انتصار التكنولوجيا على المتشائمين

ردا على الخائفين من تلوث البيئة والانحباس الحراري وغرق جزر العالم

كيف تدحض التكنولوجيا تخوفات المتشائمين والكارثيين: أرخص، أصغر، أسرع، أحسن، أخف، أكثف  -   المؤلف: روبرت برايس
كيف تدحض التكنولوجيا تخوفات المتشائمين والكارثيين: أرخص، أصغر، أسرع، أحسن، أخف، أكثف - المؤلف: روبرت برايس
TT

انتصار التكنولوجيا على المتشائمين

كيف تدحض التكنولوجيا تخوفات المتشائمين والكارثيين: أرخص، أصغر، أسرع، أحسن، أخف، أكثف  -   المؤلف: روبرت برايس
كيف تدحض التكنولوجيا تخوفات المتشائمين والكارثيين: أرخص، أصغر، أسرع، أحسن، أخف، أكثف - المؤلف: روبرت برايس

في مارس (آذار) الماضي، أصدرت وكالة الأمم المتحدة للتغيير في المناخ تقريرا من نحو ثلاثة آلاف صفحة عن خطر تلوث البيئة، والانحباس الحراري، واستمرار الجوع، والمرض، والجهل. هذا تقرير متشائم جدا. وجاء في نهايته: «لنتوقع موجات لا نهاية لها من اللاجئين، والمهاجرين، والفارين، والجوعى، والمرضى، والقتلى».
لكن، لروبرت برايس رأي آخر. إنه متفائل، ومتفائل جدا. وشرح ذلك في كتاب له اسمه طويل: «كيف تدحض التكنولوجيا تخوفات المتشائمين والكارثيين: أرخص، أصغر، أسرع، أحسن، أخف، أكثف».
يمكن تلخيص الكتاب بالقول إنه يؤكد أن تطوير الإنسان للتكنولوجيا سيقدر على ضمان حياة في المستقبل ستكون «أرخص، وأسرع، وأحسن، وأكثف». ولن تكن حياة كارثية.
ومن أهم عناوين الكتاب: التركيز على الاختراعات، ونتائج ذلك، كيف وصلنا إلى هنا؟ إلى أين نسير؟ وما التكنولوجيا التي تقود الطريق؟ أهم شيء: طاقة رخيصة، وربما مجانية، ومستقبل أسرع وأصغر، ولا بد من التخلص من الخوف.
جاء في بداية الكتاب: «يسجل هذا العام، عام 2014، مرور مائة سنة على حفر قناة بنما، التي تربط المحيطين الأطلسي والهادي. ولأكثر من أربعمائة سنة (بعد اكتشاف أميركا، في نهاية القرن الخامس عشر)، كانت السفن تقطع المسافة بين نيويورك وكاليفورنيا في شهر كامل، وهي مسافة 13 ألف ميل، عن طريق كيب هورن، قرب القطب المتجمد الجنوبي. لكن، بعد حفر قناة بنما، انخفضت المسافة إلى ثمانية آلاف ميل، وصارت السفن تقطعها في أسبوع واحد فقط».
قدم الكتاب هذا المثال دليلا على أن الاختراعات والاكتشافات جعلت الحياة أسرع، وأرخص، وأبسط، وأصغر، وأكثر إثراء.
وأشار الكتاب إلى مثال آخر، حدث عام 1761: حفر البريطانيون قناة «بريدجووتر» التي سهلت وصول الفحم إلى مدينة مانشستر. وبسبب ذلك، وبعد أقل من مائة سنة، صار في مانشستر أكثر من مائة مصنع للقطن.
وأشار الكتاب، أيضا، إلى ما حدث عام 1869: حفر الفرنسيون قناة السويس، وقطعوا المسافة بين الهند وأوروبا، عن طريق جنوب أفريقيا، بنسبة 50 في المائة.
في كل هذه الأمثلة، كما يوضح المؤلف، صار العالم «أصغر، أسرع، أخف، أرخص، أكثف (المحتوى). وذلك بفضل العقل الإنساني)».
مثال آخر: في أول كتاب مسيحي مقدس «بايبل» طبعته مطبعة غوتنبرغ في ألمانيا (القرن 15) كانت الصفحة الواحدة فيه طولها 20 بوصة، وعرضها عشر بوصات. لكن، اليوم، صار الكتاب المقدس أخف، وأصغر، وأرخص، وأسرع قراءة، وحملا، وأكثف تأثيرا.
وطبعا، في عصر الإنترنت، صار واحدا من مئات الكتب، يحملها «آي باد» لا يزيد وزنه عن رطل واحد.
في الحقيقة، يقول كثير من المؤرخين الأوروبيين إن مطبعة غوتنبرغ كانت الخط الفاصل بين أوروبا القرون الوسطى وأوروبا الحديثة. وصارت المطبعة «أول تكنولوجيا حديثة» قال الكتاب إن اختراع العجلة كان أول تكنولوجيا. وشرح الكتاب تفاصيل كيف أن العجلة جعلت حياة الإنسان الأول أحسن، وأرخص، وأبسط، وأسرع، وأكثر إنتاجا وثراء.
لا تظل التكنولوجيا فقط أسهل، وأسرع، وأرخص، وأخف، ولكن، أيضا، «أكثر انتظاما ودقة». يعنى هذا أن اختراعات واكتشافات الإنسان لا تتطور فقط، ولكن تؤثر على تفكيره.
صار تفكير الإنسان أكثر انتظاما ودقة. وصار عمله، أيضا، أكثر انتظاما ودقة. وكما يقول الكتاب: «صار الإنسان أكثر تحضرا».
لهذا، يقول الكتاب، يمكن تطبيق النظرية نفسها على اختراع الإنترنت. ويشير هنا إلى «إنترنت غوتنبرغ»، وهو مشروع طبع حتى الآن قرابة مائة ألف كتاب عن تاريخ الحضارة البشرية، ويقدر على قراءته مجانا أي شخص، في أي وقت، في أي مكان في العالم.
هذا ليس فقط في مجال العمل والجد. بل أيضا، في مجال الترفيه. فيتحدث المؤلف عن الكهرباء التي اخترعها الأميركي توماس أديسون. ثم «فاكيوم تيوب» (الأسطوانة الخاوية)، أساس التلفزيون، التي اخترعها الأميركي لي دي فوريست. وبفضلهما، لم يعد الغناء فقط ضربا على طبل، أو نقرا على معدن، أو لمسا لخيط، أو نفخا في صفارة. صار كهربائيا، وميكرفونيا، وتلفزيونيا. واشتهر مغنون أمثال زنجى الجاز الأميركي دوك ألنغتون، وصبيان الخنافس البريطانيين. ويقول الكاتب هنا: «تصوروا لو أن أديسون ودي فوريست عاشا قبل بتهوفن».
وهكذا، في الجد وفي الترف، تتطور الحضارة الحديثة بسبب الأسرع، والأصغر، والأخف، والأرخص، والأكثف (المحتوى).
لكن، شمل التطور، في الجانب الآخر، أسلحة الموت والدمار. جعل مايكل كلاشنكوف، مخترع بندقية كلاشنكوف (توفى في العام الماضي)، القتل سهلا، وسريعا، ورخيصا، ومكثفا.
هذه هي «محاسن» كلاشنكوف: «أصغر وأخف من البندقية العادية، وأكبر من البندقية الأوتوماتيكية، ويمكن أن تعمل أوتوماتيكيا، أو باليد، طلقة بعد طلقة، وتزن ذخيرته أقل، وتكلفة أقل، ويمكن الاعتماد عليها، وتعيش طويلا، وتقاوم الصدأ، ويمكن تعلم إطلاق النار خلال ساعات قليلة».
ومنذ أن اخترعت عام 1947، بيعت منها أكثر من مائة مليون بندقية.
وهكذا، يتطور العالم بسرعة خيالية، ويصير أسهل، وأرخص، وأفضل. ولكن الكتاب لا يشير إلى أن العالم يواجه مشكلات الفقر، والمرض، والحروب، وترتفع مستويات المحيطات والبحار، وتسمم البيئة الناس بمعنى آخر، هذا كتاب متفائل.
وليس وصفا متشائما يمكن أن يكتبه أستاذ جامعي يساري، أو زعيم في حزب الخضر، ولا يذكر التقرير الباعث على الرهبة الذي نشرته وكالة الأمم المتحدة للتغييرات المناخية.
طبعا، تريد الأمم المتحدة، وتريد منظمات دولية كثيرة، تحذير الناس من مشكلات البيئة. لكن، يقول الكتاب، إن «الناس وهم يحاولون حل مشكلات اليوم، يجب ألا يتشاءموا حول مشكلات المستقبل».
في عرضها للكتاب أشارت مجلة «ناشيونال ريفيو»، تحت عنوان: «نظرية مالثوس الجديدة»، إلى توماس مالثوس، الفيلسوف البريطاني الذي رأى أن العالم مقدم على كارثة كبرى، وذلك بسبب استمرار زيادة السكان. ومما كتب مالثوس: «تتفوق زيادة السكان على زيادة المنتجات». ولأنه كان قسيسا، خلط بين النظرية وعقيدته الدينية. وفي عام 1798، كتب مالثوس في كتاب آخر له بعنوان «تقرير عن نظرية الزيادة السكانية» ما يلي: «لا تقدر قوة في الأرض على وقف تناسل الناس. ولأن الفقراء يتناسلون أكثر من الأغنياء، يحدث شيئان: أولا: يزيد عدد الفقراء على عدد الأغنياء. ثانيا: يزيد عدد السكان كلهم. لهذا، لا بد من توقع جوع، وانقراض».
في الحقيقة، قبل أن يكتب برايس هذا الكتاب التفاؤلي، كتب كتاب «جوع الطاقة». ويقول فيه إن زيادة حاجة الإنسان إلى الطاقة يجب ألا تؤدي إلى جوع وانقراض. وذلك لأن الإنسان يقدر على استخراج الطاقة الشمسية والهوائية. وكأنه يقول: طاقة سهلة، وسريعة، ورخيصة، وخفيفة، وكثيفة (لها نتائج عملاقة).
لهذا، يعد الكتاب الجديد امتدادا للكتاب الذي قبله، لكن المؤلف في الكتاب الجديد ينظر إلى الموضوع نظرة تاريخية، وفلسفية، تتجسد في قوله: «ما دامت التكنولوجيا التي صنعناها في الماضي أنقذتنا من مشكلات الماضي، لا بد أن تنفذنا تكنولوجيا المستقبل من مشكلات المستقبل». ويستدرك بالقول: «نحن حتى الآن لا نعرف ما ستكون عليه تكنولوجيا المستقبل».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.