ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

ثارت على مسايرة «الحركة القومية»... وأعلنت التحدي في انتخابات الرئاسة

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان
TT

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

ميرال أكشنر... «إمرأة حديدية» تهدّد هيمنة إردوغان

شغلت السياسية التركية المخضرمة ميرال أكشنر، الملقبة في تركيا بـ«المرأة الحديدية» -على غرار الزعيمة البريطانية السابقة الراحلة مارغريت ثاتشر- مساحة كبيرة من الاهتمام على الساحة السياسية وفي الشارع التركي، وذلك بعد خلافها في عام 2016 مع رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي. إذ سعت أكشنر ومعها مجموعة من قيادات الحزب، الذي كان بهشلي في موقع نائب رئيسه في ذلك الوقت، إلى عقد مؤتمر عام للحزب استهدف الإطاحة بالسياسي «العجوز»، الذي بات إلى جانب مرضه يثير التساؤلات بتحوله السياسي المفاجئ من «رجل اللاءات» إلى رجل التوافق والتماهي مع الرئيس رجب طيب إردوغان وحزب العدالة والتنمية في جميع الاستحقاقات المؤثرة. ومعروف أن بهشلي أيّد تأييد التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي التي أُجري عليها استفتاء شعبي في 16 أبريل (نيسان) 2017، ما يفتح الطريق أمام إردوغان للبقاء في مقعد رئيس تركيا حتى عام 2029 بصلاحيات واسعة أو شبه مطلقة.
رمت «المرأة الذئب» ميرال أكشنر، السياسية القومية اليمينية التركية، التي سبق لها تولّي حقيبة وزارة الداخلية ومنصب نائبة رئيس البرلمان، أخيراً «قفاز التحدّي» في وجه رجب طيب إردوغان، رئيس تركيا و«رجلها القوي».
وجاء تحدي أكشنر عبر إعلانها تأسيس حزب جديد باسم «الحزب الجيد» في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، معلنة من البداية أن رفاقها في العمل السياسي وفي حزبها الجديد طالبوها بالترشح في الانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تُجرى يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019.
وبخلاف كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري (حزب المعارضة الرئيسي)، الذي عجز عن الوصول إلى الناخبين من خارج دائرة الفئات النخبوية في المدن، تبدو أكشنر قادرة على اختراق القاعدة الشعبية لإردوغان واحتضان مختلف الأطياف. ثم إن «كيمياء» هذه السياسية «القومية» تجعل منها بديلاً جذاباً لكثير من الناخبين الأتراك لكونها غير محسوبة على تيار الإسلام السياسي، واختلافها عن المعارضة العلمانية اليسارية التقليدية التي نجح إردوغان في تحجيمها، ناهيك بأنها خيار جذاب للنساء التركيات.
- المسيرة السياسية
وُلدت ميرال أكشنر يوم 18 يوليو (تموز) عام 1956، في مدينة إزميت (كوجالي) بشمال غربي تركيا، قرب مدينة إسطنبول، لأبوين مهاجرين من مدينة سالونيك بشمال اليونان.
وفي مطلع شبابها، درست أكشنر في جامعة إسطنبول وتخرّجت فيها مجازةً في التاريخ. ثم حصلت على الدكتوراه في التاريخ من جامعة مرمرة، وهي الجامعة التي تخرج فيها الرئيس إردوغان، وتقع أيضاً في إسطنبول، وامتهنت على الأثر التدريس الجامعي.
ولقد تدرّجت السياسية والأكاديمية الطموحة في عدد من الجامعات، قبل أن تقرّر عام 1994 هجر الحياة الأكاديمية لخوض غمار العمل السياسي. وبالفعل، ترشحت عن حزب في الانتخابات البرلمانية عام 1995، وفازت عن إحدى دوائر إسطنبول ممثلةً حزب «الطريق القويم» المحافظ. ثم اختيرت وزيرة للداخلية من عام 1996 إلى عام 1997 في عهد رئيس الوزراء الإسلامي الراحل الدكتور نجم الدين إربكان، مؤسس «الإسلام السياسي» في تركيا الحديثة، وباتت أول وآخر امرأة تتولى هذه الحقيبة الحساسة التي يتعاقب عليها الرجال.
أظهرت ميرال أكشنر، إبّان توليها هذا المنصب، صلابة لافتة في مواجهة حزب العمال الكردستاني الانفصالي المحظور، وكذلك في مواجهة قادة الجيش الذي كان يتمتع بمهابة كبيرة وثقل سياسي يفوق أي حكومة، وبوضع لا يقارن بما هو عليه الآن، إذ أعلنت رفضها القوي تدخل الجيش في السياسة، ووقفت بعناد خلف رأيها، ما كلّفها منصبها الوزاري في أعقاب تدخل الجيش في تغيير حكومة إربكان يوم 28 فبراير (شباط) عام 1997، فيما عرف آنذاك بـ«الانقلاب الأبيض» أو «الانقلاب ما بعد الحداثي».
- العودة إلى الساحة
وبعد فترة حظر، عادت أكشنر إلى البرلمان، وجرى انتخابها لعضوية البرلمان غير مرة. ومن ثم، صارت وجهاً برلمانياً معروفاً في صفوف تيارات اليمين. وفي وقت ما، انضمت إلى حزب العدالة والتنمية –إسلاميّ التوجهات– الذي أسسه إردوغان مع عبد الله غُل، رئيس الجمهورية السابق، وبولنت أرينتش وعدد آخر من رفاقهم، في بداياته. إلا أنها تركته بعد 4 أشهر فقط، عندما اكتشفت أنه لا يقدم جديداً في طروحاته، ولا يختلف، بالتالي، عن الأحزاب الإسلامية السابقة التي أسسها إربكان.
وفي عام 2007 التحقت أكشنر بصفوف حزب «الحركة القومية» اليميني القومي برئاسة السياسي المخضرم دولت بهشلي، ورأت فيه الحزب السياسي الملائم لآيديولوجيتها القومية. وظلت في صفوف هذا الحزب نائبة بالبرلمان وقيادية في صفوفه التنظيمية إلى أن وقع الخلاف بينها وبين بهشلي، الذي اختار بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا يوم 15 يوليو 2016 السير في ركاب إردوغان، وتأييد خطته لتحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.
وقتها أعلنت أكشنر تمرّدها وقادت مجموعة من المنشقّين في الحزب. ثم أطلقت حملة جماهيرية للتصويت بـ«لا» في الاستفتاء على تعديل الدستور من أجل الانتقال إلى النظام الرئاسي في أبريل 2017، وذلك بعدما باشرت التحضير لمرحلة سياسية جديدة إثر رفض المحكمة مساعيها لعقد مؤتمر عام للحزب للإطاحة ببهشلي من رئاسة «الحركة القومية» ووصول الشقاق معه إلى نقطة اللاعودة.
- انطلاقة جديدة
عندما حاولت أكشنر وفريقها من المنشقين عقد جمعية عمومية لحزب «الحركة القومية» في أحد فنادق أنقرة يوم 2016، بهدف تغيير القيادة، طوقت الشرطة التركية المكان، ومنعت الاجتماع. وهو ما فُسِّر في حينه بأنه تدخل من إردوغان لحماية «حليفه» الجديد بهشلي. غير أن السياسية المخضرمة استغلت هذه الفرصة لتحوّل الواقعة إلى «مؤتمر شعبي»، باعتلائها إحدى الحافلات المكشوفة التي أعدت لها، وألقت خطاباً على مؤيديها خارج الطوق الأمني المفروض حول القاعة.
جعلت أكشنر من ذلك الخطاب نداءً حماسياً ملتهباً دشن بداية مرحلة نضال سياسي بعد فصلها من «الحركة القومية»، والخطوة الأولى باتجاه تأسيس حزب جديد أبصر النور -كما سبقت الإشارة- في 25 أكتوبر الماضي، تحت اسم «الحزب الجيد»، أرادت منه أن يكون معبّراً عن معارضة يمينية لا ترضى بأن تكون مجرد «ديكور» لتجميل المشهد السياسي من خلال التماهي مع «الرئيس» في كل قراراته وأفعاله. وكان من بين الأعضاء المؤسسين للحزب الجديد 4 من نواب حزب «الحركة القومية»، ونائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، استقال وانضم إلى الحزب.
واليوم، مع أن معظم الأعضاء المؤسسين للحزب لهم تاريخ طويل في «الحركة القومية» فإن «الحزب الجيد» يطمح إلى أن يمثل خط يمين الوسط القومي، وكسب أصوات الناخبين القوميين والديمقراطيين.
- مؤتمر التأسيس
في الحقيقة، لم يتمكن الحزب الوليد من استئجار صالة أو فندق في العاصمة أنقرة لاستضافة مؤتمره العام الأول، وذلك خشية من مالكي الصالات والفنادق النظر إلى تجاوبهم على أنه يشكّل تأييداً لمواقف الحزب. ولذا، اضطر الأعضاء المؤسسون إلى عقد مؤتمر الإعلان عن تأسيس حزبهم في مركز «ناظم حكمت» الثقافي التابع لحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية.
وخلال المؤتمر ردت أكشنر على الهتافات التي تعالت من مناصريها «ميرال.... رئيسة الوزراء»، بقولها إن مؤسسي الحزب وناشطيه وأصدقاءها يلحّون عليها أن تترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات المقبلة عام 2019. وهكذا، اعتبر مراقبون أن أكشنر أعلنت بذلك تحدياً مفتوحاً مع إردوغان على منصب الرئاسة الذي يعمل على تحويله إلى منصب يحظى صاحبه بأكبر الصلاحيات. ورأوا أنها يمكن أن تشكل تهديداً جدياً للرئيس الحالي، كونها تستمد شعبيتها من القاعدة الشعبية نفسها التي يعتمد عليها، وتحديداً من فئات الناخبين المحافظين والمؤيدين لقطاع الأعمال والمتديّنين والقوميين.
أكثر من هذا، كسبت أكشنر، بسبب معارضتها الشديدة لاعتماد النظام الرئاسي في تركيا، المزيد من الشعبية حتى داخل أوساط حزب العدالة والتنمية الحاكم (حزب إردوغان) ممن يعارضون النظام الرئاسي.
- قاعدة عريضة
وراهناً يرى كثيرون أن أكشنر قادرة على اختراق القاعدة الشعبية لإردوغان، ثم إنها بدأت بالفعل جولات في أنحاء مختلفة من تركيا تعكس نهجها الذي تسعى من خلاله لتأكيد أن حزبها لن يكون حزباً لليمين القومي فقط، بل لمختلف الأطياف.
وفي كلمتها خلال إعلان تأسيس الحزب امتدحت أكشنر قادة أتراكاً من مختلف الأطياف، بدءاً بمؤسس الجمهورية مصطفى كمال «أتاتورك»، مروراً بالعلماني اليساري بولنت أجاويد، والإسلامي نجم الدين إربكان، وهو ما أعطى مؤشراً صريحاً إلى أنها تهدف إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين من مختلف ألوان الطيف السياسي في تركيا.
ومما قالته أكشنر في كلمتها أن «تركيا ستكون بخير» في ظل حزبها، وإن «تركيا وشعبها تعبا، والدولة تآكلت وانعدم النظام ولا حل سوى تغيير كل المناخ السياسي». كذلك أكدت أهمية سيادة القانون وحماية المؤسسات واتباع الأصول والإجراءات القانونية. وهاجمت إردوغان قائلة إنه «يرى العالم بلونين فقط هما إما أبيض وإما أسود، أما أنا فلا أنظر إلى سيادة القانون بمنظار الخطأ أو الصواب، أنا أؤمن بالقانون وسيادته»، كما انتقدت موقف إردوغان من المرأة، فقالت إنه يريد «أن نبقى داخل المنزل».
- فرص النجاح
تبدو الجذور الآيديولوجية اليمينية المتشددة لأكشنر من السلبيات التي يمكن أن تحد من انتشارها في أوساط الناخبين الأكراد وبعض الأقليات. وكانت قد عبّرت بنفسها عن إدراكها لهذه الحقيقة بالتأكيد أن حزبها لا يعتمد القومية العرقية بل «الهوية الوطنية»، بما فيها من أفراح وذكريات وروابط مشتركة. وللعلم، سبق أن عارضت أكشنر مفاوضات السلام التي أجرتها الحكومة مع حزب العمال الكردستاني خلال السنوات القليلة الماضية، وقالت إن القانون التركي فيه ما يكفي من ضمانات لصيانة حقوق الأقليات في البلاد واحتياجاتها. ولكن، في الوقت ذاته، وقفت أكشنر بقوة ضد اعتقال نواب حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد لحقوق الأكراد، ووصفت ذلك بأنه محاولة من قبل إردوغان لترهيب الأكراد، ولذا «زج بالنواب الأكراد في السجون قبل الاستفتاء على النظام الرئاسي».
أيضاً خاضت هذه السياسية القومية مواقع شرسة بعدما تعرضت لحملة قاسية من قبل الإعلام الموالي للحكومة تناولت حياتها الشخصية منذ أبريل 2016، عندما بدأت تتحرك للإطاحة ببهشلي من رئاسة «الحركة القومية»، كما تلقت تهديدات بالقتل، ووصفت ذلك بأنها محاولة لإرهابها، قائلة: «إن هذه الحملة المنسقة منذ أبريل 2016 تهدف إلى إرغامي على التراجع لكنهم فشلوا في ذلك».
على أي حال، يرى مراقبون أن مزايا أكشنر تجعل منها بديلاً جذاباً لكثير من الناخبين الأتراك، كونها غير محسوبة على تيار الإسلامي السياسي مع أنها تصف نفسها دائماً بأنها «مسلمة تحترم الدين»، وهي بذلك تختلف عن المعارضة العلمانية اليسارية التقليدية التي نجح إردوغان في تحجيمها. ثم إنها قد تكون معارضة مقبولة للمحافظين الذين لا يريدون أن يذهبوا بمعارضتهم إلى حد التصويت لليسار، هذا إضافة إلى العلمانيين الذين قد ينظرون إليها على أنها بديل مقبول وأقل خطراً من إردوغان. وأخيراً، فهي -كما سبق- خيار جذاب للنساء التركيات، وهي التي دأبت على تأكيد انحيازها لفرص المرأة وحقوقها.
في المقابل، مع أن أكشنر، والكثير من أنصارها يرفعون شعار «الذئب»، وهو شعار «الحركة القومية»، في تجمعاتهم، والمتمثل في ضم الإبهام والوسطى والبنصر وإطلاق السبابة والخنصر على شكل رأس ذئب. فإنها في الفترة الأخيرة استعاضت عنه بعلم تركي من الحناء على كف يدها، الأمر الذي انتشر كثيراً على أيدي أنصارها وعلى «تويتر» لما فيه من رمز للثقافة التركية التقليدية وتقرّب من عموم الشعب.
-- أكبر الأحزاب السياسية التركية
> تركيا جمهورية تعتمد النظام الديمقراطي التعددي، وتتنافس على السلطة مجموعة من الأحزاب تتفاوت في آيديولوجيتها وأحجامها تفاوتاً كبيراً. ووفق النظام الانتخابي المتبع حالياً يعد ضمن الأحزاب الكبرى كل حزب ينجح مرشحوه في الحصول على أكثر من 10% من الأصوات في الانتخابات أو تتمثل في البرلمان.
وفيما يلي أكبر الأحزاب السياسية التركية، وحجم تمثيلها في البرلمان:
> حزب العدالة والتنمية (يمين – إسلامي):
الحزب الحاكم في البلاد، وتقوم آيديولوجيته على الإسلام السياسي، و«العثمانية الجديدة». زعيمه الفعلي الرئيس رجب طيب إردوغان، وهو أحد مؤسسيه مع زميلة عبد الله غُل، ورئيسه التنظيمي بن علي يلدريم، رئيس الوزراء الحالي. ورث عملياً عدة أحزاب إسلامية التوجّه أبرزها «حزب الرفاه»، كان وراء جاذبيتها ونفوذها الزعيم السياسي الإسلامي ورئيس الوزراء السابق نجم الدين إربكان.
لدى الحزب حالياً 317 مقعداً من أصل مقاعد البرلمان البالغ عددها 550 مقعداً. أكثر من هذا، يسيطر هذا الحزب اليوم على 800 مجلس بلدي في تركيا (من أصل 1351 مجلساً)، و18 مجلساً من مجالس التجمّعات الحضرية الكبرى الـ30.
> حزب الشعب الجمهوري (يسار الوسط – علماني):
حزب مصطفى كمال «أتاتورك»، وخلفه عصمت إينونو، ثاني رؤساء الجمهورية التركية، الذي قاده بين 1938 و1972. أقدم الأحزاب التركية (أُسس أصلاً عام 1919) وأكبر أحزاب يسار الوسط. برز من قادته رئيس الوزراء الأسبق بولنت (بلند) أجاويد، وإردال إينونو، ودينيز بايكال، أما زعيمه الحالي فهو كمال كليتشدار أوغلو.
لدى الحزب حالياً 133 مقعداً في البرلمان من أصل 550، ويسيطر على 226 مجلساً بلدياً، و6 من المجالس الحضرية الكبرى الـ30.
> حزب الشعوب الديمقراطي (يسار – أقليات عرقية ودينية):
حزب يساري يمثل قوى عدة أبرزها الأقليات العرقية والدينية، على رأسها الأكراد، وكذلك الجماعات النسوية والراديكالية، وهو عضو استشاري في «الدولية الاشتراكية».
جُلّ تأييد هذا الحزب يأتي من المناطق الكردية في جنوب شرقي البلاد، وزعيمه صلاح الدين دميرتاش (الموقوف حالياً).
يحتل نواب الحزب 59 مقعداً في مجلس النواب، ويسيطرون على 97 مجلساً بلدياً، ومجلسين حضريين كبيرين.
> حزب «الحركة القومية» (يمين قومي - متشدد):
حزب قومي تركي – طوراني، يميني متشدد، أسسه الضابط السابق ألب أرسلان توركيش عام 1969. يرأسه حالياً دولت بهشلي الذي خلف توركيش بعد وفاة الأخير عام 1997.
اتُّهمت الميليشيات المرتبطة في أيام مؤسسه باستهداف المثقفين والحركيين اليساريين، وكان من أشهر هذه الميليشيات الموصومة بالفاشية «الذئاب الرمادية». وحالياً يتمثل حزب «الحركة القومية» في البرلمان بـ39 مقعداً، كما أنه يسيطر على 166 مجلساً بلدياً و3 مجالس حضرية كبرى.



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.