هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

كليتشدار أوغلو يدخل ولايته الثالثة على رأس «الشعب الجمهوري» بشعار «إزاحة إردوغان»

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟
TT

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

يرى كثير من المراقبين أن كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، قد يكون محقّاً في إشارته إلى أن تركيا تعيش «مناخاً من الخوف». ويسوق هؤلاء كأدلة الانتقادات المتتالية من الغرب وحلفاء تركيا والمنظمات الحقوقية الدولية والمنظمات المعنية بحرية الصحافة والتعبير لما تعيشه تركيا برئاسة رجب طيب إردوغان من تضييق منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016 وحتى الآن. وكانت السلطات قد فرضت حالة الطوارئ بعد المحاولة الانقلابية مباشرة، وهي منذ ذلك الحين تشهد أوسع حملة إعادة تصميم وهيكلة لمؤسساتها بدءاً من الجيش والقضاء إلى المؤسسات الأمنية والإعلامية والتعليمية، وهذا فضلاً عن «حملة التطهير» التي أطلقتها الحكومة بحجة التخلص من أنصار الداعية فتح الله غولن. والمعروف أن السلطات تتهم غولن بتدبير محاولة الانقلاب، لكنها توسّعت لتشمل المعارضين لحكومة حزب العدالة والتنمية، بما في ذلك حتى الآن، توقيف أكثر من 60 ألف شخص وإقالة أو إيقاف أكثر من 160 ألفاً آخرين عن العمل في مختلف هذه المؤسسات.
اختار حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي في تركيا زعيمه كمال كليتشدار أوغلو، وريث مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال (أتاتورك)، ليواصل رئاسته للحزب في فترة ثالثة حتى عام 2021. وجاء ذلك بعدما جدد انتخاب كليتشدار أوغلو رئيساً في الرابع من فبراير (شباط) الحالي خلال أعمال المؤتمر العام السادس والثلاثين للحزب، متغلباً على منافسه الوحيد و«التقليدي» النائب محرم إينجه بأصوات 790 عضواً مقابل 447 صوتاً لمنافسه الذي كان ترشح أمامه للمرة الثانية على التوالي. ولقد افتتح السياسي المخضرم، ولايته الثالثة على رأس حزب الشعب الجمهوري، بالتأكيد على «مواصلة النضال لحين إنهاء حكم الرئيس رجب طيب إردوغان» قائلاً: «اعتباراً من اليوم انطلقَتْ مسيرتنا للإطاحة بحكومة إردوغان».

مرحلة صعبة
قال كليتشدار أوغلو، الذي يلقبه أنصاره بـ«غاندي تركيا»، إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة عادية، وإن محازبيه سيناضلون في ظل أجواء صعبة. وأشار إلى أن تركيا تمر بأحد أصعب مراحلها، إذ «إن الخوف يعم المجتمع التركي في ظل الحكم القمعي»، متعهداً بأنه سيكسر هذا الخوف. وتجدر الإشارة إلى أن حزب الشعب الجمهوري، من منطلق وضعيته كأكبر أحزاب المعارضة في البرلمان التركي، يرى أن الحملة التي تلت المحاولة الانقلابية «اختلط فيها الحابل بالنابل»، وعمقت من حالة الاستقطاب التي تعيشها تركيا في السنوات الخمس الأخيرة. وهو يعتبر أنها لا تخلو من ظلم، ولذلك كرس جهوده لاستعادة «العدالة» وسيادة القانون اللتين يرى أنهما انتُهِكتا بشدة في هذه الأجواء المشحونة، فضلاً عن رفضه للسياسة الخارجية لحكومة «العدالة والتنمية»، التي يدعي أنها قادت البلاد إلى عزلة، وأضاعت هيبتها وقذفت بها إلى «بحار الفوضى في مستنقع الشرق الأوسط».
بالعودة إلى بداية صعود كليتشدار أوغلو إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري، فإنها لم تكن بالبداية السهلة أيضاً. إذ إنه تقدم للمنصب بعد أكبر فضيحة سياسية عرفتها تركيا في مارس (آذار) عام 2010، وتمثلت بتسريب فيديو غير أخلاقي لرئيس السابق للحزب دنيز بايكال مع نائبة الحزب عن العاصمة أنقرة، نسرين بايتوك، نشره موقع صحيفة «وقت»، وانتشر بسرعة البرق على المواقع الإلكترونية.
في خضم هذه الأحداث تصدّى كليتشدار أوغلو لمهام قيادة حزبه الجريح، وهو الحزب الذي يقدم نفسه دوماً على أنه المدافع عن مبادئ أتاتورك. وزاد من صعوبة المهمة أن الفضيحة جاءت قبل 11 يوماً من الانتخابات العامة للحزب، وقبل موعد الانتخابات البرلمانية في يونيو (حزيران) 2011، وهو ما اعتبره بايكال تحدياً خطيراً يهدف للإطاحة به من الحزب الذي ظلَّ على رأسه منذ عام 1992. أما كليتشدار أوغلو فإنه بدأ حياته السياسية بعدما اختاره حزب الشّعب الجمهوري فعام 2002 ليكون مرشحه في الانتخابات العامة، لكنه لم ينجح. ثم ما لبث أن دخل البرلمان في عام 2007 عن الدائرة الثانية بإسطنبول، ثم ترشح في انتخابات المحليات عن بلدية إسطنبول الكبرى، وخسر المقعد لصالح مرشح حزب العدالة والتنمية قدير توباش، الذي استقال من منصبه العام الماضي بسبب شبهات علاقة مع حركة غولن.
ومن ثم، استطاع كليتشدار أوغلو أن يحافظ على قوام الحزب. ومع أنه لم يتمكن من أن يحقق تغييراً كبيراً في قاعدته، فإنه استطاع إعادة تشكيل صورة الحزب رافعاً عنه الانتقادات الشديدة في نظرته إلى التدين والحجاب، وهما من القضايا الجدلية التي لازمت الحزب منذ ظهوره وحتى عهد قريب، إذ شجع على ضمِّ محجبات إلى صفوف الحزب وأنشأ مسجداً بداخله كما أرسل بعثة للحج.

صعود وهبوط
«أتاتورك» أسس حزب الشعب الجمهوري في 9 سبتمبر (أيلول) 1923، وكان زعيمه الأول. وبعد وفاته عام 1938 انتخب صديقه وساعده الأيمن عصمت إينونو رئيساً للحزب. وحتى عام 1946 احتكر حزب الشعب الجمهوري عملياً الساحة السياسية، قبل أن تنتقل تركيا إلى نظام التعددية الحزبية، وفي ذلك العام أُجرِيت أول انتخابات نيابية عامة في تاريخ البلاد وفاز الحزب بالسلطة بأغلبية ساحقة، لكنه خسر الانتخابات أمام الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندرس عام 1950، فبقي في المعارضة من عام 1950 حتى عام 1960.
وفي عام 1972 انتخب بولنت (بلند) أجاويد رئيساً للحزب، فكان الزعيم الثالث في تاريخه، وشكل الحزب بعد انتخابات 1973 حكومة ائتلافية مع حزب السلامة الوطني الذي كان يتزعمه الزعيم الإسلامي الدكتور نجم الدين أربكان، وفي عام 1978 تسلم مقاليد الحكم في حكومة ائتلافية أخرى.
وبعد الانقلاب العسكري الذي وقع في 12 سبتمبر 1980، أغلق القادة العسكريون الحزب إلى جانب الأحزاب السياسية الأخرى، ثم أعيد فتحه بعد 12 سنة في عام 1992 بقيادة دنيز بايكال. وحصل الحزب في انتخابات 1995 على نسبة 11 في المائة من الأصوات مكنته من تحقيق 49 مقعداً في البرلمان. غير أنه فشل في انتخابات 1999 ولم يستطع أن يتجاوز الحاجز الانتخابي (10 في المائة من الأصوات) حين حصل على 8.7 في المائة فقط من الأصوات مع أنه كان الفائز بأغلبية واسعة في بعض المحافظات، ولذا فقد بقي خارج البرلمان.
حزب الشعب الجمهوري حزب يساري الاتجاه، ويُعدّ في الوقت الراهن الحزب المنافس الوحيد للإسلاميين في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) في ظل تراجع شعبية حزب اليسار الديمقراطي، خصوصاً بعدما أعلن أجاويد قراره اعتزال السياسة بعد الانتخابات، وتشتت الأحزاب اليسارية الأخرى. وحقاً، الساحة مفتوحة على مصراعيها أمام دنيز بايكال، لا سيما، بعدما التحق كمال درويش وزير الشؤون الاقتصادية السابق بالحزب، كما قام بايكال خلال السنوات الأخيرة بتليين خطابه السياسي ووعد باحتضان مختلف شرائح المجتمع مهما كانت أفكارها وتوجهاتها.

الصدام القوي
بدأت مرحلة الصدام القوي بين كليتشدار أوغلو والرئيس رجب طيب إردوغان منذ عام 2013، الذي شهدت نهايته فضائح فساد ورشوة طالت وزراء في الحكومة التي كان يرأسها إردوغان ومقربون منها. وكانت تلك فرصة لحزب الشعب الجمهوري للضغط على حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وفي الانتخابات الرئاسية عام 2014 سعى كليتشدار أوغلو إلى توحيد المعارضة في مواجهة إردوغان، فاتفق مع حزب الحركة القومية وعدد من الأحزاب الأخرى على مرشح واحد للرئاسة هو الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو، الرئيس الأسبق لمنظمة التعاون الإسلامي والنائب عن حزب الحركة القومية.
وأعيد انتخاب كليتشدار أوغلو عام 2014 رئيساً لحزب الشعب الجمهوري وفي الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015 خاض حزبه الانتخابات بشعارات تُهدِّد بالإطاحة بالحزب الحاكم وانتزاع السلطة منه، إلا أن الانتخابات لم تؤهِّل أي حزب لتشكيل حكومة بشكل منفرد وكانت تلك هي المرة الأولى التي يخفق فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم في أن يشكل حكومة بمفرده منذ ظهوره على الساحة السياسية عام 2002.
بعدها، رفض كليتشدار أوغلو انضمام حزبه إلى حكومة ائتلافية بقيادة أحمد داود أوغلو، وهو ما دفع إلى الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في أول نوفمبر (تشربن الثاني) 2015، وحصل فيها الحزب كالمعتاد على المرتبة الثانية. عقب إخفاق حزبه عن الحصول على نسبة معقولة وجَّه له الصحافيون سؤالاً «هل ستقدم استقالتك؟»، إلا أنه أجاب «أنا مسرور بنتائج الانتخابات ولن أستقيل».

مواقف ثابتة
ورغم معارضة الحكومة والانتقاد المتكرر لسياسات إردوغان يحافظ كليتشدار أوغلو على ثوابت تنبع من مبادئ أتاتورك ويقدم مصلحة تركيا على الخلافات الحزبية. ولذا وقف حزبه منذ البداية في صف رفض محاولة الانقلاب الفاشلة التي هزت تركيا يوم 15 يوليو 2016، كما أيد مواقف الحكومة وفرض حالة الطوارئ. لكنه تمسك بالرجوع للبرلمان، وعاد بعد ذلك ليطالب بضبط حملة التطهير التي أطلقتها الحكومة في ظل حالة الطوارئ، معتبرا أن إردوغان يستخدم محاولة الانقلاب الفاشلة كذريعة للقضاء على الديمقراطية ودولة القانون.
وإبان فترة إعداد التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي، أبدى حزب الشعب الجمهوري موقفاً صلباً بعدما تحوّل حزب الحركة القومية المعارض إلى صف حزب العدالة والتنمية الحاكم وأيده في حملة تغيير النظام البرلماني إلى رئاسي. وبعدها، خاض إردوغان خلال فترة حملة الاستفتاء على التعديلات الدستورية معارك مع خصومه في الداخل مُركِّزاً حملته بصفة أساسية على حزب الشعب الجمهوري، مستخدماً في ذلك أسلوب الطعن في كفاءة كليتشدار أوغلو تارة واتهامه بدعم المحاولة الانقلابية التي وقعت في منتصف يوليو 2016 ومنفذيها تارة أخرى. وهذا على الرغم من موقف حزب الشعب الجمهوري الصريح ضدها.
ولاحقاً، شكل حزب الشعب الجمهوري تكتلاً مع حزب الشعوب الديمقراطي (المؤيد للأكراد) إلى جانب مجموعات مدافعة عن حقوق الإنسان وحركات ديمقراطية في حملة للتصويت ضد التعديلات، وهو ما أدى إلى أن تخرج نتيجة استفتاء 16 أبريل (نيسان) 2017 على تعديل الدستور متقاربة بين المعسكرين. إذ صوّت بـ«نعم» 51.4 في المائة مقابل 48.6 في المائة صوتوا بـ«لا». وقاد حزب الشعب الجمهوري حملة رفض نتائج الاستفتاء بسبب التقارب الشديد في الأصوات واعترض، ومعه مراقبون أوروبيون على قرار اللجنة العليا للانتخابات بقبول أوراق تصويت غير مختومة، وهو ما أزال ضمانة مهمة ضد التزوير.
وشهد كليتشدار أوغلو، حملةً من الضغط المكثَّف بعد تصاعد الأصوات داخل الحزب تطالبه بالاستقالة من منصبه إذا لم يكن ينوي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية عام 2019. كذلك أشعل رئيس الحزب السابق بيكال حالة من الغضب بطرحه أسماء لمن يمكنهم قيادة الحملة القادمة للفوز بالانتخابات البرلمانية في 2019، طارحاً اسم الرئيس التركي السابق عبد الله غل - أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم - وميرال إكشنار نائبة رئيس حزب الحركة القومية السابقة التي فُصلت من الحزب بعد قيادة جبهة معارضة ضد رئيس الحزب دولت بهشلي والتي أطلقت لاحقا في 26 أكتوبر (تشرين الأول) حزباً جديداً برئاستها باسم «الحزب الجيد».

من أجل الديمقراطية
لقد قرر حزب الشعب الجمهوري تكريس جهوده بعد الاستفتاء على تعديل الدستور للمطالبة بالديمقراطية وعودة سيادة القانون من خلال الضغط على الرئيس إردوغان، واستغلال الفارق الضئيل بين معسكري «نعم» و«لا» ورفض تحويل الجمهورية التركية عن مسارها ونظامها الذي وضعه مؤسسها «أتاتورك». وأطلق الحزب مسيرة من أنقرة إلى إسطنبول في منتصف يونيو 2017 تحت شعار «العدالة» بعد صدور حكم بسجن النائب عن حزب الشعب الجمهوري أنيس بربرأوغلو لمدة 25 سنة، لإدانته بكشف أسرار دولة وتسليمه صحيفة «جمهوريت» صوراً لنقل أجهزة الاستخبارات التركية أسلحة لمسلحين في سوريا. وحققت المسيرة إقبالاً وتجاوباً شعبياً فاق توقّعات كيلتشدار أوغلو نفسه الذي أقرّ بأنه اتخذ قراره بالسير على طريقة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، من دون أن يفكّر في الخطوة التالية ولا ترتيب أمور الرحلة.
في المقابل، فشلت تهديدات إردوغان، الذي اعتبر المشاركين في المسيرة داعمين للإرهاب وللانقلابيين، في دفع المواطنين إلى الامتناع عن المشاركة فيها، إذ بلغت المشاركة في أيام 30 ألفاً. وساهم في المشاركة الشعبية الامتناع عن رفع شعارات حزبية. ولقد اعتبر كليتشدار أوغلو أن العدالة واستقلال القضاء باتا مطلباً لكل الأطياف في تركيا، حتى لدى الحزب الحاكم، بعدما تحوّلت المحاكم إلى «عصا تأديب وعقاب في يد إردوغان».
وكانت المفاجأة الحقيقية ليست فقط في نجاح «غاندي تركيا» في إنهاء مسيرة طويلة مشابهة لحراك «مسيرة الملح» الشهيرة التي نظمها غاندي في الهند عام 1930 ضد الاستعمار البريطاني، بل في ختامها في 9 يوليو، بعد 25 يوماً قطع والمشاركون فيها أكثر من 450 كلم سيراً على الأقدام، بتجمع مليوني. وخلال التجمع قرأ بياناً من 10 نقاط حددها كاستراتيجية لحزبه في المرحلة المقبلة، ودعا الأتراك لتبنّيها والدفاع عنها وكان أهمها إلغاء حالة الطوارئ، ودعم استقلالية القضاء، والإفراج عن الصحافيين المعتقلين، وضمان حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير في الجامعات، وعدم الاعتراف بالتعديلات الدستورية التي أُقِرّت في الاستفتاء الأخير بطريقة غير مشروعة وبقاء النظام البرلماني.
وفي هذا السياق، يواصل حزب الشعب الجمهوري ضغطه على إردوغان بملف استقلال القضاء وانتهاك الحقوق والحريات، منتقداً صمت الرئيس عن رجل الأعمال رضا ضراب الذي يُحاكَم في نيويورك، والذي كان قد ادعى تورط الرئيس التركي بغسل أموال لصالح إيران. وردّاً على هجوم من قبل إردوغان اتهمه فيه بأنه يستهدف رجال الأعمال، قال كليتشدار أوغلو: «لا أنا ولا الدائرة القريبة مني أسسنا شركة في جزيرة مان أو مالطة للتهرب من الضرائب في تركيا».

مواقف تجاه المنطقة العربية
على صعيد السياسة الخارجية، أظهر حزب الشعب الجمهوري معارضة قوية لسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم التي تدير ظهر تركيا للغرب وتتجه شرقاً. ويعتبر حزب الشعب الجمهوري أن سياسة تركيا الخارجية «عاجزة تماماً في سوريا العراق» و«جرت تركيا إلى مستنقع الشرق الأوسط بعد الربيع العربي»، وهو يرفض تدخلات إردوغان في شؤون الدول الأخرى كما فعل في مصر والعراق وسوريا.
وبالنسبة للأزمة السورية، بالذات، فإن حزب الشعب الجمهوري وعلى الرغم من تأييده لعمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون» العسكريتين في شمال سوريا، فإنه يرفض تعاون تركيا مع «الجيش السوري الحر» بزعم أنه يحوي فصائل تتبع تنظيم القاعدة وداعش. وبالعكس، يطالب بالتعامل مع نظام بشار الأسد «إذا كانت تركيا ترغب في حماية حدودها والقضاء على خطر الإرهاب القادم من سوريا». وحقاً، يوصف كليتشدار أوغلو بأنه صديق للنظام السوري بسبب خلفيته الطائفية العلوية الشيعية، وكون حزبه محسوباً، عموماً، على هذه الطائفة، كما تجمعه علاقة قوية بنظامي الحكم في العراق وإيران.
أكثر من هذا، يرى الحزب أن السياسة التركية الخارجية إجمالاً «فاشلة»، وأدت إلى «عزلة تركيا» وانقطاع الصلة مع محيطها ومع بعض الدول المهمة في المنطقة مثل مصر، بسبب تأييد إردوغان لجماعة الإخوان المسلمين. وكان وفد من الحزب قد زار مصر، كما فعل مع العراق، وأعلن أخيراً أنه سيرسل وفداً إلى سوريا.
ختاماً، يرى كثيرون من المراقبين على أن مهمة كيليشدار أوغلو تبدو مستحيلة في المرحلة المقبلة. إذ عليه إبقاء المعارضة موحدة وتجهيزها لمعركة الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية في 2019 بوجه حزب العدالة والتنمية الذي بات يحظى بدعم حزب الحركة القومية اليميني. ولكن يرى البعض أنه مع ذلك نجح إلى حد بعيد في إيصال رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن تركيا ليست عبارة عن حزب واحد أو رجل واحد.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.