جميع مكاسب بوتين في سوريا ربما تكون في خطر

الرئيس الروسي والحلفاء يتطلعون إلى طرق تخفف من خسائرهم

آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
TT

جميع مكاسب بوتين في سوريا ربما تكون في خطر

آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)
آثار قصف الطيران على بلدة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية كما بدت أمس (رويترز)

بعد شهرين فقط من إعلانه «النهاية الناجحة للعمليات العسكرية في سوريا»، ربما يتطلع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طريق تجعله يخفف من وطء أقدامه على الأرض التي مزقتها الحرب، من دون التخلي عن مكاسبه التي جناها هنا. ويعتقد المحللون أن بوتين يتطلع إلى تنفيذ ما يعرف بـ«تربيع الدائرة».
بالطبع جاءت إحدى علامات التغيير الممكن مساء السبت الماضي عندما قطعت روسيا دائرة الفيتو التي دامت 6 سنوات بمجلس الأمن، بتصديقها على قرار كويتي - سويدي يدعو لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوما في الغوطة الشرقية؛ إحدى ضواحي دمشق التي تعرضت لقصف متواصل؛ سواء من الأرض أو الجو، من القوات الروسية والسورية الحكومية. ربما الأهم هو أن بوتين يبدو كأنه قد وافق على حضور قمة في إسطنبول في أبريل (نيسان) المقبل لمناقشة «سبل إنهاء الحرب السورية» مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني. ومن المقرر أن يلتقي وزراء خارجية الحلفاء النظريين الثلاثة في آستانة بكازاخستان في مارس (آذار) المقبل للإعداد للقمة.
ويأمل بوتين في المحافظة على 4 مكاسب مهمة حققتها روسيا بعد دخولها المعترك السوري. المكسب الأول هو عقد الإيجار الذي أبرمه مع رئيس النظام بشار الأسد لتأسيس قاعدتين عسكريتين على الأراضي السورية بموازاة ساحل البحر المتوسط. وستسمح القاعدتان لروسيا بإنشاء أسطول بحري قادر على العمل في المياه الخلفية لبحر أزوف (امتداد البحر الأسود إلى الشمال الغربي)، فيما يمكن لسلاح الطيران الروسي الانطلاق على امتداد شرق المتوسط. ومكسب بوتين الثاني كان الإشارة لعودة روسيا لاعبا إقليميا في الشرق الأوسط ليسد الفجوة التي حدثت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. المكسب الثالث لبوتين هو استئصال جمهورية إيران الإسلامية، بوصفه داعما أجنبيا رئيسيا لنظام الأسد وبوصفه الصوت الأقوى الذي يحدد مستقبل سوريا. المكسب الرابع هو تغيير لهجة الخطاب بشأن تحركات روسيا التوسعية الأخيرة، التي كان من ضمنها ضم أبخازيا، وجنوب أوسيتيا وشبة جزيرة القرم، وتثبيت أقدامها في شرق أوكرانيا.
وبحسب ما أشار بعض النقاد في روسيا نفسها، فقد جاء زهو بوتين بـ«إنجاز أهداف الحملة» قبل أوانه، وهو ما يوضح أن مكاسبه ربما يتضح أنها وقتية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «كومرسانت» الروسية اليومية، فقد بدأت شريحة متزايدة من الرأي العام الروسي في ملاحظة التكلفة المتعاظمة للمغامرة التي تخوضها روسيا في سوريا؛ سواء من ناحية الدماء أو التكلفة المادية. وقد أظهر استطلاع للرأي العام أجري مؤخرا ونشره الإعلام الروسي، أن ثلث الأصوات الروسية فقط حاليا تساند استمرار التورط الروسي في سوريا، وهو ما جاء رسالة واقعية لبوتين في الوقت الذي يستعد فيه لإعادة انتخابه.
الأسوأ من كل ذلك أن شعبية الدور الروسي في سوريا قد أخذت في التراجع بين مسلمي روسيا الذين يمثلون 20 في المائة من تعداد الفيدراليات الروسية، وهو ما تجلى بوضوح في ارتفاع وتيرة الاعتداءات الإسلامية المسلحة التي شهدتها داغستان، وإنغوشيا، وياكاتينبرغ. وأشارت بعض الأحداث التي جرت مؤخرا إلى أن جميع مكاسب بوتين ربما تكون في خطر.
الآن فقط اعترف صراحة وزير الدفاع في موسكو بـ«الاعتداءات الإرهابية» التي جرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي واستهدفت قاعدة روسية في حميميم نتج عنها تدمير 20 في المائة من الطائرات الحربية المتمركزة هناك، بالإضافة إلى مقتل 9 جنود روس. الرسالة كانت واضحة وهي أن القاعدة التي يسهل استهدافها لا يمكن الاعتماد عليها كأحد عناصر ترسانة في مواجهة العدو.
ورغم أن روسيا كانت قد بدأت المشاركة في الحرب باستخدام الحد الأدنى من الاستثمارات في الصراع السوري، فقد انتهى المطاف بروسيا بنشر 4 آلاف طائرة حربية؛ وعلى الأقل وحدتين من قوات الصفوة الخاصة، بالإضافة إلى عدد غير محدد من المقاتلين المتعاقدين، أو المرتزقة، الذين أرسلتهم الشركات الخاصة. وفي الحقيقة، لم يظهر ميزان الخسائر البشرية الروسية في العلن إلا الآن.
وفي ما يخص عودة روسيا لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط، فإن بوتين يواجه احتمال التعثر في المستنقع السوري بلا نهاية واضحة في الأفق، وبذلك لم تفسح روسيا المجال لنفسها لفرض قوتها في أي بقعة أخرى من المنطقة. وقد دعا ستيفان دي ميستورا، وسيط الأمم المتحدة في الملف السوري، موسكو، لتتذكر «التجربة السوفياتية في أفغانستان».
أما مكسب بوتين الثالث، وهو استئصال طهران بوصفها الداعم الرئيسي للأسد، فربما كان كأساً مسمومة. فالإعلام الإيراني الرسمي يلعب بالفعل على نغمة أن على روسيا أن تسدد جزءا من الفاتورة للإبقاء على الأسد في ضاحيته بدمشق. وفي مقالها الافتتاحي، ذكرت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإيراني عبر موقعها الإلكتروني الأسبوع الماضي، أنه «على كل من يتطلع إلى المحافظة على استقلال سوريا ووحدة حكومتها، المساهمة في سداد تكلفة الحملة الشاقة».
وبينما هي مختبئة خلف روسيا، شرعت إيران ببطء في تقليص حجم خسائرها في سوريا، فبحسب نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس أرقاشي خلال كلمة ألقاها في لندن الأسبوع الماضي: «لا يمكن تحقيق نصر عسكري في سوريا». ويأتي هذا التصريح على العكس تماما من كلمات الفخر التي نطق بها الأسد عندما تباهى بـ«تحرير كل شبر من الأراضي السورية» بمساعدة روسيا.
ظهر الاختلاف بين إيران وروسيا واضحا أيضا عندما وجه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، اللوم لإيران علانية لحديثها عن «القضاء على إسرائيل». فقد قوبل تصريح موسكو بمساندتها «أمن» إسرائيل بغضب كبير في طهران التي زعم إعلامها الرسمي، ومنه وكالة أنباء «راجا»، أن الاعتداءات الإسرائيلية على مواقع الجيش الإيراني في سوريا كانت بدعم مستتر من روسيا.
إن النجاح في لفت الانتباه بعيدا عن التوسع الروسي أثبت أنه ليس أكثر من إنجاز وقتي، حيث يعمل الاتحاد الأوروبي على إعادة الضغط على روسيا لضمها نحو 20 في المائة من المناطق الجورجية، في الوقت الذي وافقت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب بواشنطن على مد أوكرانيا بكميات جديدة من السلاح للدفاع عن نفسها ضد الاعتداء المدعوم من روسيا.
في الحقيقة، ربما أن عمليات مثل القصف المتواصل لحلب وشرق الغوطة قد زادت من حالة الدعم الشعبي الغربي المطالب باتخاذ موقف معلن مناهض لموسكو.
وحقيقة أن تركيا قد شرعت هي الأخرى في صياغة استراتيجية ذاتية في سوريا ما هي إلا مؤشر لحدود الدور الروسي بوصفه من يصوغ الأجندة في سوريا.
والمعادلة التي تنظر لها موسكو وأنقرة وطهران الآن ما هي إلا نسخة أكثر سخونة من اتفاقيات هلسنكي عام 1975 عندما قامت الديمقراطيات؛ بقيادة الولايات المتحدة، بقبول مبدأ التساوي بين العالم الحر والكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفياتي، وبالتالي الاعتراف بموقع موسكو بوصفها من يصوغ الأجندة في شرق ووسط أوروبا.
احتمالية صياغة «اتفاقيات هلسنكي جديدة»، مع الاعتراف هذه المرة بروسيا لاعبا رئيسيا في جزء من الشرق الأوسط على الأقل، حازت على مديح الدبلوماسيين الروس خلال المؤتمر الأمني الذي عقد مؤخرا بميونيخ، وتحدث أيضا عنها بإسهاب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. وتأمل موسكو في أن تنجح القمة المقررة في تركيا في بلورة الفكرة لتتخذ شكل مبادرة دبلوماسية؛ ومن ثم استخدامها قاعدةً لتأسيس ما يمكن تسميتها «جماعة أصدقاء سوريا» لتضم عدة دول بغرض إحلال السلام والشروع في إعادة بناء الدولة التي مزقتها الحرب. وفي حال حدث ذلك، فربما يحتفظ بوتين ببعض المكاسب التي حققها في الوقت الذي يسعي فيه لخفض تكلفة مغامرته في سوريا.
لكن ربما يكتشف بوتين في النهاية أنه كسب الأسد وخسر سوريا.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.