عن توفير الكثير من متطلبات البقاء والحياة الكريمة، بل إن أغلبهم، على حد قوله، «أجبروا على تقليص الوجبات اليومية في كثير من الأوقات إلى وجبة واحدة فقط أو وجبتين يومياً على أعلى تقدير».
ويقول المعلم مهدي عبد الله الوهيبي «أنا أب لثلاثة أطفال، أماني (14 سنة) تدرس في الصف السابع، محمد (10 سنوات) يدرس في الصف الخامس، وأصغرهم أحمد (6 سنوات) يفترض أن يدخل المدرسة هذا العام، ولكن انقطاع المرتبات انعكس عليهم أيضاً، لأنني أعيلهم وأنفق على تعليمهم من راتبي، الذي أساعد بجزء منه والدي».
وعلى رغم صغر سن ابنته أماني إلا أنها تستشعر الألم الذي يكابده والدها جراء انقطاع المرتبات فهي ليست بمعزل عن المعاناة التي تكابدها أسرتها.
تقول أماني وقد والدها الحديث: «أنا متفوقة دراسيا، وكنت أحب التعليم، وأحلم أن أكون معلمة مثل والدي عندما أكبر، لكنني الآن أكره التعليم، لأنه جعل والداي حزينين دائماً، ولم أعد أرغب في أن أكون معلمة».
ويتساءل والدها مهدي: «كيف أستطيع تأدية واجباتي التعليمية وأنا أكابد من أجل لقمة العيش، حتى أنني أعجز عن توفير أجرة الباص الذي أستقله للوصول إلى المدرسة؟!، وماذا تنتظرون من معلم وصل به البؤس إلى هذا الحد.؟!».
وبحسب ما يقول مهدي فإنه يعرف زملاء له يصفهم بـ«الأفاضل» اضطروا بسبب توقف المرتبات للعمل في أعمال البناء وفي المطاعم كي يعيلوا أسرهم، وإن كان الدخل اليومي لهذه الأعمال زهيداً جداً، كما أشار إلى وجود زملاء وزميلات قال إنهم دفعوا بأطفالهم إلى العمل باعة جائلين في الشوارع.
يتقاضى مهدي 69 ألف ريال (نحو 150 دولارا) راتبا شهريا قبل انقطاعه، وهو - بحسب تعبيره - مبلغ ضئيل جداً، مقارنة بمرتبات وأجور المعلمين في الدول العربية والعالم، الذين أشار إلى أنهم «يمنحون العديد من الامتيازات، ويتم التعامل معهم بقدر كبير من التقدير والتكريم والاحترام».
وفي السياق نفسه، أكد خالد السعيدي، وهو وكيل مدرسة في أمانة العاصمة، أن معظم المعلمات بمدرسته بعن مقتنياتهن الذهبية لتوفير المواصلات كي يتمكن من الوصول إلى المدرسة.
وإضافة إلى ذلك، يقول خالد: «الكثير من المعلمين، لم يتمكنوا من أداء وظيفتهم، بسبب انقطاع المرتبات، الأمر الذي انعكس سلبا على العملية التعليمية برمتها، إلى جانب عدم تمكن الآباء من تأمين مصاريف الدراسة لأطفالهم، وتركهم الدراسة».
وبدوره يؤكد مسؤول بقطاع النقابة التعليمية، طلب عدم ذكر اسمه، أن توقف الرواتب شكل أعباء إضافية على حياة المواطنين لا سيما الموظفين منهم في قطاع التربية والتعليم كون هذه المؤسسة هي الوحيدة – ربما - التي لم يتوقف نشاطها على مدار الثلاثة أعوام منذ بداية الحرب. بحسب قوله.
ويشير إلى أن انقطاع الراتب عن المدرسين بدا تأثيره واضحا على استمرار عطاء هذه الشريحة الهامة في المجتمع بخاصة أن توقف المعلمين عن العمل، يعني توقف نحو 4 ملايين تلميذ عن الدراسة. لذلك فهو يناشد - بصفته النقابية - المجتمع الدولي ومنظماته الفاعلة، للإسهام في دعم وتمويل التعليم في اليمن.
ولا يبدو حال المدرسين مختلفا عما يعانيه أكثر من مليون، و200 ألف موظف يمني بينهم نحو 175 ألف معلم ومعلمة، في 13 محافظة تقع شمال ووسط اليمن، وهم يمثلون 72 في المائة من إجمالي المعلمين، لم يتسلموا مرتباتهم منذ أكثر من عام ونصف العام تقريبا، باستثناء نصف راتب حصلوا عليه، نحو ثلاث مرات فقط خلال المدة كلها.
ونتيجة لذلك فإن نحو 4.5 مليون طالب وطالبة، يمثلون 79 في المائة من إجمالي الطلاب اليمنيين، مهددون بالحرمان من التعليم وفق دراسة حديثة مولتها منظمة «يونيسيف» حول وضع التعليم في اليمن. وفي أحدث تصريح لممثلة اليونيسيف في اليمن ميرتسيكيل ريلاينو قالت إنه «لم يتم دفع رواتب موظفي المدارس الحكومية فيما يقرب من ثلاثة أرباعها خلال أكثر من عام، مما جعل تعليم 4.5 مليون طفل إضافي عرضة لخطر شديد». وتؤكد ريلاينو «أن جيلا كاملا من الأطفال باليمن يواجه مستقبلاً قاتماً بسبب محدودية أو عدم إمكانية الوصول إلى التعليم»، كما تبين أن ما يقرب من مليوني طفل يمني هم الآن خارج المدرسة. وتضيف: «حتى أولئك الذين ينتظمون في المدارس لا يحصلون على التعليم الجيد».
وكانت ممثلة «يونيسيف» دعت في أحدث تصريح لها، السلطات التعليمية بجميع أنحاء اليمن إلى أن تعمل معاً وأن تجد حلاً فورياً لتوفير الرواتب لجميع المعلمين والعاملين في مجال التعليم حتى يتمكن الأطفال من مواصلة التعليم.
وقالت «ينبغي على المجتمع الدولي والمانحين وشركاء التنمية دعم الحوافز للمعلمين أثناء البحث عن حلول طويلة الأجل لأزمة الرواتب في اليمن، ومواصلة دعم نظام التعليم».
كما ناشدت «يونيسيف» في تقريرها، الأخير، بالنيابة عن أطفال اليمن، الجميع لوضع حد للحرب، وللعمل على وقف الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال وتمكينهم من التعليم الجيد.
وفي الوقت الذي يتخوف اليمنيون من زيادة تأثير انقطاع مرتبات المعلمين على المنظومة التعليمية، «يبدو أن الأمر سيكون أخطر مما هو متوقع في حال استمر انقطاع الرواتب لمدة أطول، إذ يمكن أن يؤدي إلى انهيار شامل للمنظومة التعليمية» بحسب ما تقوله الموظفة التربوية تهاني محمود.
ووفقاً للدراسة التي مولتها «يونيسيف» بعنوان «خارج المدرسة: أطفال اليمن ودروب الضياع»، «هناك أكثر من 2,500 مدرسة باتت خارج الخدمة، 66 في المائة منها تضررت جراء الاقتتال في البلاد كما تم إغلاق 27 في المائة منها، في حين أن 7 في المائة من هذه المدارس تستخدم لأغراض عسكرية أو كمأوى للنازحين.
وتشير «يونيسيف» إلى أن الذهاب إلى المدرسة «بات يمثل خطراً على الأطفال، حيث يمكن تعرض الطفل لاحتمال الموت على الطريق. وخوفاً على سلامة أطفالهم يختار الكثير من الآباء إبقاء أطفالهم في المنازل.
لقد دفع تعذر الحصول على التعليم - طبقا للمنظمة - الكثير من الأطفال والأسر إلى اللجوء إلى بدائل خطرة بما في ذلك الزواج المبكر وعمالة الأطفال والتجنيد.
وبحسب تقري المنظمة الأخير فقد تم تجنيد 2,419 طفلا على الأقل في القتال منذ مارس (آذار) 2015. وتقول «يونيسيف» في معرض دعوتها لوقف الحرب وكافة الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال «أن السلام والتعافي ضرورة مطلقة إن أردنا أن يستأنف أطفال اليمن دراستهم ويحصلون على التعليم الجيد الذي يحتاجونه بشكل عاجل وهذا حقهم في الأساس».
وتشدد المنظمة على حماية تعليم الأطفال دون قيد أو شرط، إذ يتعين على كافة أطراف النزاع ومن له نفوذ عليهم الالتزام دون قيد أو شرط بوقف الاعتداءات على المدارس لحماية تعليم الأطفال في جميع أنحاء اليمن إلى جانب «إبقاء الأطفال والكوادر التربوية بعيداً عن الأذى ويجب الحفاظ على المدارس كمساحات آمنة للتعلم». وترى المنظمة الأممية أنه «ينبغي على المجتمع الدولي والمانحين وشركاء التنمية دعم دفع حوافز للمعلمين والمعلمات وفي نفس الوقت البحث عن حلول طويلة المدى لأزمة الرواتب في اليمن مع الاستمرار في دعم النظام التعليمي».


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.