«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة

مصر وتركيا.. من طرد السفراء الى مساع التهدئة

«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة
TT

«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة

«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة

لا يفوت زائر إسطنبول هذه الأيام ملاحظة شارات «رابعة» في زواريب المدينة وأحيائها الشعبية، فيما تتصدر هذه الشارة صفحات مؤيدي أردوغان على موقع «فيس بوك» للتواصل الاجتماعي بوصفها دليلا على التضامن مع الرئيس المصري المعزول محمد مرسي. ويحتاج متابع وسائل الإعلام الرسمية التركية بعض الوقت ليدرك أنه ليس في مصر، بسبب الكم الهائل من الأخبار المتعلقة بالوضع المصري فيها.
وتمر العلاقات بين مصر وتركيا بفترة حرجة حاليا، بسبب مواقف رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان المؤيدة للرئيس المصري المعزول التي وصلت إلى حد استدعاء السفراء، لكن بعض الساسة في القاهرة، يقولون إن تركيا ومصر «مثل تفاحة مشطورة نصفين على جانبي البحر المتوسط». وأعاد بعض كبار السياسيين المعتدلين في تركيا ذكر المثل نفسه عقب توتر العلاقة بين البلدين التي انتهت الأسبوع الماضي بطرد كل منهما سفير الدولة الأخرى في إجراء نادر.

تكره الغالبية العظمى من أنصار قائد الجيش المصري، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، الطريقة التي رفع بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أصابعه الأربعة لتتحول تلك «الإشارة» إلى رمز لمظاهرات صاخبة في شوارع القاهرة قادتها جماعة الإخوان المسلمين.. وأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي.
رفع أردوغان أصابعه الأربعة، للتعبير عن غضبه من فض السلطات المصرية اعتصامين لأنصار الرئيس السابق. وقال مبررا موقفه إنه لن يحترم من وصلوا للسلطة بانقلاب، في إشارة إلى الثورة الشعبية على حكم مرسي في 30 يونيو (حزيران) الماضي، مما أدى إلى زيادة التوتر في العلاقة مع مصر. ومع ذلك يبدو موقف أردوغان المنحاز للإسلاميين مختلفا عن مواقف رئيس تلك الدولة التي تعد واحدة من الدول الكبرى في المنطقة إلى جانب كل من مصر وإيران ودول معتبرة أخرى.. فماذا يريد أردوغان؟
هكذا يسأل النائب البرلماني المصري عاطف مغاوري، المختص في الشؤون الدولية، ويجيب قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن الرجل يُظهر نفسه في عباءة الخليفة العثماني حين يتعامل مع العرب، وفي بدلة الأوروبي حين يتعامل مع الغرب، سعيا لتحقيق الأهداف الأساسية لحزبه، وعلى رأسها الانضمام للاتحاد الأوروبي وشغل دور عراب المنطقة أمام العالم.
يقول محللون أتراك معارضون لسياسات أردوغان إنه يتحدث عن مصر في كل خطاباته، لكنه لا يتحدث إلى المصريين، بل إلى الأتراك الذين يتوقع منهم أن يصوتوا مع حزبه في الانتخابات البلدية المقبلة، التي تعد «بروفة» للانتخابات النيابية والرئاسية التي ستليها. ولهذا، لا يبدو أن أردوغان ينصت لنصائح من يطالبه بتهدئة «الجو» مع المصريين. فالعلاقات مع مصر - كما يقول أحد المقربين منه - ستتحسن لاحقا مهما كانت نتائج المخاض المصري، «فأردوغان سيفوز إذا فاز (الإخوان)، لكنه لن يخسر إذا ما خسروا، وسيعود إلى واقعيته».
ولا يأبه رئيس الحكومة التركية للتطورات السلبية التي أحاطت بالعلاقات التركية - المصرية في الآونة الأخيرة، فهو يتوقع أن يقبض الثمن في الانتخابات المحلية والنيابية والرئاسية المقبلة. ويعترف المحلل السياسي التركي محمد زاهد غل المقرب من حزب العدالة والتنمية، بأن قسما من كلام أردوغان هو «للاستهلاك الداخلي»، مشيرا إلى أن شارات رابعة أصبحت عنوانا يفاخر برفعه كثيرون ممن يتعاطون الشأن العام في تركيا.
وبدأ رئيس الحكومة التركية القادم من حزب إسلامي، انتقاد سياسات القاهرة بشكل متصاعد منذ الإطاحة بمرسي، على الرغم من أن جماعة «الإخوان» التي ينتمي إليها الرئيس السابق هاجمت أردوغان حين زار العاصمة المصرية الخريف الماضي، وذلك حين تحدث الزعيم التركي عن أفضلية الحكم العلماني للمصريين، قائلا في كلمات لم تعجب قيادات «الإخوان» حينها إنه رئيس حكومة مسلم لدولة علمانية، وإن العلمانية لا تعني اللادينية.
ويقول علاء فاروق، رئيس وحدة دراسات آسيا الوسطى بمركز القاهرة للدراسات التركية، لـ«الشرق الأوسط» إن الرأي العام يتحدث في الوقت الراهن عن أزمة في العلاقات التركية - المصرية، معربا عن اعتقاده أن الأزمة ليست وليدة اليوم، ولكنها بدأت منذ الإطاحة بمرسي.
وارتفعت وتيرة الانتقادات التركية لمصر بعد فض اعتصامي أنصار مرسي في ميداني رابعة والنهضة بالقاهرة والجيزة، في 14 أغسطس (آب) الماضي. وعقب انتقاده موقف الأزهر بسبب انحيازه لثورة 30 يونيو (حزيران)، زاد أردوغان من حدة تصريحاته التي طالت القضاء المصري أيضا حين قال مع بدء إجراءات محاكمة الرئيس السابق إنه لا يكن «أي احترام لهؤلاء الذين اقتادوا مرسي أمام القضاء». ويضيف فاروق لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات تكاد تكون منعدمة منذ 30 يونيو الماضي، «كون السيد أردوغان يرى أنه كان معارضا، ثم وصل إلى السلطة في بلاده.. ويرى أن عزل الرئيس (السابق) مرسي انقلاب عسكري، كونه، أي أردوغان، اكتوى بنار الانقلابات العسكرية في تركيا منذ فترة.. بالإضافة إلى الاقتراب الآيديولوجي بين أردوغان ومرسي من حيث تبني كل منهما ما يسمى (المشروع الإسلامي) في المنطقة».
ويزيد فاروق قائلا إن التقارب الآيديولوجي بين الرئيس المصري السابق ورئيس الوزراء التركي، يفسر تعامل أردوغان بتشدد مع ملف القاهرة، وضد الحكام الجدد، وذلك من خلال التصريحات شبه اليومية «التي لا تليق بمسؤول ربما يسعى للتقارب بين منطقة الشرق الأوسط وتركيا». وفي ما بدا تحديا جديدا أغاظ المصريين الذين ثار الملايين منهم ضد حكم «الإخوان»، ورغم تخفيض العلاقة بين البلدين أخيرا، فإن أردوغان عاود تحديه القاهرة ورفع مجددا أربعة من أصابع يده إلى أعلى، مؤكدا تضامنه مع أنصار مرسي أثناء حضوره مؤتمرا جماهيريا لحزبه في شمال تركيا.
ويلقي معارضو أردوغان عليه باللائمة في تردي العلاقات مع مصر، إلى حد يقارب ترديها خلال مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر أيام الرئيس المصري عبد الناصر. ويرى هؤلاء أن تصريحات أردوغان تأتي دائما في سياق «صب الزيت على النار»، آخذين عليه عدم ترويه في هذا الملف والتعامل معه على أنه «شخصي».
وإذ يشير زاهد غل، إلى أن أحزاب المعارضة التركية تنتقد عموما الحكومة في سياستها الخارجية وطريقة تعاطيها مع الدول العربية، لا سيما مصر وسوريا، فإنه يؤكد أن «ثمة جزئية لا يمكن أن نغفل عنها، وهي أن تركيا عموما لا تختلف في توصيف ما حصل في مصر؛ إذ إن المعارضة والموالاة على السواء تعدان ما حصل انقلابا وليس ثورة». ويرى غل أنه «لا يوجد أي حزب سياسي يمكن أن يجرؤ على أن يمتدح وجود العسكري في السلطة، ذلك أن تركيا عانت كثيرا من الانقلابات ومن حكم العسكر، وهي تسعى لإبعاد أي شبح عسكري عن السلطة». ويؤكد أن أردوغان يكون «مرتاحا جدا عندما يتحدث في الشأن المصري لأنه يقف مع المظلوم ضد سطوة الجيش، والشعب البسيط (في تركيا) يدرك أن الانقلابات تأتي دائما بالدماء».
وعن التباين في مواقف رئيس الجمهورية عبد الله غل وأردوغان في الشأن المصري، يقول زاهد غل إن «رئيس الجمهورية ليس سلطة تنفيذية ولا يملك الصلاحيات»، جازما في الوقت نفسه بأنه «لا توجد وجهات نظر مختلفة، بقدر ما أن رئيس الجمهورية لديه أسلوب دبلوماسي».
لكن حسن بوغون، مدير الأخبار الخارجية في صحيفة «إيدنلك» يرى أنه «على الرغم من عدم وجود موقف معاد من غل تجاه الإخوان، فإنه يمكن أن نقول إنه يوجد الآن موقفان تركيان رسميان بالنسبة للتطورات في مصر؛ موقف يمثله غل ونائب رئيس الوزراء بولند أرينج والجماعات الدينية، وموقف تمثله حكومة العدالة التي يترأسها أردوغان».
وكقادة الأحزاب المعارضة، يحمل نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض فاروق لو أوغلو، أردوغان «جزءا كبيرا من مسؤولية ما آلت إليه العلاقات بين تركيا ومصر أخيرا.. أمر محزن للغاية». وانتقد تقييم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان للقضاء المصري في تصريحات لصحيفة «حرييت»، متهكما «كما لو أن القضاء في تركيا مستقل ويعمل بشكل جيد، فأردوغان الذي لديه مثل هذا النظام القضائي ينتقد القضاء في مصر».
ويرى زاهد غل أن العلاقات المصرية - التركية لن تتدهور أكثر مما هي عليه الآن، مستبعدا أن تصل الأمور إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية وإقفال السفارات، لكنه يرى أن الوضع الحالي سيبقى قائما لفترة طويلة.
ويشير إلى أنها ليست المرة الأولى التي تتدهور فيها العلاقات، لكنها الأكبر منذ نهاية عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، و«مع ذلك بقى التبادل الدبلوماسي قائما».
بدوره، يقول حسن بوغون إن طرد السفير التركي من القاهرة وفي المقابل طرد السفير المصري، لم يكن مفاجئا «على اعتبار أن العلاقات المصرية - التركية بدأت في التدهور بعد الحركة الشعبية التي خاضها الشعب المصري في ميدان التحرير والتي انتهت بإسقاط حكومة الإخوان واعتقال المسؤولين وعلى رأسهم محمد مرسي ووضعهم في السجن»، مشيرا إلى أن «حكومة العدالة والتنمية منذ بداية اعتصامات التحرير اتخذت موقفا مؤيدا لـ«الإخوان» ولم توفر أي طاقة لدعمهم، بل فتحت أبواب تركيا للهاربين من قادة وكوادر «الإخوان» واحتضنتهم وأمنت لهم جميع احتياجاتهم».
وأشار بوغون إلى ما تداولته وسائل الإعلام التركية أخيرا من أن «(الإخوان) أعلنوا عن تأسيس حزب لهم في إسطنبول، واعتقد الجميع أن (الإخوان السوريين) هم الذين أسسوا حزبهم، ولكن في الحقيقة هم (إخوان مصر) الذين يرعاهم أردوغان هم الذين أسسوا حزبهم في إسطنبول بالتعاون مع (الإخوان السوريين)، ويعقدون اجتماعاتهم السرية في العديد من فنادق إسطنبول البعيدة عن أعين الإعلاميين، وبما أن إخوان سوريا لم ينجحوا ولن ينجحوا في تحقيق أي مأرب لهم في سوريا، فإن الهدف الحقيقي من وراء هذا الحزب هو تفعيل دور (الإخوان المصريين) في مصر والاعتماد عليهم بعد فشل (إخوان سوريا)».
ويعتقد كثير من المهتمين بالعلاقات بين البلدين أن القطيعة بدأت بالفعل بعد الإطاحة بمرسي في 3 يوليو (تموز) الماضي، وأن مسألة طرد السفيرين كانت مجرد عملية «تحصيل حاصل» لما كان يدور بالفعل تحت السطح. ويقول فاروق إن «العلاقات لم تنقطع بطرد السفيرين، بل كانت أساسا في حالة جمود منذ 30 يونيو الماضي، ولم يكن أي من الطرفين يعلن عن ذلك».
وتوجد على ما يبدو إجراءات تقوم باتخاذها كل من مصر وتركيا للتضييق على الرجال المحسوبين على النظامين هنا وهناك، سواء كانوا من الشخصيات الرسمية أو غير الرسمية. ويشير علاء فاروق إلى أن بعض المصادر التركية ذكرت في الفترة الأخيرة أن «مصر تحجم هنا من وجود الأتراك حتى بالنسبة لغير الرسميين، وكذلك كانت تركيا تفعل الأمر نفسه»، وذلك قبل أن يتفجر الخلاف ويظهر بقوة على السطح «خاصة بعد تصاعد تصريحات أردوغان أخيرا تجاه مصر».
ويتخوف البعض من تدخلات تركيا الدولية تجاه القاهرة، ومحاولاتها تحريض بعض الأطراف ضد مصر.. «كما أنه توجد مصادر تقول إن أردوغان يسعى للحيلولة دون التقارب الروسي مع السلطات الجديدة في مصر»، وفقا لفاروق الذي يجيب عما إذا كانت العلاقات بين البلدين يمكن أن تعود لسيرتها الأولى في حال استقرت الأوضاع تحت مظلة خارطة الطريق المصرية، قائلا إن تركيا في نهاية المطاف لا تستطيع الاستغناء عن مصر.
ويضيف قائلا: «لكن أرى أن تركيا الآن ربما تسعى إلى تجييش المجتمع الدولي ضد القاهرة خاصة أوروبا، لمحاولة عزل مصر دوليا والضغط عليها والاستعانة ببعض الدول الأخرى، مثل البرازيل وغيرها».
وتوجد للأتراك استثمارات ضخمة في عدة مدن مصرية خاصة في مدينة الإسكندرية، منذ سنوات. وكانت خارطة الاستثمارات التركية تتضمن، منذ عام 2010، توسعات في مجالات شتى منها صناعة الغزل والنسيج والكيماويات والسيارات، وغيرها.
ويرى فاروق أن مصر ما زالت في حاجة إلى تركيا، وأنه لم يكن ضروريا التسرع في الرد على كل ما يصدر من أنقرة، مشيرا إلى أن البلدين سيعود كل منهما للآخر، «لكن الخطوة الأولى أرى أنها ينبغي أن تأتي من جانب مصر.. الحكومة المصرية في ظل التراجع الأمني والاقتصادي وغيره، ليست في حاجة إلى عداءات مع دول مثل تركيا. ولم يكن يصح أن تكون ردود الفعل المصرية بالطريقة التي ظهرت بها وهي في مرحلة عدم ثبات في هذه المرحلة. التقارب سيأتي، لكن ربما يطول الوقت نوعا ما».
ومن السهل أن تجد في أحاديث المصريين عن الأتراك محاولات للتفرقة بين رئيس الوزراء وحزبه الأقرب إلى تيار الإسلام السياسي في بلدان كمصر وليبيا وتونس وسوريا، من جانب، ورئيس الدولة عبد الله غل، وعموم الشعب التركي من الجانب الآخر. وهنا يسأل البعض قائلا: ما مدى استفادة الدولة التركية من توجهات رئيس الحكومة أردوغان ضد مصر؟ ويجيب فاروق موضحا: «نستطيع أن نقول إن الحكومة التركية ربما لن تستفيد شيئا من تصريحات أردوغان، لكن أردوغان يركز على بعض الأشياء في السياسة».
ويضيف رئيس وحدة دراسات آسيا الوسطى بمركز القاهرة للدراسات التركية، إن من بين تلك الأشياء التي يركز عليها أردوغان هي أنه «ربما يرى، مع حزبه، أنهما يحققان المكسب الأكبر؛ حيث إنه يقول دائما إنه ينتصر للحريات والديمقراطية والدولة المدنية».
لكن النائب المصري، مغاوري، له وجهة نظر أخرى يفسر بها موقف أردوغان. ويشير مغاوري أولا إلى كثير مما يتردد من لغط حول ما يقال عن أن لـ«أردوغان» أطماعا في استعادة الهيمنة القديمة للإمبراطورية العثمانية أو أنه يستخدم ملف الدول العربية والإسلامية لتحقيق مصالح له مع الغرب خاصة أميركا وأوروبا.
ويجيب النائب مغاوري قائلا: «علينا أن نعلم أن حزب العدالة والتنمية في تركيا جاء على ملف وفكرة سعي انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. وهناك شروط لدى الاتحاد الأوروبي موضوعة أمام الجانب التركي لاستيفائها قبل قبول عضويته في الاتحاد. وحين وصل الأمر إلى طريق مسدود مع وجود حالة رفض لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بدأت تركيا، عن طريق حزب أردوغان، تغازل وتسعى في الوقت نفسه للضغط على الجانب الأوروبي بناء على فكرة التوجه إلى الشرق، بما تمتلكه من تراث ديني أو تاريخي، واستدعاء الفترة العثمانية وما فيها من تراث، إلى درجة ظهور بعض المصطلحات مثل (العثمانلية الجديدة) وغيرها».
ويزيد النائب المصري أن تركيا ربما تريد أن تدخل الاتحاد الأوروبي بصفتها مفتاحا للشرق الأوسط أو الشرق الأوسط الكبير، وعلى أنها قوة ضاغطة وتمتلك المفاتيح. ويضيف: «إذا نظرنا إلى منطق كتاب الدبلوماسية التركية في المنطقة الذي أصدره أحمد داود أوغلوا (وزير الخارجية التركي) القائم على منهج (المشكلات صفر)، أي حل مشكلات المنطقة بكل تناقضاتها، فإن تركيا اصطدمت مع المنطقة نفسها ومع تركيبة هذه المنطقة».
ويتابع مغاوري أن تركيا اليوم «صنعت العديد من المشكلات ولم تعمل على حلها، وأصبحت طرفا مغذيا لجماعات إرهابية، وأصبحت سياسة أردوغان مع فتح الحدود واستضافة تنظيمات تعمل ضد دولها، محاولة لاستثمار الحراك السياسي في بعض البلدان العربية التي شهدت ما أطلق عليه (الربيع العربي)، وما تبعه من صعود لتيار الإسلام السياسي في المنطقة وتصدره المشهد، حيث أرادت تركيا، من خلال حكومة حزب العدالة والتنمية، أن تكون راعية لحكومات الإسلاميين في الدول العربية».
ويقول أحد الدبلوماسيين المصريين إن «المشكلة التي واجهت تركيا ربما تنحصر في معادلة جاءت بنتائج عكسية لشعوب ثورات الربيع العربي التي لم تكن لتمانع في تكرار النهج التركي في الحكم، في المرحلة الجديدة، إلا أن الإسلاميين في دول (الربيع العربي) كانوا يسيرون نحو تجربة النموذج الباكستاني». ويقول مغاوري: «لولا ثورة (30 يونيو) لدخلت مصر النموذج الباكستاني.. أي جماعات إرهابية وجيشا مرتبطا بأميركا».
وعن الوضع الراهن بين مصر وتركيا، يوضح مغاوري قائلا إن «الموقف في أي علاقات دولية إذا تجاوزت حدود السيادة، فإنها تكون قد دخلت في إطار آخر. ومن حق أي دولة أن تختلف على وضع معين في دولة أخرى، لكنها حين تتجاوز حق الاختلاف والنقد إلى التحريض، فإن هذا يتحول إلى موقف عدائي ينقل العلاقات الدولية والثنائية بين أي دولتين إلى حيز العداء، وهذا ما فعلته تركيا مع مصر».
وفي جلسات النوادي النيلية المسائية، يقول السياسيون المصريون، من قيادات حكومية وحزبية إن من حق تركيا أن ترفض أو تختلف مع المتغيرات في سياسة الدولة، أو تتعاطف أو تناصر وضعا بعينه، لكنها حين تتجاوز هذا، وتصل إلى حد تقديم الدعم إلى طرف بعينه في مواجهة طرف آخر تناصبه العداء، واستضافة مؤتمرات واجتماعات تنظيمية لـ«الإخوان»، فإن هذا موقف عدائي.
ويعلق مغاوري قائلا إنه عند هذه النقطة يكون من حق الدولة التي يقع عليها الضرر أن تتخذ ما تراه من الإجراءات الدبلوماسية المتعارف عليها لتحافظ على هيبتها.. «من أبسط الإجراءات، مثل استدعاء السفير، إلى حد طرده، وقد تصل إلى قطع العلاقات»، مشيرا إلى أن الموقف المصري الأخير من تركيا جاء تلبية لرغبة شعبية حقيقية، باعتبار السفير التركي في القاهرة شخصا غير مرغوب فيه، وكذلك تخفيض العلاقات الدبلوماسية إلى قائم بالأعمال وليس سفيرا، وذلك «استجابة لحالة الرفض الشعبي بمصر لمواقف أردوغان، لأن استمرار الفعل التركي في عدم وجود رد فعل مصري ينتقص من السيادة المصرية والمكانة المصرية في العلاقات الدولية».
لكن القاهرة لم تنتظر وواصلت إجراءات الرد على انتقادات أردوغان، وبعد أن سحبت سفيرها، عبد الرحمن صلاح، من هناك، صعدت الأمر بإبلاغ سفير تركيا في القاهرة حسين عوني بوتسلي، أنه بات شخصا غير مرغوب فيه، وعدت وزارة الخارجية المصرية تصريحات رئيس الوزراء التركي تدخلا في شؤونها الداخلية «فضلا عما تتضمنه من افتراءات وقلب للحقائق وتزييف لها بشكل يجافي الواقع منذ ثورة (30 يونيو)».
ومع ذلك لا يخفي البعض في الوسط الدبلوماسي المصري ارتياحه لموقف الرئيس التركي المعتدل تجاه مصر وقوله ما معناه إن البلدين لا يمكن أن يصل بهما الأمر إلى مرحلة القطيعة. كما توجد إشارات على مساع ووساطات إقليمية للتهدئة بين القاهرة وأنقرة.
وحين توترت العلاقة في الأيام الأخيرة بين مصر وتركيا جرى إلقاء اللوم على مناصري النظام السابق، واتهامهم بأنهم يستعينون بتركيا، وأن أردوغان أصبح رأس حربة لأنصار مرسي بتدخله في شؤون مصر. لكن أسامة رشدي، القيادي في «التحالف الوطني لدعم الشرعية» المؤيد لنظام مرسي، يرد قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن هذه اتهامات مفتعلة.. «لا علاقة لنا بمسار العلاقات المصرية - التركية.. تركيا لديها مشكلة تاريخية تتعلق برفض الانقلابات العسكرية، وعانت طويلا من الانقلابات العسكرية منذ الستينات إلى آخر انقلاب على حكومة أربكان سنة 1997، فهي لديها حركات تتبنى قيما أخلاقية تعبر عنها الحكومة التركية».
وتتهم جهات مصرية أيضا التيار الإسلامي المناصر لمرسي في مصر بالتعاون مع تركيا لرفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وغيره من قيادات عسكرية، إلا أن رشدي، الذي يشغل أيضا موقع المستشار السياسي لحزب «البناء والتنمية» الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، يقول إن المصريين هم من يقومون بإدارة هذا الملف، ولا علاقة له بتركيا ولا غيرها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.