{العبودية} في موريتانيا.. قضية فوق القانون

منظمات حقوقية دقت ناقوس الخطر ووضعت نواكشوط في المرتبة الأولى على «المؤشر العالمي للرق»

ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة
ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة
TT

{العبودية} في موريتانيا.. قضية فوق القانون

ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة
ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة

وقف المرشح للانتخابات الرئاسية والمناضل الحقوقي الموريتاني بيرام ولد الداه ولد أعبيدي، أمام العشرات من أنصاره، وحرك عمامته السوداء، وبدأ خطابه بالحديث عن نيته تحرير جميع العبيد في موريتانيا؛ وقال: «سأحرر العبيد وأدخلهم معي إلى القصر الرئاسي». بنبرته الحادة وخطابه الراديكالي، أثار المناضل الحقوقي من جديد ملف العبودية في موريتانيا، التي تعيش على وقع حملة رئاسية يتنافس فيها خمسة مترشحين من بينهم اثنان ينحدران من شريحة الأرقاء السابقين التي تعرف محليا تحت اسم «الحراطين».
كانت تصريحات ولد أعبيدي لتمر دون تعليق لو أنها جاءت خارج سياق التنافس الانتخابي، ولكن مدير الحملة الانتخابية للرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، سيدي ولد سالم فسر تصريحات ولد أعبيدي على أنها «محاولة لاستغلال ورقة العبودية من أجل الحصول على أصوات الأرقاء السابقين، واتخاذها مطية للوصول إلى السلطة»؛ وقال ولد سالم: «أستغرب كيف يتم استغلال قضية العبودية التي لم تعد موجودة، أنا أنحدر من شريحة (الحراطين) وأؤكد أنه لا توجد حالة استرقاق في المحيط الذي أنتمي إليه».
لا تختلف حدة الخلاف بين الرجلين، عن حدة انقسام الموريتانيين بين من يؤكدون استمرار ممارسة العبودية في المجتمع، ومن ينفون وجودها ويؤكدون أن ما يوجد هو «مخلفات العبودية»، وهو الموقف الرسمي الذي تتبناه الحكومة التي أعلنت العام الماضي تأسيس «وكالة التضامن لمحاربة الفقر ومخلفات الرق»، كما سنت قوانين تجرم الرق وأسست محكمة مختصة في معالجة قضاياه.
في غضون ذلك، ظلت منظمات حقوق الإنسان الدولية تدق ناقوس الخطر بشكل دائم محذرة من انتشار العبودية في موريتانيا، ولعل أشهرها منظمة «وال فري فوندشن» الأسترالية التي أصدرت العام الماضي تقريرا وضع موريتانيا في المرتبة الأولى على «المؤشر العالمي للعبودية»، وبررت ذلك بأن أربعة في المائة من الموريتانيين تمارس عليهم العبودية، أي ما يتراوح بين 140 و160 ألف موريتاني، وهي أرقام أثارت استغراب كثير من الموريتانيين بينما عدها الحقوقيون «منطقية».
في هذا السياق يقول الناشط السياسي والحقوقي أحمد ولد صمب، لـ«الشرق الأوسط» إن «العبودية للأسف ما زالت ممارسة في المجتمع الموريتاني وذلك لظهور حالات منها بين الفينة والأخرى»، ويضيف ولد صمب أن «العقلية الاستعبادية ما زالت سائدة وتشكل مرجعية أخلاقية في المجتمع الموريتاني، وما دامت هذه العقلية موجودة وتلعب دورا في تراتبية المجتمع، فستظل العبودية موجودة، ولو أنها أصبحت تمارس في الخفاء».
من جهته، يؤكد المحامي والناشط القومي محمد ولد الشدّو أنه «لا يوجد عبيد أو عبودية في موريتانيا»، مشيرا في هذا السياق إلى أن آخر مبادرة أطلقها أطر ومناضلون من شريحة العبيد السابقين العام الماضي تحت اسم «ميثاق الحراطين» للمطالبة بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للعبيد السابقين «قطعت الشك باليقين وعالجت التهميش والفقر والغبن بدل الحديث عن عبودية وهمية»، وفق تعبير ولد الشدّو.

* قوانين معطلة
* السنوات الأخيرة شهدت تطورا كبيرا في الترسانة القانونية التي تحرم ممارسة الرق وتعده جريمة يعاقب عليها القانون، حيث بدأت سنة 2007 بسن قانون تجريم الرق وتحديد عقوبات في حق من يدانون بممارسته، وتطور الأمر سنة 2011 عندما أدرج تجريم العبودية في الدستور؛ لتبدأ بعد ذلك السلطات في محاربة ما سمته «مخلفات الرق» من خلال «وكالة التضامن لمكافحة آثار الاسترقاق وللدمج ولمحاربة الفقر»، و«خريطة الطريق الوطنية لمكافحة مخلفات الرق»، وهي خطة وضعتها الحكومة بالتعاون مع هيئات من المجتمع المدني ومناضلين حقوقيين، وبدعم من طرف هيئات دولية.
في المقابل، تواجه السلطات الموريتانية انتقادات واسعة بالتهاون في تطبيق القوانين المجرمة للعبودية، حيث يقول أحمد ولد صمب الذي شارك منذ أكثر من عقد من الزمن في تأسيس حركة «نجدة العبيد» الحقوقية، إن «السبب الأبرز لاستمرار ممارسة العبودية هو عدم جدية الحكومات المتتالية في تطبيق القوانين، وكأنها سنت تلك القوانين على مضض وعن غير قناعة، وبالتالي أصبحت تتحايل على تطبيقها، فالقوانين كفيلة بالقضاء على العبودية، لو أنها طبقت»، ويضيف: «الدولة في بعض الأحيان عندما تواجه قضية استعباد تقف إلى جانب الجاني بدل أن تقف مع القانون. نحن لا نريدها أن تقف إلى جانب الضحية لأن القانون يحمل الضحية المسؤولية نفسها التي يحملها للجاني، ولكننا نريد من الدولة أن تقف مع القانون».
وفي سياق حديثه عن الوضع الحالي، قال ولد صمب إن «القوانين والإجراءات التي اتخذتها السلطات قوضت ممارسة العبودية إلى حد كبير، حيث لم يعد أحد يتباهى بأنه استعبادي، وأصبحت تمارس سرا كأي جريمة أخرى، ولكنها لم تقض عليها بشكل نهائي، حيث لم تعد تمارس إلا على من هو صغير جدا، أي القاصرين، أو من يعانون الأمية ومن هم مغيبون عن الواقع في المناطق البعيدة والريف، وبالتالي يمكننا القول إنه من حيث الكم شهدت العبودية تراجعا كبيرا نتيجة لنضالات أفراد من شريحة العبيد السابقين».
من جهة أخرى، يرى الصحافي الموريتاني أحمد ولد محمد المصطفى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «التعامل الرسمي مع ملف الاسترقاق مر بعدة مراحل طبعها في الغالب التعامل بمنطق الالتفاف على الضغوط الدولية والسعي لسحب البساط من تحت بعض الحقوقيين في الداخل، وللأسف الدولة الموريتانية لم تنظر للملف الشائك نظرة تضعه في إطاره الحقيقي بصفته عقبة في وجه قيام دولة مواطنة حقيقية»؛ وخلص ولد محمد المصطفى إلى أن «الإشكال في عمقه إشكال اجتماعي ولا يمكن أن يحل بالقوانين».
فيما أكد المحلل السياسي المختار السالم ولد أحمد سالم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «القوانين التي سنتها السلطات الموريتانية لا تعدو كونها كلمة حق أريد بها باطل، فنظام ولد عبد العزيز يريد أن يقول لشريحة العرب السمر، وبالأخص الشريحة التي عانت من الاسترقاق في العقود الماضية: أنا حررتكم وأنا من وضع القوانين التي تجرم الاسترقاق».
وهنا يعود الناشط السياسي والحقوقي أحمد ولد صمب ليؤكد أن «الدولة كمؤسسة رسمية تسعى للحفاظ على البنية التقليدية والمرجعية الاستعبادية التي تؤسس عليها سياساتها، وتتخذها وسيلة للبقاء في السلطة».

* لا وجود للعبودية
* في المقابل، يصر بعض المثقفين الموريتانيين من القوميين العرب على أن العبودية لم تعد موجودة في موريتانيا، ويقول الكاتب الصحافي المختار السالم ولد أحمد سالم إن «هنالك شريحة من العرب السمر، بعضها فقط عانى من الرق عبر التاريخ، وبعضها لم يسبق أن تعرض للاسترقاق، وأول دستور في موريتانيا نص على تساوي جميع المواطنين وجرم العبودية، وجاء بعد ذلك أكبر محرر للعبيد في موريتانيا وهو الجفاف، الذي أرغم الأسياد على التخلي عن عبيدهم والنزوح باتجاه المدن».
في السياق التاريخي، يشير ولد أحمد سالم إلى أن موريتانيا محكومة منذ عدة قرون من طرف نخبة ناتجة عن تحالف بين قبائل الزوايا التي تحمل راية العلم والدين والقبائل التي تحمل السلاح، وتعيش هذه النخبة منذ عقود صراعا داخليا على النفوذ والسلطة، بين العسكريين والمدنيين، وأشار ولد أحمد سالم إلى أن «ملف العبودية استغل أيما استغلال في هذا الصراع، ولكن عند النزول إلى أرض الواقع والبحث في العاصمة نواكشوط التي يقطنها ثلث سكان موريتانيا، فلا يمكننا أن نعثر على حالة استرقاق واحدة، وبالتالي، فإن ملف العبودية يستغل لأغراض سياسية، وفي النهاية يكون العبيد السابقون (الحراطون) هم الضحية لأنهم يعانون الفقر والأمية والمرض، وفي الوقت نفسه هم مجرد وقود لمعركة سياسية لا غير».
وفي سياق متصل، دافع المحامي الموريتاني محمد ولد الشدّو عن الأنظمة السياسية التي حكمت موريتانيا، وقال إن كلا من المختار ولد داداه أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال ومحمد ولد عبد العزيز الرئيس الحالي، قاما بأدوار مهمة في مكافحة الرق والقضاء عليه، وأضاف: «كما أبلى مثقفو وكتاب وشعراء وفقهاء (البيظان) بلاء حسنا في محاربة الرق والتهميش والغبن؛ بدءا من ناصر الدين وأحمد بابا التينبكتي، ومرورا بالشاعر والزعيم محمد الحنشي ولد محمد صالح والشيخين محمد سالم ولد عدود ومحمد ولد سيدي يحي. ولكن المتطرفين حاربوهم واتخذوهم أعداء بدلا من أن يرفعوهم ويشكروا سعيهم، إلا أن قضية (الحراطين) بالنسبة لبعضهم مطية للصعود إلى رأس الهرم والحصول على نصيب لا يستحقه من الكسرة».

* الحجم السياسي

* على الرغم من أن شريحة العبيد السابقين تعد من أفقر شرائح المجتمع الموريتاني، وأكثرها جهلا حيث تعيش في مناطق نائية ومهمشة، فإن بعض الشخصيات المنحدرة من هذه الشريحة تقلدوا مناصب وزارية رفيعة، حيث سبق أن شغل أحد أفرادها منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطائع، وينتمي رئيس البرلمان الحالي لهذه الشريحة، وكان رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بلخير، أول عبد سابق يترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2003، وتولى سنة 2007 رئاسة البرلمان، ويرأس حاليا المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وقد ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمنحدرين من شريحة العبيد السابقين، حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة بشقيها الراديكالي والمعتدل، ويتنافس في الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في 21 يونيو (حزيران) 2014، خمسة مترشحين من ضمنهم مترشحان ينتميان لشريحة العبيد السابقين، هما رئيس حزب الوئام الديمقراطي الاجتماعي بيجل ولد هميد، والمناضل الحقوقي بيرام ولد أعبيدي رئيس حركة مناهضة للعبودية تعمل من دون ترخيص.
وينظر مراقبون إلى الحملة الدعائية التي تسبق هذه الانتخابات، على أنها كرست الخطاب الفئوي والعرقي بشكل كبير، حيث إن المترشحين خصصوا حيزا من خطاباتهم للحديث عن العبودية وحقوق العبيد السابقين، كما أن الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، شكل طاقما خاصا لتنظيم حملة دعائية موازية لحملة الأحزاب السياسية الداعمة له، وسلم قيادة هذا الطاقم لشخصية تنحدر من شريحة العبيد السابقين، وهو ما قرأه مراقبو الشأن السياسي على أنه محاولة لسحب البساط من تحت من يحملون خطابا عرقيا قويا.
وقد أثار الحضور القوي للعبودية في خطابات المتنافسين في الانتخابات استغراب المراقبين، فقال الكاتب الصحافي المختار السالم ولد أحمد سالم إن «من يستمع لخطابات المترشحين يظن أن في موريتانيا أسواق نخاسة، في الوقت الذي أتحدى فيه أي إنسان أن يعثر على عبد واحد في موريتانيا، اللهم إلا إن كانت حالة استرقاق معزولة ومخفية كما يحدث وأن نعثر على بائع مخدرات، وبالتالي، فإن العبودية أصبحت خفية ومجرمة والمجتمع يرفضها».
أما الناشط السياسي والحقوقي أحمد ولد صمب، فأكد أنه «من الطبيعي أن يكون الخطاب السياسي فئويا على هذا النحو، في ظل غياب الخطاب المتزن الذي عهدناه عند بعض قادة النضال ضد العبودية»، وأشار إلى أن خطابات المترشحين تتوزع بين «خطاب بيرام ولد الداه ولد أعبيدي الذي يوصف بالراديكالي، وخطاب بيجل ولد هميد الذي لا يعد نفسه من أبناء شريحة العبيد السابقين لأنه لا يعترف بوجود هذه الشريحة أصلا، وخطابه ذو طابع يميني شبه متطرف، أما ولد عبد العزيز فحديثه عن العبودية متناقض، وكأنه يتكلم من دون قناعة وإنما تماشيا مع ضرورة التنافس الانتخابي».
ويشير ولد صمب إلى أن المترشحين يتنافسون للحصول على أصوات شريحة العبيد السابقين، بحكم أنها تمثل أغلبية وتعاني الجهل والفقر، وبالتالي ليست عصية على غرار شريحة (البيضان) العرب فاتحي البشرة، التي يرتفع فيها مستوى التعليم وربما تكون أكثر استجابة لدعوات المعارضة الداعية إلى مقاطعة الانتخابات؛ ولكن ولد صمب في حديثه مع «الشرق الأوسط» عاد ليؤكد أن «هذه الانتخابات تعكس تطلع (الحراطين) لاحتلال موقعهم الطبيعي، فترشح مسعود ولد بلخير لرئاسيات 2003 كان رسالة لتأكيد أن (الحراطين) بشر عاديون يحق لهم ما يحق للآخرين ويجب عليهم ما يجب على الآخرين، وبالتالي فيحق لهم التطلع لحكم البلد».
وبين تطلعات العبيد السابقين للوصول إلى رئاسة الجمهورية، ونظرة المجتمع لهم على أنهم عبيد سابقون، يجمع المراقبون على أن معركة القضاء على العبودية في موريتانيا هي في النهاية «معركة عقليات» لتغيير نظرة المجتمع الموريتاني للمنحدرين من شريحة العبيد السابقين.
وفي هذا السياق، حذر الناشط السياسي أحمد ولد صمب من «دعاية صامتة تقوم بها التلفزة الرسمية عندما تعرض برنامجا أدبيا يشارك فيه رجال ينحدرون من شريحة (البيضان) وهم يتبادلون القصص ويحكون الشعر على وقع كؤوس شاي يعده شاب ينحدر من شريحة العبيد السابقين يجلس على الهامش وكأنه غير معني بالموضوع كقطعة من الديكور.. مثل هذه المشاهد تزرع في عقل المتلقي نزعة استعبادية واستعلائية».
وخلص ولد صمب إلى أن «نضال العبيد السابقين في موريتانيا كان نضالا نموذجيا وسلميا، فلم يكن في يوم من الأيام يدعو إلى الانفصال أو حمل السلاح، بل كان سلميا وأخويا، ومبنيا على الإقناع بدل فرض الرأي، وأظنه قد بلغ المرحلة النهائية منه».
ومع دخول نضال العبيد السابقين في موريتانيا مرحلة جديدة بإعلان «ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين»، وتنظيم مسيرة بنواكشوط للعبيد السابقين، ازدادت أعداد من يدعون إلى وضع سياسة «تمييز إيجابي» لصالح المنحدرين من شريحة العبيد السابقين لانتشالهم من أوضاعهم المعيشية الصعبة؛ بينما هنالك أصوات أخرى تدعو إلى حزم السلطات في تطبيق القانون المجرم للعبودية خاصة في المناطق النائية حيث تمارس العبودية بعيدا عن أعين الرقيب، مما جعل بعض المنظمات الحقوقية تزيد من نشاطها في الأرياف للتنقيب عن حالات استعباد جديدة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.