الائتلاف الألماني... خيار الضرورة!

بين تردد الاشتراكيين بقبول تحالف مكلف... وجنوح الحلفاء البافاريين نحو التطرف

الائتلاف الألماني... خيار الضرورة!
TT

الائتلاف الألماني... خيار الضرورة!

الائتلاف الألماني... خيار الضرورة!

عندما خرج أولاف شولتز، الرئيس المؤقت للحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا ليعلن أخيراً موافقة أعضاء الحزب على دخول الحكومة الائتلافية الألمانية، لم تبدُ عليه علامات الانشراح أو السعادة. بل على العكس من ذلك، فإنه بدا متعباً ومهموماً. كان ذلك مطلع الشهر بعد أكثر من خمسة أشهر من الشكوك والمفاوضات المضنية لتشكيل الحكومة منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي. لقد خرج شولتز أمام قاعة تغص بالصحافيين وأيضاً بأعضاء الحزب. وقال وهو يكشف نتيجة تصويت أعضاء حزبه على دخول الحكومة مع الحزب (الاتحاد) الديمقراطي المسيحي بزعامة أنجيلا ميركل: «لدينا الآن وضوح في الرؤية. الحزب الديمقراطي الاجتماعي سينضم للحكومة». هكذا بكل برودة أعلن أن حزبه سيبقى حاكماً. وجاءه رد الفعل في القاعة أبرد حتى من طريقة إعلانه. لم يصفّق أحد من أعضاء الحزب، ولم يعلُ الصراخ. لا شيء. فقط ساد السكون. الصحافيون في القاعة راحوا يتهامسون حول سبب غياب رد الفعل. ثم راحوا يتساءلون بصوت مرتفع ويحللون على قنواتهم. وفي اليوم التالي، كتبت مجلة «دير شبيغل» أن وجه شولتز بدا وهو يعلن انضمام حزبه للحكومة «وكأنه تلقى للتو خبر سقوط فريق نادي كرة القدم الذي يدعمه إلى الدرجة الثانية».

انعدام الحماسة لدى قيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا وجمهوره بدخول ائتلاف حكومي برئاسة المستشارة أنجيلا ميركل يعكس صراعاً طويلاً عاشه الاشتراكيون الألمان بين الانتخابات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة. إذ إنهم رفضوا في البداية المشاركة في أي حكومة، وأعلن زعيمهم حينئذٍ مارتن شولتز - الذي استقال لاحقاً - أن الحزب سيجلس في صفوف المعارضة. ويذكر أن كان السبب الرئيس لخسارة الاشتراكيين أصواتاً كثيرة في الانتخابات، ذهاب الكثير منها إلى حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف والمعادي للأجانب.
لقد أراد شولتز، يومذاك، تجميع الصفوف وإعادة كسب ثقة الناخبين. بيد أنه أمام عجز ميركل عن تشكيل حكومة من دونهم، والضغوط المتزايدة من الرئيس الألماني للتشكيل، ونفور معظم الأطراف من فكرة الدعوة لانتخابات جديدة قد لا تختلف نتيجتها كثيراً عن الانتخابات الأخيرة، قرّر هذا الحزب الديمقراطي الاجتماعي العودة للحكومة للمرة الثالثة شريكاً أصغر. مع هذا، نجح الاشتراكيون بانتزاع وزارات مهمة من ميركل، لعل أهمها وزارة المالية التي أغضب تخلي المستشارة عنها حزبها المسيحي الديمقراطي. وذهبت إليهم أيضاً من الحقائب الوزارية الست التي حصلوا عليها حقيبة وزارة الخارجية المهمة.

الشريك البافاري المزعج
من ناحية أخرى، لم تتوقف التنازلات الكبيرة التي اضطرت ميركل إلى تقديمها عند هذا الحد، بل امتدت إلى حليفها البافاري المحافظ، الحزب (الاتحاد) الاجتماعي المسيحي، الذي وافقت على منحه حقيبة وزارة الداخلية وإسنادها إلى زعيمه اليميني المتشدد هورست سيهوفر.
مع هذا السياسي اليميني المتشدد بدأت «الخلافات» داخل الحكومة بالظهور سريعاً، بل في اليوم التالي لتشكيلها. إذ اختار سيهوفر الذي تسلم وزارة وُسعت صلاحياتها وبات اسمها «وزارة الداخلية والبناء والوطن»، أن يبدأ «عهده» بهجوم صريح على المسلمين، أراده - بالطبع - ضد اللاجئين، وقال في أول مقابلة أدلى بها أن «الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا».
هذا الكلام ناقضه كل من المستشارة ميركل والرئيس الألماني (الاشتراكي) فرانك فالتر شتاينماير، وأيضا، آندريا ناهلس التي ستتسلم قيادة الاشتراكيين رسمياً الشهر المقبل، وعدد كبير من أعضاء الأحزاب المختلفة من اليمين إلى الوسط واليسار. وبطبيعة الحال، لم يرحّب بتصريحات سيهوفر ذات النبرة العنصرية إلا حزب «البديل لألمانيا»، وإن كان اتهم سيهوفر «بسرقة جُمل» من برنامجه الانتخابي، وبعض السياسيين البافاريين المتشددين في حزبه. لكن، الاختلاف توقف هنا. لم تؤنب ميركل وزير داخليتها، ولم تدعوه للتراجع عن تصريحاته. بل اكتفت بإظهار «الخلاف» وكأنه مجرد اختلاف في الرأي الذي لن ينعكس على سياسة الحكومة.
يفسر الصحافي زاهي علاوي، المتخصص بالشؤون الألمانية، تساهل ميركل في الرد على وزير داخليتها بأنها «لا تريد إظهاره على أنه دمية؛ لأن هذا سينعكس سلباً عليها في استطلاعات الرأي، وثانياً لا تريد الدخول في سجالات إعلامية». وبالفعل، فإن أسلوب ميركل كثيراً ما اعتمد على تجنب السجالات الإعلامية مع خصومها أو من مع تخالفهم الرأي. ويستطرد علاوي إنها تفضل حل «الأزمات عبر اجتماعات ولقاءات داخلية خاصة».

فقاعات انتخابية؟
من ناحية أخرى، كثيرون اعتبروا تصريحات سيهوفر «فقاعات انتخابية» بالنظر إلى أن حزبه الاجتماعي المسيحي مقبلٌ على انتخابات محلية في ولاية بافاريا خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وللعلم، كان هذا الحزب قد خسر أيضاً أصواتاً كثيرة في الانتخابات العامة الأخيرة لصالح «البديل لألمانيا»، ومن ثم، فإنه يتخوف الآن من أن يتكرّر «السيناريو» في الانتخابات المحلية. وعلى هذا الأساس، يصف علاوي الانتخابات المقبلة بأنها «مصيرية» للاجتماعيين المسيحيين. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن حزب ميركل لا ينافس الحزب الاجتماعي المسيحي في بافاريا، ولا يطرح أي مرشحين فيها، بل يعتبر ممثلي هذا الحزب ممثلين له في البرلمان الاتحادي (البوندستاغ) بحسب اتفاق بين الحزبين المحافظين الشقيقين.
ويوافق محمد ثور، العضو في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، على أن لهجة سيهوفر ستخفّ بعد الانتخابات في بافاريا؛ إذ يقول: «صحيح، ما يحصل الآن عبارة عن فقاعة لكسب ناخبين». إلا أنه يضيف أن خطورتها تكمن في أنها جاءت في تزايد الاعتداءات على المساجد في عموم أنحاء ألمانيا، وكلامه هذا لا يمكن إلا أن يؤدي إلى تعميق الشرخ.
عند هذه النقطة يذهب علاوي أبعد ليقول: إن ميركل في الحقيقة «لا تمانع» بمثل هذه التصريحات الصادرة عن سيهوفر «لأنها في حاجة إلى سحب البساط من تحت أقدام اليمين المتطرف واستعادة الأصوات التي خسرتها له بسبب أزمة اللاجئين». ويتابع: «إنها تحاول كسب الشارع، وترى أن عليها أن تثبت أنها قادرة على لجم موجة اللجوء. إنها لا تريد أن تنهي تاريخها السياسي بالفشل».
لكن المخاوف الحقيقية الآن تتعلق بإمكانية أن يجرّ سيهوفر الحكومة المشكّلة من ائتلاف يميني - يساري هشّ، إلى مكان أقرب إلى اليمين المتطرف من الوسط، في محاولة لكسب أصوات خسرتها الأحزاب الثلاثة لصالح «البديل لألمانيا». هذا الأمر يستبعده مصطفى عمار، عضو رئاسة مجلس الأمناء في الحزب الديمقراطي المسيحي؛ إذ يرفض أن تكون الحكومة متجهة نحو اليمين. ويعتبر هذه الخلافات طبيعية قائلاً: «اعتدنا على مثل هذه الأمور... علينا أن نختلف كي نصل إلى حل». ويتحدث عن ضرورة حصول نقاش بين الجمعيات الإسلامية والحكومة في الموضوع.

مخاطر هشاشة التفاهم
على أي حال، فإن الخلاف حول مكانة الإسلام في ألمانيا لم يكن إلا الخلاف الأول لهذه الحكومة الفتية. ويتوقع زاهي علاوي أن تظهر خلافات أكثر في المستقبل. وحقاً، فإن الحزبين الرئيسين في الائتلاف (الديمقراطيون المسيحيون والاشتراكيون)، رغم اتفاقهما على الحكم معاً، يختلفان حيال الكثير من القضايا، بدءاً بقوانين الصحة والضرائب، وصولاً إلى التعليم والبيئة، بل ولو لدرجة أقل إزاء السياسة الخارجية.
اليوم، أمام الاشتراكيين مهمة صعبة لإعادة كسب ناخبيهم ومحاولة إبعاد أنفسهم عن الديمقراطيين المسيحيين، أو إثبات أن حزبهم ليس «الشريك الأصغر» في الحكومة، وفي الوقت نفسه البقاء فيها.
لا شك، سيتوقف الكثير من الانسجام أو انعدامه داخل الحكومة الائتلافية على العلاقة بين المرأتين اللتين تحكمان الحزبين الرئيسين: أي المستشارة ميركل وأندريا ناهلس الزعيمة الجديدة للحزب الديمقراطي الاجتماعية التي تنتظر تتويجها رسمياً بعد بضعة أسابيع، مع الإشارة إلى أنها راهناً رئيسة كتلة الاشتراكيين في البرلمان الاتحادي.
علاوي يرى أن «ميركل في حاجة إلى الوفاق مع ناهلس، وإلا فإن مهمة الحكومة لن تكون سهلة». ويضيف، إن زعيمة الاشتراكيين الجديدة «ستحاول أن تفرض شخصية المرأة القوية التي يمكنها مواجهة ميركل المرأة الحديدية». والواضح أن تختلف إحداهما عن الأخرى بشكل كبير رغم أنهما تتشاركان في نجاحهما بالصعود داخل حزبيهما، ومواجهة الذكورية المسيطرة تقليدياً على الحزبين.

زعيمتان تحت المجهر
خلافات ميركل وناهلس لا تتوقف فقط عند التباعد الآيديولوجي بين حزبيهما المحافظ واليساري المعتدل، اللذين يختلفان بالفعل في الكثير من القضايا بين اليسار واليمين، بل تتصل أيضاً بشخصيتيهما.
ناهلس، التي كانت تخدم في الحكومة السابقة وزيرةً للعمل «يعوزها شيء من الدبلوماسية وبعض تصريحاتها كانت توصف بالهزلية» وفق علاوي. في المقابل، هناك ميركل السياسية المخضرمة «التي تحافظ على دبلوماسيتها ورزانتها». في هذا السياق، فإن الصحافة الألمانية التي حلّلت مطولاً العلاقة بين المرأتين، تحدثت حتى عن أن مستقبل ميركل «يعتمد بشكل جزئي على ناهلس». إلا أنها تساءلت عما إذا بإمكان الزعيمة المرتقبة للاشتراكيين «أن تخدم سيدين»، أي أن تعمل على نجاح الحكومة... وفي الوقت نفسه مساعدة حزبها على استعادة الثقة من ناخبيه في ظل اعتراض كثيرين من أعضائه على دخوله الحكومة.
هذا جانب قد يهدد مستقبل هذه الحكومة. ذلك أن ناهلس بإمكانها أن تتحول إلى الهجوم على الحكومة في حال شعرت أن ثمة حاجة إلى ذلك بهدف إنقاذ حزبها. لكن مع ذلك، فإن من مصلحة الاشتراكيين حالياً على الأقل إنجاح الحكومة. وحول هذه الناحية يشرح علاوي أن «الاشتراكيين مجبرون على الإكمال بالحكومة، وفي الوقت ذاته محاولة إقناع ناخبيهم بأنهم ليسوا تابعين لميركل والمحافظين. إنهم في حاجة أن يثبتوا أن الكثير من القرارات المصيرية والحاسمة لعبوا دوراً مؤثراً فيها».
وفي الواقع بدأ ذلك يتكشف أيضاً في الأيام الأولى من حياة هذه الحكومة. إذ خرج وزير المالية الاشتراكي أولاف شولتز ليتحدث عن ضرورة الاستثمار أكثر في التعليم والبنى التحتية. وهذه قضايا سيكون لها دون شك أصداء إيجابية لدى الناخبين. غير أن مساعي الاشتراكيين للتمتع باستقلالية الحركة، سيزيد من دون شك من متاعب ميركل التي باتت بوصف كثيرين «ضعيفة، وربما عاجزة عن قيادة الحكومة لفترتها الكاملة». الاشتراكي محمد ثور، من أصحاب هذا الرأي؛ إذ يقول معلقاً «وقت ميركل بدأ ينتهي، وهي لم تعد المرأة القوية لا داخل ألمانيا ولا داخل حزبها». لكن مصطفى عمار، العضو في حزب المستشارة المحافظة لا يوافقه، بل يعتبر أن «ميركل قوية»، وأن «التنازلات التي قدمتها في الحكومة دليل قوة وثقة وليست أبداً دليل ضعف». ثم يضيف «لقد بقيت تصارع للحظة الأخيرة من أجل وحدة أوروبا وليس فقط ألمانيا. وضعت الكثير من المشروعات على الطاولة وتريد تعاون الجميع لتحقيقها».
أمر آخر يشكل تحدياً لميركل إضافة إلى العمل على إبقاء الاشتراكيين في صفها، سيكون على المستشارة إبقاء حليفها البافاري تحت السيطرة، وتحديداً، منعه من جذب الحكومة إلى مكان أقرب لليمين التطرف، لكن في الوقت نفسه منحه حرية كافية لاستعادة الأصوات التي خسرتها الأحزاب الثلاثة لصالح «البديل لألمانيا».

المشاكل غير مستبعدة
هذا كله سيعني بالطبع أن هناك خلافات أخرى قد تطفو على السطح خلال الأشهر المقبلة في حكومة «توافق أكثر منها تجانس» كما يصفها علاوي. ويردف علاوي فيقول: إن قوة الحكومة الائتلافية الحالية تستمدها من أمرين: الأول أن الأغلبية النيابية معها. والآخر، والأهم، أن جميع الأحزاب داخل البرلمان، بما فيها الأحزاب المعارضة ستشكل حلفاً عريضاً في وجه حزب «البديل لألمانيا» الذي بات يتمتع بأكبر كتلة معارضة حالياً في البرلمان. وسيسعى هذا الحزب لإدخال قوانين كثيرة ستدفع الأحزاب الأخرى، الحاكمة والمعارضة، للتكتل ضده لإسقاطها.
وربما من هنا يمكن تفسير خطاب ميركل الأول الذي وجهته إلى «البوندستاغ» (البرلمان الاتحادي) بعد إعادة انتخابها. إذ كانت الكلمة الأكثر استخداماً فيه هي كلمة «التضامن» التي ظهرت مراراً وتكراراً في الخطاب. «تضامن» في قضايا كثيرة عددتها، بين الألمان والأقليات، بين الأغنياء والفقراء… وربما أهم تضامن خفي لم تأتِ على ذكره مباشرة هو التضامن للقضاء على اليمين المتطرف الذي شكّل دخوله البرلمان صدمة سياسية للأحزاب الألمانية.
وبانتقاء هذه الكلمة لوصف برنامج حكومتها، تحاول المستشارة الوصول إلى ضمائر الناخبين من المحافظين والاشتراكيين وإعادة تثبيت صورتها «سياسية الإجماع» القادرة على تخطي الأطر الحزبية الضيقة، كما وصفتها إحدى الصحف الألمانية.
هذا، ورغم مغازلة ميركل ناخبي اليمني المتطرف، فإنها ما زالت متمسكة بصحة قرارها السماح لمليون لاجئ عام 2015، ورفض اعتباره خاطئاً. ثم إنها رغم إقرارها بحدوث «أخطاء» في التعامل مع الأزمات في الشرق الأوسط، فإنها عزت هذه الأخطاء إلى «غض النظر» عن تقديم الدعم للسوريين عندما اندلعت الحرب هناك. وقالت ميركل في كلمتها أمام البرلمان: «رد فعلنا كان نصف رد فعل، وكنا نأمل أن تختفي المشكلات هناك وألا نتأثر بها. هذا لم يكن فقط خطأ، بل كان أيضاً تصرفاً ساذجاً. القادة الأوروبيون اختاروا أن يغضوا الطرف عن أزمة اللاجئين، بينما كان المهربون يستغلون آمالهم...».
ختاماً، تمسُّك ميركل، ابنة القسيس البروتستانتي، بصحة قرار إدخال اللاجئين كلفها الكثير في الانتخابات، وقد يكلفها أكثر بعد، إلا أنه - على الأقل - أظهرها بمظهر القائد الرافض للانجرار خلف الشعبوية الرخيصة، كما يحصل في الكثير من الدول الأوروبية من حولها.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.