العلاقة بين الشعر والسرد

الإشكالية ليست بين النوعين فتجاورهما حتمية تاريخية (1 – 2)

«كليلة ودمنة» وغيرها كالمقامات والرحلات و«ألف ليلة وليلة» ظلت تنمو دون تأصيلٍ نقدي على مدى تاريخ الأدب العربي القديم
«كليلة ودمنة» وغيرها كالمقامات والرحلات و«ألف ليلة وليلة» ظلت تنمو دون تأصيلٍ نقدي على مدى تاريخ الأدب العربي القديم
TT

العلاقة بين الشعر والسرد

«كليلة ودمنة» وغيرها كالمقامات والرحلات و«ألف ليلة وليلة» ظلت تنمو دون تأصيلٍ نقدي على مدى تاريخ الأدب العربي القديم
«كليلة ودمنة» وغيرها كالمقامات والرحلات و«ألف ليلة وليلة» ظلت تنمو دون تأصيلٍ نقدي على مدى تاريخ الأدب العربي القديم

لو أردنا أن نلخص العلاقة بين الشعر والسرد في تراثنا العربي لقلنا إنها علاقة مرتبكة، وتعود إشكالية هذه العلاقة المرتبكة في تكوينها إلى ثلاثة أبعادٍ: دينية، وسياسية، وثقافية، وهذه الأبعاد متداخلة التأثير، متشعبة الحضور في سياق الثقافة العربية، بدءاً بمرجعية التصور، ومروراً بمكونات الإنتاج، وانتهاء بعملية التلقي، ورغم اختلاف حقول الاشتغال في هذه الأبعاد إلا أنها مارست دوراً مؤثراً في تحديد علاقة التجاور والتباعد بين الشعر والسرد.
وفي ظل هذه الأبعاد، حظي الشعر بأفضلية النوع على السرد، وأعيد تأسيس منظورنا الثقافي والنقدي وفقاً لهذه المعادلة، ولعلَّ مقولة «الشعر ديوان العرب» إحدى المقولات التي كرّست أفضلية الشعر على السرد، وفي المقابل تعود هذه المقولة لتنتصر للسرد في عهدنا الراهن، فيقال إن «الرواية ديوان العرب الجديد»، والإشكالية ليست بين النوعين، فتجاورهما حتمية تاريخية لا تقبل الجدل، غير أن المشكلة هي مشكلة وعي ثقافي من ناحية، وتغليب نوعٍ على آخر من ناحية أخرى، ومن ثمَّ فإن تداخلهما الفني قائمٌ، وأما تجاورهما الثقافي فيبقى محلَّ تساؤلٍ، والمعطيات الثقافية تشير إلى أنَّ نزعة الانتصار للشعر كانت جناية على السرد؛ لتحلَّ به لعنة الإقصاء، التي وصلت ذروتها عند المسعودي حين أعلن أن نصوص «ألف ليلة وليلة» الأولى غثة باردة.
لا تسعى هذه المقالة للحديث عن العلاقة بين الشعر والسرد من الداخل - من داخل النص - فهذا النوع من الدراسة درسٌ جمالي بحتٌ، ولا أعتقد أن أحداً ينكره، ففي الشعر من السرد ما في السرد من الشعر كذلك، ونسب التجاور هنا قائمة على خصوصيَّة النص، وظرفيَّة تكوينه الجمالي والمعرفي، وأمَّا ما أنا بصدد الحديث عنه هنا، فهو العلاقة المرتبكة بين الشعر والسرد في الفضاء الثقافي، خارج التكوين النصي للشعر والسرد، فالحديث، إذن، صراع خطاباتٍ حول ظاهرتي الشعر والسرد في ثقافتنا العربية.
لنبدأ الحكاية!
ماذا يعني أن يكون ربعُ القرآن قصة؟ وماذا يعني أن يقصي القرآنُ الشعرَ ويباعد بينهُ وبين الرَّسول؟ وماذا يعني أن يستثمر الرسول القصة القرآنية ويقدم القصة في حديثه بوصفها أحد أهم وسائل الخطاب النبوي؟ هل من دلالاتٍ يمكن التقاطها؟
لم يكن تبني القرآنِ القصة من ناحية، وإقصاءَ الشعر من ناحية ثانية، أمراً اعتيادياً، بل كان تبنياً ينمُّ عن حالة الصراع التي خاضها القرآن، مع قيمٍ ثقافية سائدة، يمثل الشعر أبلغ رموزها، وأدواتها في الحرب على الدين الجديد، فهل من طبيعة الأشياء، والحال هذه، أن ننظر إلى القصة في القرآن على أنَّها مجرَّد تشكلٍ بيانيٍّ، وأن دلالتها الثَّقافية معدومة خارج سياق القرآن؟ إن سؤالاً – كهذا - من شأنه أن ينبِّه إلى أهميَّة القراءة السِّياقية؛ التي تربط بين النَّص والتكوينات الثقافيَّة الخارجيَّة، في محاولة لكشف دلالة حضورِ النِّص في سياقه الأكبر، ولذلك؛ فإنَّ النظر إلى القصة القرآنية بمعزلٍ عن محيطها الخارجي يلغي كثيراً من حيويَّة التفاعلات الاجتماعيَّة التي تشكلت حول القرآن، وخطاب القصة في مقابل الشعر إبَّان نزول القرآن كان أحد الخطابات الملائمة؛ لتمرير رسالة القرآن الدينية والجمالية.
وتشغل القصة في القرآن حيِّزاً مؤثراً في سياق الخطاب الدينيِّ؛ من أجل تكوين مجتمعٍ ذي قيمٍ ثقافية جديدة، فحضورها تجاوز كونه وسيلة من وسائل الإبلاغ والتأثير والإمتاع - رغم أهمية هذه الوسائل؛ التي لا تخلو من عمقٍ نفسي وجمالي - والنظر إلى القصة القرآنية، في ضوء البيئة الثقافية؛ التي توجَّهت إليها بالخطاب يكسِب القضية أبعاداً أكثر عمقاً؛ مما يغدو معه البحث في السياقات المحيطة بظروف حضور القصة أمراً بالغ الدِّلالة، ولتكتمل دائرة الخطاب، لا بدَّ من تواصلٍ مع المتلقي، مستوعباً ظروف تكوينه الثقافي والاجتماعيِّ، ومستشرفاً أفقاً أبعد من الرَّاهن، فهل استخدام القرآن السرد يحيل إلى حضورٍ خاصٍّ لهذا اللون في السياق الاجتماعي قبل نزول الوحي وأثنائه؟ أم هل هو سعي إلى تأسيس سياقٍ ثقافيٍّ، وتشكيل ذائقة ثقافية موازية للثقافة الشعرية التي عرفها العرب؟ ثم هل يضيف لنا هذا المنحى القرآني فهماً يعين على تفسير موقف القرآن من الشعر في غير موضعٍ؟ وهل يساعد ذلك على إعادة رسم العلاقة بين الشعر والسرد في سياق الثقافة العربية؟ هذه أسئلة استدعاها الحضور القوي والمميز للقصة في القرآن؛ إذ يمكن أن نؤكد أن استخدام القرآن للقصة هو أحد أهم القضايا الفكرية والأسلوبية التي تحتاج إلى قراءة فاحصة.
الشعر في حياة العرب
سؤال الحضور بالنسبة إلى الشعر - في حياة العرب - سؤالُ قيمة أكثر منه سؤال استفهامٍ؛ ذلك أن كلَّ ما راج في تراثنا من أقوالٍ يؤكِّد أن العرب أمة شاعرة، ليس في المستوى الإبداعي فحسب، بل في مستوى الاعتداد والعناية به، غير أنه يجدر بنا النظر في مستوى أهمية الشعر، من حيث وضعيته التاريخية والاجتماعية والمعرفية في حياة العرب، ولعلَّ مقولة عبد الله بن عباس تأتي بوصفها استهلالاً معرفياً لمقتضى العلاقة بين معرفتين دينية ودنيوية، يقول ابن عباس: «إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله، فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب؛ فإن الشعر ديوان العرب».
إن تعلق العرب بالشعر أمرٌ بيّنٌ لا يحتاج إلى برهانٍ، غير أن هذا التعلق قد طغى على فنٍ آخر لا يقل أهمية لدى العرب، وهو السرد بكل أشكاله، فهل انصراف العرب عن السرد لمصلحة الشعر كان بسبب صعوبة نقل القصص وحفظها، أم بسبب ندرتها؟ إن صعوبة حفظ القصص ونقلها يمكن أن تكون سبباً مقنعاً إذا كانت الغاية منصبة على النقل الحرفي للقصص، أما عن الندرة فهي تبدو مسألة غير واقعية؛ ذلك أن القرآن عندما أقصى الشعر تبنَّى في الوقت نفسه القصة، وهذا التبني يؤكد رسوخ حضورها في حياة العرب بصرف النظر عن تعاطيها، أو تقديم الشعر في الأهمية، ولعلَّ استنطاق مقولة أبي عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلَّه، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير»، ينفي مبدأ الندرة، فهذه المقولة جوهرية من حيث تصويرها نوعية تراثنا الأدبي، وحجمه في فترة ما قبل الإسلام، وتنبع أهمية هذه المقولة كونها تحدِّد نمط الموروث بأنه علمٌ وشعرٌ، وعلى الرغم من حمل القدماء العلم في عبارة أبي عمرو بن العلاء على أنه حمولات المعرفة التي يحملها الشعر، فإن قراءة النص من منظور العلاقة بين الأنواع الأدبية يمكن أن يحمل العلم في العبارة على أنه كلُّ شيءٍ من فنون القول غير الشعر، كما أنَّ العلم في العبارة السابقة لا يقصد به ما عُرف عن العرب من طبابة وفراسة وقيافة وغيرها مما يمكن أن نعدَّه من المعارف العقلية؛ فالعبارة تؤكد صراحة على «قالت العرب»، وما دام أن القول يحتمل الشعر والنثر، فقد خصت العبارة الشعر بلفظه، أما النثر فبلفظ العلم؛ الذي تندرج تحته أشكال عدة من خطابة ومنافراتٍ ومناظراتٍ ومفاخراتٍ وسجعِ كهانٍ وحكمٍ وأمثالٍ ووصايا وأخبارٍ ونوادرَ وأسمارٍ وقصص.
حضر القرآنُ في بيئة ثقافية تملك خطابين؛ شعري وسردي، وعلى الرَّغم من تسيُّد الشعر على خطاب السرد، فقد كانا يشكلان قطبين مختلفين في المعطيين الثقافي والاجتماعي، غير أنَّ مجيء القرآن غيَّر هذه المعادلة، حيث قرَب القصة وأقصى الشعر، فقد نفى الشعر عنه بوصفه نوعاً، ولم يلغ حضوره بوصفه نصاً ثقافياً خارج السياق القرآني، وقد حاول القرآن في غير موضعٍ المباعدة بين خطابه وخطاب الشعر، حيث حرص على أن يقدِّم خطاباً مستقلاً له أدواته الخاصة، ووسائله المستقلة، في تأكيد حضور الرسالة المنوطة به، ومن يتأمل الآيات التي وردت حول الشعر والشعراء يجدها تؤكِّد حقيقة عدم استهجان الشعر من حيث هو شعرٌ، بل الغاية التأكيد على أن القرآنَ غيرُ الشعر، وأنَّ النبي غيرُ الشعراء، كما أنَّه ليس بكاهنٍ ولا مجنونٍ ولا ساحرٍ، وهي صفات ردَّدها المشركون في وصف الرسول، صلى الله عليه وسلم، والقرآن لم يكن عند نزوله يسعى إلى إحداث قطيعة معرفية وثقافية مع تراث العرب قبل الإسلام، وإنما الغاية كانت تأسيس ثقافة موازية من ضمن أدواتها السرد؛ وهو ما يجعل القصص في القرآن يحضر بصفته نوعاً جمالياً ومعرفياً.
وحضور القصة في القرآن بهذه الغزارة، وهذا التنوع السردي يمكن أن نقرأه من الناحية الثقافية على أنَّه معادلٌ موضوعي للشعر، لقد علم الصحابة موقف القرآن من الشعر، لكنهم أرادوا أن يتبينوا موقفه من القصة، فبادروا إلى سؤال الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن قولٍ دون القرآن وفوقَ الحديث، فأنزل الله «نَحْنُ نَقُصُّ عَليْكَ أحْسِنِ القَصَصِ...»... العرب أمة أحبَّت الشعرَ، فهو فنُّها الأول، وديوانها كما قال ابن عباس، وليس بوسعهم أن يسلُوهُ أولاً، كما أنه ليس بوسعهم أن يتشاغلوا به عن القرآن ثانياً، وهو ما دعا ابن سلامٍ الجمحي إلى الإشارة إلى أّنَّ العرب تشاغلت بالدين والجهاد عن الشعر.
ورغم هذه الحمولات الدينية التي تقف خلف القصة، وما يمكن أن تمليه هذه الحمولات على المجتمع من تقديرٍ مفترضٍ للاهتمام بحركة النوع القصصي، فإن جدلية التاريخ مع الدين تثبت حضورها في تبنى الأكثر تأثيراً في صياغة أي مشروعٍ ثقافيٍّ، ورغم أن القرآن قد انتصر للقصة وأعلى من شأنها، فإن الانصراف عن السرد قد وقع، فلماذا؟
الانصراف هنا في مقابل الإقبال، انصرافٌ عن القصة، وإقبالٌ على الشعر، انصرافٌ معناه عدم الاشتغال على القصة من الناحيتين النقدية والتاريخية، وإقبالٌ على الشعر بكامل الأدوات المعرفية، واللغوية، والجهود العلمية؛ لدراسة الشعر والعناية به، والمتتبع للحركة العلمية النقدية لا يجد ما يغيِّر هذه الفرضية، إلا إذا اعتبرنا كتاباً واحداً هو كتاب «القصَّاص والمذكِّرين» لابن الجوزي كتاباً في نقد القصة، وفي الحقيقة، هو كتابٌ وصفي تصنيفي لا يخلو من الخلط في المفاهيم بين الوعظ والذكر والقص، ولمزيد من الاحتراز يمكن أن نعدَّ بعض الآراء المتفرقة في كتب الأدب باباً من أبواب النظر في القصة، لكنها على قلتها لا تؤدي الدور المطلوب لإبراز جماليات التراث السردي، فقد ظلَّت نصوص السرد بما فيها؛ «كليلة ودمنة»، والمقامات، والرحلات، و«ألف ليلة وليلة»، والسير الشعبية، وغيرها، تنمو دون تأصيلٍ معرفي أو نقدي على مدى تاريخ الأدب العربي القديم.

* أستاذ السرديات في جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية



دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.


تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.