ملف «الوحدات» الكردية يهيمن على لقاء تيلرسون وإردوغان

أنقرة فتحت «ملف غولن»

الرئيس التركي مستقبلا وزير الخارجية الأميركي في أنقرة أمس (رويترز)
الرئيس التركي مستقبلا وزير الخارجية الأميركي في أنقرة أمس (رويترز)
TT

ملف «الوحدات» الكردية يهيمن على لقاء تيلرسون وإردوغان

الرئيس التركي مستقبلا وزير الخارجية الأميركي في أنقرة أمس (رويترز)
الرئيس التركي مستقبلا وزير الخارجية الأميركي في أنقرة أمس (رويترز)

استهل وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، زيارته «الحرجة» لأنقرة أمس، بلقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بينما سبقت الزيارة أجواء متوترة وتصريحات متبادلة تعكس عمق الخلاف بشأن الملف السوري، لا سيما قضية الدعم الأميركي لتحالف قوات سوريا الديمقراطية الذي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية قوامه الرئيسي وتحاربها تركيا من خلال عملية «غصن الزيتون» العسكرية منذ ما يقرب من شهر في عفرين.
وتعد زيارة أنقرة هي المحطة الأخيرة في جولة ريكس تيلرسون الشرق أوسطية التي انطلقت من القاهرة الأحد الماضي، وهي المحطة الأكثر صعوبة، كما وصفتها الخارجية الأميركية، بسبب التوتر مع أنقرة حول دعم الميليشيات الكردية.
وقالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط»، إن أنقرة أعدت ملفا من 76 صفحة حول العلاقات التركية الأميركية ونقاط الخلاف فيها، وإن فصلا كاملا من فصول الملف الثلاثة خصصت لعلاقة واشنطن مع وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني المصنف لديها ولدى واشنطن والاتحاد الأوروبي «تنظيما إرهابيا».
وأضافت المصادر أن الملف سيبحث بالتفصيل خلال لقاء تيلرسون ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو اليوم الجمعة، وأن اللقاء مع إردوغان تناول إطار العلاقات التركية الأميركية ونقاط الخلافات فيها، سواء فيما يتعلق بدعم القوات الكردية التي تعتبرها تركيا خطرا عليها أو بملف حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا منتصف يوليو (تموز) 2017.
وفي بيان حول الزيارة، قالت الخارجية التركية إنه سيجري بحث القضايا التي تتصدر جدول الأعمال المشتركة للعلاقات الثنائية، فضلا عن تبادل وجهات النظر حول القضايا الدولية، ومن المتوقع أن يتصدر الملف السوري، والدعم الأميركي للوحدات الكردية، أجندة المباحثات التي قال مسؤولون أميركيون إنها ستكون «صعبة»، وقالت تركيا إنها ستكون «حاسمة» في تحديد مسار العلاقات بين البلدين.
وقبل يومين من الزيارة، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن زيارة تيلرسون سوف تتناول قضايا حساسة في سجل العلاقات التركية الأميركية، وإن العلاقات وصلت إلى نقطة حرجة وإن الفترة المقبلة إما أن تشهد تحسن العلاقات بين البلدين وإما أن تشهد مزيدا من التراجع والتصعيد.
وقبل ساعات من وصول تيلرسون طالب نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ، أمس، في مقابلة تلفزيونية، المسؤولين الأميركيين بالتخلي عن الاعتقاد بأن «العالم أعمى»، مشددا على أن بلاده ترفض تشكيل ممر إرهابي في الشمال السوري، وتأسيس «دولة» لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب الكردية. وحث الولايات المتحدة على وقف تزويد الوحدات الكردية بالسلاح، وسحب الأسلحة الموجودة في يد عناصره، معتبرا أن هذا الدعم يعتبر من أكبر الأخطاء التي ترتكبها واشنطن بحق أنقرة.
وعن احتمال شن القوات التركية حملة على منطقة منبج بريف محافظة حلب السورية، قال بوزداغ إن «على الجنود الأميركيين عدم الانخراط داخل صفوف الوحدات الكردية في منبج، فعندما نكافح التنظيم لن نسأل عن هويات أحد، فالكفاح سيكون ضد (تنظيم إرهابي)».
من جانبه، قال وزير الدفاع التركي نور الدين جانيكلي إنه أبلغ نظيره الأميركي جيمس ماتيس خلال لقائهما في بروكسل، أمس، بضرورة استبعاد وحدات حماية الشعب الكردية من تحالف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذي تدعمه واشنطن في المعركة ضد تنظيم داعش.
وأضاف أنه فند تصنيف ماتيس لقوات سوريا الديمقراطية بأنها تحالف يهيمن عليه العرب، قائلا إن هذه القوات تخضع بالكامل لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية. ولفت إلى أنه طلب من ماتيس وقف جميع أشكال الدعم للوحدات الكردية وتطهير قوات سوريا الديمقراطية منها، مشددا على أن تقديم واشنطن السلاح لها يساهم في تقوية حزب العمال الكردستاني، وأن هذا الأمر يشكل تهديدا للأمن القومي التركي.
ونقل جانيكلي عن ماتيس قوله إن واشنطن لم تقدم أسلحة أو ذخائر إلى الوحدات الكردية التي تقاتل ضد تركيا في عفرين حالياً، وإن الأسلحة المستخدمة هناك ليست عائدة للولايات المتحدة، مشير إلى أن أنقرة تواصل إجراءاتها للكشف عن الأطراف والدول التي زودت «الإرهابيين» في عفرين بالأسلحة، وستجري الاتصالات اللازمة عند التوصل إلى نتيجة ما في هذا الصدد، متوقعا انتهاء تلك الإجراءات قريباً.
وأكّد أنه لم يتلقَّ خلال مباحثاته في بروكسل أي مطالب تتعلق بوقف عملية «غصن الزيتون»، مشدّدا على أن تركيا استطاعت أن توضح للعالم بأنها محقة في تنفيذ العملية.
في السياق ذاته، أدلى ماتيس بتصريحات عقب لقائه مع نظيره التركي تتسم بالتضارب فيما يتعلق بالوحدات الكردية، حيث أكد خلال اللقاء مع جانيكلي في بروكسل، أن «واشنطن ستواصل الوقوف بجانب تركيا في حربها ضد (العمال الكردستاني) والمنظمات الإرهابية الأخرى»، رغم استمرار الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للوحدات الكردية.
وأضاف ماتيس أن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والولايات المتحدة يعملان على إزالة المخاوف الأمنية المشروعة لتركيا، مشيرا إلى أن بلاده ستشارك وتدعم بشكل أكثر فعالية مكافحة العمال الكردستاني بالعراق، وأنّ هذا الدعم سيكون على وجه الخصوص في المجال الاستخباراتي.
وذكرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في بيان، أمس، أن ماتيس ونظيره التركي نور الدين جانيكلي، التقيا على هامش اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (ناتو) ببروكسل، لإعادة تأكيد العلاقات الدفاعية طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وتركيا، وخلال اللقاء، أعرب ماتيس عن شكره لتركيا بسبب مساهمتها في محاربة تنظيم داعش الإرهابي والأمن العالمي.
وأشار البيان إلى أن ماتيس أكد أن أميركا تدرك التهديدات الموجهة ضد تركيا، وستواصل الوقوف إلى جانبها في حربها على التنظيمات الإرهابية. وأضاف أن ماتيس دعا في تصريحات عقب اللقاء تركيا إلى التركيز على قتال تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، لمنعه من إعادة بناء نفسه.
ميدانيا، واصلت القوات التركية وفصائل الجيش السوري الحر، أمس، عملية «غصن الزيتون» في عفرين التي دخلت يومها السابع والعشرين، واستهدفت المدفعية التركية من مناطق تمركزها في ولاية هطاي جنوب تركيا مواقع الوحدات الكردية في الريف الغربي لعفرين، وسط إرسال مزيد من التعزيزات العسكرية إلى القوات التركية على الحدود السورية.
وسيطرت القوات التركية والجيش السوري الحر على 4 قرى في عفرين شمال؛ هي «كري»، و«شربانلي»، و«شديا» التابعة لناحية «راجو» مع الجيب الآمن التابع لبلدة «الشيخ حديد» وقرية «دوراكلي» التابعة لناحية «بلبل». وبالسيطرة على هذه القرى يرتفع عدد النقاط التي تمت السيطرة عليها منذ انطلاق عملية «غصن الزيتون» إلى 58. تشمل مركز ناحية، و40 قرية، و3 مزارع، و14 تلا وجبلا استراتيجيا.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.