مفاوضات مع تنظيم متطرف في بنغازي لوقف الهجمات ضد قوات الجيش الليبي

وزارة الكهرباء تدعو أقليات إلى فض اعتصامهم.. وسكان الكفرة يتحدثون عن محاصرتهم

ليبيون يعاينون موقع تفجير استهدف مسيرة تأييد للجيش والشرطة وتنديد بمجموعة «أنصار الشريعة» في بنغازي يوم الجمعة الماضي (رويترز)
ليبيون يعاينون موقع تفجير استهدف مسيرة تأييد للجيش والشرطة وتنديد بمجموعة «أنصار الشريعة» في بنغازي يوم الجمعة الماضي (رويترز)
TT

مفاوضات مع تنظيم متطرف في بنغازي لوقف الهجمات ضد قوات الجيش الليبي

ليبيون يعاينون موقع تفجير استهدف مسيرة تأييد للجيش والشرطة وتنديد بمجموعة «أنصار الشريعة» في بنغازي يوم الجمعة الماضي (رويترز)
ليبيون يعاينون موقع تفجير استهدف مسيرة تأييد للجيش والشرطة وتنديد بمجموعة «أنصار الشريعة» في بنغازي يوم الجمعة الماضي (رويترز)

كشفت بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، أمس، عن استضافتها اللقاء التشاوري الثاني للقوى والفعاليات السياسية الليبية، فيما علمت «الشرق الأوسط» أن السلطات الليبية دخلت في مفاوضات غير معلنة، هي الأولى من نوعها، مع قيادات في تنظيم أنصار الشريعة المتطرف بأحد فنادق مدينة بنغازي بشرق ليبيا، في محاولة لإقناع المتشددين بوقف الهجمات التي يشنونها منذ الأسبوع الماضي ضد القوات الخاصة التابعة للجيش الليبي في المدينة.
وقالت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إن اللقاء الذي جرى يوم السبت الماضي بأحد فنادق العاصمة الليبية طرابلس استهدف متابعة النقاشات التي دارت أثناء الاجتماع التشاوري الأول الذي انعقد نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حول التحديات التي يواجهها المسار الديمقراطي في ليبيا، بما في ذلك القضايا المتعلقة بإدارة المرحلة الانتقالية والشروط اللازمة لضمان نجاح فرص الحوار الوطني والعملية الدستورية.
وأوضح البيان أن نقاشات المشاركين تركزت في الاجتماع الأخير على «سبل المضي قدما في إدارة المرحلة الانتقالية ووضع خارطة طريق لها يجري تسليمها للمؤتمر الوطني العام (البرلمان) للاستئناس بها في بحثه هذا الموضوع». ولفت إلى أنه جرى الاتفاق على مبادئ ناظمة للاسترشاد بها في صياغة خارطة الطريق حفاظا على المسار الديمقراطي وضمان عدم وجود فراغ في السلطة.
إلى ذلك، علمت «الشرق الأوسط» أن السلطات الليبية دخلت في مفاوضات غير معلنة هي الأولى من نوعها مع قيادات في تنظيم أنصار الشريعة المتطرف بأحد فندق مدينة بنغازي بشرق البلاد، في محاولة لإقناع المتشددين بوقف الهجمات التي يشنونها منذ الأسبوع الماضي ضد القوات الخاصة التابعة للجيش الليبي في المدينة.
وقالت مصادر ليبية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني والمجلس المحلي لبنغازي وبعض أعيان وشيوخ القبائل اجتمعوا مع ممثلين لتنظيم أنصار الشريعة، حيث «طلبوا منهم إخلاء بوابة القوراشة بالمدخل الغربي لمدينة بنغازي لكي يجري هدمها وبناء أخرى خارج حدود المدينة بمنطقة اللويفية وتسليمها لاحقا لقوات الجيش النظامية».
وأوضحت المصادر، التي طلبت عدم تعريفها، أن الهدف من الاجتماع هو تهدئة الوضع العسكري والأمني في بنغازي بعد الاشتباكات التي اندلعت بين الجيش وميليشيا تنظيم أنصار الشريعة، بالإضافة إلى إقناع التنظيم بتفكيك جناحه المسلح والتزام التبعية للدولة الليبية.
لكن على ما يبدو فإن الخلافات قد هيمنت على وفد التنظيم، حيث قال مصدر على صلة بالاجتماع «اجتمعوا مع بعضهم، لكن خلافا وقع بينهم وتعالت أصواتهم فطلبوا من الجميع المغادرة بما فيها وسائل الإعلام، ويبدو أنهم لم يصلوا إلى اتفاق فغادروا مقر الاجتماع»، مضيفا أن «الخلاف لم يكن مع بقية الأطراف، بل أنصار الشريعة مع بعضهم البعض».
لكن مصادر أخرى وناشطين سياسيين توقعوا في المقابل الفشل لهذه المفاوضات على اعتبار أن «المتطرفين في المدينة دخلوا في حالة حرب معلنة ضد السكان المحليين والقوات النظامية، كما أعلن أحد قادة التنظيم تكفير السلطات الحاكمة بشكل علني».
وساد الهدوء أمس محيط مدينة بنغازي، عقب تفجير مقر تابع لجماعة أنصار الشريعة بمنطقة رأس اعبيدة كان يستخدم كـ«عيادة لعلاج المصابين بأعراض المس والسحر». وكانت هذه العيادة قد استأنفت نشاطها الذي توقف خلال الأيام الماضية.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن التفجير أسفر عن إلحاق أضرار مادية جزئية بالمقر، بينما التزم «أنصار الشريعة» بالصمت ولم يتضح على الفور أي رد فعل لهم. لكن أحد أعضاء الجماعة قال لوكالة الصحافة الفرنسية إن «عددا من أفراد الجماعة كانوا داخل المقر المكون من طابقين، أحدهما كان يتخذ عيادة خيرية.. والآخر يتخذ مقرا لراديو محلي يبث برامج دعوية تدعو إلى تطبيق شرع الله».
وأوضح أن «وجود هؤلاء الأعضاء كان من أجل إجراء أعمال صيانة للعيادة ومحطة الراديو بعد تعرضهما لأضرار مادية جسيمة بسبب حرقهما خلال الاشتباكات السابقة»، مشيرا إلى أن «أيا من أفراد الجماعة الموجودين في المقر ساعة إلقاء القنبلة لم يتعرض للأذى، لكن زجاج عدد من النوافذ تحطم جراء قوة الانفجار».
ووقعت الاثنين الماضي في بنغازي مواجهات دامية بين جماعة أنصار الشريعة والقوات الخاصة في الجيش الليبي، أسفرت عن سقوط سبعة قتلى وقرابة خمسين جريحا، تبعتها عدة هجمات من قبل مجهولين على الجيش منذ ذلك الحين قتل فيها أكثر من عشرة أشخاص.
في غضون ذلك، اغتيل أمس أحد عناصر جهاز الأمن الوقائي في بنغازي رميا بالرصاص، حيث أعلن مسؤول بمستشفى الجلاء للحوادث بالمدينة عن وصول جثة مواطن مصابا بطلقتين ناريتين في الرأس، ونقل المسعفين أن المغدور من منتسبي جهاز الأمن الوقائي، وأن عملية إطلاق النار وقعت بمنطقة الوحيشي، إحدى ضواحي بنغازي.
إلى ذلك، استنكر أهالي مدينة الكفرة في جنوب ليبيا قيام مجموعات لم يسموها بالاسم بحصار المدينة ومنع وصول إمدادات الوقود والغذاء والسلع الأساسية عنها. وقال الأهالي في بيان بثته وكالة الأنباء المحلية إن ما تتعرض له الكفرة يُعد إعلان حرب على المدينة، و«لولا توافر الحماية والتغطية المسلحة لتلك المجموعات لما تمكنت من قيامهم بهذا العمل العدائي». وطالبوا بضرورة إخلاء الحقول النفطية بالمنطقة من كل التشكيلات المسلحة المتمركزة فيها، ودعوا إلى إعادة تفعيل جهاز حرس المنشآت النفطية المنضوي تحت شرعية الدولة، كما حذروا من تزايد حالة التوتر والاحتقان التي قد تؤدي إلى مواجهات وسفك للأرواح والدماء.
من جهتها، دعت وزارة الكهرباء الليبية المعتصمين من أقليات الأمازيغ والتبو إلى الإسراع في فك اعتصامهم ورفع المعاناة عن المواطنين في فصل الشتاء. وأكدت الوزارة في بيان أصدرته أمس أنه نتيجة لاعتصام مكون الأمازيغ، الذي أدى إلى إقفال خط الغاز إلى محطة الرويس، واعتصام مكون التبو، الذي أدى إلى منع شاحنات الوقود من الوصول إلى محطة السرير مما تسبب في فقدان 1000 ميغاوات من إنتاج الكهرباء، اضطرت الوزارة إلى طرح الأحمال في المناطق الغربية والجنوبية والشرقية. وحذرت الوزارة من أنه نتيجة لانخفاض درجات الحرارة سيزداد طرح الأحمال ما لم يجر رفع هذه الاعتصامات أو تعليقها.
على صعيد آخر، أعلن محمد عبد العزيز وزير الخارجية الليبي، أن بلاده مستعدة تماما لعودة السفارة الروسية إلى طرابلس. وقال في حوار مع إذاعة «صوت روسيا» باللغة العربية «نأمل أن تعود مجموعة الدبلوماسيين الروس في أقرب فرصة إلى ليبيا لإعادة وتمتين العلاقات بين البلدين».
يشار إلى أن مجهولين أطلقوا النار على السفارة الروسية في طرابلس وحاولوا اقتحامها، بعد شائعات حول جريمة قتل ضابط في القوات الجوية الليبية على يد مواطنة روسية. وتوترت العلاقات بين طرابلس وموسكو التي قررت عقب هذا الحادث سحب دبلوماسييها من ليبيا.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.