باريس: طهران لا تحترم قرار مجلس الأمن الصادر بعد الاتفاق النووي

مساعد وزير الخارجية الإيراني ينفي مفاوضات صاروخية بين طهران وأوروبا

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يتحدث إلى منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيرينيعلى هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل أمس  (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يتحدث إلى منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيرينيعلى هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل أمس (إ.ب.أ)
TT

باريس: طهران لا تحترم قرار مجلس الأمن الصادر بعد الاتفاق النووي

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يتحدث إلى منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيرينيعلى هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل أمس  (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يتحدث إلى منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيرينيعلى هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل أمس (إ.ب.أ)

اتهم وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان إيران أمس بعدم احترام قرار للأمم المتحدة الصادر بعد التوصل للاتفاق النووي، ويدعو طهران للامتناع عن أي عمل على الصواريخ الباليستية المصممة لحمل رؤوس حربية نووية.
وقال لودريان في كلمة لدى وصوله لاجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إن وزراء التكتل وعددهم 28 سيجددون بواعث قلقهم بشأن أنشطة إيران في اليمن ولبنان وسوريا، والتي وصفها بأنها تزعزع الاستقرار.
وتابع لودريان أنه «ستتاح لنا الفرصة أيضا لتأكيد موقفنا الصارم من التزام إيران بقرار الأمم المتحدة رقم 2231 الذي يفرض قيودا على تطوير القدرات الباليستية والذي لا تحترمه إيران» بحسب ما نقلت عنه وكالة «رويترز».
وبموجب القرار الذي يكرس للاتفاق النووي الذي أبرم في 2015 بين طهران والقوى العالمية الست بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة، فإن إيران «مطالبة» بالامتناع لمدة 8 سنوات عن العمل على الصواريخ الباليستية المصممة لحمل أسلحة نووية.
وتقول بعض الدول إن هذه الصياغة لا تجعل الطلب ملزما. وقالت إيران مرارا إن برنامجها الصاروخي دفاعي بحت، ونفت أن تكون الصواريخ مصممة لحمل رؤوس حربية نووية.
وقال لودريان أول من أمس الأحد إنه يريد السفر إلى إيران في مارس (آذار)، وإن فرنسا بدأت محادثات مع طهران لمناقشة برنامجها الصاروخي وأنشطتها في المنطقة.
وقال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أمس إن الولايات المتحدة تعتزم إرسال فريق دبلوماسي إلى أوروبا لبحث الاتفاق النووي الإيراني، ومواجهة الأنشطة الإيرانية في الشرق الأوسط، وفق ما نقل عنه ممثل عن وكالات الأنباء بحسب «رويترز».
وأضاف تيلرسون، وفقا لمراسل أميركي كان مسافراً معه إلى لندن، أمس: «لدينا فريق مسافر بالفعل... هم قادمون إلى أوروبا». وتابع تيلرسون أن الفريق سيبحث «كيف يمكننا التصدي لهذه العيوب في الاتفاق النووي... ولكن أيضا كيف يتسنى لنا التعاون بصورة أكبر بشأن مواجهة الأنشطة الإيرانية التي لا علاقة لها بالبرنامج النووي. تتعلق مخاوفنا بصادراتهم من الأسلحة إلى اليمن وأماكن أخرى».
من جانبه، قال نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، أمس، في خطاب ألقاه أمام البرلمان الإسرائيلي، إن الولايات المتحدة «لن تسمح أبداً» لإيران بحيازة سلاح نووي، مضيفا أن «الاتفاق النووي مع إيران هو كارثة، والولايات المتحدة الأميركية لن تصادق بعد الآن على هذا الاتفاق الخاطئ»، وفق ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتابع بنس: «ما لم يتم تصحيح الاتفاق النووي الإيراني، قال الرئيس ترمب إن الولايات المتحدة ستنسحب فورا من الاتفاق النووي الإيراني».
طالب الرئيس الأميركي في 12 يناير (كانون الثاني) باتفاق مع الأوروبيين «لسد الثغرات الفظيعة» في النص المخصص لمنع إيران من حيازة السلاح الذري، ويرى ترمب أنه لا يحل المسألة على المدى الطويل. وفي حال عدم تشديد الاتفاق، ستعيد الولايات المتحدة فرض العقوبات المتصلة بالبرنامج النووي الإيراني، ما يوازي انسحابا بحكم الواقع من الاتفاق المبرم في فيينا في 2015 إلى جانب القوى الكبرى الأخرى (الصين، روسيا، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة) مع إيران، يهدد بإعلان بموته».
لكن مساعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال أمس إن بلاده لن تتفاوض حول برنامج الصواريخ مع الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق النووي.
ونفى عراقجي ما تداولته وسائل إعلام إيرانية أن تكون الخارجية الإيرانية بحثت مع ألمانيا وبريطانيا مفاوضات حول البرنامج الصاروخي الإيراني. كذلك نفى أن تكون طهران أجرت مفاوضات حول دورها الإقليمي قائلاً: «لا نتفاوض أساساً على هذا الصعيد».
وبشأن إمهال ترمب لحلفائه الأوروبيين فترة أربعة أشهر لفتح مفاوضات حول الملفين الصاروخي والإقليمي مع طهران قال عراقجي: «لم نشاهد هذا القدر من الخلافات بين أميركا وأوروبا».
وتوقع عراقجي أن تواجه بلاده تحديات جديدة في الشهور الأربعة المقبلة وأفاد: «لا يوجد إجماع منظم في أوروبا لكنهم لديهم فكرة واحدة إن قدموا امتيازات لترمب في موضوعات خارج الاتفاق النووي بإمكانهم إبقاءه في الاتفاق النووي». مضيفا أن الدول الأوروبية «دافعت عن الاتفاق النووي خلال العام الماضي ووقفت إلى جانب إيران ضد أميركا».
وصرح عراقجي خلال مشاركته في برنامج سياسي للإذاعة الإيرانية بأنه «خلال العام الأخير كانت مشاورات قريبة مع الأوروبيين. نحن لا نقول على أوروبا أن تختار بين أميركا وإيران بل حديثنا عن الاتفاق النووي». وأضاف أن «الأوروبيين يعرفون أن الخروج من الاتفاق النووي سيجعلهم يفقدون قيمتهم في المجتمع الدولي».
وذكر عراقجي أن «ترمب أخفق في مجلس الأمن لممارسة الضغوط على إيران في الملفين الصاروخي والاحتجاجات الأخيرة». وتابع في هذا الخصوص، أن الرئيس الأميركي حاول أن يعمل على تدمير الاتفاق النووي أو إصلاحه، وأراد في الخطوة الأولى أن يصعب الأوضاع لإيران حتى تغادر بنفسها من الاتفاق النووي، لكن في الخطوة التالية حاول إقناع الأوروبيين بالخروج من الاتفاق النووي، وبعد ذلك رمى الكرة في ملعب الكونغرس.
وفي سياق آخر، رفض المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي أمس التلميحات بإجراء محادثات بشأن أي من القضيتين. ونسبت وكالة «تسنيم» للأنباء إلى قاسمي قوله: «إذا كان هناك مثل هذا التصريح (من وزير الخارجية الفرنسي) بأننا أجرينا محادثات إننا ننفي ذلك. لم نجر مفاوضات بشأن قدراتنا الصاروخية والدفاعية، ولن نتحدث عن هاتين القضيتين مع آخرين».
وفي ظل تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن هذه آخر فرصة «لأسوأ اتفاق تم التفاوض عليه على الإطلاق» بدأت بريطانيا وفرنسا محادثات بشأن خطة لإرضائه بتناول تجارب إيران الصاروخية الباليستية ونفوذها في المنطقة مع الحفاظ على الاتفاق النووي.
وقال قاسمي إن «وزير الخارجية الفرنسي ليس على دراية بعد بالمجتمع الإيراني. أثبتت إيران أنها لن تغير المسار تحت ضغط».
وأضاف قاسمي: «ينبغي أن نناقش حتما تأثير إيران في المنطقة لأنه تأثير إيجابي والكل انتفع منه. لو لم يكن هناك تأثير لإيران لكان الإرهابيون سيطروا على دمشق وبغداد».
إلى ذلك، قال ضابط كبير في البحرية الإيرانية إن طائرات إيرانية وجهت تحذيرا «لسفينتين للتحالف» خلال تدريب عسكري قبالة ساحل جنوب شرقي البلاد في أحدث مواجهة بين قوات إيرانية وغربية تنفذ دوريات في الخليج.
ونقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء عن الأميرال محمود موسوي المتحدث باسم التدريبات العسكرية قوله إن السفينتين اقتربتا من منطقة التدريبات في وقت مبكر من صباح أمس الاثنين لمراقبة السفن الإيرانية.
ونقلت الوكالة عنه: «تعرفت طائرات إيرانية من دون طيار على السفينتين ثم حلقت طائرات إيرانية فوقهما ووجهت لهما تحذيرا. وغادرت السفينتان المنطقة».
وبدأ الجيش الإيراني تدريبات أمس تستمر يومين بمشاركة قوات برية وبحرية وجوية في جنوب وجنوب شرقي البلاد قرب ساحل مكران ومناطق أخرى في خليج عمان.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».