الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير

لم تستطع الصمود طويلاً أمام الوباء الذي تبثه السياسة

مبنى جامعة بغداد
مبنى جامعة بغداد
TT

الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير

مبنى جامعة بغداد
مبنى جامعة بغداد

ما زلتُ أتذكر لحظة قراءتي لقصيدة الجواهري الكبير «إيهٍ عميد الدار» قبل أكثر من 30 عاما، وقد كانت مهداة للدكتور هاشم الوتري، الذي كان يسمى «أبو الأطباء» في العراق، قرأتُها واستعدتُها مراراً، ولكني لا أعرف من الوتري؟ ولماذا استحق قصيدة من الجواهري؟ وهو عميد كلية فقط، حتى تبينت لي الخطوط فيما بعد، وتبين أن هاشم الوتري هو مؤسس كلية الطب في العراق، وعميد الكلية الطبية الملكية فيها، ومؤلف كتاب «تاريخ الطب في العراق» وأن تاريخه وتاريخ الأكاديميين معه مرتبطٌ بولادة الدولة الحديثة ونشأتها، لهذا كتب فيه الجواهري قصيدته الشهيرة في إحدى المناسبات التكريمية لهذا العميد، عميد الدار:
مجَدتُ فيك مشاعراً ومواهباً
وقضيتُ فرضاً للنوابغ واجبا
بالمبدعين الخالقين تنوَرت
شتَى عوالم كن قبلُ خرائبا
شرفاً عميد الدار عُليا رتبةٍ
بُوئتَها في الخالدين مراتبا
ثم يستمر الجواهري بهجاء الواقع السياسي، وكان ذلك عام 1949، ويهجو الجميع، حكوماتٍ ومتواطئين، حسب رأيه، متخذا من الوتري حائطاً يستند عليه، ومنارةً يبثُها شكواه، بعد ذلك عرفتُ أن هذا الصرح الذي يُسمَى «الأكاديمية» هو الرحم الذي ينتج الطاقات، والبوصلة التي توجه الدولة، وترسم ملامحها وفلسفتها، وكلَما كانت هذه البوصلة مخلصة وحقيقية، كانت الدولة أكثر اتزاناً، وأوفر حظَاً في البناء والتطور.
بعد «هاشم الوتري» يظهر لنا اسم مهم في المعرفة والإدارة وهو الدكتور «عبد الجبار عبد الله» ثاني رئيس لجامعة بغداد، وأحد تلاميذ «أينشتاين» والذي استقال من رئاسة الجامعة لأن شرطياً دخلها بسلاحه، ولذلك فالجامعات تُسمى «حرماً» فاستقال، ومن ثم سجنه البعثيون حتى غادر البلاد بداية السبعينات.
الأكاديمية العراقية تنضح أسماء علمية مهمة، أسهمت بصناعة هذا الصرح وتطويره، وخشعت في محراب المعرفة، والأسماء التي سأورد بعضها قد تكون عينةً صالحة للزهو والبكاء في الوقت نفسه «علي الوردي، وطه باقر، ومهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، وعناد غزوان، وجلال الخياط، وعلي المياح، وخديجة الحديثي وآخرون»، حتى أمسك الجيل الثاني بعد جيل الريادة الأكاديمي أمثال «طارق الجنابي، وصاحب أبو جناح، وعلي عباس علوان، ومحسن إطيمش، وخالد علي مصطفى، وشجاع مسلم العاني، ومحمد حسين الأعرجي، وناصر حلاوي، وحسام الدين الألوسي، ومدني صالح وآخرون أيضا»، وهنا أذكر هذه الأسماء وهي في الأعم من أساتذة اللغة العربية والفلسفة وعلم الاجتماع والآثار الذين يتحركون في ذاكرة أساتذتنا، ومن ثمَ عشعشوا في ذاكرتنا، فالجيل الأول هو جيل التأسيس، الذي تعلَم معظمه في أوروبا وأميركا، وتتلمذوا على أيادي كبار المستشرقين، وتعلموا معنى أنْ تكون أستاذاً جامعياً ملتفاً بالمدينة ومهموماً بها، فهؤلاء الأساتذة الأوائل والتابعون لهم كانوا مصدر تنوير للمدن التي يخدمون بها، والجامعة إنْ لم تكن مصدر إشعاعٍ وتنويرٍ وبث لروح التجدد، فإنها ستعطل جناحاً مهمَاً من أجنحة طيرانها، وتتحول إلى دائرة حكومية كأي بلديةٍ أو مديرية للزراعة.
أسهم ذلك الجيل في ترسيخ قيم المدنية، وفي النأي بالجامعات من صراع السياسة وحبائلها، لأن السياسيين دائما يسيل لعابهم على اثنين (الجامعات والعسكر)، فإنْ سيطر عليهما ستكون الدولة بكاملها منقادةً لأي سلطة من السلطات، استطاعت الجامعة أنْ تحصِنَ نفسها بلقاحات المعرفة، والشخصية المعنوية الكبيرة، من كوليرا السياسة، على عكس العسكر العراقي الذي سال لعابه على القصور الرئاسية، فأدمن لعبة الانقلابات، وتحوَل الكثير من قادته إلى متحزبين، وجنود في رقعة شطرنج الزعماء.
لكن ما يؤسف له أن الجامعات لم تستطع الصمود طويلاً أمام الوباء الذي تبثه السياسة، وأظن إنَ أول الوباءات كان في أواسط السبعينات، حين أحالت الحكومة العراقية عدداً كبيراً من الأساتذة الكبار إلى التقاعد، وطردتهم خارج أسوار الجامعة، وذلك لدخول «حزب البعث» إلى كل مفاصل الحياة العراقية، وأولها الجامعات، التي ظن الحاكمون أنَها ستكون بوَابتهم لصناعة قادةٍ جددٍ من خلالها.
يُروى لنا أن الحكومة أحالت العلَامة اللغوي الكبير «مهدي المخزومي» إلى التقاعد، وهو في قمة العطاء فتقبَل الأمر، وذهب إلى «المملكة العربية السعودية» يدرِس في إحدى جامعاتها، وقد وجد من الحفاوة والتكريم ما لم يجده في بلده، فبعث بعض كتَاب التقارير إلى السعودية وإلى رئيس تلك الجامعة التي يعمل فيها «المخزومي» يحذرهم ويخبرهم بأن «المخزومي» «رجل شيعي وشيوعي» في الوقت نفسه، فأجابه رئيس الجامعة السعودية: إنْ كان لديكم شيعة وشيوعيون مثل «المخزومي» ولستم بحاجة لهم فابعثوهم إلينا.
بعد تلك الحادثة استطاعت السلطة أنْ تروِض الجامعات، وأنْ تضع قيادات موالية للسلطة على هرم كل جامعة، وبدأت حملات «التبعيث» حيث أُجبر معظم الأساتذة والطلاب في أنْ يكونوا بعثيين مجبرين - معظمهم طبعا - وخصوصا في الكليات الإنسانية التي تخرِج معلمين ومدرسين حيث يعدَونها مفقساً لتخريج الأساتذة الذين يجب أنْ يكونوا مؤمنين بفلسفة الدولة الجديدة، وثورتها، وحزبها الأوحد.
بعد ذلك دخلت العسكرة إلى الجامعات بشكل فاقع فترى بعض القيادات ترتدي الملابس العسكرية، أو ما يُسمَى بـ«الزيتوني» ومن ثم أُجبر الأساتذة أنْ يذهبوا أشهر العطلة إلى ساحات القتال أيام الحرب العراقية الإيرانية، وأنْ يذهب طلبة الجامعات إلى المعسكرات طيلة أشهر العطلة، ومنْ لم يذهب سيُرقَنُ قيدُه ويُساقُ إلى جبهات القتال، بعد ذلك فرَختْ المعسكرات بيوضها داخل الحرم الجامعي، فبدأنا نرى أساتذة كراماً يقفون في طوابير طويلة داخل ملعب الجامعة، يعلمهم عريفٌ لا يقرأ ولا يكتب الرمي والهرولة، وذلك استعداداً لما يُسمَى بـ«جيش القدس» في أواسط التسعينات، ومن لم يذهب ستذهب به تقارير الوشاة المتبرعين، فضلاً عن سنوات الحصار المريرة التي أنهكت الجانب الاقتصادي للأستاذ الجامعي وللطالب.
بدأت الهجرة الثانية لأساتذة الجامعات من بداية التسعينات حتى ما قبل 2003 بقليل، وهي هجرة اقتصادية بعكس الهجرة الأولى في بداية السبعينات وحتى نهايتها حيث كانت هجرة سياسية، لهذا انتشرت الكفاءات العراقية في اليمن وليبيا والأردن، وهنا أتذكر مقطعا من الشعر الشعبي للشاعر العراقي «موفق محمد» وقد طعَم نصه الفصيح به، حيث أهداه لصديقه حسن الذي يبحث عن عملٍ في اليمن فقال له: ((ما صارت ولا جرتْ / يا ريت عيني عمتْ / ما أنصفتْ من صفتْ / أيدِور خبز باليمن / لا تيأسنْ يا حسنْ)) ومحظوظ من كان عقده في إحدى جامعات الخليج، وقد سمحت الدولة حينها بذهابهم، وهي غاضة الطرف عنهم نتيجة للضغط الكبير الذي مورس على هذه الشريحة التي سُلبت كلَ شيء.
بعد عام 2003 اختلف ميزان القوى في البلد كما هو معروف، ولكن الأكاديمية العراقية للأسف لم تستطع أنْ تنأى بنفسها عن الصراع الذي أشعلته الأحزاب، والطوائف، والقوميات، فبدأت الجامعات تتدفَى على تلك النار، بل أسهمت بمد صغار الحطب لها، وفي بعض المرَات أصبحت هي النار نفسها، فبدل أنْ تكون حلَاً لمشكلات البلد، أضحت في بعض الأحيان هي المشكلة نفسها، إذ انساقت تلك الشخصية المعنوية المهمة التي يأوي إليها العراقيون جميعا بكل اختلافاتهم إلى صراع الديكة، وأضحت جامعات مغلقة لفئة محددة، أو طائفة محددة، وأضحى طلاب المحافظات على سبيل المثال يخشون الذهاب للدراسة في جامعات محافظات أخرى كانوا يحلمون في الدراسة فيها، والتخرج فيها، بسبب تلك النزاعات.
وسنتوقف بتفاصيل أكثر في حلقة ثانية عن الجامعات العراقية بعد 2003.



الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
TT

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)

بدأ الفريق الطبي والجراحي التابع لـ«البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الخميس، عملية فصل التوأمتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، الملتصقتين بالرأس؛ إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وذلك في مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني بالرياض.

وأوضح المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» رئيس الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج، الدكتور عبد الله الربيعة، في تصريح صحافي، أن التوأمتين الملتصقتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، بمنطقة الرأس، قدِمتا إلى السعودية في 17 مايو (أيار) 2025، وبعد دخولهما المستشفى قام الفريق الطبي بإجراء فحوص دقيقة ومتعددة لهما، وعقد اجتماعات عدة توصَّل من خلالها إلى أنَّ حالتهما تُعد من أكثر الحالات تعقيداً على مستوى العالم، نظراً لعوامل طبية عدة، من أبرزها وجود وضعية زاوية معقدة للرأسين، واشتراك واسع في الجيوب الوريدية الدماغية، وتداخل نسيج الدماغ بين الطفلتين، بالإضافة إلى أنَّ الطفلة كليا كانت تعاني من قصور في عضلة القلب وضمور شديد في الكليتين مع فشل كلوي تام؛ مما يؤدي إلى رفع مستوى الخطورة الجراحية بشكل كبير.

وبيَّن أنَّ الفريق الجراحي، بقيادة الدكتور معتصم الزعبي استشاري جراحة مخ وأعصاب الأطفال، قرَّر تنفيذ العملية على 5 مراحل يشارك فيها 30 من الاستشاريين والمتخصصين والكوادر التمريضية والفنية في تخصصات عدة، منها التخدير، والعناية المركزة، والأشعة المتقدمة، وجراحة التجميل، مشيراً إلى أنَّه من المتوقع أن تستغرق العملية 24 ساعة.

وقال الربيعة: «بناءً على التقييم الطبي متعدد التخصصات، والدراسات التشخيصية الدقيقة، فإنَّ نسبة الخطورة تصل إلى 50 في المائة نظراً للتحديات الطبية المصاحبة للحالة، مع وجود احتمال حدوث مضاعفات عصبية شديدة قد تتسبب بالإعاقة بنسبة تصل 60 في المائة»، مشيراً إلى أنَّه جرى التشاور مع أحد المراكز الطبية المتخصصة في مثل تلك الحالات، وتوافقت مرئياته مع تقييم الفريق الطبي من حيث درجة خطورة العملية، وارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وتمَّ شرح الحالة بشكل مفصل لوالدَي الطفلتين اللذين أبديا تفهمهما لخطة الفريق الجراحي.

ولفت إلى أنَّ هذه العملية تعد رقم 70 ضمن «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الذي استطاع منذ عام 1990، أن يعتني بـ157 توأماً من 28 دولة في 5 قارات حول العالم.


نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
TT

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)

في ظلّ التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتنامي دور التكنولوجيا في إعادة تشكيل موازين الثروة، تتجه المؤشرات إلى تصاعد غير مسبوق في أعداد فاحشي الثراء. ويعكس هذا الاتجاه تسارع وتيرة تراكم الثروات لدى شريحة محدودة من الأفراد، في وقت تتزايد فيه النقاشات حول اتساع فجوة عدم المساواة عالمياً.

وكشفت تقديرات نقلتها صحيفة «الغارديان» أن عدد المليارديرات حول العالم قد يصل إلى نحو 4 آلاف ملياردير بحلول عام 2031، مدفوعاً بالنمو السريع في ثروات الأثرياء.

وبحسب تحليل أجرته شركة «نايت فرانك» العقارية، يبلغ عدد المليارديرات حالياً 3110 على مستوى العالم، ومن المتوقَّع أن يرتفع هذا الرقم بنسبة 25 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، ليصل إلى نحو 3915 مليارديراً.

ولا يقتصر النمو على فئة المليارديرات فقط، بل يشمل أيضاً شريحة أصحاب الثروات الكبيرة؛ إذ ارتفع عدد الأفراد الذين تبلغ ثروتهم 30 مليون دولار أميركي (22 مليون جنيه إسترليني) على الأقل من 162 ألفاً و191 شخصاً في عام 2021 إلى 713 ألفاً و626 شخصاً حالياً، أي بزيادة تتجاوز 300 في المائة، وفقاً لبيانات «نايت فرانك».

وأوضح ليام بيلي، رئيس قسم الأبحاث في الشركة، أن هذا النمو الهائل في ثروات المليارديرات وأصحاب الملايين يعود بدرجة كبيرة إلى الأرباح المتحققة في قطاع التكنولوجيا، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «لم تكن القدرة على توسيع نطاق الأعمال التجارية بهذا الشكل ممكنة في السابق»، مشيراً إلى أن التطور التكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي، أسهم في تسريع تكوين الثروات الضخمة بشكل غير مسبوق.

وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي، توقعت الدراسة أن يتضاعف عدد المليارديرات في بولندا من 13 إلى 29 مليارديراً خلال الفترة بين عامي 2026 و2031، كما يُتوقع أن يشهد العدد في السويد زيادة بنسبة 81 في المائة، ليرتفع من 32 إلى 58 مليارديراً خلال الفترة نفسها.

يأتي هذا التوسع في أعداد الأثرياء، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم. فقد أظهر تقرير عدم المساواة العالمي، الصادر العام الماضي، أن أقل من 60 ألف شخص فقط (أي ما يعادل 0.001 في المائة من سكان العالم) يملكون ثروة تزيد على ثلاثة أضعاف ما يمتلكه النصف الأفقر من سكان العالم.

وفي ضوء هذه المؤشرات، تصاعدت الدعوات الموجهة إلى قادة الدول لفرض ضرائب أعلى على فاحشي الثراء، وسط مخاوف من تزايد قدرة أصحاب الثروات الضخمة على التأثير في القرار السياسي وشراء النفوذ.

من جهتها، كشفت منظمة «أوكسفام» الخيرية عن تسجيل عدد قياسي من المليارديرات خلال العام الماضي؛ إذ تجاوز إجمالي عددهم حاجز 3 آلاف للمرة الأولى في التاريخ، مشيرة إلى أن إجمالي ثرواتهم مجتمعة بلغ نحو 18.3 تريليون دولار.

وعلى صعيد الأفراد، يتصدر رجل الأعمال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، قائمة أغنى أثرياء العالم، بثروة صافية تُقدّر بنحو 785.5 مليار دولار، وفقاً لقائمة «فوربس». ويحلّ في المرتبة الثانية لاري بيج، أحد مؤسسي «غوغل»، بثروة تبلغ 272.5 مليار دولار، يليه جيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، بثروة تُقدّر بـ259 مليار دولار.


عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
TT

عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)

سالت أطنانٌ من الحِبر عن الملكة التي جلست على العرش 70 عاماً. صدرت مئات الكتب التي فصّلت سيرة إليزابيث الثانية، لكن أغرب ما في الأمر ألّا سيرة من بينها كانت رسمية أو أنها صدرت عن قصر باكينغهام . طوَت أشهَرُ ملكات بريطانيا عقوداً من الحُكم من دون أن تفكّر في تدوين سيرتها، تاركةً للتاريخ أن يرويَها.

ليس سوى بعد 4 سنوات على رحيلها، حتى كلّف ابنُها الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي بكتابة سيرتها الرسمية الأولى. كياي (51 عاماً)، عملت عن قُرب مع العائلة البريطانية المالكة، ومن المرتقب أن تسجّل حوارات مع عدد من أفرادها ومع أصدقاء الملكة والخدَم لإنجاز عملها. كما ستُمنح إذناً خاصاً بالوصول إلى الأرشيف الملَكيّ، من أجل الاطّلاع على أوراق إليزابيث الخاصة والرسمية.

من اللافت أنّ العاهل البريطاني أصرّ على أن تكون كاتبة سيرة أمّه أنثى، وهو اختار كياي لكونها خبيرة في الشؤون الملَكيّة البريطانية وقد ألّفت كتباً عنها، كما أنها أمينة صندوق «المجموعة الملَكيّة» وعضو في «لجنة إحياء ذكرى الملكة إليزابيث».

اختار الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي لكتابة سيرة والدته الملكة إليزابيث (قصر باكنغهام)

الملكة وزينة الصيصان والشوكولاته

بانتظار السيرة الرسمية التي ليس من المتوقع أن تصدر خلال وقتٍ قصير، تنتشرُ بين حينٍ وآخر خفايا وتفاصيل من كواليس حياة الملكة إليزابيث، كتلك التي كشفتها مساعدتُها الخاصة أنجيلا كيللي في حوار مع مجلة «فانيتي فير» الأميركية نُشر في نهاية مارس (آذار) الماضي.

تحدّثت كيللي عن روح النكتة لدى الملكة، وعن اهتمامها بالموضة، وعن عاداتها الصباحيّة. مرَّت كذلك على الخلافات العائلية، من دون أن تغفل استذكار إليزابيث الجدّة التي أحبّت الاعتناء بأحفادها وأولادهم.

أنجيلا كيللي مساعدة الملكة إليزابيث ومنسّقة أزيائها (مجموعة الصور الملَكيّة)

خلال إجازة عيد الفصح، كانت تنتقل الملكة إلى قصر وندسور، حيث اعتادت تزيين مقرّ إقامتها بالصيصان الملوّنة وبالبيض المصنوع من الشوكولاته. أما صيفاً في بالمورال، فكانت تتفرّغ لعائلتها. تقول كيللي التي لطالما رافقتها: «أحبّت أن تقوم بدور الجدّة. كانت تأخذ أحفادها في نزهات سيراً أو ركوباً على الخيل». وتتذكّر كيللي كيف أن الملكة كانت تصرّ على غسل الصحون شخصياً بعد كل مأدبة شواء كانت تقيمها للعائلة أو حتى لرئيس الحكومة. تضيف: «كانت الملكة مليئة بالحيويّة وجدّة مرِحة جداً».

وفق مساعدتها كانت تصرّ الملكة على غسل الصحون بعد مآدب الشواء العائلية (أ.ف.ب)

الملكة تغنّي وترقص

انضمّت أنجيلا كيللي إلى فريق عمل الملكة إليزابيث عام 1994، بعد سنتَين من لقائهما الأول في مقرّ السفير البريطاني في ألمانيا حيث كانت تعمل مدبّرة منزل. أُعجبت الملكة بسلوك كيللي التي دُعيت إلى تقديم طلب عمل في قصر باكنغهام. وتُخبر الموظفة السابقة أنها حينذاك لم تكن تملك ثمن ثوبٍ جديد ترتديه إلى مقابلة العمل، فاضطرّت إلى بيع غسّالتها لشراء واحد.

تسلَّقت كيللي سلالم القصر بتأنٍ إلى أن أصبحت المساعدة الخاصة ومستشارة أزياء الملكة. ولم تتوقف الأمور عند حدود العلاقة المهنية، بل تحوَّلت ابنة الخيّاطة وعامل ميناء ليفربول المولودة عام 1957 إلى كاتمة أسرار ملكة إنجلترا، كما كانت ترى فيها «الصديقة المفضّلة». واتّضح مع مرور الوقت أنهما تتشاركان بعض الخصال، كالاهتمام بالموضة، وحسّ الفكاهة، ومنح الأولوية للواجب قبل أي شيء آخر.

ارتاحت سيدة العرش لكيللي إلى درجة أنها كانت تتصرف على طبيعتها أمامها، وتتخلّى عن صرامة البروتوكول الخاص بالتاج. وتروي المساعدة السابقة أنّ الملكة إليزابيث كانت تستمع كل صباح إلى برنامج الإعلامي تيري ووغان على «راديو 2»، وكلما كانت تُبَثّ أغنية Dancing Queen (ملكة الرقص) لفريق «آبا»، كانت تتمايل يميناً ويساراً وتغنّي. وتضيف كيللي: «كانت الملكة تحب الغناء وكان صوتها جيداً».

كانت تبدأ الملكة بعض صباحاتها بالرقص والغناء (أ.ف.ب)

صانعة «اللوك» الملوّن

يشهد ستيوارت بارفن، أحد مصمّمي أزياء الملكة إليزابيث، للدور المحوَري الذي لعبته أنجيلا كيللي في الكواليس وللعلاقة المميزة التي جمعتها بالملكة. يقول إنّ الأخيرة كانت «تشعر بارتياحٍ وثقة أكبر بوجودها خلال جلسات القياس، لأنها كانت تجعل كل شيءٍ يبدو أسهل».

ومع مرور السنوات، استطاعت أنجيلا كيللي إقناع الملكة إليزابيث بإدخال تعديلات جذريّة إلى هندامها. يُنسَب إليها الفضل في جعلها تتخلّى عن التنّورة الطويلة وتعتمد الفساتين والقبّعات ذات الألوان الفاقعة والجريئة.

كانت لأنجيلا كيللي اليد الطولى في إقناع الملكة بارتداء الفساتين ذات الألوان الجريئة (رويترز)

أزمة تاج ميغان

غالباً ما كانت تنتعل أنجيلا أحذية الملكة الجديدة كي توسّعها لها، تفادياً لإيذاء قدمَيها لاحقاً عند انتعالها لوقتٍ طويل. ولم يقتصر الأمر على الأحذية بل انسحب على الحليّ والمجوهرات. يروي أندرو فورد، المراقب المالي السابق للعائلة البريطانية المالكة، كيف أنه أصيب بالدهشة يوم دخلت أنجيلا مكتبه وهي تضع عقداً من لآلئ الملكة، ليتّضح أنها فعلت ذلك بطلبٍ من إليزابيث نفسها، لأنّ اللؤلؤ يجب أن يكون قريباً من الجلد دائماً تفادياً لاصفراره.

ويوم اشتعل الخلاف حول التاج الذي ستضعه ميغان ماركل في زفافها، وقفت كيللي سداً منيعاً في وجه الأمير هاري واحتدمَ السجال بينهما، منعاً لإخراج أي تاج من مجموعة الملكة خارج القصر من أجل تجربته عند مصفف الشعر.

زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018 (رويترز)

أنجيلا «البندقيّة»

منحُ الملكة إليزابيث الضوءَ الأخضر لأنجيلا كيللي بفعلِ ارتياحها لها وثَّقتها بها، أزعجَ الدوائر الملَكيّة وعدداً من أفراد العائلة المالكة. ومَن كانت من المفترض أن تكتفي بدورها كمُساعدة للملكة، تحوَّلت إلى صديقتها المقرّبة وإلى شخصٍ نافذ داخل القصر.

يكشف موظِّف سابق في باكنغهام لـ«فانيتي فير» أنه «كان بوسعِ أنجيلا أن تُنجِح أو تُفشِل المسيرة المهنية لأي عاملٍ في القصر، لأنها كانت تحظى بثقة الملكة»، إلى درجة أنه أُطلق عليها لقب AK 47 نسبةً إلى البندقية الهجومية، وذلك بسبب قدرتها على إخراج الناس من القصر، حيث كانت محطّ تبجيلٍ وخوف في أنٍ معاً.

أنجيلا كيللي في الصفوف الأمامية مع الملكة إليزابيث خلال أسبوع لندن للموضة (إنستغرام)

ثياب الرحلة الأخيرة

تروي أنجيلا كيللي أنَّ علاقتها بالملكة إليزابيث ترسَّخت بقوة ما بين عامَي 2020 و2021، خلال الحَجر الذي فرضته جائحة كورونا. أمضت كيللي كل تلك المدّة إلى جانب الملكة في قصر وندسور، من ضمن فريق ضيّق جداً من المساعدين. وتخبر كيف أنها كانت تصفّف شخصياً شعر إليزابيث في تلك الفترة.

«عندما كانت تشعر بتوعّك، لم تكن جلالتها ترغب في أن يعلم أحد بذلك»، سرٌ آخر كشفته كيللي عن شخصية الملكة إليزابيث الصلبة. وهي التي رافقتها حتى آخر ساعات حياتها، أَلبَستها لرحلتها الأخيرة من قصر بالمورال في اسكوتلندا حيث توفيت إلى قصر باكنغهام حيث أمضت معظم سنواتها الـ96.