«اضطراب ما بعد الصدمة» يهدد صحافيي مصر

بعضهم ترك المهنة وآخرون انضموا إلى دورات تطوعية لدعم زملائهم

صورة  تجسد إصابة مصور صحافي أثناء تغطيته لأحداث موقعة الجمل فبراير 2011 (أ.ف.ب)
صورة تجسد إصابة مصور صحافي أثناء تغطيته لأحداث موقعة الجمل فبراير 2011 (أ.ف.ب)
TT

«اضطراب ما بعد الصدمة» يهدد صحافيي مصر

صورة  تجسد إصابة مصور صحافي أثناء تغطيته لأحداث موقعة الجمل فبراير 2011 (أ.ف.ب)
صورة تجسد إصابة مصور صحافي أثناء تغطيته لأحداث موقعة الجمل فبراير 2011 (أ.ف.ب)

نظرا للاضطرابات والحروب والأحداث الإرهابية التي تضرب عالمنا بلا هوادة منذ عام 2011؛ فإن الصحافيين يتعاملون يوميا مع عشرات الصور الصادمة والقصص المؤلمة لضحايا ولاجئين ومصابين، مما يؤدي لإصابتهم بعدد من أعراض الحزن والاكتئاب واضطرابات سلوكية غير مفهومة حتى للمقربين منهم أو حتى أمراض جسدية مفاجئة كالضغط والسكر واضطرابات الأعصاب والأرق المزمن، وكلها تندرج تحت ما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة Post Traumatic Stress Disorder الذي بات يهدد عددا كبيرا من الصحافيين سواء على مستوى حياتهم الشخصية أو المهنية.

أخبار «برائحة الغاز»

بعد أن أدركت وقوعها في براثن «اضطراب ما بعد الصدمة» ونجاحها في التغلب عليه، قررت أمنية كريم، الصحافية بجريدة الأخبار أن تقدم ورشة لشباب الصحافيين في مؤسسة «ميديا توبيا» بالقاهرة، حاولت من خلالها نقل خبرتها وتجربتها في تغطية عدد من الأحداث العنيفة بمدينة الإسكندرية وكيفية الخروج من الآثار السلبية التي يتركها العمل الصحافي.
تقول أمنية كريم لـ«الشرق الأوسط»: «قمت بتغطية مظاهرات ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وبالطبع دون أي تدريب أو إرشاد لما يمكن أن أتعرض له، كانت تغطية تلك الأحداث تتضمن مشاهدة المصابين أو شهداء من حولي أو تعرض للاختناق بسبب قنابل الغاز، أو إصابة بعض الزملاء بجواري، اعتمدنا وقتها على مساندة بعضنا بعضا دون أي دعم من مؤسساتنا الصحافية... بعد انتهاء الأحداث كنت أشم رائحة الغاز وأسمع طلقات الرصاص وكأنني في قلب الأحداث» هكذا تروي أمنية كريم بداية إدراكها لإصابتها باضطراب ما بعد الصدمة مما دفعها لإعداد رسالة الماجستير حول «العنف ضد الصحافيين وتأثيره على الأداء المهني» بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية 2016، وتضمنت الرسالة مقابلات متعمقة مع 50 إعلاميا تعرضوا للعنف، حيث اكتشفت مدى احتياج الإعلاميين للدعم النفسي بعد تعرضهم للعنف المباشر خلال عملهم، أو تغطية أحداث عنف أو كوارث ظلت عالقة بأذهانهم. وتقول: «بعد فترة أدركت أنني أمر بحالة اضطراب وقمت بعمل جلسات تأمل للخروج من هذه الحالة، كما بدأت أركز على الجوانب الإيجابية في حياتي عموما سواء في العمل أو الحياة الشخصية، وقررت أن أحرص أولا على سلامي الداخلي وتخطي كافة صراعات العمل وضغوطه، لكي أتمكن من مواصلة عملي الصحافي».

دعم من أهل الصحافة

حاولت أمنية مع عدد من زملائها تقديم الدعم النفسي لبعضهم بعضا، وكونوا شبكة فيما بينهم لتقديم الدعم النفسي والمساعدة في حالة التعرض لظروف طارئة أثناء العمل الميداني؛ إذا اختفى أحد منهم لأي سبب وبالفعل نجحوا في ذلك رغم الأجواء التنافسية والرغبة في الحصول على السبق الخبري، لكنهم أدركوا أن دعمهم لبعض نفسيا يأتي في المرتبة الأولى. وتؤكد أنه «لم تقدم لنا أي جهة إعلامية تأهيلا أو دعما نفسيا، في الوقت الذي نشعر فيه عادة بعد تغطية الأحداث العنيفة بشعور بالذنب خاصة حينما يتعلق الأمر بمساعدة منكوبي العقارات المنهارة أو الأحداث الإرهابية الذين يتعلقون بنا كطوق نجاة وكجسر لإيصال صوتهم للرأي العام».
وتشير أمنية إلى أن عددا من زملائها فضل ترك مهنة الصحافة بعد إصابته بالاكتئاب أو الأمراض المزمنة أو حتى بسبب رغبته في عدم تغطية أحداث عنيفة».
وتؤكد أمنية: «العمل الصحافي بطبيعته يضع ضغوطا كثيرة علينا، وقد يؤدي إلى حالة من الانعزال عن المجتمع، وبالتالي علينا كل فترة أن نحاول استعادة توازننا بممارسة الرياضة أو عمل إبداعي». وتنصح أمنية كريم كل إعلامي بالعمل على تحسين صحته النفسية وإدارة الضغوط المتعلقة بالعمل، بالحديث لعدد من زملاء المهنة ومشاركتهم أفكار إيجابية، ومحاولة أخذ قسط من الراحة من دوامة العمل والخروج وتمضية الوقت مع الأصدقاء والأهل.

بين المهنية والأرق

يعاني الصحافي من فترات عصيبة يحاصره فيها الشعور بالذنب من كونه يحمل على عاتقه مسؤولية إيصال صوت المهمشين والضعفاء للرأي العام وحصولهم على حقوقهم أو حمياتهم من المخاطر، وهذا الشعور قد حاصر الصحافية الاستقصائية علياء أبو شهبة التي روت لـ«الشرق الأوسط» معاناتها جراء قيامها بعدد من التحقيقات الاستقصائية الخاصة بالوصم الاجتماعي، تقول: «من حسن حظي، أنني في عام 2016 شاركت في ورشة عمل مع مؤسسة أريج للصحافة الاستقصائية، عن «كيفية التعامل النفسي مع الصدمات والضغوط بالنسبة للصحافيين»، ساعدتني هذه الورشة كثيرا في تخطي ما كنت أمر به من شعور بالحزن مصحوبا بالشعور القاتل بالذنب، وتعلمت فيها أن ما أقوم به هو عملي في نقل صوت المهمشين وليس من الضروري أن يتغير المجتمع وأنني لست مسؤولة عن تقديم الحلول لهم، فليس معي مصباح علاء الدين».
وتضيف علياء أبو شهبة: «بعدها قررت أن أقوم أيضا بالبحث عن قصص إخبارية إيجابية تقدم الأمل وجوانب مشرقة من المجتمع منها بمبادرة لسائقي (التوك التوك) لنبذ ومواجهة التحرش الجنسي، وبدأت أتوجه للصحافة العلمية».
«كنت أشاهد مرضى الإيدز المتوفين أمامي» تتذكر علياء أبو شهبة أثار اضطراب ما بعد الصدمة عليها، قائلة: «عملت لمدة 3 سنوات في موضوع قضايا الإيذر، وعلى الرغم مما حققته لي هذه التحقيقات من نقله مهنية فإن الشعور بالذنب تسبب لي في كثير من الأضرار النفسية فأصبت بالأرق والكوابيس وأحلام اليقظة، خاصة وأن المهنية كانت تقتضي عدم نشر بعض قصص مرضى الإيدز أو المدمنين لأنها قد تضر بسمعتهم أو أسرهم، وحينما رحلوا ظلت قصصهم تطاردني وظلت صورهم تتجسد أمامي لعدة أشهر».
تتواصل علياء أبو شهبة مع أخصائي نفسي عبر الإنترنت يقدم لها النصائح والدعم النفسي كانت قد التقت به في مؤتمر «أريج» بالأردن، وتقول: «للأسف لا يوجد في مصر جهة تقدم التأهيل أو الدعم النفسي للصحافي، وحينما نطلب الدعم نواجه بسخرية من قبل رؤساء ومسؤولي التحرير».
وتشير: «للأسف أيضا تقوم المؤسسات الصحافية بالحجر على حق الصحافي في حرية اتخاذه قرار تغطية الأحداث العنيفة، ففي وقت أحداث رابعة عام 2013، كنت أقطن بجوار مربع الأحداث وكان من الصعوبة التحرك في الشوارع، وفضلت أن أقوم بالتغطية من المنزل حيث لا توجد أي وسائل للحماية من طلقات الرصاص أو غيرها، وحينما رفضت التغطية الميدانية قامت الصحيفة بخضم 15 يوما من راتبي، ووجدت أن ذلك ظلما شديدا».
تحاول أبو شهبة نقل خبرتها في التعامل مع اضطراب ما بعد الصدمة بشكل تطوعي لعدد من طلاب الإعلام الجامعات المصرية خاصة بعد أو وجدت عددا من زملاء المهنة يمر بأعراض الاضطراب ويتجه للكافيين أو يتعامل مع عائلته بعنف شديد. كما أنها أصبحت تواظب على ممارسة اليوجا والزومبا للتخلص من ضغوط العمل الصحافي.

دورات للوكالات الأجنبية

حول ضغوط وعواقب تغطية أحداث الثورة المصرية والأحداث الإرهابية، يقول هيثم التابعي، الصحافي السابق في مكتب وكالة الصحافة الفرنسية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» في حديث عبر الهاتف: «لم أتلق تدريب قبل المظاهرات في 2011 أو 2013 بل وأيضا تصاعد العنف بشكل لا يترك مساحة لتلقي الدورات، لكن كان الحرص على تقديم وسائل السلامة الجسدية كالخوذة والقميص الواقي من الرصاص. كانت هناك مشاهد للكثير من القتلى والمصابين لكن لم أحصل على تأهيل نفسي عقب الأحداث لكن كانت الوكالة تحرص على ضرورة إعطاء الصحافيين إجازة وعدم مواصلة العمل لفترات طويلة».
في حالة استثنائية وحيدة في مصر، يحظى صحافيو هيئة «بي بي سي» بالدعم النفسي من مركز متخصص في لندن يقدم لهم الخدمات على مدار الساعة، حيث يقوم الصحافي المتضرر بالاتصال بالمركز الذي يحافظ على السرية التامة وخصوصية الصحافي ويقدم له النصائح فيما يتعلق بتعرضه لعنف أو تحرش في العمل أو أثناء تغطية الأحداث الميدانية، ويمكن للصحافيين من مختلف المؤسسات الاطلاع على بعض المقالات الإرشادية عبر موقع «بي بي سي أكاديمي» والتي توضح كيفية التعامل مع «التروما» أو اضطراب ما بعد الصدمة.
وحول أهمية الحصول على التأهيل قبل أو بعد الأحداث، يشير التابعي: «أفضل طبعا إعادة التأهيل بعد الأحداث. أتذكر أنني عقب أحداث (رابعة) ظللت لمدة أسبوعين أسمع أصوات طلقات النار حولي، وأستيقظ من النوم عليها. لم أحصل وقتها على استشارات نفسية لكن قمت بالحديث لأحد أصدقائي وساعدني كثيرا في الخروج من هذه الحالة». ويروي: «من أصعب اللحظات التي مرت علي تغطية انفجار بجوار مكان دراستي وجامعتي أو في الحي الذي أعيش فيه، فحينما حدثت اشتباكات المقطم عام 2013 بين الإخوان والأهالي كان من الصعب علي أن يتحول الحي إلى ساحة اشتباكات بين أناس أعرفهم بشكل شخصي، بعدها قمت وفقا لنصيحة أصدقائي بدخول السينما بشكل مكثف حتى في بعض الأحيان كنا نشاهد فيلمين متتاليين».
ويحذر التابعي من خطورة اختزان كل الأحداث السلبية في عقلنا وجسدنا يجعلنا غير قادرين على تقديم المزيد للعمل، مضيفا: «من المهم أن توفر المؤسسات هذا التأهيل النفسي؛ لأن بعض الصحافيين أحيانا تسوء حالتهم بشكل مفاجئ، وأتذكر جيدا أحد الزملاء من صحيفة مصرية أصابته حالة هياج وتوتر شديد أثناء فترة تغطية الاشتباكات في فترة عزل مرسي، حيث ساد إطلاق النار في كل مكان حولنا، حاولت مع عدد من الزملاء تهدئته لكن دون جدوى ولم يتمكن على مواصلة عمله».

صدمة تفجير وهوية مخفية

معاناة أخرى لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ترويها صحافية مصرية فضلت عدم ذكر اسمها عن تجربتها في تغطية أحداث تفجير الكنيسة البطرسية العام الماضي، قائلة: «كانت تنتابني نوبات بكاء متواصلة أثناء قيامي بتغطية الأحداث، خاصة وأن بعضهن كانوا في عمر ابنتي أو زميلات لها في مدرستها واعتبرت أن هذا أمرا طبيعيا، وقمت بالحديث لعدد من المصابات من الفتيات الصغيرات وذويهم، وكان لوفاة بعضهن بعدها أثر سلبي كبير، حتى أنني في بعض الأحيان كنت أمنع طفلتي من الذهاب للمدرسة بسبب خوف غير مبرر. بعدها اتخذت قرارا بعدم متابعة باقي الوفيات، ولم أكتب أي شيء يتعلق بهذه المأساة، وقررت ممارسة الرياضة بشكل جماعي ومنها اليوغا، وبالفعل نجح هذا في تخفيف التوتر لكنه لم يُزِل أثر الشعور بالذنب أو الحزن» تستكمل: «وبعدها بعدة أشهر أصبت بأعراض غريبة كالوخز والتنميل في مختلف أنحاء الجسد وتوتر عصبي حاد ذهبت على إثرها لأطباء باطنة وأمراض عصبية وأجريت اختبارات للكشف عن التهاب الأعصاب، وغيرها من الفحوصات التي لم تكشف عن أي شيء وكان تشخيص الطبيب أن هذا بسبب الضغوط النفسية والعصبية للعمل الصحافي بعدها وجدت هذه الأعراض تختفي تدريجياً وألحت علي رغبة جامحة في ترك العمل الصحافي والتحول لمجال عمل تجاري، لكن بعد فترة قررت الاستمرار في العمل لكن بشرط أن أمضي وقتا أطول لنفسي بعيدا عن العمل».

معايير لاختيار الصحافي الميداني

يؤكد العميد الدكتور محمود برغوت، المتخصص في الطب النفسي لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم جدا لأي مؤسسة صحافية أن تقوم بإجراء اختبار سمات وقدرات مبدئي للصحافي الذي تنوي تكليفه بالعمل الميداني؛ لأن هناك بعض الأشخاص لا تؤهلهم سماتهم الشخصية للخوض في أحداث دامية أو عنيفة وقد تنتابهم حالات هياج أو اضطراب سلوكي تعوق عملهم بل وتضر المنكوبين أو المصابين في الأحداث».
ويوضح: «هناك أنماط شخصية مثل الشخصية الانطوائية أو العاطفية من الخطورة الزج بها في العمل الميداني لأنه أولا سيقدم تغطية غير متوازنة، قد تضر بسمعة مؤسسته ومصداقيتها، ثانيا سوف يتعرض لأذى نفسي شديد، ولكن من الملائم اختيار الشخصية الواقعية أو ذات النمط القراري التي يمكنها اتخاذ القرارات السليمة تحت ضغط».
ويشير إلى أن: «الكثير من الصحافيين يظن أنه محصن من الـ(تروما) أو الاضطراب بعد اعتياده على مشاهدة الصور العنيفة أو تغطية الأحداث لأنه يختزن كل ذلك في عقله وتتراكم تلك الخبرات السلبية وقد تتحول إلى مرض نفسي مثل: الذهان أو العصاب، وقد تتحول إلى أمراض جسدية بالضغط والسكر وارتفاع ضربات القلب، أو إلى أعراض (نفس - جسدية) أي آلام غير محددة وليس لها سبب مرضي واضح».
ويضيف: «يتعرض الصحافيون لضغوط عمل كبيرة إلى جانب ما قد يواجهونه في الميدان، مما يؤدي في الأحيان لانتحار بعضهم أو إصابته بالاكتئاب الشديد، وقد شاهدت عددا من الحالات التي وصل بها الحال للإدمان أو الشراهة في التدخين وتناول الكافيين أو الانفصال والطلاق بسبب العنف الأسري الناجم عن ضغوط العمل».
وينصح: «من أهم الخطوات للخروج من اضطراب ما بعد الصدمة هي تكليف الصحافي بمهام إبداعية تقوم بتشغيل العقل مع الجسد». ويقول: «من المهم أن تلتفت المؤسسات الصحافية ونقابة الصحافيين لأهمية التأهيل النفسي، مؤخرا تقوم شركات الاتصالات والمؤسسات الدولية بتقديم دورات للعاملين بها للحفاظ على الموارد البشرية بها، وتمكينهم من تقديم خدماتهم على أكمل وجه، وتقدم لهم الدعم بشكل مستمر من خلال إشراكهم في أنشطة جماعية عبر الإنترنت وتكليفهم بمهام بعيدة تماما عن مجال عملهم لتخليصهم من الطاقات السلبية».
ترى الأخصائية النفسية جولي جوزيف، التي تقوم بإعداد اختبارات سمات وقدرات في عدد من الهيئات الحكومية: «الصحافيون من أخطر الفئات التي يجب تأهيلها بشكل ملائم لأنها تتعامل مع قطاع جماهيري كبير، وبعضهم يذهب لمواقع الأحداث الخطرة دون خبرة، وبالتالي يتسبب في ضرر للمنكوبين بسبب عدم قدرته على امتصاص غضبهم، أو عدم قدرته على اتخاذ القرار المناسب فيما يخص سلامته الجسدية أولا حيث أصيب عدد كبير من الصحافيين أثناء تغطية أحداث ثورة يناير، يجب أن يكون مدركا لكيفية حماية نفسه من الهجوم المباغت والسيطرة على مشاعره وعدم الانسياق في الأحداث التي يغطيها، كأن يتظاهر مع المتظاهرين مثلا بسبب عدم ثباته الانفعالي».
وتؤكد: «من خلال اختبارات السمات يمكننا تحديد ما إذا كان الصحافي سوف ينجح في مهمته الميدانية أم لا؟ فمثلا من لديهم ميول للعزلة سيكونون أكثر عرضة لاضطراب ما بعد الصدمة في حال تغطيتهم الميدانية لأحداث عنيفة، ويمكن إعداد الصحافي نفسيا لكي يتعامل مع مهمته كمهمة عمل الطبيب». وتوضح: «أغلب الصحافيين والمحررين أيضا يمرون بأعراض الاضطراب (تروما) نتيجة تعرضهم للصور ومقاطع الفيديو الوحشية بشكل مكثف، حيث تظل آثارها مختزنة في العقل الباطن وتظهر أعراضها في شكل أرق، عزوف عن الطعام، فقدان ذاكرة مؤقت بشكل متكرر، إدمان الشاي والقهوة هنا يجب على المعالج النفسي أن يتعامل باحترافية فلا يشعره بأنه يعاني من اضطراب ما، بل يقدم له ما يشبه دورات لإعادة التأهيل يتم تصمميها للتركيز على الجوانب الإبداعية له وإخراج الطاقات الكامنة وضبط السلوك، وبالتالي يتمكن الصحافي من مواصلة عمله بكل احترافية».


مقالات ذات صلة

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق ريتا بيا وغريسيا أول شقيقتَيْن تتقاسمان تقديم برنامج ترفيهي (صور الأختين)

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

مشاهدو قناة «إم تي في» المحلّية يعرفون الأختين من كثب، كونهما تعملان مراسلتَيْن ومقدّمتَي نشرات أخبار فيها...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.