أشرف ريفي: ما زلت أعارض الحريري على خيارات خاطئة وقاتلة

تحدث عن معلومات من ضباط ثقة تؤكد صلة «حزب الله» باغتيال وسام الحسن

أشرف ريفي وزير العدل اللبناني الأسبق
أشرف ريفي وزير العدل اللبناني الأسبق
TT

أشرف ريفي: ما زلت أعارض الحريري على خيارات خاطئة وقاتلة

أشرف ريفي وزير العدل اللبناني الأسبق
أشرف ريفي وزير العدل اللبناني الأسبق

دخلت علاقة وزير العدل السابق أشرف ريفي مع تيار «المستقبل» ورئيس الحكومة سعد الحريري مرحلة اللاّعودة، وجاء توقيف القوى الأمنية لعدد من مناصريه، ليزيد الأمور تعقيداً ويقطع الطريق على أي محاولة تقارب بين الطرفين عشية الانتخابات البرلمانية، التي تعمل ماكينات الطرفين على استقطاب أوسع تأييد في الشارع السنّي.
وفي حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، جدّد ريفي هجومه على تيّار «المستقبل»، متهماً إياه بـ«الانقلاب على ثوابت «ثورة 14 آذار» وخيانة دم الشهداء». ونفى أنه قال إن الحريري انتهى سياسيا. وأضاف: «لقد جرى تحوير في كلامي، لقد قلت إثر ترشيح فرنجية ثم العماد عون، إن هذا الخيار يؤدي إلى النهايات، والآن نجد إلى أين أوصلنا هذا الخيار. أما عن الحملة السياسية، فأنا لا زلت أعارض الرئيس سعد الحريري على خيارات خاطئة وقاتلة، وفي اللحظة التي تلا فيها بيان استقالته من الرياض، أيدت بيانه واعتبرت أنه ينطق باسمي، وقلت هذا هو سعد الحريري الذي أعرفه، وسيجدني إلى جانبه، لكنه عاد وفقد الفرصة الذهبية عبر عودته عن الاستقالة، وهذه الحكومة التي عاد إلى رئاستها، ساقطة في نظر جمهورنا، وللأسف أثبت سعد الحريري أنه رجل الفرص الضائعة، حريته كانت في الاستقالة والعودة إلى الثوابت التي انطلق منها، لكن يبدو أن بعض السجناء يعشقون سجّانيهم، والحريري عاد بإرادته إلى سجن «حزب الله».
ورأى ريفي أن «المعادلة القائمة حالياً، أوصلتنا إلى رئيس يميل إلى «حزب الله»، وحكومة فيها 17 وزيراً من فريق الحزب الإيراني، ثم أصبحنا أمام قانون انتخابي سيعطي الأغلبية المطلقة لـ«حزب الله» وسينتزع منّا الورقة الميثاقية، بالاستناد إلى استطلاعات ترجّح أن يأخذ الحزب ما بين سبعة وتسعة نواب سنة، وهذه جريمة بحق الوطن، ومسار خيانة للقضية ولدم لشهداء الذين سقطوا في سبيل هذه القضية، ماذا نقول لأهالي الشهداء الآن؟».
وحمل ريفي بشدّة على حلف تيار «المستقبل» مع وزير الخارجية جبران باسيل، وأكد أن الدعوى القضائية التي رفعها وزير الخارجية ضدّه «ستكون مناسبة لفتح ملف الفساد، ما يجعل باسيل ومن خلفه يندمون على ذلك». وقال «سأتقدم بدعوى قضائية ضدّ باسيل وكل الفاسدين، ونقول له إن المال الذي سرقته من خزينة الدولة هو لأولادنا وأولاد اللبنانيين، وستعيده إلى الخزينة». وعن الدعوى المرفوعة ضده، قال: «لقد تبلغتها عبر الإعلام، وعلمت أن صاحب الادعاء هو جبران باسيل (وزير الخارجية)، وسيندم جبرن باسيل ومن خلفه، وسأتقدم بادعاء أمام النيابة العامة المالية، ضده وضدّ آخرين، ونقول لهم إن المال العام الذي سرقتموه من خزينة الدولة، هو مال أولادنا وأولاد كل اللبنانيين»، وستعود أموال اللبنانيين التي سرقها جبران باسيل أو نادر الحريري أو غيرهما، وهناك معادلة تقول «إن أموال الجريمة تؤدي إلى ارتكاب الجريمة، وتبييض الأموال يؤدي إلى تغذية الإرهاب، فإن الفساد يحول دويلة «حزب الله» إلى دولة».
ولم يوفّر ريفي وزير الداخلية نهاد المشنوق من انتقاداته، فاتهمه بإنشاء «سرايا المقاولة» التي تتحالف مع «سرايا المقاومة»، ورأى أن «فساد وزارة الداخلية غير مسبوق بتاريخ لبنان، بدءاً من جوازات السفر إلى أرقام السيارات إلى ترميم السجون بصفقات التراضي». وأضاف: «طبعاً هناك تحالف قائم الآن بين «سرايا المقاومة» وسرايا المقاولة»، وليس خافياً على أحد فساد وزارة الداخلية غير المسبوق بتاريخ الجمهورية، من صفقات جوازات السفر، إلى أرقام السيارات إلى ترميم سجن روميه التي تحصل بالتراضي وما فيها من صفقات فساد، وبالتالي الناس تعرف هذه الأمور وستحاسب كل الفاسدين في الانتخابات المقبلة».
وجدد المدير العام الأسبق لقوى الأمن الداخلي، التأكيد بأنه يملك معلومات تفيد أن «حزب الله» وراء «اغتيال رئيس شعبة المعلومات الأسبق اللواء وسام الحسن، وقبله اغتيال (رئيس الحكومة الأسبق) رفيق الحريري و(النواب) وليد عيدو وجبران التويني وأنطوان غانم وغيرهم»، «كاشفاً أن «السيارة التي انفجرت بموكب وسام الحسن، التقطت كاميرات المراقبة حركة تنقلاتها في الشوارع وكان معها موكب من السيارات يرافقها، وثبت أنها خرجت من الضاحية الجنوبية معقل «حزب الله». وبعد التفجير عاد الموكب الذي كان برفقتها ودخل الضاحية مجدداً». وتابع: «عندما كنت على رأس مؤسسة قوى الأمن، كانت لدينا بداية خيوط عن اغتيال الشهيد وسام الحسن، لكن بعد خروجي من السلك تطوّر التحقيق، لأن كاميرات المراقبة كشفت أن السيارة التي جرى تفجيرها بموكب وسام، حضرت أربع مرات قبل التفجير إلى محيط منزله، برفقة سيارات كمنت في المنطقة وراقبتها بدقة، وفي المرّة الخامسة وقع التفجير، ومن خلال مراجعة حركة السيارة المفخخة والسيارات المرافقة لها من شارع إلى شارع، تبيّن أن السيارة المنفجرة خرجت من الضاحية الجنوبية، أي من معقل «حزب الله»، كما أن الموكب عاد إلى الضاحية بعد التفجير، وهذا ما حصل في عملية التفجير التي استهدفت الوزير مروان حمادة. وأضاف: «هناك محقق عدلي يضع يده على القضية، وعليه أن يحقق في هذه المعلومات الموجودة لدى قوى الأمن الداخلي، ونحن بدورنا نسأل قوى الأمن إذا قدمت هذا المعلومات للمحقق العدلي أم لا؟ كما نسأل وزير الداخلية عن ذلك، وهو الذي قال في الذكرى الثانية لاغتيال وسام الحسن، توصلنا إلى معلومات دقيقة عمّن ارتكب الجريمة وسنعلنها قريباً جداً، فلماذا لم يعلن النتائج حتى الآن؟ وماذا يمنعه من ذلك؟ وهل باتت حساباته مختلفة، وتجعله لا يجرؤ على اتهام «حزب الله» لأنه سقط في فخّه؟».
وأوضح أنه حصل على معلوماته من ضباط «بحكم علاقاتي الشخصية معهم»، قائلا: «أنا واثق من صحة هذه المعلومات، ومن صدق من أعطاني إياها».
وحدّد ريفي أطر المواجهة السياسية التي يخوضها في الاستحقاق النيابي، وأعلن أنه ستكون له لوائح انتخابية في طرابلس وعكار (شمال لبنان) ودائرة بيروت الثانية والشوف (جبل لبنان) والبقاعين الغربي والأوسط، مشيراً إلى أنه يسعى «لإيصال كتلة نيابية موزونة، تصدح في مجلس النواب، وتواجه مشروع «حزب الله» الذي يرجّح أن يحصل على الأكثرية النيابية بفضل قانون الانتخابات الجديد، وتحاول إسقاط أي قانون غير دستوري وغير ميثاقي».
وعما يقال إنه بدأ إعداد لوائح مرشحيه للنيابة وإنه سيخوض الانتخابات في كلّ المناطق، حتى في معاقل «المستقبل»، شدد على أن «المناطق اللبنانية ليست معاقل لأحد ولا لأي حزب، بل هي ساحات للناس، هناك ناخبون يؤيدون طرحي وناخبون يؤيدون طرحاً آخر، سيكون لي مرشحون في الدوائر ذات الغالبية السنية، مثل طرابلس وعكار والدائرة الثانية في بيروت، والشوف (جبل لبنان)، والبقاع الغربي والبقاع الأوسط، لكنّ صيدا تخضع للدراسة بسبب وضعها الخاص وحضور السيدة بهية الحريري والرئيس فؤاد السنيورة فيها». وأشار إلى أن «استطلاعات الرأي تعطينا أملاً كبيراً بكتلة نيابية، ومن غير المنطقي الحديث حالياً عن حجمها، لكن نبض الشارع مشجّع ونأمل ترجمته في الانتخابات، خصوصاً من الجمهور الذي يؤمن بالثوابت ولم ينحرف عن القضية. أما بشأن التحالفات، فهناك دوائر تؤمن الحاصل الانتخابي المطلوب، ولا حاجة للتحالف مع أحد، لكن هناك دوائر تحتاج إلى نسج تحالفات، ولن نلتقي فيها إلا مع أصحاب الخيار السيادي ممن لا يزالون في خط «14 آذار» ومؤمنون بأهدافه، وسنواصل معهم مواجهة مشروع الدويلة (حزب الله) والسلاح غير الشرعي، ومحاربة الفاسدين.
وأشار إلى أن الملاحقات التي تطال مناصريه «ليست بجديدة، فقد سبق أن عوقب النقيب محمد الرفاعي المسؤول عن فريقي الأمني، ورغم معرفتهم بأني معرّض للخطر، وسبق أن اغتيل اللواء وسام الحسن والرائد وسام عيد، وفجروا سيارة مفخخة تحت منزلي (تفجير مسجد السلام في طرابلس في شهر أغسطس (آب) 2013)، ورغم ذلك أقدموا على سحب عدد كبير من حراسي الأمنيين والسيارات المصفحة لتعريتي أمنياً، لمصلحة من تخفيف الحماية الأمنية عني؟»، وإذ اعترف بأن نزع سلاح «حزب الله» أكبر من قدرة أي طرف لبناني على تحقيقه، قال: «تقوم استراتيجيتنا، على تأمين وصول كتلة نيابية من صقورنا، تواجه «حزب الله» ومشروعه، ومعلوم أن كتلة من عشرة نواب، يمكنها أن تطعن بأي قانون غير دستوري يخدم «حزب الله» والفاسدين الذين تحولوا أزلاماً عند هذا الحزب».
أما تجريد سلاح الحزب فهو «ليس بمهمة لبنانية، إنما استمرار الصمود وعدم إعطاء الشرعية لهذا السلاح، إلى أن يأتي القرار الدولي يوماُ ما بنزعه، وهذا الرأي يخالف من قال إن سلاح «حزب الله» لم يستخدم في الداخل (الحريري)، ومن قال إن هذا السلاح يشكل عامل استقرار للبنان (عون). وعلينا أن نذكر الجميع بأن الاستقرار الذي يأتي بشروط «حزب الله» هو استقرار مؤقت، لكن الاستقرار الدائم، هو الذي تعطيه الدولة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.