د. سامي الجمعان: المسرح السعودي يتحرك ويشاغب ولا يراوح مكانه

هناك ظلم لتجربتنا المسرحية.. ومسرحنا يفعل ما يفوق ظروفه وبيئته الصارمة

د. سامي الجمعان
د. سامي الجمعان
TT

د. سامي الجمعان: المسرح السعودي يتحرك ويشاغب ولا يراوح مكانه

د. سامي الجمعان
د. سامي الجمعان

بدأ الكاتب المسرحي السعودي د. سامي الجمعان حياته الثقافية من المسرح، وحصل في عام 1987 على أول جائزة تمثيل في المسرح السعودي على مستوى الخليج، وذلك في مهرجان مسرح الشباب الخليجي في الشارقة. وشهدت خشبة المسرح صعوده نحو الإخراج المسرحي وكتابة النص. ثم تفرغ لدراسة المسرح أكاديميا، فكانت رسالة الماجستير التي حصل عليها بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف في السرديات والدراما. أما الدكتوراه فكانت عن دراسته «خطاب الرواية النسائية السعودية وتحولاته».
وحققت الأعمال التي أخرجها حضورا على المسرح، وفازت بجوائز محلية وخليجية (حاز على أكثر من تسع جوائز في مجال الإخراج والتأليف المسرحي). وقد حققت النصوص المسرحية التي كتبها نجاحا ملحوظا، بينها نصه «والقافلة تسير» الحائز على جائزة أفضل نص في مهرجان مسرح الشباب الخليجي عام 1993. ونصه «حدث في مكة» الحائز عام 2011 على المركز الثاني، في مسابقة تأليف وزارة الثقافة والإعلام. كما فاز نصه «موت المؤلف» في مهرجان المسرح السعودي الرابع عام 2007 بجائزة أفضل نص.
وللجمعان عدد من الدراسات النقدية، بينها دراسة بعنوان «حضور ألف ليلة وليلة في المسرح العربي»، وأخرى بعنوان «المسرحية في الأدب العربي». وله كتاب بعنوان: «موت المؤلف.. نص وبيانات مسرحية». كما أصدرت له وزارة الثقافة والإعلام مجموعته المسرحية الثانية بعنوان «حدث في مكة ومسرحيات أخرى». وصدر له كتيب بعنوان «الظاهرة التمثيلية عند العرب». وحرر كتاب «في المسرح السعودي» الصادر عن كرسي الآداب السعودية بكلية آداب جامعة الملك سعود بالرياض عام 2013. واختير نصه عن الشاعر الجاهلي الأعشى للمسرحية الرئيسة في مهرجان سوق عكاظ 2013.
لدى الجمعان مشروع تأليف مسرحي يحمل عنوان «مسرحة الرموز والتجارب المسرحية العربية»، يمثل تجربته الكتابية في مجال المسرح، ويتضمن الجانب النظري لهذا المشروع واستراتيجياته.
«الشرق الأوسط» التقت الدكتور سامي عبد اللطيف الجمعان، الباحث والكاتب المسرحي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك فيصل في الأحساء، وعضو مجلس إدارة جمعية المسرحيين السعوديين، ومدير فرع جمعية الثقافة والفنون بالأحساء سابقا، في الأحساء شرق السعودية حيث يقيم، وأجرت معه الحوار التالي.

المسرح والأحكام المسبقة

> أين يقف المسرح السعودي اليوم؟ لماذا لا نلحظ تراكما في التجربة المسرحية على الرغم من مرور كل هذه السنوات؟
- إن أردت جوابا حاسما فموجزه أن مثل هذا السؤال ينتمي إلى فئة الأحكام المقولبة عن المسرح السعودي. والمقولبة هي التي تتبنى منظور الحكم المسبق / الجاهز، وهو حكم يظلم كثيرا تجربتنا المسرحية السعودية، بل في اعتقادي ان أصحاب هذه الرؤية هم أبعد ما يكونون عن المسرح السعودي ومشهده، لأن الواقع مغاير ومختلف. نحن حيال تجربة تتنامى وتتطور وتتكرس بشكل لافت، ونحن كعاملين في هذا الحقل نمتلك أدلة قاطعة على ثراء التجربة وتفرع أغصانها.
> ما هذه الأدلة؟
- من تلك الأدلة، ما تقوله الإحصاءات والأرقام التي تشير إلى حراك مسرحي سعودي يزيد سنة عن الأخرى. أيضا المنافسة الخليجية والعربية التي بدأت التجربة المسرحية السعودية تقتحمها بجدارة، على المستويين الخليجي والعربي. أضف إلى هذا وذاك التنوع الفني المنتمي إلى التجربة، من حيث المدارس المسرحية المعمول في إطارها، ناهيك بتجربة النص المسرحي السعودي التي بدأت تبلغ حد الاحترافية عبر أسماء لامعة.
> على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس أحمد السباعي (عام 1961) لأول تجربة للعرض المسرحي، حملت اسم «دار قريش للتمثيل القصصي»، فإن المسرح السعودي لا يزال يراوح مكانه. مَن يتحمل المسؤولية عن ذلك؟
- سأكررها في كل محفل، وسأقول بأعلى ما أوتيت من قوة: المسرح السعودي لا يراوح مكانه، وحكمي هذا يتكئ على الموضوعية لا على الانفعالية أو العاطفية والارتجال. مسرحنا ينجز، يتحرك، يشاغب، يصمد، يغامر، يفعل ما يفوق ظروفه المحيطة وبيئته الصارمة. ولكن دعني أُرِحْكَ من هذه الدوامة بتحديد مكمن مشكلة المسرح السعودي ومعضلته الأساسية، المتمثلة في موقف ثقافتنا المجتمعية من فن المسرح، وتوجسنا الاجتماعي منه، وترددنا الرسمي في دعمه وتكريس حضوره، مما أدى إلى أن يصبح المسرح هامشيا في حاجتنا الاجتماعية إليه، بينما المسرح له خاصية التأثير الاجتماعي المستمر، بحيث يصبح تفاعل الناس معه تفاعلا يوميا وعادة متواترة. ومتى ما وصلنا إلى هذه الحالة الثقافية الاجتماعية في فهمنا لدور المسرح، سنسحب تهمنا تلك ونلقي بها عرض البحر.

> لماذا تنجح «الممانعة» الاجتماعية في إعاقة المسرح السعودي، ويفشل المسرحيون في الدفاع عن قضيتهم؟
- ببساطة شديدة، لأن تيار الممانعة يدرك موقف مجتمعنا المتوجس من الفنون عامة، ويلعب على هذا الوتر، بينما لم يحسن المسرحي السعودي تسويق بضاعته الفنية، ولا تسويق إبداعه. وفي ظني، إن السبب في هذا هو عدم جديتنا كمسرحيين في صنع موقف اجتماعي مغاير للسائد في الوعي بدور المسرح وأثره. فنحن نصنع المسرح كمنتج، ولا نصنع آليات تسويقه اجتماعيا، وهو ما أدى إلى نخبوية جماهيرية خانقة.

من يدعم المسرح؟

> أين تقف جمعية المسرحيين؟ هناك من يرى أنها لم تسهم في دفع الحركة المسرحية للأمام وحسب، بل أضرت بها أيضا. كيف تراها أنت؟
- أيضا هو اتهام باطل بكل المقاييس، فجمعية المسرحيين المتهمة دائما من دون وجه حق، وقعت في إشكالية تنظيمية شأنها شأن الجمعيات الأخرى، على الرغم من أن بداياتها الأولى كانت رصينة ومنظمة، فضلا عن المنجز الذي حققه مجلس إدارتها الحالي بالتعاون مع أعضائها، الذي يحاول البعض طمسه أو تجاهله. ولا أدري هل يستطيع أحد مسح تاريخ مثبت وموثق، فعلى الرغم من الإمكانات الضعيفة من جانب، والهجوم الإعلامي الكاسح على المجلس منذ البدايات من جانب آخر، أود من كل منصف العودة إلى ما سعيت لإنجازه، وهذا ليس من باب الدفاع إنما من باب إحقاق الحق. وصدقني كان الطموح أكبر والتطلعات أجمل لولا العثرات التي وقفت في الطريق ويصعب تجاوزها، لأن المال مثلا هو عصب النشاط والحركة، وهذا غير متوفر. فالإدارة الحالية على أقل تقدير تطالب بدعم مادي لعقد جمعيتها العمومية وترشيح المجلس الجديد، ولكن لا مجيب، وستبقى إشكالية الدعم المالي بُعْبُعاً لكل مجلس حالي أو مقبل.
> كيف تقيم مساهمة القطاع الخاص، والشركات، وخصوصا مساهمة «أرامكو» في إثراء التجربة المسرحية؟
- «أرامكو» ضربت مثالا حيا وحقيقيا على دعمها للمسرح. ودربت المواهب السعودية، ودعمت المهرجانات المحلية، وأتاحت الفرصة للمسرحيين للعمل في مهرجاناتها. ولكنني أقول ما زال المنتظر من هذه الشركة السعودية العملاقة أكبر، والطموح في دعمها أكثر. قبل أيام قليلة، دعتنا الشركة إلى معرض إثراء المعرفة الذي تنظمه من أجل حضور عرض مسرحي. وقد سرني أن النسبة الأكبر من الطاقم من الشباب السعودي المتدرب، الذي خضع في بريطانيا لورش عمل كثيرة في مجال المسرح. أما القطاعات الأخرى فيبدو أنها حتى الآن غير مقتنعة بالمسرح.

المسرح ووسائط الإعلام المتعددة

> لماذا لا يوجد عرض مسرحي سعودي امتدت به الحياة، أسوة بالتجارب المسرحية العربية والخليجية مثلا؟
- عروض جميلة ومتقنة بالفعل كان مصيرها التلاشي. وهذه مسألة أوافقك عليها إن كنت تقصد بامتداد الحياة به إطالة أمد عرضه. وهي إشكالية حقيقية تواجه المسرح السعودي والكثير من المسارح العربية، وهي قصر حياة العروض، على الرغم من الفترات الزمنية الطويلة التي نهدرها في التحضير. ويعود هذا إلى قلة الدعم المادي، ثم القاعات غير المتوفرة وغير المجهزة، والنفَس المسرحي القصير لدى المسرحي السعودي. وهذا ينسحب أيضا على المسرح الخليجي، فهو يواجه أيضا إشكالية قِصَر النفَس المسرحي نفسها، وصغر حياة العروض.
> برأيك، هل يمكن للمسرح كموقع إبداعي أن يحظى بمكانة في وسائط الإعلام المتعددة المعاصرة؟
- المسرح الآن يناضل من أجل هذا، فالهجوم الكاسح للحركة السينمائية، وتطور دور السينما، فضلا عن برامج التواصل الاجتماعي، وقوة حضور الإنترنت، سرق جميعه الضوء من المسرح. وهذه حقيقية علينا أن نعترف بها، ولكن يجب أن نعرف بأن المسرح يمتاز بنكهته «الفرجاوية» الخاصة، فلفرجته ومشاهدته متعة لا يحققها غيره، على اعتبار الأداءات الحية، والنبض التواصلي الوجداني المباشر، والأثر الذي يتركه المسرح في نفوس الجماهير. وبالتالي فالمسرح رغم قوة منافسيه سيبقى بذلك الوهج الخاص الذي لا يمتلكه سواه.

> كيف ترى وسائل التواصل الاجتماعي كـ«تويتر» التي تستخدم اليوم لصناعة حالة حوارية ذات قوالب مسرحية؟ هل يمكن أن نلجأ إلى العالم الافتراضي بعد أن عجزنا عن صناعة واقعنا المسرحي على الأرض؟
- لكل نوع جمالياته وطقوسه. وأنا أرى أن نستبدل الفكرة التنافسية بين المسرح والعوالم الفنية والإلكترونية الأخرى بفكرة أكثر حضارية، هي الفكرة التفاعلية، بحيث نستثمر التكنولوجيا في فن المسرح. ونستثمر منتج وسائط التواصل الاجتماعي في صناعة أفكار المسرح، وهي مشاريع قائمة على مستوى العالم حاليا، حيث صناعة المسرحية «الفيس بوكية» مثلا، وتشكيل نصوص مسرحية من تغريدات الـ«تويتر»، وهكذا. لا ننسى أن الفنون والعلوم تراكمية وتفاعلية، يأخذ بعضها من البعض الآخر ومن هنا يفترض أن ننطلق.

المشروع المسرحي

> اشتغلت أكاديميا على مسرح التراث من خلال كتابك «حضور ألف ليلة وليلة في المسرح العربي». ألا تعتقد أن الاشتغال بالتراث استهلك الكثير من المسرح الخليجي الجاد؟
- لأن الصلة وثيقة بين التراث وفن المسرح، فهذا الأمر طبيعي للغاية. ومنذ أن نشأ المسرح على أيدي اليونانيين وغيرهم وهو يتكئ على التراث ويتعاطى مع صيغه. فالمسرح اليوناني في بواكيره نهل من الأساطير، واستوحى التاريخ، وجسد الرموز والأبطال. فوجد فن المسرح في تراث الأمم كنزا لا ينضب ومصدرا لا ينتهي. وكتابي الذي أشرت إليه هو في الأصل رسالة ماجستير جمعت بين حقلين: حقل المسرح وحقل السرديات القديمة، ممثلة في الكتاب القصصي العظيم «ألف ليلة وليلة»، في محاولة مني لتقصي تلك الفاعلية وقياس مدى تأثير «ألف ليلة وليلة» في المسرح العربي عامة. وانتهيت إلى أن المسألة لا تقتصر على التأثير، بل تبلغ مرتبة «الحضور»، والحضور هنا بمعناه الفلسفي العميق يعني «الهيمنة»، هيمنة قصص «ألف ليلة وليلة» في حضورها على الكتاب وقدرة موتيفاتها السحرية على جذب أقلامهم.
> ماذا بعد كتابك «موت المؤلف وبيانات مسرحية»؟ إلى أين تحمل قضية المسرح؟
- قيمة هذا الكتاب الذي صدر عام 2009 في حمله توثيقا لثلاث تجارب مهمة أصدرتها على شكل بيانات مسرحية. الأولى تجربة أحمد السباعي المسرحية التي لم تكتمل، وخوضي في القضايا الدائرة حولها. ثم واقع المسرح السعودي وإشكالية القبضة الاجتماعية المحيطة به. ثم مشروعي التأليفي الذي عنونته بـ«مسرحة الرموز والتجارب المسرحية العربية». وهذا المشروع هو خلاصة ما انتهت إليه تجربتي الكتابية في مجال المسرح، فضمنته الجانب النظري لمفهوم المشروع واستراتيجياته، ثم نصا مسرحيا يعتبر بمثابة التطبيق على المشروع، وهو نص «موت المؤلف». ما أود الإشارة إليه، وهذا ما يحبطنا، هو أن نقادنا لا يطلعون على تجاربنا ولا يتأملونها. لك أن تتصور أن بعض النقاد العرب على اطلاع على هذا الكتاب والمشروع، وكتبوا عنه أكثر من نقادنا ومسرحيينا. فنحن تنقصنا جدية التأمل في التجارب السعودية والتعامل معها نقديا.
> أصدرت مجموعتك المسرحية «حدث في مكة.. ترنيمة إلى أحمد السباعي». ماذا تقول للسباعي أبي التجربة المسرحية السعودية؟
- أقولها بفخر: كم أعتز بك أيها السباعي الأديب المغامر. أيها المتطلع لواقع أجمل. فليرحمك الله لأنك كنت تصنع المسرح في زمن لم يعرف المسرح. وسامح الله من أحبطك ووقف في وجه مشروعك الثري. وأقول للسباعي: كم أعجبتني جديتك وعنايتك بالتفاصيل. كم كنت حضاريا في إعطائك الأدوار لأصحابها. فالمؤلف تركته للكتابة، والمخرج للإخراج، من دون أن تستأثر بكل شيء كونك صاحب المشروع والقائم عليه. رحمك الله، ولو كان مشروعك اكتمل ربما كنا نتحدث الآن عن واقع مسرحي سعودي مغاير.
> لك دراسة بعنوان «خطاب الرواية النسائية السعودية وتحولاته». كيف رأيت تحولات هذا الخطاب؟
- بداية، كان لي هدف من التوجه إلى الرواية بصورة عامة في أطروحة الدكتوراه، الإحاطة بالسرديات قديمها وحديثها، ضمن مشروع نقدي متكامل، حيث خصصت الماجستير للجمع بين جنسي القصص القديم والمسرح. وفي الدكتوراه اتجهت إلى القص الحديث ممثلا في الرواية، وكانت تطلعا للجمع بين الحقلين مسرحا وسرديات، وهذا بحد ذاته ثراء وليس انتقالا غير مبرر، كما يعتقد البعض. أما عن كتاب «خطاب الرواية النسائية السعودية» فتحركت فيه باتجاه رصد منعرجات وتحولات خطاب الكاتبات السعوديات عبر نافذة الرواية، وانتهيت إلى أن الكاتبة السعودية أنجزت خطابا متباينا في حيله ومقولاته وآلياته، حسب المرحلة التي كانت تعبرها. وبالتالي فالانكسارات في الخطاب حدثت مرتين بعد عام 1980 وبعد عام 2001 أيضا، إلا أن الانكسار الثاني في توجهات الخطاب كان قويا وحادا وملحوظا ومن دون مواربة، علما بأنني أعيد هذا التحول السريع والقوي إلى ما واكب المرحلة من أحداث ذات مرجعية سياسية ودينية وثقافية واجتماعية، يوجد لها تفضيل في الدراسة.

خلافات

> كيف تطور الخلاف داخل جمعية الثقافة والفنون في الأحساء، خصوصا بينك وبين عبد العزيز السماعيل، مدير عام جمعية الثقافة والفنون، إلى خصومة مستحكمة رغم تاريخكما الطويل في التعاون والتبادل المسرحي؟
- بداية، أعترض على كلمة «خلاف»، لأن أخلاقياتي ترفض شخصنة القضايا والمسائل. وعبد العزيز السماعيل أخ عزيز وقريب من النفس. كل ما في الأمر أنني أختلف معه في آلية إدارته لجمعية الثقافة والفنون، كونها تقوم على التنظير أكثر من الفعل، وتبنى على الطموحات والأحلام المتجاوزة أكثر من الواقع ومعطياته. وهذه الطرق عفى عليها الزمن، وبات التعاطي الآني والفعلي مع الواقع في حدود معطياته هو الوسيط الناجع لمشروعاتنا. ولكي أكون أكثر موضوعية، أشير إلى مثال بسيط. عد إلى تصريحات الزميل السماعيل بعد تعيينه مباشرة كمدير عام للجمعية، واقرأ الوعود العريضة التي تحدث بها، وهي موجودة وموثقة. ثم لاحظ كيف تحدث عن أحلام وردية وطموحات لم يستطع بعد السنة الرابعة له تحقيق شيء منها. على سبيل المثال، تحدث عن الانتخابات وها هو يتناساها. وتحقق عن الفترة المحددة لمديري الفروع، وهي فترتان، وها هو يتناساها. تحدث عن رؤساء اللجان والمدة الزمنية المحددة لهم، وتناساها. وتحدث عن البنى التحتية وتناساها. تحدث عن التحولات الجذرية في مسار الفعاليات، وها هي الفروع تقدم ما قدمناه قبل ثلاثين عاما، والشريط يعيد نفسه إلا من المهرجانات المسرحية التي هي في أصل مشروعات فروع لا مشروعات كيان واستراتيجيات إدارة. ثم إن أكثر شخص كان ينادي بتجديد الدماء في الفروع هو الزميل السماعيل، ولكنه ضعف أمام هذا البرنامج لأسباب غير معلومة، ما أدى إلى تكلس بعض الفروع وبقاء الحال على ما هو عليه. تلك هي القضية ولا غير، اختلاف في وجهات النظر من أجل مصلحة جمعية لا شخصية. وهذا حق مشروع لنا، لأننا أبناء جمعية الثقافة، ومنجزها أخذ من أعمارنا وجهدنا الكثير. وقد اعتبرناها كمنتمين إليها مشروع حياة. تلك هي الفكرة التي يجب أن يعيها كل من يعتقد أن الجمعية حكر عليه وملك خاص له، فهي مؤسسة باقية بصفتها الرسمية والأفراد كلهم إلى زوال.



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».