زيارة الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة.. تعزيز للاستراتيجية السعودية الجديدة

تأتي في ظل تحديات إقليمية غير مسبوقة

زيارة الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة.. تعزيز للاستراتيجية السعودية الجديدة
TT

زيارة الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة.. تعزيز للاستراتيجية السعودية الجديدة

زيارة الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة.. تعزيز للاستراتيجية السعودية الجديدة

رغم تعدد الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين في السعودية والولايات المتحدة الأميركية، ودورها في تعزيز العلاقات بين الرياض وواشنطن، إلا أن زيارة ولي العهد السعودي الحالية إلى الولايات المتحدة ليست كسابقاتها. إذ تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي إلى واشنطن، في ظل تحديات إقليمية غير مسبوقة، كما تسعى الشركات الأميركية للمساهمة في تنفيذ رؤية السعودية 2030، التي تنهي عقوداً من اعتماد السعودية على النفط كمصدر أساسي للدخل، وهو ما أعرب عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض العام الماضي، حيث استعرض اللقاء سبل تعزيز التعاون بين البلدين في ظل رؤية السعودية 2030، وبرامجها الاقتصادية الطموحة، بما في ذلك برنامج التحول الوطني.
وقالت وكالة "بلومبرغ" للأنباء، في إشارة إلى خصوصية الزيارة الحالية للأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، إن "اجتماع ولي العهد السعودي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يأتي في وقت يتطلع فيه الأمير الشاب البالغ من العمر 32 عاما إلى بناء صناعة دفاعية سعودية، حيث يسعى للاستفادة من الحلفاء الغربيين التقليديين للمملكة، لمساعدته على تحقيق خطته الرامية إلى أن تكون نصف الحاجيات العسكرية السعودية، محلية الصنع بحلول العام 2030، مقارنة بنحو 2 في المائة فقط من الاحتياجات العسكرية يتم تأمينها محلياً في الفترة الحالية".
حيث لم تعد السعودية تكتفي بتوقيع صفقات شراء ما تحتاجه من أسلحة وآليات عسكرية فقط، إذ أضافت "بلومبرغ"، أن السعودية تخطط بالفعل لشراء نظام الدفاع الجوي الروسي (إس 400)، بموجب صفقة تسمح للرياض بتصنيع المنتجات ذات الصلة بالنظام الدفاعي داخل المملكة.
كما كان من بين الاتفاقيات التي وقعتها السعودية مع بريطانيا خلال زيارة ولي العهد السعودي، اتفاقيات عسكرية وأمنية، لتعزيز قدرات المملكة الدفاعية من خلال نقل وتوطين التقنية والمشاركة الصناعية بين القطاع الصناعي الدفاعي في البلدين، وتوفير التدريب، وبناء شراكة في مجال البحث والتطوير على المستوى الحكومي والصناعي في البلدين، وتقديم الاستشارات الفنية لبرنامج التحول لتطوير وزارة الدفاع السعودية.
ولا تقتصر العلاقات المتميزة بين الرياض وواشنطن، والتي تعززها زيارة ولي العهد السعودي، على دعم استراتيجية السعودية الاقتصادية الهادفة إلى خلق تنوع اقتصادي، وتحقيق عوائد غير نفطية تصل قيمتها الى 100 مليار دولار بحلول العام 2020، ودعم عملية توطين المنتجات والخدمات. حيث يخدم أيضاً التقارب في وجهات النظر السعودية الأميركية في العديد من قضايا المنطقة، الاستراتيجية السعودية لضمان استقرار الشرق الأوسط والمنطقة، عبر دعم الشرعية في اليمن ولجم الطموح الإيراني للسيطرة على المنطقة، والتصدي للدول والجماعات الداعمة للإرهاب.
وقالت دانا وايت المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إن "مهمتنا في اليمن تنقسم إلى جزأين، الأول مواجهة الإرهاب، والثاني دعم السعودية التي تعرضت لهجوم من الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، ويشمل الدعم مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع الرياض".
ورغم مرور العلاقات السعودية الأميركية بمنعطفات عدة، إلا أنها كانت دائماً تعود أقوى مما كانت عليه، إذ تطورت من علاقات صداقة إلى تحالف قبل أن تتحول إلى علاقة شراكة استراتيجية، بعد الاتفاق على إنشاء الحوار الاستراتيجي بين البلدين في اجتماع قمة كروفورد عام 2005، لتثبيت العلاقات على قواعد مؤسساتية وفتح مجال أوسع للمسؤولين المعنيين في البلدين للتواصل المباشر مع بعضهم، ويرأس الحوار الاستراتيجي وزيرا خارجية الرياض وواشنطن.


مقالات ذات صلة

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

الخليج السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس) p-circle

من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

تدخل العلاقات السعودية ـ الفرنسية مرحلة مختلفة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان باريس؛ إذ لم تعد الشراكة بين البلدين محكومة بالملفات التقليدية.

عزيز مطهري (الرياض) ميشال أبونجم (باريس)
الخليج ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

لا تصل زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في ظرف إقليمي عادي. فالمنطقة تعيش مرحلة تعيد فيها الحروب وأمن الملاحة تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (واس)

محمد بن سلمان يغادر إلى فرنسا في زيارة دولة

غادر الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، البلاد، الجمعة، متوجهاً في زيارة دولة إلى فرنسا.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

السعودية: أمر ملكي بإعادة تشكيل مجلس الوزراء برئاسة محمد بن سلمان

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز 3 أوامر ملكية، قضى أحدها بإعادة تشكيل مجلس الوزراء برئاسة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، وبأعضائه الحاليين

«الشرق الأوسط» (جدة)

«التحالف الإسلامي» يعزز في مقديشو المواجهة الإعلامية ضد الإرهاب

مبادرة «إعلاميو السلام» تهدف إلى بناء قدرات إعلامية قادرة على مواجهة خطاب التطرف والكراهية في الفضاء الرقمي (التحالف)
مبادرة «إعلاميو السلام» تهدف إلى بناء قدرات إعلامية قادرة على مواجهة خطاب التطرف والكراهية في الفضاء الرقمي (التحالف)
TT

«التحالف الإسلامي» يعزز في مقديشو المواجهة الإعلامية ضد الإرهاب

مبادرة «إعلاميو السلام» تهدف إلى بناء قدرات إعلامية قادرة على مواجهة خطاب التطرف والكراهية في الفضاء الرقمي (التحالف)
مبادرة «إعلاميو السلام» تهدف إلى بناء قدرات إعلامية قادرة على مواجهة خطاب التطرف والكراهية في الفضاء الرقمي (التحالف)

بدعم من السعودية، أطلق «التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب»، في العاصمة الصومالية مقديشو، المبادرة الاستراتيجية في المجال الإعلامي «إعلاميو السلام»، الهادفة إلى بناء قدرات إعلامية وطنية قادرة على مواجهة خطاب التطرف والكراهية وحملات التضليل والدعاية الإرهابية في الفضاء الرقمي، وتعزيز دور الإعلام شريكاً فاعلاً في حماية الأمن وترسيخ السلم المجتمعي.

وشهد حفل الإطلاق أمين عام التحالف اللواء الطيار الركن محمد المغيدي، وقيادات حكومية وأمنية وعسكرية في الصومال، يتقدمهم وزير الدفاع وقائد الجيش أحمد فقي، ووزير شؤون العدالة، ووزير الأمن ووزير الأوقاف والشؤون الدينية، ووزير الدولة للموانئ والنقل البحري، ورئيس مكتب الأمن القومي، وقائد قوات الشرطة وقائد مصلحة السجون، ونائب وزير الخارجية ونائب رئيس المخابرات والأمن الوطني، وغيرهم من المسؤولين والشخصيات المعنية بمحاربة الإرهاب.

ويعكس هذا الحضور الرسمي والأمني والإعلامي الرفيع، الأهمية الاستراتيجية للمبادرة وتكامل الأدوار في مواجهة الإرهاب، في ظل التحولات المتسارعة في أساليب التنظيمات المتطرفة التي لم تعد تعتمد على العمل الإرهابي الميداني وحده، بل باتت تستخدم الفضاء الرقمي ساحةً للتأثير والتضليل والاستقطاب والتجنيد ونشر خطاب الكراهية.

جانب من حضور اللواء الطيار الركن محمد المغيدي وقيادات حكومية وأمنية وعسكرية في الصومال لحفل إطلاق المبادرة (التحالف)

وتأتي مبادرة «إعلاميو السلام» ضمن جهود التحالف الرامية إلى بناء قدرات الدول الأعضاء وتحصين بيئاتها الفكرية والإعلامية، وتعزيز قدرة المؤسسات والصحافيين على كشف الدعاية المتطرفة، ومواجهة المعلومات المضللة، وصناعة محتوى مهني قادر على المنافسة والتأثير. وتتضمن المبادرة برنامجاً تدريبياً متخصصاً حول «تحليل الخطاب المتطرف وخطاب الكراهية في الإعلام الرقمي... أدوات وتقنيات المواجهة الذكية»، يستهدف 40 متدرباً من الإعلاميين والصحافيين والأكاديميين والمتخصصين في المجالات الإعلامية ذات الصلة بمحاربة الإرهاب.

من جانبه، أكَّد وزير الدفاع الصومالي، في كلمة له، أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الجهود العسكرية والأمنية وحدها، بل تتطلب بناء خطاب إعلامي مسؤول وواعٍ يسهم في تحصين المجتمعات، ومواجهة حملات التضليل والاستقطاب والدعاية المتطرفة، وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش.

وأشار فقي إلى أن الصومال ينظر إلى الإعلام بوصفه شريكاً وطنياً في حماية الأمن الوطني وبناء السلم المجتمعي، مثمناً الدور الذي يضطلع به التحالف بقيادة السعودية، في تطوير القدرات الوطنية وإعداد كوادر إعلامية مؤهلة وتعزيز كفاءة الدول الأعضاء في مختلف مجالات محاربة الإرهاب.

وزير الدفاع الصومالي أحمد فقي أكد أن مواجهة الإرهاب تتطلب بناء خطاب إعلامي مسؤول وواعٍ (التحالف)

وأكَّد الوزير استمرار الصومال شريكاً فاعلاً وداعماً للجهود الجماعية الرامية إلى محاربة الإرهاب، وتجفيف منابعه الفكرية والإعلامية والمالية، بما يسهم في حماية المجتمعات وتعزيز الأمن والاستقرار.

بدوره، أكَّد الأمين العام للتحالف أن إطلاق هذه المبادرة في الصومال يأتي امتداداً لنهج التحالف في نقل أثر العمل المشترك إلى الدول الأعضاء، وتحويل التعاون في مجال محاربة الإرهاب إلى برامج ومبادرات نوعية تبني القدرات الوطنية وتدعم المجتمعات في مواجهة الفكر والخطاب المتطرف.

وأوضح اللواء المغيدي أن التنظيمات الإرهابية لم تعد تخوض معركتها في الميدان وحده، وإنما باتت تتحرك بكثافة في الفضاء الإعلامي والرقمي، مستفيدةً من سرعة انتشار المعلومات واتساع نطاق المنصات الرقمية في نشر التضليل، وصناعة الدعاية والتأثير في الرأي العام ومحاولات الاستقطاب والتجنيد، الأمر الذي يجعل الإعلامي المهني والواعي خط دفاع متقدماً في منظومة محاربة الإرهاب.

وأشار إلى أن المبادرة تسعى للانتقال بالإعلامي من مجرد ناقل للمعلومة إلى فاعل مهني يمتلك أدوات التحليل والتحقق والكشف والمواجهة، وقادر على تحليل المحتوى الرقمي، وتحديد مصادر التضليل، وكشف الحسابات المزيفة وعمليات التأثير المنسقة، وفهم أساليب الدعاية المتطرفة، وصولاً إلى بناء خطاب مضاد وروايات بديلة أكثر مهنية وتأثيراً ومصداقية.

وأكَّد الأمين العام أن محاربة الإرهاب معركة وعي بقدر ما هي معركة أمن وميدان، مشيراً إلى أن الاستثمار في بناء قدرات الإعلاميين يمثل استثماراً مباشراً في مناعة المجتمعات وقدرتها على التصدي للأفكار المتطرفة ومحاولات الاختراق الفكري والإعلامي.

اللواء المغيدي أوضح أن بناء قدرات الإعلاميين يمثل استثماراً مباشراً في مناعة المجتمعات وقدرتها على التصدي للأفكار المتطرفة (التحالف)

وثمَّن اللواء المغيدي تعاون حكومة الصومال ودعمها لتنفيذ برامج ومبادرات التحالف، مؤكداً مواصلة التحالف العمل مع الدول الأعضاء والشركاء وفق رؤية متكاملة تستهدف تعزيز القدرات الوطنية وتبادل الخبرات وتحقيق التكامل في مجالات محاربة الإرهاب الفكرية والإعلامية والعسكرية، ومحاربة تمويل الإرهاب.

ويخوض المشاركون خلال البرنامج تدريباً متخصصاً على مجموعة أدوات وتقنيات حديثة، تشمل منظومة اضطراب المعلومات، والتحقُّق الرقمي والاستخبارات مفتوحة المصدر، وتحليل الصور والفيديو، وتحليل انتشار المحتوى وتحديد الحسابات المزيفة والبوتات، وتقنيات تحليل الخطاب والمحتوى النصي، وكشف عمليات التأثير المنسقة وتحليل الشبكات والروابط.

كما يتناول البرنامج الآثار النفسية والمجتمعية لخطاب التطرف والكراهية، والحلول والتدخلات القائمة على الأدلة لمواجهة الخطاب الرقمي الضار، وتطوير الخطاب المضاد والروايات البديلة، وتعزيز محو الأمية الإعلامية والرقمية والمرونة المجتمعية، بما يمنح المشاركين أدوات عملية للتعامل مع أساليب التطرف والدعاية في البيئة الرقمية. وتجسد مبادرة «إعلاميو السلام» توجُّه التحالف نحو بناء منظومة مستدامة لمواجهة الإرهاب تتجاوز التعامل مع نتائجه إلى مواجهة أدواته الفكرية والإعلامية، وتجفيف قدرته على التضليل والاستقطاب والتجنيد، واضعةً الإعلام والوعي في قلب المواجهة، بما يعزز أمن المجتمعات واستقرارها ويجعل من الحقيقة أداة مواجهة، ومن الوعي حصناً، ومن الإعلام قوةً لصناعة السلام.


السعودية تدين الهجوم الإرهابي على حافلة لقوات الأمن الداخلي بسوريا

 الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)
الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)
TT

السعودية تدين الهجوم الإرهابي على حافلة لقوات الأمن الداخلي بسوريا

 الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)
الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)

أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانة المملكة واستنكارها للهجوم الإرهابي الذي استهدف حافلة تابعة لقوات الأمن الداخلي في ريف دمشق في سوريا، وأسفر عن عدد من الإصابات في صفوف أفراد قوات الأمن الداخلي.

وعبّرت الوزارة، في بيان، عن «تضامن المملكة ووقوفها التام مع جميع الخطوات التي تتخذها الحكومة السورية لمكافحة جميع أشكال التطرف والإرهاب، متمنيةً لسوريا وشعبها الشقيق الأمن والسلام، وللمصابين الشفاء العاجل».

وأوردت وكالة الأنباء السورية (سانا) في وقت سابق اليوم، نقلاً عن مصدر أمني، أن «انفجار عبوة ناسفة يستهدف باص مبيت يتبع لقوى الأمن الداخلي على طريق معرونة-التل في ريف دمشق، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات بين العناصر»، مضيفة أن «التحقيقات» متواصلة «للكشف عن منفذي العمل الإرهابي».


من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
TT

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي. كانت الثقافة يومها نافذة يتعرف من خلالها الفرنسيون على تاريخ المملكة، فيما كانت الرياض تختبر مساحة جديدة للتعريف بتراثها خارج حدودها.

بعد أكثر من عقد ونصف، تغير المشهد؛ أصبحت الثقافة أحد المكونات الأساسية في العلاقة السعودية-الفرنسية، وتحولت العلا إلى أحد أكثر النماذج وضوحاً لهذا التعاون، فيما دخلت السينما والمتاحف والتراث والسياحة والرياضة والفعاليات الكبرى في شبكة المصالح التي تربط البلدين.

وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا في وقت أصبحت فيه هذه المجالات جزءاً من الاقتصاد الجديد للمملكة، وليس مجرد نشاط ثقافي موازٍ للعلاقات السياسية.

العلا... عندما تصبح الثقافة مشروعاً اقتصادياً

في العلا تتقاطع الآثار مع السياحة، والهندسة مع البيئة، والفنون مع الاقتصاد، وقد وسعت الشراكة السعودية-الفرنسية في المحافظة نطاق التعاون ليشمل التخطيط الحضري، والتراث، والسياحة، والثقافة، والتعليم، والتدريب، والفنون، لتقدم نموذجاً مختلفاً عن العلاقة التقليدية بين دولة مستثمرة وشركات أجنبية.

الرئيس الفرنسي مع وزير الثقافة السعودي خلال زيارته منطقة الحِجر في العُلا (واس)

فالمشروع لا يقتصر على تطوير موقع تاريخي، وإنما يقوم على بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية المحلية وتستفيد من الخبرة الدولية.

وهذا النوع من التعاون ينسجم بصورة مباشرة مع أهداف «رؤية السعودية 2030» في تحويل الثقافة والسياحة والترفيه إلى مكونات فاعلة في الاقتصاد.

رحلة بدأت من اللوفر

لم تكن العلا البداية؛ في عام 2010 احتضن متحف اللوفر معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، في محطة عكست اهتماماً فرنسياً متزايداً بالتاريخ السعودي.

وسبق ذلك معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس عام 1986، فيما استضاف مقر اليونيسكو في باريس فعاليات الأيام الثقافية السعودية عام 2012.

متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

وتكشف هذه المحطات عن مسار طويل انتقلت فيه العلاقة الثقافية من التعريف بالمملكة إلى بناء مشاريع مشتركة داخل المملكة نفسها.

الثقافة تدخل الاقتصاد

التغير الأهم أن الثقافة لم تعد قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ فالسياحة تحتاج إلى النقل، والضيافة، والتقنية، والمتاحف تحتاج إلى الهندسة، والتشغيل، والتعليم، والفعاليات الكبرى تحتاج إلى الرياضة، والإعلام، والخدمات الرقمية، ومن هنا أصبحت الثقافة جزءاً من منظومة اقتصادية متشابكة.

ويظهر ذلك في اتساع مجالات التعاون المحتملة بين البلدين لتشمل السياحة، والضيافة، والاقتصاد الإبداعي، والألعاب الإلكترونية، والرياضة، وهي قطاعات تتوافق مع توجه المملكة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً.

الرياضة... لغة جديدة للشراكة

وتمنح الرياضة العلاقة بعداً إضافياً، فاستضافة فرنسا لفعاليات مرتبطة بكأس العالم للرياضات الإلكترونية، بالتزامن مع زيارة ولي العهد، تقدم مثالاً على انتقال الرياضة من مساحة المنافسة إلى مساحة للتقارب الاقتصادي، والثقافي.

مجموعة من المحترفين يتسابقون للحصول على كأس العالم للألعاب الإلكترونية بالعاصمة السعودية 2024 (إكس التابع للبطولة)

والرياضة السعودية نفسها أصبحت صناعة عالمية تستقطب الاستثمارات، والمواهب، والفعاليات، بينما تمتلك فرنسا خبرة واسعة في تنظيم البطولات، والأحداث الكبرى.

وتتقاطع المصالح هنا كما تتقاطع في الثقافة والسياحة: السعودية توفر سوقاً، ومشروعات، ورأسمال متنامياً، وفرنسا توفر خبرة صناعية وتنظيمية وثقافية عريقة.

التعليم... الاستثمار الأقل ظهوراً والأطول أثراً

ولا يقتصر التبادل على المشروعات؛ فالتعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية في البلدين يفتح مساراً مختلفاً لنقل المعرفة، وبناء رأس المال البشري.

وتظهر أهمية هذا المسار في القطاعات التي تريد المملكة التوسع فيها، خصوصاً العلوم، والتقنية، والابتكار، والصحة، والهندسة.

فالمشروعات قد تُبنى خلال سنوات، لكن الكفاءات التي تديرها يمكن أن تصنع أثراً يمتد لعقود.

شراكة بين تجربتين

تختلف التجربة السعودية عن الفرنسية في كثير من التفاصيل، لكن هذا الاختلاف نفسه يخلق مساحة للتعاون.

فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً في الثقافة، والمتاحف، والفنون، والصناعات الإبداعية، فيما تعيش السعودية مرحلة تحول واسعة تعيد خلالها صياغة قطاعات الثقافة، والسياحة، والترفيه، والرياضة.

ولهذا لا تقوم الشراكة الجديدة على نقل نموذج جاهز من باريس إلى الرياض، بل على مزج الخبرة الفرنسية بالمشروع السعودي الجديد.

وهذا ما يجعل الثقافة في العلاقات بين البلدين أكثر من «ملف ناعم»؛ إنها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها بناء اقتصاد جديد، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، وصناعة مصالح مشتركة لا تتأثر بسهولة بتغير الملفات السياسية.

من الماضي إلى المستقبل

على مدى قرن تقريباً، مرت العلاقات السعودية-الفرنسية بمراحل متعددة؛ من التمثيل الدبلوماسي الأول، إلى اللقاء التاريخي بين الملك فيصل وديغول، ثم التوسع في الاقتصاد، والدفاع، وصولاً إلى رؤية جديدة للشراكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

واليوم لا تذهب الرياض إلى باريس للحديث فقط عن الماضي؛ بل عن مدينة مستقبلية، ومتحف جديد، ووجهة سياحية، وصناعة إبداعية وتقنية متقدمة، ومشروع طاقة، واستثمار طويل الأمد.

وفي هذا التحول تكمن إحدى أكثر سمات العلاقة السعودية-الفرنسية وضوحاً: إن الجسر الذي بدأ بالثقافة أصبح اليوم يحمل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا معه.