صحافيو باكستان بين «المضايقات» الحكومية وإرهاب الجماعات المسلحة

صحافي استقصائي انتقد فدفع الثمن والجاني حر في غياب المساءلة

مظاهرة مناهضة للاعتداء الذي تعرض له الصحافي الباكستاني أحمد نوراني  ولا تزال نتائج التحقيق في حيثياته مجهولة (غيتي)
مظاهرة مناهضة للاعتداء الذي تعرض له الصحافي الباكستاني أحمد نوراني ولا تزال نتائج التحقيق في حيثياته مجهولة (غيتي)
TT

صحافيو باكستان بين «المضايقات» الحكومية وإرهاب الجماعات المسلحة

مظاهرة مناهضة للاعتداء الذي تعرض له الصحافي الباكستاني أحمد نوراني  ولا تزال نتائج التحقيق في حيثياته مجهولة (غيتي)
مظاهرة مناهضة للاعتداء الذي تعرض له الصحافي الباكستاني أحمد نوراني ولا تزال نتائج التحقيق في حيثياته مجهولة (غيتي)

شغلت باكستان المركز السابع بحسب المؤشر العالمي للإفلات من العقاب خلال العام الماضي (Global Impunity Index)، ويضم هذا المؤشر قائمة بالدول التي يتم فيها قتل الصحافيين دون أن ينال مرتكب الجريمة جزائه. ويذكر التقرير الصادر عن لجنة حماية الصحافيين أنه قد تم قتل 21 صحافياً في البلاد خلال العقد الماضي دون معاقبة الجناة. يصبح الوضع في باكستان واضحاً حين يضع المرء في الاعتبار حوادث الهجوم على صحافيين في إسلام آباد، فخلال الأشهر الستة الماضية هاجم أشخاص مجهولون أربعة صحافيين في المدينة. وحدث آخر هجوم في بداية الأسبوع الحالي على طه صديقي، حيث أوقفت مجموعة يتراوح عددها بين 10 و12 رجلاً مسلحاً سيارة الأجرة الخاصة التي كان يستقلها وانهالوا عليه بالضرب. وكتب الصحافي أسعد هاشم في تغريدة له على موقع «تويتر»: «لقد تم ضرب صديقي وتهديده بالقتل».
وأضاف هاشم، الذي ذهب مع صديقي إلى مركز شرطة كورال، أنه قد تم الاستيلاء على متعلقات صديقي أيضاً. ويتهم صديقي أجهزة تابعة للحكومة الباكستانية بمهاجمته.

انتقادات للأجهزة العسكرية والاستخباراتية
كذلك تتضح الصورة أكثر حين ينظر المرء في آخر هجوم تعرض له الصحافي الاستقصائي أحمد نوراني في باكستان، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. في غضون ساعات قليلة انتشرت التكهنات والشائعات في إسلام آباد بشأن منفِّذ الهجوم، وبدأت القصص تنتشر في صالات التحرير، وتشير إلى أن موضوعات نوراني، التي تضمنت انتقاداً لدور الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في التحقيق المتعلق بالصفقات المالية لرئيس الوزراء المقال نواز شريف وعائلته، قد تكون السبب وراء تعرُّضه لذلك الهجوم، أو ربما تكون الأحزاب السياسية التي تأثرت سلباً بموضوعاته وتقاريره الصحافية هي التي تقف وراء ذلك الهجوم. لقد كان نوراني في طريقه إلى المنزل بعد الانتهاء من العمل في المكتب عندما تعرض للهجوم، حيث تم اعتراض طريق السيارة التي كان يستقلها من جانب ستة رجال مسلحين أخرجوه بطريقة عنيفة من السيارة، وأبرحوه ضرباً باستخدام قبضات حديدية، وسكاكين، وسلاسل حديدية، وهربوا بعدما بدأت الحشود في التجمع وتوقفت حركة المرور.
وبعدما استشعر الجيش وجود موجة من ردود الفعل المعارضة من جانب وسائل الإعلام، سارع نحو إدانة الهجوم، حيث كتب المتحدث باسم الجيش في تغريدة له على موقع «تويتر»: «تمت إدانة الهجوم على أحمد نوراني»، مضيفاً أن الهجوم كان محاولة آثمة لإحداث الفوضى والاضطرابات، وأكد الدعم الكامل للجهود المبذولة للقبض على مرتكبي الهجوم ومحاكمتهم. كذلك زار ممثل للمكتب الإعلامي للجيش المعهد الباكستاني للعلوم الطبية الذي يتلقى به نوراني علاجه، وأحضر إلى الصحافي المصاب باقة من الورود.

أيادٍ خفية
الاعتقاد السائد في الدوائر الصحافية في إسلام آباد هو أن الهجوم على نوراني من تخطيط أجهزة الاستخبارات، وإن لم يكن هناك ما يكفي من الحقائق والأدلة التي تدعم هذا الاعتقاد، بل يستند الاعتقاد إلى إدراك أن تقارير نوراني الصحافية، التي انتقدت الجيش وأجهزة الاستخبارات، قد أثارت غضبهم. الأهم من ذلك أن هناك عشرات الحالات، التي تعرض فيها صحافيون آخرون للضرب في إسلام آباد، ولم يتم استكمالها أو متابعتها، خلال فترة تتراوح بين خمسة عشر عاماً و20 عاماً. لذا يتم النظر إلى قضية نوراني في سياق هذا التوجه المستمر المتواصل.
في كل الأحوال لم يتم التوصل إلى أن أجهزة الاستخبارات ضالعة في أي هجوم تعرض له صحافيون في تاريخ إسلام آباد، واحتمال حدوث ذلك ضئيل للغاية نظراً لما يتمتعون به من سلطة ونفوذ، ولهذا السبب لم يوجه أي شخص حتى هذه اللحظة إصبع الاتهام إلى أجهزة الاستخبارات.
كتب نوراني كثيراً عن دور الجيش في التحقيق الذي يتم إجراؤه بشأن الصفقات المالية الخاصة بشريف، التي أدت إلى إقالته من منصبه كرئيس للوزراء لعدم أهليته. كذلك نشر نوراني موضوعات صحافية عن المخالفات المالية لعمران خان، لاعب الكريكيت الذي أصبح من الشخصيات السياسية، وأعضاء حزبه، حزب حركة الإنصاف الباكستاني، مما أثار غضب مؤيديه على مواقع التواصل الاجتماعي. وكذلك دعا بعض من أتباع ومؤيدي خان علناً إلى استخدام العنف ضد نوراني.

غياب الشفافية
قال مسؤول إداري رفيع المستوى في مجموعة «جانغ غروب»، التي تمتلك صحيفة «نيوز إنترناشونال»، التي يعمل بها نوراني، إنهم حريصون للغاية على عدم توجيه الاتهام إلى الجيش وأجهزة الاستخبارات التابعة له بالتحريض على الهجوم على نوراني، مشيراً إلى تحفُّظ نوراني نفسه في حديثه، وعدم عزمه اتهام الجيش بالضلوع في الهجوم. وأضاف المسؤول قائلاً: «لا نرى أنه من الحكمة إلقاء اللائمة على أجهزة الاستخبارات دون إجراء تحقيق سليم يكشف عن الحقائق الأساسية للجريمة. نعتقد أن هذا الهجوم يعود بالأساس إلى الفوضى وغياب سيادة القانون في المجتمع، وأن من نفذه كانوا فاعلين غير تابعين للدولة، وهو ما يمثل خطراً أكبر على حرية الصحافة».
على الجانب الآخر كتب أحد زملاء نوراني البارزين مقالا في أعقاب الهجوم على نوراني ذكر فيه أن الفوضى وغياب سيادة القانون في المجتمع تمثل خطراً أكبر على حرية الصحافة. وجاء في المقال الذي كتبه طلعت حسين: «تزامن يوم الهجوم على نوراني، مع عدم توزيع الصحف على المنازل في كويته بسبب تهديد جماعات مسلحة بمهاجمة وقتل موزعي الصحف، لأن الصحف أصبحت من أعدائهم لأنها لا تنشر وجهات نظرهم. ولم يتم توزيع الصحف على المنازل إلا في المناطق التي تخضع لسيطرة البشتون. تشير بعض التقارير الإخبارية إلى أن نحو 90 في المائة من النسخ المطبوعة تظل في مراكز التوزيع».

إرهاب الجماعات المسلحة
لا حاجة للقول بعد كل ذلك إن باكستان واحدة من أخطر الدول بالنسبة للصحافيين، حيث تعد التهديدات الموجهة من الجيش والمسلحين أمراً طبيعياً. وقد نجا حامد مير، أحد الصحافيين ومقدمي البرامج البارزين، في عام 2014 من محاولة قتل. ووجهت أسرة مير اتهاماً رسمياً لرئيس الاستخبارات الباكستانية آنذاك بالضلوع في الهجوم عليه. وفي عام 2011، تم العثور على جثة صحافي استقصائي آخر، هو سيد سليم شاه زاد، مما أدى إلى اتهام الاستخبارات بالتورط في الجريمة.
مع ذلك تمثل الجماعات المسلحة خطراً لا يقل عن الخطر الذي يمثله النظام على الصحافيين في هذا البلد. ورغم زعم الحكومة الباكستانية أن الوضع الأمني في البلاد قد تحسّن منذ عام واحد فقط كان كثير من الصحافيين البارزين يرسلون أسرهم خارج البلاد خوفاً من حركة طالبان. كذلك هناك خطر كبير على حياة كثيرين يعملون في مجال الإعلام الباكستاني، حتى إن بعض الإعلاميين استعانوا بحرس شخصي يصحبهم في كل مكان، في حين أرسل البعض الآخر أطفاله إلى الخارج لحمايتهم من أي أذى قد يتعرضون له. وقد بات إرهاب حركة طالبان للإعلام الباكستاني يتخذ منحى خطيراً في 2014 و2015. ونظراً لأن مكالمات ورسائل التهديد، والتهديدات الصريحة من المتحدث باسم حركة طالبان لم تكن كافية لإرهاب الصحافيين، في مارس (آذار) 2014، تم قتل ثلاثة عاملين في مؤسسة إعلامية خلال هجمات نفذتها حركة طالبان في كراتشي، حيث أطلق رجال مسلحون النار على عاملين في «إكسبريس نيوز» بعد قطع الطريق على شاحنة تابعة للمؤسسة مما أودى بحياتهم.
وأعلنت حركة طالبان باكستان مسؤوليتها عن الحادث خلال مكالمة هاتفية مباشرة من أفغانستان. وصرح إحسان الله إحسان، المتحدث باسم الحركة، إلى «إكسبريس نيوز»: «نحن نتحمل المسؤولية. أود توضيح بعض الأسباب. تضطلع وسائل الإعلام الباكستانية في الوقت الحالي بدور في الحملة الدعائية الخبيثة ضد حركة طالبان. وقد أرهبنا الإعلام في السابق، ونحذره مرة أخرى، وندعوه إلى دعمنا في مواجهة هذه الحملة الدعائية الشرسة». وأضاف قائلاً: «لقد حذرنا (إكسبريس نيوز) أكثر من مرة، وقد اتصلت بها بنفسي وأوضحت لهم ما نشعر به من ظلم».

حملات تشويه
قال صحافي باكستاني بارز خلال مقابلة أجريتها معه في مكتبه عن هذا الأمر إنه يجلس على مسافة كبيرة من نوافذ المكتب الكبيرة تحسباً من تلقي رصاصة من قناص. من المؤسف رؤية انقسامات داخل الدوائر الصحافية بسبب التوجهات السياسية في هذه الأوقات العصيبة. في الوقت الذي يحمل فيه صحافيون مؤيدون للحكومة الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجيش مسؤولية الهجوم على نوراني، وإن لم يكن ذلك علناً، يحمل صحافيون مناهضون للحكومة الاستخبارات مسؤولية التخطيط لهذا الهجوم لإلحاق الضرر بالجيش وتشويه صورته.
على الجانب الآخر، دشنت إحدى الصحف اليومية الصادرة باللغة الأردية حملة تشويه ضد نوراني وهو لا يزال طريح الفراش، حيث اتهمته الصحيفة بأنه على علاقة مع طالبة جامعية، وقالت إن زملاء الطالبة الشباب هم من اعتدوا عليه بالضرب بدافع الغيرة. مع ذلك لا يشك الصحافيون الجادون في أن سبب الهجوم على نوراني موضوعاته الصحافية، رغم عدم وجود اتفاق فيما بينهم على هوية الطرف المتورط في الهجوم.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.