«اللوفر» يعرض لوحات سرقها النازي بحثاً عن أصحابها الأصليين

TT

«اللوفر» يعرض لوحات سرقها النازي بحثاً عن أصحابها الأصليين

الحجرتان الصغيرتان متواريتان بأحد أركان المتحف بعيداً عن الزحام والزوار، الذين توافدوا على أشهر متاحف فرنسا، بحثاً عن لوحة «موناليزا» و«فينوس دي ميلو».
في البداية، لم يكن من السهل ملاحظة القاسم المشترك الذي يجمع اللوحات الإحدى والثلاثين المعروضة بشكل دائم بتلك الغرف، من بينها لوحات تعود إلى عصر النهضة في إيطاليا، والعصر الذهبي في هولندا، وفرنسا ما قبل الثورة. من الخارج، لن تجد لافتة تشير إلى محتوى الغرفتين، لكن الفن ستراه محشوراً في مساحات تذكرك بالقاعات المزدحمة التي تميل أكثر إلى الفوضى على غرار متحف اللوفر في القرن التاسع عشر، على العكس من متاحف اليوم المنمقة.
ورغم كل هذا، فالمتحف يتباهى بأسلوب عرضه المتواضع، باعتباره تطوراً كبيراً في تاريخه. فللمرة الأولى منذ عام 1945، خصص المتحف مساحة لعرض اللوحات التي سرقها النازي من مختلف الدول الأوروبية في زمن الحرب العالمية الثانية، وهو ما يطلق عليه القائمون على المعرض «جهوداً لاسترداد المقتنيات الفنية». وبحسب القائمون على المتحف، فالفكرة من العرض تشجيع أحفاد أصحاب الأعمال الفنية، وغالبيتهم من اليهود ضحايا المذابح النازية، على الحضور والمطالبة باسترداد كل ما يحق لهم من مقتنيات فنية.
وبحسب مدير قسم اللوحات بالمتحف، سباستيان ألارد الذي قال خلال جولة بين غرف المتحف الجديدة الخميس الماضي، «هدفنا الواضح جداً هو إعادة كل شيء إلى أصحابه»، مضيفاً «أنه أمر بالغ الأهمية أن نخصص مكاناً مستقلاً لعرض الأعمال المنهوبة. ويبلغ عددها نحو 61.000 قطعة أعيدت إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. وبالفعل قامت الحكومة الفرنسية بإعادة نحو 45 ألف قطعة إلى من بقي من أصحابها على قيد الحياة أو إلى ورثتهم الشرعيين، فيما بيعت آلاف القطع لتمويل خزائن الحكومة في فترة ما بعد الحرب».
وعلى مدار عقود، عرضت المتاحف الفرنسية، ومنها «اللوفر»، طواعية ما تبقى من القطع للبيع، وبلغ عددها 2143 قطعة. وبحسب إحصاءات «اللوفر»، فلا يزال المتحف يحتفظ بنحو 1752 قطعة فنية منهوبة، منها 807 لوحات، من ضمنها 296 موجودة بمقر المتحف المترامي الأطراف بباريس، فيما تعرض باقي القطع في بعض المتاحف التابعة له، والمنتشرة في مختلف أنحاء فرنسا. وخارج الحجرتين الجديدتين، لا تزال هناك بعض الأعمال الفنية المنهوبة مبعثرةً وسط مجموعة المعروضات الدائمة بالمتحف.
وقد أثنى محامو التعويضات والنشطاء على طريقة العرض الجديدة التي بدأها المتحف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غير أنهم يتشككون في أن يكون الدافع الحقيقي للمتحف هو رد الحق لأصحابه. فمنذ عام 1951 أعاد المتحف 50 في المائة فقط من اللوحات المنهوبة، التي يحتفظ بها بين معروضاته، وفق إحصاءات المتحف. وأفاد البعض بأن إطلاق هذا المشروع الآن بعد مضي 70 عاماً من الحرب العالمية الثانية يعني أن عدداً ضئيلاً من الأحفاد سيأتي لاسترداد حقه.
وفي السياق ذاته، قال كريستوفر مارنلو، محامي تعويضات من لندن تولي بعض قضايا الاسترداد الكبرى لما يعرف بالسرقات النازية، إن «المتحف ينفض يديه من مسؤوليته الإنسانية. آسف أن أقول هذا، فنحن نتوقع من (اللوفر) ما هو أكثر من هذا»، مضيفاً: «كان يجب أن يتم ذلك في نهاية تسعينات القرن الماضي». واستطرد كريستوفر: «من المحزن أن يحدث هذا بعد 20 عاماً من إعلان واشنطن، خصوصاً عندما يحدث هذا من متحف بحجم ومكانة (اللوفر)». وكان «إعلان واشنطن» قد صدر خلال مؤتمر صحافي عقد عام 1998 في واشنطن حضره ممثلون من 44 حكومة لوضع بروتوكولات دولية لتحديد ورد القطع الفنية المنهوبة.
وفي فرنسا، شكلت نهاية التسعينات نقطة تحول في الذاكرة الوطنية التي طالما تحاشت الاعتراف بتواطؤ الدولة مع ألمانيا النازية في زمن الحرب. وفي يوليو (تموز) 1995، اعتذر الرئيس الفرنسي في ذلك الحين جاك شيراك علانية عن دور بلاده في «الهولوكوست»، وشرعت حكومته في مراجعة للتركة الكئيبة المعقدة، كان الفن المنهوب محورها.
وبعد ذلك بعامين، شكلت الحكومة الفرنسية فريق عمل أطلق عليه اسم «لجنة ماتيولي» التي تولت التحقيق في مصادر تلك الأعمال المنهوبة المعروضة في المتاحف الوطنية، وقامت بإنشاء جهاز يتولى النظر في مطالبات الاسترداد التي تقدم بها الضحايا أو ذووهم، لكن العمل سار ببطء شديد.
وأفاد مارك مارسورفسكي، خبير الاسترداد ومؤسس مشروع «استرداد المقتنيات الفنية للهولوكوست» عام 1997، في رسالة بالبريد الإلكتروني، «كان من الأحرى على متحف اللوفر ومسؤولي الحكومة أن يحذو حذو نظرائهم في باقي أنحاء أوروبا بالبحث عن الضحايا وذويهم، لأن الضحايا وأحفادهم ربما لا يعلمون أن لهم مقتنيات يحق لهم المطالبة بها. فإن فعلت ذلك، فستكون الحكومة الفرنسية قد استثمرت جهدها في الاتجاه الصحيح، وحينها سنرفع لها القبعة. لكن هذا لم يحدث للأسف».

* واشنطن بوست



جائزة «الأوسكار» تُصنَّف «سلاحاً»... وتختفي في مطار نيويورك

ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)
ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)
TT

جائزة «الأوسكار» تُصنَّف «سلاحاً»... وتختفي في مطار نيويورك

ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)
ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)

قال المُخرج المُشارك لفيلم «مستر نوبادي أجينيست بوتين» الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل هذا العام، ديفيد بورنستاين، إنّ تمثال الجائزة الخاص ببافيل تالانكين، المُخرج الروسي المساعد في الفيلم، فُقد بعد اضطراره إلى وضعه ضمن الأمتعة المُسجّلة في رحلة جوّية من نيويورك إلى ألمانيا.

ووفق «رويترز»، أوضح بورنستاين أنّ تالانكين كان مسافراً من مطار جون إف. كينيدي الدولي إلى مطار فرانكفورت في ألمانيا على طائرة تابعة لشركة «لوفتهانزا». لكنّ موظّفي إدارة أمن النقل (تي إس إيه) أخبروه أنّ التمثال، الذي يزن 3.8 كيلوغرام، يُشكّل تهديداً أمنياً مُحتملاً.

وقال بورنستاين عبر «إنستغرام»: «في المطار، أوقفه أحد موظفي إدارة أمن النقل، وقال له إنّ جائزة (الأوسكار) يمكن استخدامها سلاحاً».

وأضاف: «لم يكن لدى بافيل حقيبة لتسجيلها، لذا وضعت إدارة أمن النقل الجائزة في صندوق وأرسلتها إلى مؤخّرة الطائرة»، ونشر مجموعة من الصور، من بينها صورة الصندوق.

وتابع: «ولم يصل (الصندوق) أبداً إلى فرانكفورت».

ورداً على منشور بورنستاين، قالت شركة «لوفتهانزا» إنها تتعامل مع المسألة بجدّية. وعلَّق متحدث باسم الشركة: «نأسف بشدّة لهذا الموقف».

وأضاف: «فريقنا يتعامل مع هذه المسألة باهتمام بالغ وعجلة، وننفّذ بحثاً داخلياً شاملاً للتأكد من العثور على تمثال (الأوسكار) وإعادته في أسرع وقت».

وفي حديثه إلى مجلة «ديد لاين» الإلكترونية بعد وصوله إلى ألمانيا، قال تالانكين: «من المُحيّر جداً كيف يعدُّون جائزة (الأوسكار) سلاحاً».

وأضاف أنه استقلَّ رحلات سابقة مع شركات طيران مختلفة، وحمل الجائزة «في المقصورة، ولم تكن هناك أي مشكلة على الإطلاق».


إبراهيم معلوف يعزف لقاء العوالم: موسيقى تولد بالتلاقي خارج الحدود

صوتٌ يبحث عن صدى في أماكن جديدة (صور: إبراهيم معلوف)
صوتٌ يبحث عن صدى في أماكن جديدة (صور: إبراهيم معلوف)
TT

إبراهيم معلوف يعزف لقاء العوالم: موسيقى تولد بالتلاقي خارج الحدود

صوتٌ يبحث عن صدى في أماكن جديدة (صور: إبراهيم معلوف)
صوتٌ يبحث عن صدى في أماكن جديدة (صور: إبراهيم معلوف)

يفتح العازف اللبناني العالمي إبراهيم معلوف تعاونه الجديد مع المغنّي الأميركي جيسون ديرولو، والرابر الأميركي كيفن غيتس، على احتمال موسيقي يقوم على سعي العوالم المختلفة إلى فهم بعضها بعضاً. فاللقاء الذي يجمع البوب العالمي والراب الأميركي ونَفَس معلوف الآتي من ذاكرة لبنانية وموسيقى عابرة للحدود، يقدّم سؤالاً فنياً عن معنى أن يخرج الفنان من بيته الموسيقي من دون أن يخلع صوته.

كل نغمة خطوة نحو الآخر (صور: إبراهيم معلوف)

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يقول معلوف إنّ هذا التعاون «وُلد ببساطة وبشكل طبيعي» من فضول مُتبادل ورغبة مشتركة في اللقاء. لم يكن الأمر، كما يوضح، نتيجة حسابات ثقيلة أو هندسة مُسبقة، إنما جاء حين شعر بأنْ لا تصوّرات مُعدَّة سلفاً ولا حواجز بين الأطراف، «فقط موسيقى ورغبة صادقة في خلق شيء حقيقي». عند تلك اللحظة، أدرك أنّ اللقاء يستحق التحوُّل إلى عمل. ثمة لقاءات، في رأيه، لا تحتاج إلى شرح كثير، لأنها تحمل إمكانها في داخلها وتعلن نفسها من النغمة الأولى.

لا يتعامل معلوف مع التعاون الفني على أنه مساحة نفوذ، ولا يعدُّ الهوية أشبه بقلعة مُغلقة. يفضّل أن يرى الموسيقى حواراً، وليست أرضاً للدفاع. «لذلك، حين أدخلُ تجربة مشتركة، لا أسعى إلى فرض حضوري ولا إلى التراجع حتى الاختفاء. أبدأ من الإصغاء»، يقول. من هذا الإصغاء تولد «مساحة ثالثة» لا يتخلَّى فيها أحد عن صوته، ويقبل الجميع التحرُّك قليلاً من أماكنهم. وفي المنطقة الرهيفة، حيث تتزحزح الحدود من دون أن تُمحى، يرى معلوف أنّ المعجزة الصغيرة للموسيقى يمكن أن تحدث.

معلوف آتٍ من تجربة مُشبَّعة بطبقات الهوية والذاكرة والتكوين المنضبط، أما العمل فينتمي إلى زمن موسيقي سريع الإيقاع وشديد الانتشار. ومع ذلك، لا يرى بين العمق والسرعة مواجهة حتمية. «العمق بالنسبة إليّ لا يرتبط بالشكل أو بسرعة الانتشار، إنما بالنية»، يقول. يستعيد نشأته في بيئة موسيقية صارمة، بين الموسيقى الكلاسيكية والمسابقات العالمية والعمل مع أوركسترات وقادة كبار، ثم يضع إلى جانبها فضوله الدائم تجاه الجاز والراب والبوب والموسيقى التقليدية من أنحاء العالم. هذا الخليط، كما يشرح، هو ما صنع هويته الفنية، ولذلك يحاول، حتى ضمن إطار سريع، أن يقدّم شيئاً نابعاً من الداخل وراسخاً في أساسه.

الموسيقى تكفي لفتح طريق بين عالمين (صور: إبراهيم معلوف)

ولا يضع معلوف هذا التعاون في خانة التحوّل المفاجئ. يراه «لحظة حرّة» قائمة بذاتها، وفي الوقت عينه امتداداً طبيعياً لمسار لطالما ذهب به إلى أماكن لم يكن الجمهور يتوقّعه فيها. بالنسبة إليه، ليس الانفتاح خطّة مدروسة بقدر ما هو طريقة عيش. لذلك لا يتعامل مع التجربة على أنها قطيعة مع ما سبق، ولا بداية انقلاب في المسار، فهي حلقة إضافية في طريق مفتوح على الاحتمالات.

ويعترف بأنّ كل لقاء يترك أثراً في صاحبه. وهذه التجربة، كما يقول، ذكّرته بقدرة الموسيقى على أن تكون مباشرة وغريزية، تستطيع اختصار المسافات بين عوالم شديدة الاختلاف. قد يأتي الفنانون من لغات موسيقية متباعدة، ومع ذلك يلتقطون الإشارة بسرعة حين تكون النيّة واضحة. وهذا في نظره سبب إضافي كي يظلّ منفتحاً، وألا يقول لنفسه إنّ هناك مساحة فنية لا تخصّه.

على الضفة الأخرى من هذا التعاون، يستعدّ معلوف لحفل ضخم في باريس عام 2027، أمام عشرات الآلاف من المتفرّجين. هنا تنتقل الموسيقى من حميمية الاستوديو إلى طَقْس جماعي هائل. يصف هذا التحوّل بأنه قوي، لأنّ اللحظة التي تبدأ داخلية وصغيرة تصبح على المسرح تجربة مشتركة ممتدّة. ومع ذلك، يبقى الهدف أن يصل الإحساس الحقيقي، سواء إلى مستمع واحد أو إلى جمهور كبير.

في فنّه ظِلّ وطن لا يبهت مهما ابتعد (صور: إبراهيم معلوف)

ولا يُخفي معلوف قلقه من ضخامة العروض. نسأله: هل يمكن للصورة أن تبتلع الصوت؟ جوابه يقوم على التوازن. فالصورة في رأيه تستطيع أن تخدم الموسيقى ما دامت لا تطغى عليها: «الأهم أن يبقى الفنان يقظاً ومتواضعاً، ويتذكر سبب وجوده على الخشبة. حين تظلّ الموسيقى في المركز، تصبح العناصر الأخرى سنداً لها، وليست عبئاً عليها».

يريد إبراهيم معلوف أن يُكرِّس عبر هذا العمل معنى الانفتاح، فيُدرك المستمعون أنّ الحدود بين الأنماط الموسيقية ليست ثابتة: «لقاء العوالم المختلفة قادر على خلق لغة جديدة من دون خوف أو أحكام مُسبقة».


بلادٌ تحلو فيها الوظيفة ويرتفع الحدّ الأدنى إلى 3500 دولار

TT

بلادٌ تحلو فيها الوظيفة ويرتفع الحدّ الأدنى إلى 3500 دولار

تتصدّر نيوزيلندا والدول الاسكندنافية قائمة البلاد التي توازن بين العمل ونوعيّة حياة الموظف (بكسلز)
تتصدّر نيوزيلندا والدول الاسكندنافية قائمة البلاد التي توازن بين العمل ونوعيّة حياة الموظف (بكسلز)

ما عاد شعار «نعيش لنعمل» يتلاءم والنمط الوظيفيّ المُعتمَد مؤخراً في الدول المتقدّمة. ولا يمكن الاكتفاء حتّى بالعبارة المُعاكسة أي «نعمل لنعيش»، بل يجب إضافة بعض التفاصيل الأساسية إليها لتصبح مثلاً: نعمل لنعيش جيّداً، بما يؤمّن استقرارنا المادي والنفسي في آنٍ معاً.

بعضُ البلاد باتت تحقق هذه المعادلة السحريّة، ويهرع كثيرون من حول العالم للتقدّم بطلبات عمل في تلك الدول حيث عناصر الوظيفة مثاليّة؛ من الراتب، إلى ساعات العمل، والإجازات المدفوعة، وصولاً إلى المرونة في التعامل بين المديرين والموظّفين، ووضع الاستقرار النفسي للموظّف في صدارة الاهتمام.

تحرص الشركات مؤخراً على سعادة الموظف واستقراره النفسي (بكسلز)

إلى نيوزيلندا دُر

للسنة الثالثة على التوالي، تتصدّر نيوزيلندا الوجهات الوظيفية العالمية. ووفق المؤشّر العالمي «ريموت» للتوازن بين العمل وجودة الحياة، فإنّ المؤسسات والشركات في ذلك البلد هي الأفضل بما أنها تؤمّن راحة الموظّف وسعادته على كافة المستويات.

في نيوزيلندا، يستفيد العمّال من 32 يوم إجازة سنويّة مدفوعة إضافةً إلى أيام العطل الرسمية. أما الأمّهات فيحقّ لهنّ إجازة أمومة مدفوعة مدّتها 26 أسبوعاً. لا تختلف ساعات العمل كثيراً عمّا هو متعارف عليه عالمياً، أي 40 ساعة أسبوعية، إلا أنّ المرونة هي السِمة العامة للتعامل مع الموظّف، على قاعدة «لا توجد حالات طارئة».

بين الموظّفين وأرباب العمل غالباً ما تكون العلاقة ودّيّة ومجرّدة من البروتوكول والرَسميّات. كما يحقّ لهم أن يعملوا عن بُعد متى يشاءون إذا كانت نوعيّة الوظيفة تتيح ذلك، وأن يخرجوا قبل انتهاء الدوام، بعيداً عن التعداد الصارم لساعات العمل.

تُعَدّ نيوزيلندا من بين الدول الأكثر أماناً ويرتفع فيها كذلك مؤشّر السعادة. كما تحمي القوانين فيها الموظفين من الطرد التعسّفي، وتقدّم الحكومة التغطية الصحية للمقيمين مجاناً أو بتكلفةٍ رمزيّة. أما الحدّ الأدنى للأجور فليس الأعلى عالمياً لكنه من بين الأفضل، ويتراوح ما بين 2300 و2500 دولار أميركي شهرياً.

للسنة الثالثة على التوالي، تتصدّر نيوزيلندا الوجهات الوظيفية العالمية (رويترز)

النرويج... حيث تحلّق الرواتب

تستحوذ النرويج على أفضل الأرقام، تلك التي تُغري الموظّف إلى أقصى الحدود. بدءاً بالحدّ الأدنى للأجور الذي يتراوح ما بين 3000 و3500 دولار، وهو الأعلى عالمياً. يتقاضى عمّال التنظيف على سبيل المثال 22 دولاراً مقابل ساعة واحدة من العمل.

إلى جانب الرواتب الممتازة، تقدّم الشركات والمؤسسات في النرويج أطول إجازة أمومة مدفوعة في العالم، ومدّتها 49 أسبوعاً. وتشمل هذه الإجازة الآباء الذين يستفيدون من 15 أسبوعاً مدفوعاً من أجل البقاء مع أطفالهم حديثي الولادة. يُضاف إلى ذلك 25 يوماً من الإجازة السنوية إلى جانب أيام الإجازات والأعياد الرسمية. أما ساعات العمل الأسبوعية فهي من الأدنى عالمياً ولا تتجاوز 32.6 ساعة في الأسبوع.

في مقرّات العمل في النرويج، تسود ثقافة التعاون والمساواة بين الموظفين الذين تتّسم علاقتهم بالمديرين والمسؤولين بالثقة والاحترام حيث يجري التعامل بشكلٍ أفقيّ وليس عمودياً. وقد رفعت كل تلك المحفّزات الوظيفية مجتمعةً النرويج إلى الصدارة المتكررة لمؤشّر الأمم المتحدة للتنمية البشريّة.

يتقاضى عمّال التنظيف في النروج 22 دولاراً مقابل ساعة عمل واحدة (رويترز)

لكسمبورغ... أصغر البلاد وأعلى الأجور

يصل الحدّ الأدنى للأجور في لكسمبورغ إلى 3200 دولار شهرياً. فرغم مساحتها الضيّقة، تقدّم الدولة الصغيرة إحدى أفضل بيئات العمل للموظّفين، أكانوا من أبناء البلد أو المهاجرين. إضافةً إلى الرواتب المرتفعة، يحصل الموظف على 37 يوم إجازة سنوية مدفوعة، ويُحَصّن بحماية قانونية من أن تتخطّى ساعات عمله الأسبوعية الحدّ الأقصى المسموح به.

تقدّم لوكسمبورغ أعلى حدّ أدنى للأجور في أوروبا (بكسلز)

أهمّ الشركات في آيرلندا

في آيرلندا يتراوح الحدّ الأدنى للأجور ما بين 2670 و2800 دولار. واحتلّت المرتبة الثانية عالمياً في التوازن بين العمل وجودة الحياة، الإجازات سخيّة والرواتب تنافسية ومرتفعة، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا، والمال، والمصارف. وقد تحوّلت البلاد خلال السنوات الأخيرة إلى مقرّ لأهمّ الشركات العالمية مثل «غوغل» و«ميتا» و«أبل».

تحوّلت آيرلندا إلى مقرّ لأهمّ الشركات العالمية (بكسلز)

في هولندا... العمل نزهة على درّاجة

تحتلّ هولندا المرتبة الرابعة عالمياً من حيث أفضل حدٍّ أدنى للأجور، الذي يتراوح ما بين 2600 و2700 دولار. وتُعدّ هولندا وجهة وظيفيّة رائدة لما تؤمّن من توازن بين جودة العمل وجودة الحياة. تتراوح ساعات العمل الأسبوعية ما بين 36 و40، وثمة مرونة في التعامل مع الدوامات، كما تمتاز المؤسسات والشركات بتأمينها المساواة بين الموظّفين، إناثاً وذكوراً، مواطنين وأجانب.

في هولندا، يتوجّه عدد كبير من الموظفين إلى مكاتبهم على الدرّاجات الهوائية، في دليلٍ على الأهمية الممنوحة للصحة ونوعية الحياة. ولمَن لا يُتقن ركوب الدرّاجة الهوائية، بإمكانه الاستفادة من أحد أكثر أنظمة المواصلات العامة تطوّراً وسلاسةً في العالم.

في هولندا يتوجّه غالبية الموظفين إلى أعمالهم على الدرّاجات الهوائية (بكسلز)

بلجيكا تنافس في الحدّ الأدنى

إلى جانب استفادة مواطني بلجيكا والمقيمين فيها من نظام متطوّر للخدمات التربوية والصحية، يستفيد الموظّفون من بينهم من أحد أفضل حدٍّ أدنى للأجور في أوروبا. فمطلع أبريل (نيسان) 2026، جرى رفع الحدّ الأدنى الشهري إلى 2580 دولاراً. تنافس بلجيكا الدول الأخرى لناحية ساعات العمل الأسبوعية، التي تتراوح بين 34 و37 ساعة.

كما تُصَنّف بلجيكا من ضمن أفضل 5 دول أوروبية من حيث فرص العمل عن بُعد، حيث يستفيد نحو 40 بالمائة من العاملين فيها من ساعات الدوام المرنة وإمكانية العمل عن بُعد.

تُصَنّف بلجيكا من أفضل 5 دول أوروبية للعمل عن بُعد (رويترز)

ألمانيا... الذكاء قبل الجهد

منذ مطلع العام الحالي، ارتفع الحدّ الأدنى الشهري للأجور في ألمانيا إلى 2600 دولار. ورغم أنّ شروط العمل والدوام هناك أكثر صرامةً من الدول الأوروبية الأخرى، كارتفاع ساعات العمل الأسبوعية إلى 40، فإنّ المؤسسات والشركات الألمانية باتت تشدّد على أنّ الذكاء في العمل أهمّ من فائض الجهد.

يبلغ الحدّ الأدنى للأجور في ألمانيا 2600 دولار (رويترز)

الدنمارك حيث النوم أهمّ من الوظيفة

في الدنمارك، لا حداً أدنى للأجور إذ يجري الاتفاق على الراتب بين الموظّف ورب العمل. لكنّ المؤكّد أنّ أي راتب شهري لا يتدنّى عن 2600 دولار مهما كانت الوظيفة.

وفق استطلاع أجرته شركة «يوغوف» للدراسات والإحصاءات عام 2024، جرى تصنيف الدنمارك أقلّ دولة في العالم تعاني من الحرمان من النوم. وهذه نتيجة بديهيّة للثقافة المهنية السائدة هناك حيث الإفراط في العمل أمرٌ نادرٌ جداً. يستفيد الموظّفون من 36 يوم إجازة سنوية مدفوعة، كما أنّ الإجازات المرضيّة لا تتسبّب بحسمٍ من الرواتب. أما ساعات العمل الأسبوعية فلا تتخطّى الـ37. يُضاف إلى ذلك أن الدنمارك مصنّفة إحدى أكثر الدول سعادةً في العالم.

الدنمارك أقلّ دولة في العالم تعاني من الحرمان من النوم (رويترز)

من بين الدول الأوروبية التي يتساوى فيها العمل أهميةً مع نوعيّة الحياة، فنلندا وإسبانيا والنمسا والسويد. أما العوامل التي تجعلها من بين أفضل الوجهات الوظيفيّة فهي الرواتب المرتفعة، وساعات العمل المتدنّية، والإجازات السنوية والمرَضيّة المدفوعة، إضافةً إلى الأهمية التي تمنحها لرفاهية الموظّف وصحته النفسية.