انتقاد الماني لسياسات ترمب في افتتاح مؤتمر ميونيخ

أمين عام «الناتو» يوجه تحذيراً لباريس وبرلين ويؤكد أهمية العلاقة مع واشنطن

وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين تتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن أمس (أ.ب)
وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين تتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن أمس (أ.ب)
TT

انتقاد الماني لسياسات ترمب في افتتاح مؤتمر ميونيخ

وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين تتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن أمس (أ.ب)
وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين تتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن أمس (أ.ب)

بدا اليوم الأول من مؤتمر ميونيخ أشبه بأوركسترا أوروبية في مواجهة تصدع التحالف عبر الأطلسي. فالمؤتمر الذي يعقد بعد عام تقريبا على تولي دونالد ترمب الرئاسة الأميركية، افتتح بكلمتين لوزيرتي الدفاع الألمانية والفرنسية توالتا فيهما على الحديث عن ضرورة تقوية دفاع وأمن أوروبا لكي تصبح قادرة على مواجهة المخاطر منفردة من دون أن تضطر لطلب المساعدة من واشنطن. ولم تتردد وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين بتوجيه انتقادات لاذعة لترمب، من دون أن تسميه، تعقيبا على قراره خفض تمويل الأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بعد اعتراض المنظمة الدولية على قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل. وفي ميزانية العام 2019 اقترح ترمب تخفيض ميزانية التنمية الدولية إلى الثلث وإيقاف تمويل بشكل كلي عن بعض المنظمات المرتبطة بالأمم المتحدة. وفيما بدا درسا في الأمن الجيو - سياسي موجها لترمب، تحدثت فون يدر لاين بإسهاب عن ضرورة اتباع أي عملية عسكرية بعملية إنمائية لإنجاحها. وقالت: «الأمم المتحدة بحاجة إلى تقوية وليس إضعاف، وقد لا نحب كل قراراتها ولكن علينا دعمها. وقد تعلمنا كثيرا من أزمة اللاجئين مؤخرا وعلينا أن نعزز منظمات الأمم المتحدة المرتبطة باللاجئين للمساهمة بالقضاء على اليأس الذي يعزز من التطرف والعنف». وأضافت: «أصدقاؤنا الأميركيون عليهم أن يتولوا مسؤولياتهم الأبعد من المسؤولية العسكرية. فما النفع من تخليص الموصل من (داعش)، لكن بعدها يموت أهاليها جوعا؟».
وفي معرض انتقادها لمواقف الإدارة الأميركية، تحدثت فون دير لاين على ضرورة وجود «بعد سياسي» لأي عمل عسكري. وقالت: «البعد العسكري يسمح بالتغلب على الأزمات ولكن لا يمكن أن يكون طريقا للسلام الكامل. وقد رأينا ذلك في مالي وأفغانستان وسوريا والعراق». ورأت أن هناك حالات تتطلب ضرورة التركيز على القوة العسكرية مثل محاربة «داعش» مثلا، «لأنها لا تتفاوض بل تقطع الرؤوس»، ولكنها أضافت: «على المدى البعيد يجب أن يكون هناك استقرار سياسي وعسكري لأن الضربات العسكرية لا يمكن أن تمنع تطرف الأجيال التي ينمو بالإقصاء والتهميش».
انتقاد الوزيرة الألمانية هذا جاء مصحوبا بالحديث بإسهاب عن خطة الدفاع الألمانية - الفرنسية الجديدة التي تم التوصل إليها العام الماضي، وقالت: «نريد أن يكون للأوروبيين جيشا وسنموله من الصندوق الأوروبي. نريد أن نستخدم هذا الوزن العسكري إن كان هناك ضرورة لذلك». وذكرت بكلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال إن أوروبا يجب أن تعمل على توفير الحماية لنفسها.
وفيما بدا أيضا ردا على انتقادات ترمب لألمانيا بعدم إنفاقها بما يكفي على ميزانية الدفاع، أعلنت فون دير لاين أن ألمانيا ستزيد ميزانيتها الدفاعية وقالت: «قررنا تخصيص ميزانية في السنوات القادمة في الدفاع والسياسات التنموية، أي لتحقيق أهداف الناتو والمساعدات الإنمائية». وأضافت أن هذا يعني «إننا سنستطيع أن نستمر في تغيير توجه الجيش الألماني لأننا في السنوات الـ25 الماضية كنا نخفض ميزانيات الجيش. لكننا الآن سنزيدها ونحدث الجيش».
وبعد الحرب العالمية الثانية خفضت ألمانيا من ميزانيتها الدفاعية، في سياسة ما زالت معتمدة حتى الآن. إلا أنها مؤخرا ومنذ انتخاب ترمب، تتعرض لانتقادات شديدة بسبب عدم دفعها التزاماتها كعضو في الناتو، إذ يطالب الحلف الدول الأعضاء أن تنفق 2 في المائة من إجمالي دخلها العام على الميزانية الدفاعية.
تبعت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي نظيرتها الألمانية وتحدثت بدورها عن أهمية الخطة الأوروبية الجديدة. وقالت: «يجب أن تكون لدينا استراتيجية مستقلة تخدمنا بشكل جيد دون أن نضطر للطلب من الولايات المتحدة أن تساعدنا». وأضافت أنه على مدى الشهور المقبلة ستكثف فرنسا «شراكتها العظيمة مع ألمانيا لكي تكون لدينا طائرات مسيرة سويا مشتركة..الهدف مواجهة التهديدات المشتركة». وعددت بارلي عددا من هذه المخاطر من بينها الهجمات الإلكترونية العام الماضي، قالت إنها كلفت الشركات الفرنسية ملايين اليوروات. وتابعت تتحدث عن الشراكة قائلة: «نحن نضاعف الجهود لعصرنة موادنا العسكرية وإعادة النظر في التسليح وتجديده لكي تتمكن من التحرك والانتشار بسرعة. الصندوق الأوروبي للدفاع هو بمثابة ثورة دفاعية في بروكسل».
ولكن الوزيرة الفرنسية كانت حريصة على التأكيد على ضرورة الإبقاء على التعاون مع الولايات المتحدة وتعزيزه. وقالت: «التحالف مع الولايات المتحدة من خلال الناتو لا يمكن الاستغناء عنه لذلك علينا أن نقوم بكل ما نستطيع لتعزيزه».
وقد عكست الكلمتان تصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الشهير في نهاية مايو (أيار) الماضي عندما قالت إن أوروبا لم «يعد بإمكانها الاعتماد على حلفائها» لحمايتها وأنه بات عليها أن تأخذ الأمر بيدها. كلامها حينها جاء بعد رفض ترمب الالتزام باتفاق باريس للتغير المناخي وبعد سلسلة انتقادات وجهها لألمانيا بسبب قبولها إدخال اللاجئين السوريين واعتباره أيضا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أمرا إيجابيا.
ولكن أمين عام الناتو ينس شتولتنبرغ التي تحدث بعدهما، وجه تحذيرا لهما بعدم تحييد واشنطن والناتو. وقال إنه يرحب بجهود الاتحاد الأوروبي حول الدفاع واعتبرها فرصة من شأنها «أن تساهم بتحسين تقاسم الأعباء، ولكنها تحمل مخاطر أضعاف التحالف عبر الأطلسي وتجاوز الناتو أو ازدواج عمله».
وأضاف، فيما بدا انتقادا للخطة، قائلا: «الاتحاد الأوروبي لا يمكنه حماية أوروبا بنفسه والدول الخارجية تحمل دورا أساسيا في الدفاع عن الاتحاد الأوروبي». وذكر فرسنا وألمانيا بأنه بعد مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، فان 80 في المائة من إنفاق الناتو سيكون من خارج دول الاتحاد الأوروبي. وشدد على ضرورة التكامل بين الاتحاد الأوروبي والناتو وليس التنافس.
وتطرق ينس شتولتنبرغ إلى تحديات أخرى تواجه الحلف الأطلسي أبرزها استمرار البرنامج النووي لكوريا الشمالية. وقال حول ذلك: «علينا بذل أقصى الجهود الممكنة دبلوماسيا وسياسيا لدفع كوريا الشمالية للتخلي عن سلاحها. وأشار أمين عام الناتو أيضا إلى الخطورة القادمة من إيران»، وقال: «إيران أيضا تشكل مصدر قلق فيما يتعلق بالانتشار النووي. لذلك لكي يكون الاتفاق النووي مع إيران فعالا يجب تنفيذه بشكل صحيح».
ورغم أن الكلام خارج أمن أوروبا كان قليلا في اليوم الأول من مؤتمر ميونيخ، فإن ما تحدث به الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش كان أكثر ما لفت من تصريحات. فقد رسم غوتيريش صورة قاتمة للغاية عن الشرق الأوسط، بعد أن صدر تقريرا عن المؤتمر أظهر أن 8 من أبرز 10 أزمات في العالم هي في الشرق الأوسط.
وعدد غوتيريش الأزمات المتتالية في المنطقة من سوريا إلى اليمن إلى فلسطين.. وقال: «الشرق الأوسط يشهد مأساة كبيرة وهناك خيوط تتشابك.. والوضع معقد جدا ومتداخل». وتحدث كذلك عن المخاوف من حرب إسرائيلية مع «حزب الله» في لبنان قال إنها إذا حصلت ستحمل «دمارا كبيرا لكل لبنان». ورأى غوتيريش أن أي تصعيد في أي أزمة ستكون له «عواقب كارثية» في الشرق الأوسط.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.