حمص شاحبة... وشرخ عميق بين أحياء مدمرة وأخرى مزدهرة

«الشرق الأوسط» تستطلع خفايا «الانتصار العسكري» في «عاصمة الثورة»

سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)
سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)
TT

حمص شاحبة... وشرخ عميق بين أحياء مدمرة وأخرى مزدهرة

سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)
سيارة في أحد أحياء حمص المدمرة وفي الاطار فتاتان تنتظران سيارة أجرة قرب الدمار (أ.ب)

بعد سبع سنوات من الحرب، تبدو حمص، مدينة المتناقضات الصارخة، بين أحياء مدمرة يسميها معارضون بـ«ستالينغراد سوريا»، وأخرى تقطنها غالبية موالية للنظام تسودها حياة طبيعية، ما أدى إلى شرخ كبير بين الشرائح الاجتماعية.
أول ما يلفت الانتباه في البوابة الجنوبية لحمص حاجزان لقوات النظام: الأول يتبع للاستخبارات العسكرية، يليه على بعد أمتار قليلة حاجز آخر للاستخبارات الجوية، يقوم عناصرهما بتدقيق كبير بالسيارات الداخلة إلى المدينة والبطاقات الشخصية، والاستفسار عن أسباب الزيارة والجهات التي يود «الزائر» الذهاب إليها. ووضعت في المكان صور للرئيس بشار الأسد، وعبارات تأييد تزيد في أول ساحة بعد الحاجزين.
حركة المارة خجولة، والقسم الأكبر من المحلات التجارية لا يزال مغلقاً، بينما يوحي المظهر الخارجي للأبنية، بأن معظم الأهالي لم يعودوا إلى منازلهم، إضافة إلى ترهُّل كبير في الشوارع سببه إهمال حكومي للخدمات وصل إلى حد عدم الاكتراث بإنارة الطرقات وتنظيفها، الأمر الذي يضفى على المكان مشهداً باهتاً وطابعاً من الحزن والكآبة، وذلك بخلاف الحيوية والنشاط الذي كان يشهده مدخل المدينة قبل الحرب.
مدينة حمص هي ثالث أكبر المدن السورية، وصل عدد سكانها قبل الحرب نحو 800 ألف نسمة، وهي ذات أغلبية سنية، وتقطن في عدد من أحيائها أيضاً أقليتان علوية ومسيحية. واكتسبت أهمية خاصة، ووُصِفت بـ«عاصمة الثورة»، ذلك أنها كانت الأهم من حيث الالتحاق بالحراك السلمي في بداياته.
تطوَّرَت الأحداث في المدينة فيما بعد إلى صراع مسلح مع عسكرة النظام للأحياء التي تقطنها غالبية موالية للنظام وتحويلها ثكنات عسكرية. ودارت معارك عنيفة بين المعارضين من جهة وقوات النظام والموالين من جهة ثانية، قصف خلالها النظام بعنف الأحياء الثائرة، قبل أن يفرض حصاراً خانقاً عليها انتهى بتهجير قسري للمعارضين وعائلتهم في مايو (أيار) 2015 إلى ريف المحافظة الشمالي وإدلب، في حين توجه آخرون إلى حي الوعر، الذي تم تهجير المعارضين وعوائلهم منه في مايو 2017.
أثار «الانتصار العسكري» للنظام، تتضح أكثر مع الدخول إلى قلب المدينة، إذ يتجسد بأكوام ركام وأنقاض تحولت إليها أحياؤها القديمة، القصور وجورة الشيّاح وباب هود وباب دريب وبستان الديوان والصفصافة وباب السباع (أقدم أحياء المدينة، الذي انطلقت منه أولى المظاهرات السلمية المطالبة بالحرية والكرامة)، وذلك بسبب شدة قصف قوات النظام وميليشيايه لها.
صورة «الانتصار» تبدو في الأحياء المجاورة للمدينة القديمة، الخالدية والبياضة وبابا عمرو الذي شكل رمزاً لـ«الثورة» في المرحلة السابقة، لكن حي الحميدية، كانت نسبة الدمار فيه أقل، والحياة فيه شبه عادية، وربما ما شفع له أن أغلب سكانه من الأقلية المسيحية.
نسبة الدمار في أحياء المدينة القديمة، بحسب المشاهدات تقدر بأكثر من 80 في المائة من دون أي اكتراث للنظام لإعادة إعمارها. وقال أحد النازحين لـ«الشرق الأوسط»: «حولها (النظام) إلى ستالينغراد سوريا».
وأضاف: «يحاول باستمرار طرح فكرة إعادة إعمارها، بالأخص وسط المدينة التجاري المدمر، لكن الموضوع لن يتعدى التصريحات الإعلامية»، بينما يقول آخر: «لا يريد النظام إعمارها... ولو تم ذلك هل سيسمح للأهالي بالعودة؟ لا أعتقد ذلك فكلهم ثوار وهو حاقد عليهم».
الأحياء القريبة من المدينة القديمة، كان الدمار فيها جزئياً، ويقدر بـ30 في المائة، لكن النظام لا يسمح لأي من الأهالي بترميم بيته والعودة إليه، وفق أحد النازحين، الذي تحدث عن محاولات كثيرة لبعض الأهالي لترميم منازلهم من أجل العودة إليها، لكن اصطدمت برفض النظام وانعدام الأمن والخدمات وكثرة أعمال «البلطجة». وأضاف: «السوق التجارية للمدينة (جورة الشياح وسوق الناعورة) ما زال فارغاً إلا من ذكريات أهله».
بعد سيطرة قوات النظام، لم تحظ المدينة القديمة بأي تغطية إعلامية، أو دعم من حكومة النظام، أو زيارة مسؤولين منه على غرار حلب، ما عزز الاعتقاد السائد بأن النظام لا يريد إعادة إعمارها وإحيائها انتقاماً من أهلها بسبب تحديهم له.
وعلى نقيض الوضع في المدينة القديمة، تبدو الحياة طبيعية في الأحياء الموالية (عكرمة والزهراء والنزهة ووادي الذهب...) التي شكَّل مسلحوها طوقاً أمنياً مشدداً على الأحياء الثائرة، وذلك مع توفر الكهرباء والماء والخدمات والمدارس فيها.
كما يلاحظ، أن أسواق الأحياء الموالية، ازدادت ازدهاراً بعد تدمير السوق القديمة في المدينة القديمة، ويبدو أن أحد أبرز الأسباب في ذلك الازدهار هو افتتاح أسواق جديدة في حيي عكرمة والزهراء أطلق عليها اسم «أسواق السنة»، و«أسواق الغنائم»، يُباع فيها الأثاث والأدوات المنزلية التي نهبها عناصر ميليشيات النظام من منازل الثوار خلال الحملات العسكرية الممنهجة التي قاموا بها ضد الأحياء الثائرة.
وبدا، أن شرخاً طائفياً كبيراً حصل بين أهالي المدينة بعد ارتكاب مسلحي الأحياء الموالية كثيراً من المجازر المروعة بحق أهالي الأحياء الثائرة خلال الأحداث، كما حدث في 18 أبريل (نيسان) 2011 حيث قُتِل ما بين 200 إلى 300 شخص في فض اعتصام «ساحة الساعة»، و«مجزرة الخالدية» في فبراير (شباط) 2012 والتي سقط فيها ما يقارب 300 قتيل، ومجزرة حي كرم الزيتون في مارس (آذار) من العام ذاته، وراح ضحيتها ما لا يقل عن خمسة وأربعين مدنياً ذُبِحوا بالسكاكين، إضافة إلى كثير من الانتهاكات. وتنفي السلطات السورية هذه الاتهامات وارتكاب انتهاكات.
ناشطة في المجتمع المدني قالت لـ«الشرق الأوسط»: «السنة في حمص لم ولن تنسى ماضي المدينة البائس خلال سنوات الحرب»، مشيرة إلى أن «الخوف لا يزال حاضراً في كل التصرفات المجتمعية أو الحياتية». وأضافت: «يزيد في معاناتهم أن مداخل المدينة ومخارجها تقع إلى جانب أو ضمن مناطق ذات أغلبية موالية (طريق دمشق) أو (طريق طرطوس)، بينما الطريق لحماة يمر عبر قرى موالية أيضاً، أما شرقاً باتجاه الصحراء فهو غير مهم لأحد وكل هذا يعزز شعور الخوف لدى البعض داخل المدينة».
بدوره، رجل في العقد السادس من عمره يلفت إلى أن «السنة هم الأكثر خوفاً وحرصاً على أنفسهم في ظل اليد الطولى للموالين. المدنية وريفها الرازح تحت سيطرة النظام محكوم منهم وهؤلاء مدعمون من الأجهزة الأمنية المتنافسة ومن إيران وحزب الله اللبناني»، وأضاف: «يشعر الأهالي باستمرار بنظرات الشك والريبة من قبل العناصر الأمنية أو الحكومية حول انتمائهم وموقفهم من النظام».
أكثر ما يلفت الانتباه في تلك الأحياء غياب القانون والسلوكيات اللاأخلاقية التي يتبعها عناصر الميليشيات وبعض المدنيين. وقال أحدهم: «الشبيحة قامت بطرد عائلات معارضة تقطن منذ عشرات السنين في تلك الأحياء»، مشيرين إلى أن كثيراً من الأهالي، وتحت وطأة القصف الذي تعرضت له أحياؤهم نزحوا إلى حي الوعر وأحياء أخرى بعيدة نوعاً ما عن سطوة الميليشيات الموالية.
أحد سائقي سيارات الأجرة، المنحدر من حي الحميدية، ونزح إلى إحدى بلدات ريف دمشق ويتردد إلى مدينة حمص باستمرار لتفقد منزله في الحي، قال إنه لا يجرؤ على الذهاب إلى أي من الأحياء الموالية بمفرده، وإن اضطر إلى الذهاب لإجراء معاملة رسمية «سوف أذهب بصحبة من أعرف المنطقة ويمون على أهلها!».
بعض الأهالي توسّموا خيرا بعد انتهاء القتال في المدينة، ومنوا أنفسهم بالعودة واستئناف عملهم هناك بيد أنه سرعان ما خاب أملهم، بسبب سلوكيات موالين. وأحد أصحاب ورشات تصليح السيارات في المدينة أعاد فتحها بعدما أغلقها خلال سنوات الحرب، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أستطع الاستمرار سوى لفترة قصيرة وأعود أدراجي إلى دمشق للعمل هناك، فكل ساعة يأتي إلى عنصر من «الشبيحة» أو الجيش أو أحد الفروع الأمنية، ويطلب مني تصليح هذه السيارة لـ(المعلم) من دون أن يدفعوا لقاء ذلك».
من جانبه، تحسر أحد السكان على ما وصل إليه الوضع في مدينة حمص التي كانت تلقب قبل الحرب «بمدينة أم الفقير»، في إشارة إلى طيبة أهلها وعطفهم على بعضهم مقارنةً بدمشق أو حلب، مؤكداً أنها باتت في عام 2010 خالية من أي متسوَّل نتيجة «جهود كبيرة من الجمعيات الأهلية لمكافحة هذه الظاهرة وإيجاد حلول اجتماعية واقتصادية مناسبة لها».
أما «الظرافة» التي اشتهر بها أهل حمص، وتسببت بإطلاق سلسلة لا تنتهي من «النكات». فآسف أحد الأهالي لأنها باتت «من الماضي». وأضاف: «يوم الأربعاء الحمصي السعيد، الذي يرمز لفكاهة أهل حمص وبات (قصة تاريخية)، لم يعد كذلك بعد الحرب الطاحنة، فمشاهد الدمار في كل مكان نسفت الإرث الفكاهي للمدينة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.