ماكرون ومودي يعززان التعاون الاستراتيجي على حساب بكين

وقعا اتفاقيات في مجالات الدفاع والفضاء والنووي

مودي وماكرون لدى افتتاحهما منشأة لإنتاج الطاقة الشمسية في ميزابور أمس (أ.ف.ب)
مودي وماكرون لدى افتتاحهما منشأة لإنتاج الطاقة الشمسية في ميزابور أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون ومودي يعززان التعاون الاستراتيجي على حساب بكين

مودي وماكرون لدى افتتاحهما منشأة لإنتاج الطاقة الشمسية في ميزابور أمس (أ.ف.ب)
مودي وماكرون لدى افتتاحهما منشأة لإنتاج الطاقة الشمسية في ميزابور أمس (أ.ف.ب)

اختتم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمسَ، زيارة دولة استمرت ثلاثة أيام إلى الهند، برحلةٍ إلى مدينة فاراناسي، وهي إحدى أقدم مدن العالم وموقع مقدس لدى الهندوس في قلب شبه القارة الهندية. وزار ماكرون سهل الغانج مهد الهندوسية، بصحبة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي التقاه مرات عدة خلال الزيارة التي هدفت إلى تعزيز العلاقات بين باريس ونيودلهي.
وعادة عندما تزور شخصية قيادة أوروبية، الهند، تتركز الزيارة حول التجارة والاستثمار. ومع هذا، تميزت زيارة الرئيس الفرنسي للهند بطابع استراتيجي مميز. وتأتي الزيارة احتفالاً بالذكرى الـ20 لتدشين شراكة استراتيجية بين البلدين، وقد شهدت توقيع الجانبين 14 اتفاقية بمجالات متنوعة ما بين الدفاع والفضاء والتعليم والتنمية الحضرية والتعاون بالمجال النووي وتطوير السكك الحديدية وغيرها.
علاوة على ذلك، وافق الجانبان على عقد حوار ثنائي حول القضايا الدفاعية على نحو سنوي. وبخلاف الدلالات الاستراتيجية المهمة لمثل هذا الاتفاق، فإنه يبعث برسالة دبلوماسية مهمة من الجانبين إلى القوى العالمية الثلاث الكبرى: الولايات المتحدة وروسيا والصين، مفادها أن الهند تزداد قرباً إلى فرنسا.
الدبلوماسية البحرية
الهندية - الفرنسية
خلال الزيارة، تعهدت الهند وفرنسا بالعمل معاً لضمان حرية الملاحة في المحيط الهندي في خضم الوجود الصيني المتنامي في المنطقة. ومن أبرز التطورات التي شهدتها الزيارة سماح فرنسا للهند بالدخول إلى قواعد فرنسية ذات أهمية استراتيجية كبيرة داخل مناطق تطل على المحيط الهندي، مثل جزر لاريونيون ومايوت والأراضي الفرنسية الجنوبية والأنتارتيكية، التي تضم في مجملها مليون مواطن فرنسي، وتشكل منطقة اقتصادية ضخمة.
أيضاً، سوف تتمتع الهند بحرية الدخول إلى قاعدة بحرية فرنسية في جيبوتي تقع بمنطقة القرن الأفريقي، حيث يوجد بالفعل لغريمة الهند في البحر، الصين، قاعدة عسكرية. كما وقع الجانبان اتفاقاً استراتيجياً يقضي بأن يتيح كل منهما قواعده البحرية أمام السفن الحربية التابعة للجانب الآخر.
في الوقت ذاته، أبرمت الوكالات الفضائية لدى الجانبين اتفاقاً لمعاونة بعضها البعض في رصد وتحديد ومراقبة القطع البحرية. وتعليقاً على ذلك، قال فايجو نارافاني، أستاذ الصحافة والدراسات الإعلامية في جامعة أشوكا: «يعزز هذا الاتفاق بدرجة كبيرة من قوة الهند، التي تتطلع نحو بناء منشآت بحرية في سيشيل وموريشيوس. وفي وقت تعيد الهند تعريف فضائها الاستراتيجي في إطار منطقة المحيط الهادئ الهندي الأوسع، فإن ثمة إمكانات ضخمة وراء التعاون الهندي - الفرنسي داخل المحيط الهندي، حيث يخالج الهند قلق بالغ إزاء سياسة التطويق التي تمارسها الصين تجاهها. من ناحيتها، تشكل فرنسا قوة بحرية كبرى، ومن شأن الاتفاق اللوجستي والتدريبات المشتركة بين القوات البحرية لدى الجانبين - وهو اتفاق قائم بالفعل - معاونة الهند في تحديث معرفتها البحرية».
جدير بالذكر أن منطقة المحيط الهادئ تشكل أهمية محورية للبلدين. وتملك الهند سواحل على امتداد 7.500 كيلومتر بالمنطقة وأكثر عن 1.380 جزيرة ومنطقة اقتصادية بحرية حصرية على مساحة 2 مليون كيلومتر مربع. أما الأراضي الفرنسية داخل منطقة المحيط الهادئ الهندي، فيعيش عليها 1.6 مليون مواطن، وتضم منطقة اقتصادية حصرية على مساحة 9.1 كيلومتر مربع.
أثناء الزيارة، شدد ماكرون ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على أن التعاون بين البلدين بالغ الضرورة للحفاظ على سلامة الطرق البحرية الدولية، وضمان عدم إعاقة حركة التجارة والاتصالات تبعاً لما ينص عليه القانون الدولي.
وفي إشارة قوية للصين، أكد ماكرون على أن «ثمة جزءاً قوياً من أمننا واستقرار العالم» يحدق به الخطر داخل المحيط الهندي، والذي، مثلما الحال مع المحيط الهادئ، «لا يمكن أن يصبح مكاناً للهيمنة. إننا نملك قوة بحرية قوية وأسطول ضخم يضم غواصات نووية، علاوة على كوننا نشطين للغاية داخل منطقة المحيط الهادئ الهندي، بما يكفل الحفاظ على الأمن الجماعي. وبالنسبة لي، تعتبر الهند واحدة من الشركاء المحوريين لضمان الاستقرار في المنطقة بأسرها».
أما مودي، فقال إنه من المهم للغاية بالنسبة للبلدين التعاون داخل منطقة المحيط الهندي. وأضاف: «أعتبر اتفاق الدعم اللوجستي المتبادل بين القوات المسلحة الهندية والفرنسية بمثابة خطوة ذهبية في تاريخ التعاون الدفاعي الوثيق بين البلدين».
من ناحية أخرى، رأى محللون أن التعاون العسكري المتنامي بين الجانبين يشكل واحدة من الثمار الكبرى للقاء مودي وماكرون. على سبيل المثال، أكد الدبلوماسي الهندي السابق فيفيك كاتجو، في تصريحات لإحدى القنوات التلفزيونية، أن «هذا أمر غير مسبوق. لا أعتقد أن الهند سبق وأن دخلت في مثل هذه العلاقة القوية مع دولة أخرى في الماضي، ويأتي هذا في وقت يتخذ الصينيون تحركات قوية حولنا في المياه، تحديداً في المحيط الهندي». جدير بالذكر أن الهند مشتركة مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا في الحوار الأمني الرباعي بهدف تعزيز مصالح الدول الأطراف داخل منطقة المحيط الهادئ الهندي. ويرى الصحافي سوهاسيني حيدر أن «الرؤية الاستراتيجية المشتركة الجديدة تجاه المحيط الهندي تبعث برسالة مفادها أن الهند لا تقصر نفسها على اتفاق الحوار الوطني الرباعي مع الولايات المتحدة وحليفتيها اليابان وأستراليا. كما أن الاتفاقات الدفاعية الموقعة ترسم صورة لفرنسا باعتبارها بديلاً لكل من الولايات المتحدة وروسيا فيما يخص المعدات العسكرية والطائرات، أو التعاون بمجال الفضاء والمفاعلات النووية».
«علاقات نووية» تاريخية
تعود جذور الاهتمام الاستراتيجي الهندي الجديد بفرنسا إلى التاريخ النووي للهند. فمنذ 20 عاماً، في عام 1998 تحديداً، أجرت الهند أول اختبارات نووية لها، مثيرة غضب المجتمع الدولي، وشنت الولايات المتحدة وبريطانيا والصين ومعظم دول العالم هجوماً لاذعاً ضد الحكومة الهندية الجديدة آنذاك، التي شكلها حزب «بهاراتيا جاناتا» بقيادة رئيس الوزراء السابق أتال بيهاري فاجبايي.
في الوقت ذلك، أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك دعمه للهند، مؤكداً أن إقصاء الهند بعيداً عن النظام النووي العالمي أمر غير مقبول ويجب تصحيحه. وعلى مر السنوات، أصبحت فرنسا واحدة من أقوى الداعمين لانضمام الهند إلى أندية حصرية مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما كانت مساعدة باريس محورية بالنسبة للهند في انضمامها إلى الهيكل النووي الدولي.
وعندما أبرم الاتفاق النووي الهندي - الأميركي عام 2008 ليضع نهاية للعزلة التي فرضت ضد نيودلهي طيلة 34 عاماً من جانب السوق الدولية النووية، كانت فرنسا أول دولة توقع اتفاقاً للتعاون النووي السلمي مع الهند. من جهتهم، يقر القادة الهنود، خصوصاً من حزب «بهاراتيا جاناتا» بالدعم الفرنسي. واللافت أن رئيس الوزراء الهندي مودي استقبل الرئيس الفرنسي بعناق حار يعتبر خرقاً لقواعد البروتوكول، وذلك لدى استقباله إياه في المطار.
يذكر أن ماكرون كان من المقرر أن يزور الهند في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قبل زيارته الصين في يناير (كانون الثاني)، إلا أن تلك الزيارة التي كان مقرراً لها أن تستمر يومين تأجلت بناءً على طلب من مودي بسبب ظروف انتخابات ولاية غوجرات التي أسرع إليها رئيس الوزراء الهندي لضمان فوز حزبه هناك.
من ناحيته، أعرب السفير الهندي السابق لدى الولايات المتحدة، آرون سينغ، عن اعتقاده بأنه «رغم كون فرنسا عضواً في نظام التحالفات الغربية، فقد سعت في الوقت ذاته نحو اتخاذ مواقف وقرارات مستقلة، الأمر الذي يخلق مساحة مفيدة أمام الهند. على سبيل المثال، لم تتبع فرنسا أياً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في الانتقادات التي وجهتها كل منهما للهند، أو مساعيهما لفرض عقوبات ضدها في أعقاب الاختبارات النووية التي أجرتها عام 1998. وتعتبر فرنسا قوة عالمية وعضواً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تدعم تطلعات الهند، علاوة على وجودها الفعلي داخل منطقة المحيط الهادئ الهندي. وقد مكنت زيارة ماكرون الهند من تعزيز هذه العلاقة على نحو أكبر».
يذكر أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند كان الضيف الرئيس في احتفالات اليوم الوطني بالهند عام 2016، وفي أعقاب انتخاب ماكرون رئيساً للبلاد في مايو 2017 زار مودي فرنسا، وشدد على رغبته في إضافة معنى جديد للشراكة الهندية - الفرنسية. وفي عام 2016 وقعت الهند اتفاقاً بقيمة 8.78 مليار دولار مع فرنسا لشراء 36 طائرة «رافال» مقاتلة.
من جانبه، أوضح غولشان ساشديفا، الأستاذ بكلية الدراسات الدولية في جامعة جواهر نهرو بدلهي، أن «الوضع داخل أوروبا يتغير، ذلك أن الدور البريطاني فيما بعد (بريكست) في طريقه نحو الانحسار على الصعيد الأوروبي، في الوقت الذي تبدو المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل منهمكة في التغلب على صعوبات سياسية تواجهها في الداخل. أما إسبانيا، فتعاني جدالاً انفصالياً في الداخل، بينما تتحرك دول مثل المجر وبولندا وجمهورية التشيك نحو اليمين المتطرف. ويساعد ذلك كله الرئيس الفرنسي ماكرون على الظهور باعتباره القائد الأوروبي الفعلي. كما أن سياسة ترمب الانعزالية القائمة على مبدأ (أميركا أولاً) وفرت مساحة أكبر أمام فرنسا. وبعد (بريكست)، ستصبح فرنسا القوة النووية الوحيدة والعضو الدائم الوحيد بمجلس الأمن داخل الاتحاد الأوروبي». وخلال اجتماع للتحالف الدولي للطاقة الشمسية، تعهد ماكرون بتوفير 861.5 مليون دولار إضافية لمشروعات تنمية الطاقة الشمسية في فرنسا والهند. جدير بالذكر أن التحالف الدولي للطاقة الشمسية (كيان) تأسس عام 2015 على هامش مؤتمر باريس للتغيرات المناخية، ويهدف لدعم الدول الغنية بالطاقة الشمسية لاستغلالها بتكلفة معقولة. ومع افتتاح ماكرون أكبر منشأة لإنتاج الطاقة الشمسية في الهند، تعهدت الأخيرة بتوفير 40 في المائة على الأقل من احتياجاتها بمجال الطاقة من مصادر طاقة متجددة بحلول عام 2030.
كما أكد الزعيمان الهندي والفرنسي عزمهما البدء بحلول نهاية العام الحالي، فيما يمكن أن يصبح المفاعل النووي الأكبر على مستوى العالم.



أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.


الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الاثنين إن اليهود «سيتغلبون على هذا الشر» بينما كان يقدم تعازيه لضحايا عملية إطلاق النار التي أودت بحياة 15 شخصا كانوا يحتفلون بعيد يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وصرّح هرتسوغ بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي «ستبقى الروابط بين الناس الجيّدين من كل الأديان وكل الأمم قوية في مواجهة الإرهاب والعنف والكراهية».

من جهة ثانية، يعتزم متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين التجمع في سيدني للاحتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي، بعد أن وصفت السلطات زيارته بالحدث المهم ونشرت آلافا من رجال الشرطة للسيطرة على الحشود. وحثت الشرطة المتظاهرين على التجمع في حديقة بوسط سيدني لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، لكن منظمي الاحتجاج قالوا إنهم يعتزمون التجمع عند مبنى البلدية التاريخي في المدينة بدلا من ذلك.

ومنحت السلطات الشرطة صلاحيات نادرا ما يتم اللجوء إليها خلال الزيارة، بما في ذلك القدرة على تفريق الحشود ونقلها وتقييد دخولها إلى مناطق معينة وتوجيه الناس للمغادرة وتفتيش المركبات.

وقال بيتر ماكينا مساعد مفوض شرطة نيو ساوث ويلز لقناة ناين نيوز «نأمل ألا نضطر إلى استخدام أي من هذه الصلاحيات، لأننا على تواصل وثيق مع منظمي الاحتجاج». وأضاف « نريد بوجه عام الحفاظ على سلامة جميع أفراد المجتمع... سنكون موجودين بأعداد كبيرة فقط لضمان سلامة المجتمع». وسيتم نشر حوالي 3000 شرطي في جميع أنحاء سيدني، أكبر مدينة في أستراليا.

يزور هرتسوغ أستراليا تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في أعقاب حادث إطلاق النار الدامي في شاطئ بونداي.

ولاقت زيارة هرتسوغ معارضة من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين، حيث جرى التخطيط لتنظيم احتجاجات في المدن الكبرى في جميع أنحاء أستراليا، كما رفعت مجموعة العمل الفلسطينية دعوى قضائية في محكمة سيدني ضد القيود المفروضة على الاحتجاجات المتوقعة.

وقالت مجموعة العمل الفلسطينية في بيان «سيكون يوما للاحتجاج الوطني للمطالبة باعتقال إسحق هرتسوغ والتحقيق معه بعد أن خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أنه حرض على الإبادة الجماعية في غزة».

وأصدر المجلس اليهودي الأسترالي، وهو من أشد منتقدي الحكومة الإسرائيلية، اليوم الاثنين رسالة مفتوحة وقعها أكثر من ألف من الأكاديميين والشخصيات المجتمعية البارزة من يهود أستراليا حثوا فيها ألبانيزي على إلغاء دعوة هرتسوغ.