الديمقراطيون يحذرون من أزمة دستورية... وترمب: المذكرة تبرّئني

عبر عن «خيبة أمله» بعد انسحاب المرشحة لمنصب سفيرة سنغافورة

ترمب يستعد للتوجه إلى بالم بيتش من قاعدة أندروز بماريلاند أمس (رويترز)
ترمب يستعد للتوجه إلى بالم بيتش من قاعدة أندروز بماريلاند أمس (رويترز)
TT

الديمقراطيون يحذرون من أزمة دستورية... وترمب: المذكرة تبرّئني

ترمب يستعد للتوجه إلى بالم بيتش من قاعدة أندروز بماريلاند أمس (رويترز)
ترمب يستعد للتوجه إلى بالم بيتش من قاعدة أندروز بماريلاند أمس (رويترز)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن المذكرة التي تنتقد مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، التي كتبها جمهوريو الكونغرس ونشروها، تبرّئه في التحقيق الروسي الذي وصفه بأنه «اضطهاد»، فيما حذّر الديمقراطيون من أزمة دستورية في حال قرر الرئيس طرد مسؤولين في المكتب الفيدرالي.
وكتب الرئيس تغريدة لم يستخدم فيها صيغة المتكلم، وجاء فيها أن «المذكرة تبرئ تماماً (ترمب) في التحقيق. لكن الاضطهاد الروسي مستمر إلى ما لا نهاية». وأضاف أن «بعد سنة من البحث المستمر الذي لم يسفر عن أي نتيجة، فإن (تهمة) التواطؤ قد سقطت»، موضحاً أن القضاء لم يواجه أيضاً أي «عقبة».
وخلص ترمب إلى القول إن متابعة التحقيق «عار على أميركا»، مشككاً في نزاهة كبار المسؤولين في وزارة العدل ومكتب التحقيق الفيدرالي. وتعرض المذكرة التي رفع الرئيس السرية عنها خلافاً لرأي مكتب التحقيقات الفيدرالي، تجاوزاً ارتكبه مكتب التحقيقات الفيدرالي من خلال التنصت على عضو سابق في فريق الحملة الجمهورية قبل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. وعبر سماحه بنشر الوثيقة، تسبب ترمب لنفسه بانتقادات المعارضة الديمقراطية التي باتت تلوح بشبح أزمة دستورية.
وتؤكد الوثيقة التي نشرت وتقع في 3 صفحات أعدها الجمهوريون في الكونغرس أن «هناك قلقاً بشأن شرعية وقانونية بعض الخطوات» التي اتخذها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ووزارة العدل الأميركية. وتتعرض المؤسستان لانتقادات لارتكاب تجاوزات والحصول على إذن قاضٍ للتجسس على الاتصالات الهاتفية لكارتر بيج المستشار الدبلوماسي السابق في فريق حملة ترمب.
وقانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية الذي تم تبنيه قبل 40 عاماً، يفرض على المحققين في وزارة العدل تقديم أدلة دامغة لقاضٍ فيدرالي تفيد بأن فرداً يعمل سراً لحساب دولة أجنبية، للسماح بالتنصت على اتصالاته. وللحصول على الإذن القضائي، استندت وزارة العدل ومكتب التحقيقات إلى معلومات جمعها الجاسوس البريطاني السابق كريستوفر ستيل. وعمل الأخير في إطار مهمة مولها الحزب الديمقراطي وفريق حملة هيلاري كلينتون، ما اعتبره جمهوريون أنه يظهر بوضوح وجود انحياز ضد ترمب.
ووفق المذكرة، فإن 4 مسؤولين كبار وقعوا طلب الحصول على إذن قاضٍ للتنصت على المكالمات الهاتفية وتعمّدوا عدم ذكر دوافع ستيل السياسية، وهم مدير «إف بي آي» حينها جيمس كومي، ومعاونه السابق اندرو ماكابي، والقائمة السابقة بأعمال وزير العدل سالي ييتس، والمسؤول الثاني الحالي في الوزارة رود روزنشتاين.
أما ستيل، فإن مصداقيته كانت موضع شكوك، إذ إنه كذب على الشرطة الفيدرالية حول اتصالاته، وكشف معلومات لوسائل الإعلام في انتهاك لقانون السرية في أوساط الاستخبارات.
وفي هذا الإطار، تحول مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي إلى كرة تتقاذفها الأطراف السياسية، بعد اتهامه باستغلال سلطاته فيما يخص التحقيق بشأن وجود صلات محتملة بين فريق حملة الرئيس الأميركي الانتخابية وروسيا.
وبعد عامين من وقوعه في أحابيل الدوائر السياسية الأميركية، حيث حقق عام 2016 في تحرك فريقي حملة ترمب ومنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، يشير الخبراء إلى حاجة مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى تلميع صورته، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال العميل الخاص المتقاعد جيمس غاغليانو: «أعتقد أن هناك أموراً مقلقة أرغب أنا وكثير من العملاء السابقين والموظفين الحاليين كذلك أن نرى محاسبة تجري بشأنها». وأضاف غاغليانو، الذي يعمل الآن أستاذاً مساعداً بجامعة سانت جون في نيويورك، لوكالة الصحافة الفرنسية، أن تصرفات الإدارة العليا لمكتب التحقيقات خلال الأعوام الأخيرة كانت لها «تأثيرات مضرة بسمعة (إف بي آي)».
واتهمت الوكالة بمساعدة حملة كلينتون والتسبب في الوقت نفسه بخسارتها في الانتخابات. ومنذ ذلك الحين، يشير ترمب وحزبه الجمهوري إلى أن الوكالة حاولت الإضرار بمصداقية فوزه وربما المساعدة في الإطاحة به من السلطة عبر فتح تحقيق خاص بشأن حدوث تعاون محتمل مع موسكو.
على صعيد آخر، عبر الرئيس الأميركي عن «خيبة أمله» بعد أن أعلنت النائبة السابقة لمستشار الأمن القومي كي. تي. ماكفارلاند سحب ترشيحها لمنصب السفيرة الأميركية لدى سنغافورة.
وأثار ترشيح ماكفارلاند للمنصب الجدل بعد أن طرح أعضاء في مجلس الشيوخ تساؤلات عما إذا كانت على اطلاع بالمحادثات التي جرت بين السفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسلياك والمستشار السابق للأمن القومي مايكل فلين في 2016. وأقر فلين بأنه كذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن تلك اللقاءات في ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن أقاله ترمب على خلفية القضية نفسها قبل أشهر.
وتم ترشيح ماكفارلاند لمنصب السفيرة بعد استقالتها من مهامها في الأمن القومي، في أعقاب تولي هيربيرت ماكماستر المنصب خلفاً لفلين. وترشيح ماكفارلاند للمنصب الذي تم تقديمه في مايو (أيار)، أعاده مجلس الشيوخ إلى البيت الأبيض مطلع الشهر الماضي، ليعاد ترشيحها بعد أسبوع.
وفي بيان نشر الجمعة، قال ترمب إن ماكفارلاند، وهي محللة إخبارية سابقة في شبكة «فوكس نيوز»، خدمت الإدارة «بامتياز»، لكنه اتهم الديمقراطيين باختيار «اللعب بالسياسة بدلاً من الشروع في تعيين مرشحة تتمتع بالكفاءة في منصب مهم جداً». وأضاف: «أتمنى لـ كي. تي الأفضل عندما تستخدم حكمتها ومهارتها كمعلقة كي تشرح للشعب الأميركي كيف نعيد العظمة للسياسة الخارجية الأميركية».


مقالات ذات صلة

وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

الولايات المتحدة​ السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

يزور وفد من مجلس الشيوخ الأميركي غرينلاند، الاثنين، بهدف «إعادة بناء الثقة» التي قوّضتها نية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستحواذ على الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (نوك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يحاول تقييد الخيارات القانونية لعودة الموظفين المفصولين للعمل

أظهرت خطة حكومية صدرت اليوم الاثنين أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تحاول أن ​تجعل من الصعب على الموظفين الاتحاديين المفصولين استعادة وظائفهم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم تتحدث خلال مؤتمرها الصحافي الصباحي اليومي في القصر الوطني في مكسيكو سيتي 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)

رئيسة المكسيك: الرسوم الأميركية «الجائرة» قد تخنق اقتصاد كوبا

انتقدت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم، الاثنين، بشدة، تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على الدول المصدرة للنفط إلى كوبا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الولايات المتحدة​ شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)

موسكو تتهم إدارة ترمب بـ«خنق» كوبا

أدت أزمة الوقود في كوبا إلى وقف جزئي لحركة الطائرات، وسط اتهامات من الكرملين للرئيس الأميركي دونالد ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة الشيوعية.

علي بردى (واشنطن)
آسيا أحد أفراد جيش التحرير الشعبي الصيني يقف بينما تستعرض «مجموعة الضربات الاستراتيجية» صواريخ نووية خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية في بكين يوم 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

الصين ترفض اتهامات واشنطن بإجراء تجارب نووية سرّية

نفت الصين، الاثنين، ادعاءات الولايات المتحدة بأنها أجرت تجارب نووية ووصفتها بأنها «محض أكاذيب»، متهمةً واشنطن باختلاق ذرائع لتبدأ تجاربها النووية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟