{العبودية} في موريتانيا.. قضية فوق القانون

منظمات حقوقية دقت ناقوس الخطر ووضعت نواكشوط في المرتبة الأولى على «المؤشر العالمي للرق»

ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة
ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة
TT

{العبودية} في موريتانيا.. قضية فوق القانون

ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة
ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمتحدرين من شريحة العبيد السابقين حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة

وقف المرشح للانتخابات الرئاسية والمناضل الحقوقي الموريتاني بيرام ولد الداه ولد أعبيدي، أمام العشرات من أنصاره، وحرك عمامته السوداء، وبدأ خطابه بالحديث عن نيته تحرير جميع العبيد في موريتانيا؛ وقال: «سأحرر العبيد وأدخلهم معي إلى القصر الرئاسي». بنبرته الحادة وخطابه الراديكالي، أثار المناضل الحقوقي من جديد ملف العبودية في موريتانيا، التي تعيش على وقع حملة رئاسية يتنافس فيها خمسة مترشحين من بينهم اثنان ينحدران من شريحة الأرقاء السابقين التي تعرف محليا تحت اسم «الحراطين».
كانت تصريحات ولد أعبيدي لتمر دون تعليق لو أنها جاءت خارج سياق التنافس الانتخابي، ولكن مدير الحملة الانتخابية للرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، سيدي ولد سالم فسر تصريحات ولد أعبيدي على أنها «محاولة لاستغلال ورقة العبودية من أجل الحصول على أصوات الأرقاء السابقين، واتخاذها مطية للوصول إلى السلطة»؛ وقال ولد سالم: «أستغرب كيف يتم استغلال قضية العبودية التي لم تعد موجودة، أنا أنحدر من شريحة (الحراطين) وأؤكد أنه لا توجد حالة استرقاق في المحيط الذي أنتمي إليه».
لا تختلف حدة الخلاف بين الرجلين، عن حدة انقسام الموريتانيين بين من يؤكدون استمرار ممارسة العبودية في المجتمع، ومن ينفون وجودها ويؤكدون أن ما يوجد هو «مخلفات العبودية»، وهو الموقف الرسمي الذي تتبناه الحكومة التي أعلنت العام الماضي تأسيس «وكالة التضامن لمحاربة الفقر ومخلفات الرق»، كما سنت قوانين تجرم الرق وأسست محكمة مختصة في معالجة قضاياه.
في غضون ذلك، ظلت منظمات حقوق الإنسان الدولية تدق ناقوس الخطر بشكل دائم محذرة من انتشار العبودية في موريتانيا، ولعل أشهرها منظمة «وال فري فوندشن» الأسترالية التي أصدرت العام الماضي تقريرا وضع موريتانيا في المرتبة الأولى على «المؤشر العالمي للعبودية»، وبررت ذلك بأن أربعة في المائة من الموريتانيين تمارس عليهم العبودية، أي ما يتراوح بين 140 و160 ألف موريتاني، وهي أرقام أثارت استغراب كثير من الموريتانيين بينما عدها الحقوقيون «منطقية».
في هذا السياق يقول الناشط السياسي والحقوقي أحمد ولد صمب، لـ«الشرق الأوسط» إن «العبودية للأسف ما زالت ممارسة في المجتمع الموريتاني وذلك لظهور حالات منها بين الفينة والأخرى»، ويضيف ولد صمب أن «العقلية الاستعبادية ما زالت سائدة وتشكل مرجعية أخلاقية في المجتمع الموريتاني، وما دامت هذه العقلية موجودة وتلعب دورا في تراتبية المجتمع، فستظل العبودية موجودة، ولو أنها أصبحت تمارس في الخفاء».
من جهته، يؤكد المحامي والناشط القومي محمد ولد الشدّو أنه «لا يوجد عبيد أو عبودية في موريتانيا»، مشيرا في هذا السياق إلى أن آخر مبادرة أطلقها أطر ومناضلون من شريحة العبيد السابقين العام الماضي تحت اسم «ميثاق الحراطين» للمطالبة بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للعبيد السابقين «قطعت الشك باليقين وعالجت التهميش والفقر والغبن بدل الحديث عن عبودية وهمية»، وفق تعبير ولد الشدّو.

* قوانين معطلة
* السنوات الأخيرة شهدت تطورا كبيرا في الترسانة القانونية التي تحرم ممارسة الرق وتعده جريمة يعاقب عليها القانون، حيث بدأت سنة 2007 بسن قانون تجريم الرق وتحديد عقوبات في حق من يدانون بممارسته، وتطور الأمر سنة 2011 عندما أدرج تجريم العبودية في الدستور؛ لتبدأ بعد ذلك السلطات في محاربة ما سمته «مخلفات الرق» من خلال «وكالة التضامن لمكافحة آثار الاسترقاق وللدمج ولمحاربة الفقر»، و«خريطة الطريق الوطنية لمكافحة مخلفات الرق»، وهي خطة وضعتها الحكومة بالتعاون مع هيئات من المجتمع المدني ومناضلين حقوقيين، وبدعم من طرف هيئات دولية.
في المقابل، تواجه السلطات الموريتانية انتقادات واسعة بالتهاون في تطبيق القوانين المجرمة للعبودية، حيث يقول أحمد ولد صمب الذي شارك منذ أكثر من عقد من الزمن في تأسيس حركة «نجدة العبيد» الحقوقية، إن «السبب الأبرز لاستمرار ممارسة العبودية هو عدم جدية الحكومات المتتالية في تطبيق القوانين، وكأنها سنت تلك القوانين على مضض وعن غير قناعة، وبالتالي أصبحت تتحايل على تطبيقها، فالقوانين كفيلة بالقضاء على العبودية، لو أنها طبقت»، ويضيف: «الدولة في بعض الأحيان عندما تواجه قضية استعباد تقف إلى جانب الجاني بدل أن تقف مع القانون. نحن لا نريدها أن تقف إلى جانب الضحية لأن القانون يحمل الضحية المسؤولية نفسها التي يحملها للجاني، ولكننا نريد من الدولة أن تقف مع القانون».
وفي سياق حديثه عن الوضع الحالي، قال ولد صمب إن «القوانين والإجراءات التي اتخذتها السلطات قوضت ممارسة العبودية إلى حد كبير، حيث لم يعد أحد يتباهى بأنه استعبادي، وأصبحت تمارس سرا كأي جريمة أخرى، ولكنها لم تقض عليها بشكل نهائي، حيث لم تعد تمارس إلا على من هو صغير جدا، أي القاصرين، أو من يعانون الأمية ومن هم مغيبون عن الواقع في المناطق البعيدة والريف، وبالتالي يمكننا القول إنه من حيث الكم شهدت العبودية تراجعا كبيرا نتيجة لنضالات أفراد من شريحة العبيد السابقين».
من جهة أخرى، يرى الصحافي الموريتاني أحمد ولد محمد المصطفى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «التعامل الرسمي مع ملف الاسترقاق مر بعدة مراحل طبعها في الغالب التعامل بمنطق الالتفاف على الضغوط الدولية والسعي لسحب البساط من تحت بعض الحقوقيين في الداخل، وللأسف الدولة الموريتانية لم تنظر للملف الشائك نظرة تضعه في إطاره الحقيقي بصفته عقبة في وجه قيام دولة مواطنة حقيقية»؛ وخلص ولد محمد المصطفى إلى أن «الإشكال في عمقه إشكال اجتماعي ولا يمكن أن يحل بالقوانين».
فيما أكد المحلل السياسي المختار السالم ولد أحمد سالم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «القوانين التي سنتها السلطات الموريتانية لا تعدو كونها كلمة حق أريد بها باطل، فنظام ولد عبد العزيز يريد أن يقول لشريحة العرب السمر، وبالأخص الشريحة التي عانت من الاسترقاق في العقود الماضية: أنا حررتكم وأنا من وضع القوانين التي تجرم الاسترقاق».
وهنا يعود الناشط السياسي والحقوقي أحمد ولد صمب ليؤكد أن «الدولة كمؤسسة رسمية تسعى للحفاظ على البنية التقليدية والمرجعية الاستعبادية التي تؤسس عليها سياساتها، وتتخذها وسيلة للبقاء في السلطة».

* لا وجود للعبودية
* في المقابل، يصر بعض المثقفين الموريتانيين من القوميين العرب على أن العبودية لم تعد موجودة في موريتانيا، ويقول الكاتب الصحافي المختار السالم ولد أحمد سالم إن «هنالك شريحة من العرب السمر، بعضها فقط عانى من الرق عبر التاريخ، وبعضها لم يسبق أن تعرض للاسترقاق، وأول دستور في موريتانيا نص على تساوي جميع المواطنين وجرم العبودية، وجاء بعد ذلك أكبر محرر للعبيد في موريتانيا وهو الجفاف، الذي أرغم الأسياد على التخلي عن عبيدهم والنزوح باتجاه المدن».
في السياق التاريخي، يشير ولد أحمد سالم إلى أن موريتانيا محكومة منذ عدة قرون من طرف نخبة ناتجة عن تحالف بين قبائل الزوايا التي تحمل راية العلم والدين والقبائل التي تحمل السلاح، وتعيش هذه النخبة منذ عقود صراعا داخليا على النفوذ والسلطة، بين العسكريين والمدنيين، وأشار ولد أحمد سالم إلى أن «ملف العبودية استغل أيما استغلال في هذا الصراع، ولكن عند النزول إلى أرض الواقع والبحث في العاصمة نواكشوط التي يقطنها ثلث سكان موريتانيا، فلا يمكننا أن نعثر على حالة استرقاق واحدة، وبالتالي، فإن ملف العبودية يستغل لأغراض سياسية، وفي النهاية يكون العبيد السابقون (الحراطون) هم الضحية لأنهم يعانون الفقر والأمية والمرض، وفي الوقت نفسه هم مجرد وقود لمعركة سياسية لا غير».
وفي سياق متصل، دافع المحامي الموريتاني محمد ولد الشدّو عن الأنظمة السياسية التي حكمت موريتانيا، وقال إن كلا من المختار ولد داداه أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال ومحمد ولد عبد العزيز الرئيس الحالي، قاما بأدوار مهمة في مكافحة الرق والقضاء عليه، وأضاف: «كما أبلى مثقفو وكتاب وشعراء وفقهاء (البيظان) بلاء حسنا في محاربة الرق والتهميش والغبن؛ بدءا من ناصر الدين وأحمد بابا التينبكتي، ومرورا بالشاعر والزعيم محمد الحنشي ولد محمد صالح والشيخين محمد سالم ولد عدود ومحمد ولد سيدي يحي. ولكن المتطرفين حاربوهم واتخذوهم أعداء بدلا من أن يرفعوهم ويشكروا سعيهم، إلا أن قضية (الحراطين) بالنسبة لبعضهم مطية للصعود إلى رأس الهرم والحصول على نصيب لا يستحقه من الكسرة».

* الحجم السياسي

* على الرغم من أن شريحة العبيد السابقين تعد من أفقر شرائح المجتمع الموريتاني، وأكثرها جهلا حيث تعيش في مناطق نائية ومهمشة، فإن بعض الشخصيات المنحدرة من هذه الشريحة تقلدوا مناصب وزارية رفيعة، حيث سبق أن شغل أحد أفرادها منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطائع، وينتمي رئيس البرلمان الحالي لهذه الشريحة، وكان رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بلخير، أول عبد سابق يترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2003، وتولى سنة 2007 رئاسة البرلمان، ويرأس حاليا المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وقد ازداد في السنوات الأخيرة الحضور السياسي للمنحدرين من شريحة العبيد السابقين، حيث يرأس ثلاثة من أفرادها أحزابا سياسية تنشط جميعها في المعارضة بشقيها الراديكالي والمعتدل، ويتنافس في الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في 21 يونيو (حزيران) 2014، خمسة مترشحين من ضمنهم مترشحان ينتميان لشريحة العبيد السابقين، هما رئيس حزب الوئام الديمقراطي الاجتماعي بيجل ولد هميد، والمناضل الحقوقي بيرام ولد أعبيدي رئيس حركة مناهضة للعبودية تعمل من دون ترخيص.
وينظر مراقبون إلى الحملة الدعائية التي تسبق هذه الانتخابات، على أنها كرست الخطاب الفئوي والعرقي بشكل كبير، حيث إن المترشحين خصصوا حيزا من خطاباتهم للحديث عن العبودية وحقوق العبيد السابقين، كما أن الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، شكل طاقما خاصا لتنظيم حملة دعائية موازية لحملة الأحزاب السياسية الداعمة له، وسلم قيادة هذا الطاقم لشخصية تنحدر من شريحة العبيد السابقين، وهو ما قرأه مراقبو الشأن السياسي على أنه محاولة لسحب البساط من تحت من يحملون خطابا عرقيا قويا.
وقد أثار الحضور القوي للعبودية في خطابات المتنافسين في الانتخابات استغراب المراقبين، فقال الكاتب الصحافي المختار السالم ولد أحمد سالم إن «من يستمع لخطابات المترشحين يظن أن في موريتانيا أسواق نخاسة، في الوقت الذي أتحدى فيه أي إنسان أن يعثر على عبد واحد في موريتانيا، اللهم إلا إن كانت حالة استرقاق معزولة ومخفية كما يحدث وأن نعثر على بائع مخدرات، وبالتالي، فإن العبودية أصبحت خفية ومجرمة والمجتمع يرفضها».
أما الناشط السياسي والحقوقي أحمد ولد صمب، فأكد أنه «من الطبيعي أن يكون الخطاب السياسي فئويا على هذا النحو، في ظل غياب الخطاب المتزن الذي عهدناه عند بعض قادة النضال ضد العبودية»، وأشار إلى أن خطابات المترشحين تتوزع بين «خطاب بيرام ولد الداه ولد أعبيدي الذي يوصف بالراديكالي، وخطاب بيجل ولد هميد الذي لا يعد نفسه من أبناء شريحة العبيد السابقين لأنه لا يعترف بوجود هذه الشريحة أصلا، وخطابه ذو طابع يميني شبه متطرف، أما ولد عبد العزيز فحديثه عن العبودية متناقض، وكأنه يتكلم من دون قناعة وإنما تماشيا مع ضرورة التنافس الانتخابي».
ويشير ولد صمب إلى أن المترشحين يتنافسون للحصول على أصوات شريحة العبيد السابقين، بحكم أنها تمثل أغلبية وتعاني الجهل والفقر، وبالتالي ليست عصية على غرار شريحة (البيضان) العرب فاتحي البشرة، التي يرتفع فيها مستوى التعليم وربما تكون أكثر استجابة لدعوات المعارضة الداعية إلى مقاطعة الانتخابات؛ ولكن ولد صمب في حديثه مع «الشرق الأوسط» عاد ليؤكد أن «هذه الانتخابات تعكس تطلع (الحراطين) لاحتلال موقعهم الطبيعي، فترشح مسعود ولد بلخير لرئاسيات 2003 كان رسالة لتأكيد أن (الحراطين) بشر عاديون يحق لهم ما يحق للآخرين ويجب عليهم ما يجب على الآخرين، وبالتالي فيحق لهم التطلع لحكم البلد».
وبين تطلعات العبيد السابقين للوصول إلى رئاسة الجمهورية، ونظرة المجتمع لهم على أنهم عبيد سابقون، يجمع المراقبون على أن معركة القضاء على العبودية في موريتانيا هي في النهاية «معركة عقليات» لتغيير نظرة المجتمع الموريتاني للمنحدرين من شريحة العبيد السابقين.
وفي هذا السياق، حذر الناشط السياسي أحمد ولد صمب من «دعاية صامتة تقوم بها التلفزة الرسمية عندما تعرض برنامجا أدبيا يشارك فيه رجال ينحدرون من شريحة (البيضان) وهم يتبادلون القصص ويحكون الشعر على وقع كؤوس شاي يعده شاب ينحدر من شريحة العبيد السابقين يجلس على الهامش وكأنه غير معني بالموضوع كقطعة من الديكور.. مثل هذه المشاهد تزرع في عقل المتلقي نزعة استعبادية واستعلائية».
وخلص ولد صمب إلى أن «نضال العبيد السابقين في موريتانيا كان نضالا نموذجيا وسلميا، فلم يكن في يوم من الأيام يدعو إلى الانفصال أو حمل السلاح، بل كان سلميا وأخويا، ومبنيا على الإقناع بدل فرض الرأي، وأظنه قد بلغ المرحلة النهائية منه».
ومع دخول نضال العبيد السابقين في موريتانيا مرحلة جديدة بإعلان «ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين»، وتنظيم مسيرة بنواكشوط للعبيد السابقين، ازدادت أعداد من يدعون إلى وضع سياسة «تمييز إيجابي» لصالح المنحدرين من شريحة العبيد السابقين لانتشالهم من أوضاعهم المعيشية الصعبة؛ بينما هنالك أصوات أخرى تدعو إلى حزم السلطات في تطبيق القانون المجرم للعبودية خاصة في المناطق النائية حيث تمارس العبودية بعيدا عن أعين الرقيب، مما جعل بعض المنظمات الحقوقية تزيد من نشاطها في الأرياف للتنقيب عن حالات استعباد جديدة.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».