تحالف غير مريح بين البعثيين و«داعش» من أجل هدف واحد

مقاتل من جماعة عزة الدوري: نقاتل معهم الآن لكن سنحمي العراق من أفكارهم

مؤيدون لتنظيم داعش يرفعون علم القاعدة شمال غرب بغداد أمس (أ.ب)
مؤيدون لتنظيم داعش يرفعون علم القاعدة شمال غرب بغداد أمس (أ.ب)
TT

تحالف غير مريح بين البعثيين و«داعش» من أجل هدف واحد

مؤيدون لتنظيم داعش يرفعون علم القاعدة شمال غرب بغداد أمس (أ.ب)
مؤيدون لتنظيم داعش يرفعون علم القاعدة شمال غرب بغداد أمس (أ.ب)

في اجتماع مع السفير الأميركي منذ عدة سنوات في بغداد، روى رئيس الوزراء نوري المالكي بالتفصيل ما كان يعتقد أنه مخطط انقلاب أعده ضباط سابقون في حزب البعث الذي كان يتزعمه صدام حسين.
قال له السفير زلماي خليل زاد حينها موبخا: «لا تضيع وقتك حول فكرة قيام البعثيين بالانقلاب»، عادّا نظريات المؤامرة التي تحدث عنها ضربا من خيال.
لكن في ظل مواجهة العراقيين أخطر أزمة تحل بهم منذ أعوام؛ إذ اجتاح المسلحون السنة شمال ووسط العراق، أثبتت ادعاءات المالكي بشأن المخططات البعثية صحتها إلى حد ما؛ ففي حين يقوم مقاتلو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المتطرف، الذي خرج من عباءة «القاعدة»، بأبرز دور في التمرد الجديد، إلا أنهم حققوا ذلك في إطار تحالف مع شبكة راسخة من الموالين لصدام حسين في السابق.
ويساعد اشتراك البعثيين في الأمر على تفسير استطاعة عدد قليل من مقاتلي «الدولة الإسلامية في العراق والشام» الاستيلاء على مزيد من الأراضي بسرعة، كما أنه يلقي الضوء على التعقيد الذي تتسم به القوات المتحالفة ضد بغداد في الصراع؛ وليس فقط التنظيم الذي يخضع لتأثير أجنبي ويعرف باسم «داعش»، بل هناك العديد من الجماعات التي نشأت في الداخل أيضا. وتقدم الصلات الاجتماعية والثقافية العميقة التي تربط البعثيين بكثير من المناطق التي تخضع حاليا لسيطرة المسلحين، إنذارا بمدى الصعوبة التي قد تواجهها الحكومة من أجل استعادة الأراضي وإعادة النظام.
وينتمي العديد من الرجال الموالين للنظام السابق، بما في ذلك ضباط الاستخبارات وجنود الحرس الوطني، الذين يشار إليهم عادة باسم «الدولة العميقة» في العالم العربي، إلى جماعة تطلق على نفسها اسم «جيش رجال الطريقة النقشبندية». وقد أعلنت الجماعة عن تأسيسها عام 2007، بعد فترة ليست بالطويلة من إعدام الرئيس الأسبق صدام حسين، وزعيم الجماعة المفترض هو عزة إبراهيم الدوري، الذي كان أحد أكثر نواب صدام حسين وثوقا وشخصية رفيعة المستوى داخل النظام القديم ممن تجنبوا الاعتقال من قبل القوات الأميركية.
وبالإشارة إلى مقاتلي «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، صرح مايكل نايتس، وهو محلل في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» في بحث له عن الطريقة النقشبندية، قائلا: «لا يمكنهم الاستحواذ على جزء مما استحوذوا عليه دون تنسيق التحالفات مع جماعات سنية أخرى». وأضاف نايتس، في إشارة منه إلى بعض المناطق الخاضعة لسيطرة المتشددين، بما فيها مناطق حول الموصل، وكركوك، وتكريت، قائلا: «هناك بالتأكيد جيوب تتمتع فيها الطريقة النقشبندية بنفوذ واسع».
والدوري، الذي يعد الورقة الرابحة في بطاقات اللعب الممنوحة للقوات الأميركية في عام 2003 للتعرف على قادة النظام المطلوبين، يوصف بأنه شخصية غامضة، وماكرة للغاية لدرجة أنه أعلن عن وفاته في عام 2005. ويعتقد أنه لا يزال على قيد الحياة حتى الآن - ليكون في أوائل السبعينات من عمره - على الرغم من عدم تأكيد ذلك حتى تاريخه. ويقال إنه فر إلى سوريا عقب الغزو الأميركي للعراق، حيث ورد أنه عمل مع الاستخبارات السورية لإعادة تشكيل حزب البعث داخل العراق وقيادة التمرد الذي يستهدف المصالح الأميركية بالمقام الأول من هناك.
ويقول نايتس عن الدوري: «إنه يعد قامة سامقة بالنسبة للنظام السابق.. إنك تحتاج إلى مثل تلك الشخصية للاحتفاظ بجذوة النظام مشتعلة».
أما الدور الذي يلعبه البعثيون في الأحداث المتصاعدة حاليا، فلا يبرر فقط شكوك نوري المالكي، بل يبرر كذلك المخاوف طويلة الأمد لدى ضباط الاستخبارات الأميركية.. ففي الوقت الذي كانت فيه القوات الأميركية تقلص من عملياتها في العراق، كثيرا ما توقعوا أن البعثيين كانوا في وضع جيد لاستغلال المظالم السنية واعتلاء موجة التحدي العنيفة ضد الحكومة الحالية.
ويقول المحللون إن رموز النظام السابق، الذين يجمعون بين الفكر الإسلامي وفروع فكر القومية العربية النموذجي لفكر حزب البعث، يلتقون مع المتطرفين الإسلاميين من زاوية واحدة: يعقد كلا الطرفين العزم على استعادة الحكم السني في العراق وتخليص البلاد مما يعدونه النفوذ الإيراني الخبيث في العراق. ومثل المتطرفين، فإن رموز النظام السابق قد اكتسبوا تعاطفا من السنة العاديين الذي همشتهم السياسات الطائفية لنوري المالكي.
وصرح أبو عبيد الرحمن، وهو زعيم الطريقة النقشبندية في شمال العراق، في مقابلة له قائلا: «إن مشكلتنا مع المالكي، وسنطيح به وبأي شخص يقف إلى جواره». وأضاف قائلا: «إننا نريد السيطرة على الأرض على طول الطريق إلى بغداد لإسقاط حكومة المالكي وإنهاء النفوذ الإيراني في العراق. إن ما يحدث اليوم في العراق نتيجة لسياسة المالكي الطائفية في العراق».
وفي الوقت الذي تضم فيه «الدولة الإسلامية في العراق والشام» العديد من المقاتلين الأجانب بين صفوفها، تعد الطريقة النقشبندية تنظيما محليا. حسن حسن، وهو خبير في شؤون الجماعات السنية المسلحة ويقيم في أبوظبي، كتب أخيرا يقول إن الطريقة النقشبندية تتكون من آلاف المقاتلين كما أنها «تعد منافسا قويا لـ(داعش) وتتمتع بجذور اجتماعية قوية في المجتمع العراقي». وصرح ريكان الكوراوي، أحد الزعماء القبليين في محافظة ديالى، حيث تعمل كلتا الجماعتين، قائلا: «(داعش) متطرفون وغرباء. لكن النقشبنديون ليسوا بغرباء. إننا نعرف كثيرين منهم. إن (داعش) تقتل شعبنا في المناطق التي يسيطرون عليها، ويفرضون قوانينهم الإسلامية علينا. نحن لا نريد ذلك، ولا يفعل النقشبنديون أيا من ذلك. ولديهم استراتيجية جيدة في التعاون مع الناس».
وكان العراق، خلال العام الماضي، نسخة مصغرة من الانتفاضة السنية التي يشهدها حاليا. وفي هذه الحالة، يبدو أن النقشبنديين يحتلون موقع الصدارة، ويوجهون مجموعات المقاتلين ليسيطروا على بعض المناطق لفترة وجيزة عقب فتح قوات الأمن العراقية النار على مظاهرة لمعسكر المحتجين في الحويجة، وهي بلدة بالقرب من كركوك وتعد معقل الطريقة النقشبندية، مما أدى إلى مقتل العشرات.
بطريقة أو بأخرى، أنذر ذلك القتال، عقب غارة الحويجة، بما يحدث في العراق الآن. حيث حفزت المواجهة السنية ضد الحكومة، وجرى استغلالها من قبل التحالف بين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، والبعثيين، الذين ينصبون أنفسهم حراسا للعلمانية والقومية العربية.
وفي الوقت الذي تنعقد فيه التحالفات اليوم حول قتال العدو المشترك (حكومة نوري المالكي تحت السيطرة الشيعية) فمن غير المرجح قيام حالة من التعايش بين الجانبين إذا ما كان ينبغي الاستحواذ على السلطة في بعض المناطق. فالبعثيون، الذين يظهرون في صورة علمانية وأكثر قومية، ليست لديهم مصلحة في العيش تحت ظل «قوانين» تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» التي بدأت تطبق بالفعل في مدينة الموصل.
وقال أبو طليحة العبيدي، وهو مقاتل نقشبندي في شمال العراق، ذكر أن الطريقة تحصل على معظم تسليحها من المهربين عبر الحدود السورية - التركية، والمنطقة الكردية في شمال العراق.. «إننا نقاتل الآن مع (داعش)، غير أننا نحمي العراق من أفكارهم الدينية». وأضاف: «إننا لن نقتل الأبرياء، أو الجنود الذي يسلمون أسلحتهم. إننا لا نتصرف مثل الأدمغة الجديدة في (داعش).
وأفادت بعض التقارير، بالفعل، بوقوع بعض الاشتباكات بين الجانبين داخل الموصل، لكن الطريقة النقشبندية نفت ذلك. وصرح نايتس قائلا: «إنهم يحتاج بعضهم إلى بعض في اللحظة الراهنة، ولكن سيقاتل بعضهم بعضا في نهاية الأمر».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.