فؤاد التكرلي... فن الإصغاء إلى روح الجماعة

في الذكرى العاشرة لرحيل الروائي العراقي الرائد

فؤاد التكرلي
فؤاد التكرلي
TT

فؤاد التكرلي... فن الإصغاء إلى روح الجماعة

فؤاد التكرلي
فؤاد التكرلي

تطلّب وصول نسخة من رواية «الرجْع البعيد» إلى الغرب الجزائري مرور أكثر من عام على صدورها في بيروت. لعل ذلك كان عام 1981. كنت أعيش آنذاك في مدينة وهران، حيث بدأت جالية عراقية تتكاثر مع بدء حملة الاعتقالات والمطاردات ضد اليساريين في العراق. كذلك حصل البعض منهم على وظائف في مدن قريبة من وهران في الغرب الجزائري مثل سيدي بلعباس وتلمسان وعين تيموشنت. وتدريجاً أصبحت هذه المدن نقاط التقائنا في عطل نهاية الأسبوع.
حينما وصل دوري أخيرا لقراءة الرواية كان اللغط قد بدأ بين الأصدقاء حولها. كأنها جاءت لتوقظ ذلك الخيط الذي ضعف فيما بينهم بسبب الخلافات السياسية أو البعد عن الوطن أو اليأس. هل أسميه خيط الانتماء إلى المنبع الواحد؟ وأمام السحر الذي أحدثته الرواية فيهم، كان بإمكاني التعرف إلى شخصياتها بنبراتها المختلفة، بِهرَجِها وأفراحها وأتراحها المتقلبة. هل أستطيع اعتبار حالة الجدل التي أصابت الأصدقاء آنذاك ناجمة عن ذلك الكشف الغامض للوحدة التي تربط بعضهم ببعض، في بلد ظلت الانتماءات السياسية والآيديولوجية تطغى فيه على الانتماء إلى الوطن؟
منذ الصفحات الأولى تسرب ذلك الإكسير الساحر في عروقي باثا ثمالة غريبة. أنا أقرأ عملا عراقيا لم يسبقه مثيل: هنا تتجاور لغتان مختلفتان لكنهما متكاملتان: لغة الوصف المكثفة المملوءة بالإيحاءات، ولغة الحوار المكتوبة بالعامية العراقية. لكن هذا الحوار يدخل كعنصر محدد لملامح الشخصية يندمج ضمن أساليب أخرى يستخدمها التكرلي في روايته ابتداء بأسلوب تيار الوعي ومرورا بأساليب كتابة اليوميات والمونولوج الداخلي وغيرها.
اكتشفتُ في تلك الرواية لأول مرة شعرية العامية البغدادية وكم هي محملة بشفرات تعبير عن الروح الجماعية نفسها، وكم هي محملة بذلك الزخم من طبقات لا شعورية تعود إلى تاريخ أجيال كثيرة تعاقبت في العيش والتعايش بنفس المدينة منذ مئات السنوات. وكل جيل ترك بصماته على الأحياء بطريقة ما. شارك بشكل ما بصيغة ذلك الكيان غير المرئي وغير الملموس: روح الشعب.
في «الرَّجع البعيد» نجد تماثلا لهذا التراكم: ففي بيت بغدادي قديم يعيش أفراد عائلة ينتمون إلى أربعة أجيال. هناك الأطفال والمراهقون والشباب والكهول والشيوخ من كلا الجنسين. ولكل واحد منهم، أصغى التكرلي بأناة ومحبة لكن من دون عاطفية مبهرجة.
هنا نستمع إلى الطفلة سناء ومشكلاتها مع أختها وما يتطلبه جهدها المتواصل من أجل كسب اهتمام الكبار بها؛ هنا نستمع إلى عبد الكريم في يومياته وأسئلته المتعلقة بالوجود ومشاعره المضطربة تجاه قريبته منيرة؛ هنا نتابع صهر العائلة حسين المنفصل عن زوجته، وهو يلتقي بأصدقائه في ركن محل صغير، وفي غمرة ثرثرتهم يلتقط التكرلي صوته الداخلي المحمل باحتقار لأحد ندمائه الذي يتظاهر في العلن بتعلقه به.
لأول مرة، ربما، عبر تاريخ الرواية العربية، يبرز ما عرف لاحقا، بفضل باختين، مفهوم «البوليفوني» أو تعدد الأصوات. ففي «الرجع البعيد»، نتابع هذا الأسلوب بأشكال متعددة: على صعيد طرائق السرد المتعددة، وعلى صعيد انشطار الشخصية وتوجهاتها المختلفة. فمدحت الذي اكتشف فقدان عروسه منيرة لعذريتها ظل مدفوعا بقوتي النفور منها والتعلق بها حتى لحظة مقتله برصاصة طائشة بعد انقلاب 8 فبراير (شباط) البعثي عام1963، وصهره حسين ظل مسكونا بين إغراء العزوبية وبين زوجته وطفلتيه، بين نزق الحياة اليومية والتزاماتها الصارمة. وعلى ضوء ذلك نتابع شبكة من الأصوات المتنافرة والمتناغمة، تتصاعد هارمونيا ضمن كورال واسع هو مرآة لمدينة وبلد، لعائلة أو لشعب. لا بد أن كل العراقيين الذين قرأوا الرواية آنذاك تلمسوا في الجدة أم حسن جداتهم الحقيقيات، وفي المراهق عبد الكريم تلك الأسئلة الوجودية الأزلية التي هي أسئلتهم في ذلك السن.
لكن العمل يقدم حسا عميقا بالدعابة السوداء التي تدفعك في كثير من اللحظات إلى حافة البكاء والضحك الصاخب.
روح الدعابة الصافية هذه وظفها التكرلي لاحقا في الفصل الأول من روايته «الأوجاع والمسرات»، حينما تحدث عن طفولة البطل وكيف أنه كان قفزة وراثية على مستوى الملامح في عائلة تتميز بقبح متأصل جعل جيرانهم يطلقون عليهم اسم القردة، بل حتى مع تكاثرهم وانغلاقهم في زقاق صغير، أطلق الآخرون على مكانهم اسم حارة القردة. إنها واقعية سحرية على طريقة التكرلي.
يكتب ميلان كونديرا في «خيانة الوصايا» ما معناه أن الرواية الأوروبية لعبت دورا مهما في تحقق الديمقراطية بالغرب. فروائيون مثل تولستوي ودوستويفسكي وبلزاك وستاندال شاركوا في نقل عالم الآخر للقارئ، عبر أعمالهم الروائية، وهذا ما ساعده على قبول الآخر، وفي الوقت نفسه ساعد على اكتشاف ما يجمعه به من خصائص ورغبات خفية وجوانب ضعف وقوة كثيرة. فالرواية هي المكان الوحيد الذي تكف الأحكام فيه ضد الآخرين ويصبح الجميع ممنوحين فرصة متكافئة لإيصال صوتهم الداخلي وكشف دوافعهم الحقيقية وراء أفعالهم.
في الرواية نحن لا نحاكم بل نحاول أن نفهم.
لعلنا هناك في الغرب الجزائري النائي عن العراق اكتشفنا شيئا شبيها بذلك عند قراءتنا لرواية «الرجع البعيد». ها هي تصبح مرآة أمامنا، يكتشف كل منا فيها عبر صورته المنعكسة صور الآخرين الذين تجمعه بهم غابة من الخيوط والأواصر الخفية. وعبرهم يغمره إحساس عميق بكسر حاجز الموت الفردي عبر حياة الجماعة المتواصل.
كان التكرلي يقيم في تونس حينما وصلته أخبار الأثر الصاخب الذي تركته روايته على عدد كبير من المنفيين العراقيين في الجزائر. ذكر لي صديق، التقاه في تونس فترة قصيرة، أن وجهه فاض ببهجة طفولية دفعته لفرك يديه إحداهما بالأخرى بنشوة منتصرة، كأن ماردا فتح له كنوز الأرض قبل أن يعود إلى صفحات ألف ليلة وليلة.
وهل هناك أكبر من هذه المكافأة، لرجل ظل بعيدا عن الأحزاب السياسية وما تمنحه لفنانيها وأدبائها من أوسمة وامتيازات بدلا من ذلك ظل فؤاد التكرلي مثلما هو الحال مع نجيب محفوظ، موظفا حكوميا لأكثر من ثلاثين عاما، إذ عمل منذ أوائل الخمسينات حاكم تحقيق أولا ثم قاضيا فرئيس قضاة قبل تقاعده عام 1985 وتفرغه للكتابة. لكن هذا العمل في قلب العتمة ساعده على التماسّ مع أولئك المتهمين بمختلف الجرائم. ولعل جرائم الشرف وما تحمله من إمكانيات وقوع اعتداءات داخل عوائل الضحايا كسبب لها وراء اهتمام التكرلي بموضوع العلاقات المحرمة في قصصه القصيرة ورواياته. هل يمكن القول إن مهنتيه المتعارضتين والمتفاعلتين ساعدتاه على الغور في هذا المختبر البشري؟ وعبره اكتشف بعدا محليا وإنسانيا معا. ولعل ذلك كان وراء لمسات فرويد الخفية فوق أعمال التكرلي بما يخص الكبت وتلبس الرغبة أشكالا لا متناهية.
قلة الإنتاج الأدبي خاصية أخرى ميزت التكرلي عن كثير من مجايليه من المبدعين. ولعل ذلك، إضافة إلى شواغل المهنة، ناجم عن تعامله مع الكتابة مثل تعامل الصائغ مع مواده كما شبهه الناقد علي جواد الطاهر. بين أول قصة نشرها عام 1951 وحتى عام 1980 لم ينشر الراحل التكرلي سوى 14 قصة قصيرة. لكن الكثير منها جواهر حقيقية، رسخت للأجيال اللاحقة من القاصين العراقيين إطارا مفتوحا للكتابة القصصية كفن قبل كل شيء. أما روايته «الرجع البعيد» فاستغرقت كتابتها 12 عاما.
من أكثر القصص القصيرة التي جسد الفقيد التكرلي أسلوب تعدد الأصوات (البوليفوني) الموسيقي فيها كانت «الغراب» التي كتبها عام 1962، وفيها يواصل استكشاف ثيمة العنف المرتبط بالعلاقات المحرمة، ولا بدّ أن مادتها تعود إلى فترة أقدم، وفيها نجد الأبطال ينتمون إلى الطبقة الشعبية البغدادية. في بيت بغدادي تسكنه عدة عوائل، تكتشف نجيبة علاقة زوجها بزوجة أخيه، إذ إن أخا الزوج وزوجته استأجرا قبل فترة قصيرة غرفة في البيت نفسه، وبعد اختفاء زوجها ليومين تذهب إلى غرفة حماها لتجد زوجها وامرأة أخيه معا. لكن حال عودتها إلى غرفتها يلحقها الزوج ليطلق عليها رصاصتين وهي مضطجعة جنب طفليها. في هذه القصة يستخدم التكرلي صوتين؛ صوت الأم وهي تحكي لطفلتها حكاية خرافية تدور حول ذلك الغراب الذي طرده أهله لشدة سواده، والذي عاد إليهم بعد أن سحرته السعلاة وحولته إلى غراب أبيض. أثناء فترات سكوت طفلها ستسترجع نجيبة تفاصيل خيانة زوجها عندما ضبطته في المرة الأولى مع امرأة أخيه، منقولة ضمن تيار الوعي، وكأن صوت القاص يختفي تماما. في هذا البناء الذي تتداخل فيه نغمتان موسيقيتان ينقل التكرلي جزئيات العالم الداخلي بإيقاعاته العاطفية الخاصية؛ بقسوته؛ بغرائبيته وخصوصياته. وفي هذه القصة يكشف القاص ما للعامية من شعرية، وكيف تتمازج بالفصحى خالقة مناخا سحريا مرهفا في شاعريته. قبل إنهاء الحكاية، يحدث قطع للقصة، ليعود ثانية مجرى الأحداث، إذ إن الزوجة تسترجع ما شاهدته قبل دقائق، بصوت الضمير الثالث، وهذا بعد مشاهدتها للضوء مشتعلا في الحجرة الأخرى: «ستمضي إلى ذلك الباب المغلق لتفتحه على شقائها وستعتذر للغراب الأبيض الضائع الذي أنكره أهله ومزقوه حين عاد إليهم. ستقول لأولئك المختفين وراء الباب إن ابنتها حمدية تريد أن ترى جثة الغراب الصغيرة المنتزعة الأوصال». وفي المقطع الثالث يتسلم الراوي بقية القصة ليصور آخر اللحظات فيها عندما يطلق الزوج رصاصتين من مسدسه عليها وسط عويل الطفلين.
قبل أول لقاء لي بفؤاد التكرلي عام 2001، كان هناك تصور في ذهني بوجود آصرة ما بينه وبين أبطاله المضطربين. بدلا من ذلك واجهني إنسان يجمع بين الرصانة والدفء، بين التواضع التلقائي والصدق الحقيقي. في نبرته كنت أستطيع تلمس اللهجة البغدادية القديمة، مشبعة بعبارات الاحترام، وإذا كنت تجده منصتا إلى كل ما تقوله من آراء فهو لا يطلق أي حكم إلا بتردد، كأنه يخشى إيذاءك، بنبرة مترددة مشبعة بالرقة. ولم يمض وقت طويل على لقائنا حتى راح يذكر أسماء بعض الكتّاب الشباب الذين ما زالوا في العراق. فهو حتى من تونس ظلا دؤوبا على التواصل معهم وحريصا على متابعة ما يكتبونه.
هل هذه القدرة على التواصل هي التعويذة ضد الفناء؟ فعبر استمرار خيط الإبداع لأبناء البلد الواحد وتراكمه، يتحقق الانتصار على قوى الفناء الروحي.
لعل أعمال فؤاد التكرلي تحمل رسالة من دون علمه تتعلق بمصالحة وطنية تختلف عن تلك التي يبشر بها السياسيون العراقيون اليوم: إنها ككل، مرآة يرى الفرد فيها صورته وصورة الآخرين، مندمجة في كل واحد. أو أن ما يراه الفرد هو روح شعبه غير القابلة للتفكك، بعيدا عن الأطر الآيديولوجية والطائفية العابرة.



نجوم «الفراعنة» ينعشون أغاني المهرجانات بعد تألقهم في المونديال

صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
TT

نجوم «الفراعنة» ينعشون أغاني المهرجانات بعد تألقهم في المونديال

صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)

لفت احتفال نجوم منتخب «الفراعنة» بالصعود للأدوار الإقصائية بالمونديال والفوز على أستراليا على وقع ألحان أغاني المهرجانات الأنظار في مصر.

وتصدر النجم محمد صلاح المشهد بترديد كلمات هذه الأغنيات والرقص على ألحانها الصاخبة رفقة بقية زملائه أمام فنادق الإقامة التي باتوا فيها بأميركا وكندا خلال مباريات المونديال.

وشملت قائمة الأغاني ديو «أنا بطل السوق»، لعمر كمال ومحمود الليثي، و«مش شايفك»، لعنبة، و«إحنا الجيل»، لأوكا، و«شبح شبح»، لأوكا وأورتيجا، و«سنيورة» لسانت ليفانت، وفارس سكر، و«الفلوس» لعصام صاصا، و«أنا بابا»، لمسلم وبوسي، ومهرجان «أسود الأرض»، هذا بالإضافة إلى أغنيات شهيرة أقدم من بينها «أنا مصر حبيبتي» لمحمد حماقي، وديو «هنا مصر»، لبهاء سلطان والعسيلي، و«وسع وسع»، لأحمد سعد، و«غالية بلدنا علينا»، لشيرين؛ ما أدى إلى انتعاش وكثرة تداول هذه الأغاني بشكل بارز خلال الأيام الماضية، كما توالت التعليقات الحديثة على فيديوهات الأغاني الرئيسية على «يوتيوب»، حيث أكد بعضهم الحضور للاستماع للأغنية كاملة عقب مشاهدة مقاطع المنتخب.

وعن رأيه في اعتماد نجوم منتخب مصر خلال احتفالاتهم على أغاني المهرجانات وإيقاعاتها السريعة، قال الناقد الفني المصري أمجد مصطفى إن ما يحدث ظاهرة ايجابية ومبهجة لكنها مؤقتة، لافتاً إلى أن «البحث عن الأغاني التي يرقص عليها المنتخب في وقت فراغه أو في أثناء الاحتفال عقب الفوز، نابعة من متابعة الناس لهم بنهم شديد؛ ما أدى لانتعاش هذه الأغاني مجدداً رغم مرور سنوات على إصدار عدد كبير منها، وذلك بهدف مجاراة نجوم المنتخب وتقليدهم».

وأضاف أمجد مصطفى لـ«الشرق الأوسط» أن «جيل الشباب يتابع المباريات باهتمام، وهو من جمهور أغنيات المهرجانات أيضاً، وعندما يشاهد نجوم المنتخب يستمعون لها فإنه ينجذب إليها تلقائياً بشكل أوسع».

النجم المصري محمد صلاح (اتحاد الكرة المصري)

وأوضح أمجد مصطفى أن «الحالة التي عليها المنتخب فرضت الاستماع لهذه الأغاني لكنها ربما لا تعبر بالضرورة عن الذائقة الشخصية لهم، فهي مناسبة لحالة السعادة والبهجة التي يشعرون بها؛ لأن هذا النوع من الموسيقى وإيقاعه الصاخب يليق بالاحتفالات».

ويرى أمجد مصطفى أن «أغاني المهرجانات جاذبة لمراحل عمرية مختلفة، رغم ركودها منذ سنوات، فلم يعد نجومها بنفس وهج البدايات، ولم تعد متصدرة مثل السابق، لكنها حالياً مصاحبة ومرتبطة بالحالة الكروية الحالية، وستنتهي مجدداً» على حد تعبيره.

وظهرت أغنيات «المهرجانات» في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة ووصفها البعض بـ«الثورة الموسيقية»، وعدوها تحولاً حتمياً للأغنية الشعبية التي اشتهر بها نجوم عدة مثل، محمد عبد المطلب، ورمضان البرنس، وأحمد عدوية، وحسن الأسمر، وشعبان عبد الرحيم، وعبد الباسط حمودة، وحكيم، وسعد الصغير، ورضا البحراوي.

وشهدت نقابة الموسيقيين، في أثناء تولي الفنان المصري الراحل هاني شاكر النقابة جدلاً واسعاً بعد قرار منع عدد كبير من مطربي المهرجانات من الغناء، واتهامهم بـ«التسبب في تدني مستوى الذوق العام»؛ ما أدى لانقسام الآراء حول أحقيتهم في الغناء تحت مظلة رسمية، لكن النقيب الحالي مصطفى كامل قام بتدشين شعبة «الأداء الصوتي» لاحتواء الأزمة.

محمود تريزيجيه وإمام عاشور يحتفلان بالفوز على أستراليا (أ.ب)

واشتهر عدد من نجوم المهرجانات بأسماء غير مألوفة، وربما مستعارة للانتشار، ولم تقتصر على الأسماء الفردية مثل حمو بيكا، وحسن شاكوش، وسمارة، وشواحة، وعصام صاصا، وغيرهم، بل شملت أسماء الفرق مثل «أبناء سليم اللبانين»، و«الدخلاوية»، و«المدفعجية»، و«صواريخ»، وغير ذلك.

ويؤكد الدكتور محمد عبد الله الأستاذ بكلية «التربية الموسيقية» جامعة العاصمة (حلوان سابقاً)، أن «الأغاني التي اعتمدها نجوم المنتخب خلال احتفالاتهم تنوعت بين المهرجانات وغيرها من الأغاني الوطنية، لذلك يمكننا القول إن (المهرجانات) استحوذت على جزء بارز وصاخب من الاحتفالات، مع وجود نوعيات أخرى مختلفة».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن أغاني المهرجانات بالفعل أصبحت قليلة الانتشار، وتراجعت نوعاً ما خلال الفترة الماضية بعد تشبع الأذن الموسيقية بها، والتي جعلتها عادية بعدما كان الإقبال عليها مبالغاً فيه، وهذا الأمر نتيجة طرح ألبومات فنية لنجوم كبار ولهم جمهور عريض».


مخاض الولادة يباغت طالبة «ثانوية عامة» بمصر داخل لجنة الامتحان

امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)
امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)
TT

مخاض الولادة يباغت طالبة «ثانوية عامة» بمصر داخل لجنة الامتحان

امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)
امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)

على هامش امتحانات الثانوية العامة في مصر لا تزال لجانها تشهد حالات ومفارقات لافتة، لعل أحدثها نقل طالبة، الأحد، للمستشفى بعدما فاجأها مخاض الولادة أثناء أدائها امتحان الثانوية العامة في مادة اللغة الأجنبية الأولى داخل لجنة الامتحان.

ووفقاً لوسائل إعلام محلية، تعرّضت طالبة لآلام ولادة مفاجئة أثناء أدائها للامتحان داخل لجنة امتحانات بإدارة (الدقي) التعليمية (محافظة الجيزة)، ما استدعى نقلها داخل سيارة إسعاف إلى المستشفى، لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان حادثة مشابهة شهدتها امتحانات الثانوية الأزهرية في يونيو (حزيران) الماضي، حين تعرضت طالبة داخل لجنة معهد «فتيات أولاد صقر» (بمحافظة الشرقية) - بدلتا مصر - لآلام ولادة مبكرة أثناء أداء الامتحان، قبل أن تُنقل إلى مستشفى مركزي لتلقي الرعاية الطبية، بعد تقديم الإسعافات الأولية لها داخل اللجنة.

ولم تكن وقائع الولادة وحدها هي الحاضرة على هامش لجان الامتحانات، إذ شهد موسم الثانوية هذا العام عدداً من الحالات الصحية المفاجئة، بينها حالات إغماء وإعياء وتشنجات عصبية داخل لجان في عدد من المحافظات، إلى جانب وفاة طالبة تبلغ من العمر 18 عاماً، في إحدى لجان محافظة الشرقية (دلتا مصر) إثر أزمة صحية مفاجئة أثناء أداء امتحان اللغة العربية.

حالات مفاجئة وغريبة تشهدها لجان الامتحانات في مصر (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)

كما امتدت حالات الطوارئ إلى القائمين على الإشراف على الامتحانات، مع تسجيل إصابة إحدى المراقبات بأزمة قلبية داخل إحدى اللجان، بما يسلط الضوء على الاستعدادات الطبية داخل مقار الامتحانات وسرعة التعامل مع الحالات الطارئة. وتتكرر خلال موسم امتحانات الثانوية كل عام حالات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، نتيجة الإجهاد أو التوتر أو ظروف صحية طارئة، ما يجعل وجود الفرق الطبية وسيارات الإسعاف بالقرب من اللجان جزءاً أساسياً من خطة تأمين الامتحانات، إلى جانب الإجراءات التنظيمية والأمنية التي ترافق سيرها.

ويعد الخبير التربوي جمال عبد الحميد أن «مثل تلك الوقائع رغم ندرتها تعكس أهمية جاهزية لجان الامتحانات للتعامل مع الظروف الصحية الطارئة، من خلال توفير فرق طبية وخطط استجابة سريعة تضمن سلامة الطلاب». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه من المهم «التشديد على الاستفادة من نظام تأجيل امتحانات الثانوية العامة في الحالات الإنسانية الحرجة، وعلى رأسها حالات الحمل، ولا سيما في ظل صغر سن بعض الطالبات»، ويقول: «بعض الأسر تفضل عدم تأجيل الامتحانات خوفاً من تأثير الدور الثاني على إجراءات التنسيق أو مستقبل الطالبة، رغم أن هناك ظروفاً استثنائية تستوجب تغليب سلامة الطالبة على أي اعتبارات أخرى».

وأشار عبد الحميد إلى أن «وزارة التربية والتعليم تتيح بالفعل تأجيل امتحانات الدور الأول إلى الدور الثاني في عدد من الحالات القهرية، من بينها الأعذار المرضية المفاجئة، والوفاة لأحد الأقارب من الدرجة الأولى، والوجود خارج البلاد لظروف قهرية، وكذلك الإصابة أو الوعكة الصحية المفاجئة داخل لجنة الامتحان».

وزير التربية والتعليم يتابع سير الامتحانات (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)

وتتواصل امتحانات الثانوية العامة هذا العام، بالنظامين الجديد والقديم، بالشعبتين الأدبية والعلمية، حتى 16 يوليو (تموز) الحالي، ويشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة على مستوى الجمهورية، وسط متابعة يومية من وزارة التربية والتعليم. كما تتلقى غرف العمليات المركزية والفرعية بالمحافظات، التابعة للوزارة، تقارير على مدار اليوم بشأن سير الامتحانات، وما قد تشهده اللجان من ملاحظات أو حالات صحية تستلزم التدخل الفوري.


مصرية تحصل على الدكتوراه في عمر الـ83

 الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)
الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)
TT

مصرية تحصل على الدكتوراه في عمر الـ83

 الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)
الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)

في قاعة المناقشات بكلية الآداب، جامعة المنصورة (دلتا مصر)، جلست المصرية آمال إسماعيل تناقش أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه. ولم تكن تلك مناقشة أكاديمية عادية، بل كانت تتويجاً لرحلة إنسانية امتدت لأكثر من ستة عقود، تحدّت خلالها سنوات الانقطاع عن الدراسة، وحاربت المرض والسرطان، وتجاوزت مرارة الفقد، لتنال في نهاية المطاف لقب «دكتورة» في عُمر 83 عاماً، وتؤكد أن الأحلام لا تسقط بمرور الزمن.

واللافت أن عنوان رسالتها جاء معبّراً عن تجربتها الشخصية، إذ حملت عنوان: «الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية... دراسة لبعض الحالات المختارة بجامعة المنصورة»؛ فالباحثة التي درست قضايا الشيخوخة النشطة كانت هي نفسها نموذجاً حياً لما تناولته في رسالتها.

وكشفت أن اختيار موضوع الرسالة لم يكن عشوائياً، إذ أجرت دراستها على عينة من 20 سيدة من قرى مختلفة بمحافظة الدقهلية (دلتا مصر)، بهدف الوصول إلى نتائج تسهم في خدمة المجتمع، وتسلط الضوء على قضايا كبار السن، وفقاً لوسائل إعلام مصرية.

الباحثة المصرية مع رئيس جامعة المنصورة (إدارة الجامعة)

وفي ختام المناقشة، قررت لجنة الحكم منحها درجة الدكتوراه بتقدير امتياز، مع التوصية بطباعة الرسالة وتبادلها مع الجامعات، تقديراً لقيمتها العلمية.

وتعود بداية حكاية آمال إسماعيل إلى إحدى قرى محافظة الدقهلية، حيث كان والدها عمدة القرية. وأقنعه أحد الضباط الذين كانوا يترددون عليه بحكم عمله بضرورة إلحاق ابنته بمدرسة فرنسية في مدينة المنصورة، في وقت لم يكن تعليم الفتيات أمراً شائعاً.

لكن هذه البداية الواعدة لم تدم طويلاً؛ ففي سن الرابعة عشرة أصيبت آمال بمرض في الغدة الدرقية أجبرها على ترك المدرسة، وفي العام نفسه تزوجت، وانشغلت بتكوين أسرة وتربية أبناء.

لم يكن ذلك نهاية الحكاية، فبعد سنوات، وتحديداً وهي في الثامنة والثلاثين، قررت العودة إلى مقاعد الدراسة من جديد، ونجحت في الحصول على الشهادة الإعدادية.

لكن القدر كان يخبئ لها توقفاً آخر، أطول هذه المرة، 30 عاماً كاملة، استجابت خلالها لرغبة زوجها الذي فضّل أن تتفرغ للبيت والأبناء.

تلك السنوات لم تكن سهلة على أي حال، فقد جمعت فيها بين تربية أبنائها ومساعدة زوجها، وخاضت في خضمّها معركة أخرى مع مرض السرطان، خرجت منها، وقد تعلّمت الصبر والتمسك بالحياة، على حد قولها.

الباحثة مع أعضاء فريق مناقشة رسالة الدكتوراه (جامعة المنصورة)

جاء التحول الحقيقي عام 2011، حين شجعتها ابنتها وأحفادها على استكمال ما بدأته قبل عقود؛ فالتحقت آمال، وهي في السبعين من عمرها، بمرحلة الثانوية العامة، ونجحت بمجموع 83 في المائة، لتلتحق بعدها بكلية الآداب في جامعة المنصورة، ومن هناك بدأ الفصل الأخير من رحلتها.

لم يكن الطريق نحو الجامعة والدراسات العليا مفروشاً بالورود؛ فخلال دراستها للماجستير، تعرضت لكسر في الحوض، لكنها رفضت أن يوقفها ذلك، وتتذكر تلك الأيام قائلة: «كنت أصعد إلى الطابق الرابع بكلية الآداب، وأنا محمولة على كرسي متحرك بواسطة الطلبة وأبنائي وأحفادي». وفق ما ذكرته لـ«الشرق الأوسط» في حوار سابق، عقب حصولها على درجة الماجستير.

وفي عام 2018، تلقت صدمة كبيرة بوفاة حفيدها في ليلة خطوبته، وهي التي أصبحت تعيش وحيدة بعد رحيل زوجها عام 2015.

ورغم كل ذلك، واصلت طريقها، وحصلت على درجة الماجستير بتقدير امتياز من قسم علم الاجتماع عام 2023، لتشرع مباشرة بعدها في رحلة الدكتوراه.

الباحثة تتوسط أعضاء فريق المناقشة (جامعة المنصورة)

وتعيش آمال إسماعيل وحدها في منزلها بالمنصورة، لكن يومها لا يخلو من الكتب؛ فهي تقرأ لمدة ساعتين يومياً في مختلف المجالات، وتتابع القنوات الوثائقية لتتعرف على العالم من حولها.

وحين يسألها أحد عمّا حققته، لا تصف الأمر بـ«الإنجاز»، بل تراه حلماً بسيطاً استطاعت أخيراً أن تمسك به، بعدما تجاوزت الثمانين من عمرها، وتلخص فلسفتها في جملة واحدة: «لو بطّلنا نحلم نموت».

وأعربت الباحثة آمال إسماعيل عن سعادتها بوصولها إلى مناقشة رسالة الدكتوراه بعد رحلة طويلة من العمل والإصرار، مؤكدة وفق بيان لجامعة المنصورة، الأحد، أن «شغفها بالعلم كان دافعها لمواصلة مسيرتها العلمية رغم تقدمها في العمر»، وشدّدت على أن «العلم لا يرتبط بعمر، وأن الوصول إلى هذه المرحلة من مسيرتها العلمية يمثل بالنسبة إليها تحقيقاً لحلم تمسكت به، ورسالة بأن الإرادة والإصرار يفتحان الطريق أمام الإنسان لمواصلة التعلم والعطاء في مختلف مراحل الحياة».