أربع سفارات تخلي مقارها في طرابلس.. وزيدان يحذر من إفلاس الدولة

اشتباكات في بنغازي وانفجارات بمستودع ذخيرة للجيش الليبي

ليبيون في مدخل إحدى مستشفيات بنغازي أمس حيث تنتشر لافتات تحظر دخول الأسلحة (أ.ف.ب)
ليبيون في مدخل إحدى مستشفيات بنغازي أمس حيث تنتشر لافتات تحظر دخول الأسلحة (أ.ف.ب)
TT

أربع سفارات تخلي مقارها في طرابلس.. وزيدان يحذر من إفلاس الدولة

ليبيون في مدخل إحدى مستشفيات بنغازي أمس حيث تنتشر لافتات تحظر دخول الأسلحة (أ.ف.ب)
ليبيون في مدخل إحدى مستشفيات بنغازي أمس حيث تنتشر لافتات تحظر دخول الأسلحة (أ.ف.ب)

تعتزم الأمم المتحدة إرسال قوة خاصة لحماية مقرها وبعثتها في العاصمة الليبية طرابلس، التي شهدت أمس إغلاقا مفاجئا لمكاتب أربع سفارات غربية فيها، بينما تجددت الاشتباكات العنيفة بين قوات الجيش الليبي وميلشيات إسلامية متطرفة في ضاحية سيدي خليفة على بعد أقل من 30 كيلومترا من مدينة بنغازي بشرق ليبيا، مما أسفر عن سقوط أربعة قتلى وعشرات الجرحى، في وقت قتل فيه أكثر من عشرة أشخاص وأصيب آخرون مساء أمس في انفجار مستودع سلاح وذخيرة تابع للجيش في منطقة براك بوادي الشاطئ الواقعة في أقصى الجنوب الليبي.
وقال الحاكم العسكري لمناطق جنوب ليبيا (إقليم فزان) العميد محمد الذهبي إن «عشرة أشخاص على الأقل قتلوا وأصيب 15 آخرون كحصيلة أولية لانفجار مستودع للذخائر والأسلحة في منطقة براك بوادي الشاطئ» التي تبعد نحو 60 كيلومترا شمال مدينة سبها عاصمة إقليم فزان، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. وأوضح الذهبي أن «مجموعة مجهولة حاولت التعدي على المستودع، ما نجم عنه هذا الحادث المؤسف». وتبعد مدينة سبها عن العاصمة الليبية طرابلس نحو 700 كيلومتر جنوبا.

من جهة أخرى، قالت مصادر صحافية في العاصمة الليبية لـ«الشرق الأوسط» إن «أربع سفارات غربية على الأقل أغلقت مكاتبها في برج طرابلس، استجابة لطلب من إدارة البرج لحين إخراج الكتيبة التي تحميه»، مشيرة إلى أن الكتيبة التي تنتمي إلى الزنتان أرسلت تهديدات إلى إدارة البرج التي أبلغت بدورها السفارات البريطانية والفرنسية والمالطية واليونانية.

في المقابل، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا أن مجلس الأمن الدولي وافق بصورة مبدئية على طلب الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تعزيز حماية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بفريق لحراسة مقرها في طرابلس.

وقالت البعثة في بيان لها إنه من المفترض أن لا يزيد هذا الفريق عن 235 عنصرا، من بينهم عدد من الإداريين والمسؤولين عن الخدمات، مشيرة إلى أن مهمة هذا الفريق ستنحصر في حماية مباني المكاتب والإقامة لمجموعة العاملين في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.. ولن يتجاوز نطاق عمله أسوار المقر الذي تقع فيه.

وأكدت البعثة أن فريق الحراسة لن يكلف بأي دور يتعدى المهمة التي أنشئ من أجلها، وأن تشكيل فريق كهذا إجراء عادي تعتمده المنظمات الدولية والسفارات في عدد كبير من الدول، وذلك من أجل تأمين سلامة العاملين فيها ومقراتها.

والتزم المؤتمر الوطني العام (البرلمان) وحكومة علي زيدان الانتقالية الصمت حيال هذا التطور، وبرره مراقبون بأنه يعكس عدم ثقة المجتمع الدولي بقدرة السلطات الليبية على حماية مقرات البعثات الدبلوماسية الأجنبية بطرابلس.

وفي مدينة بنغازي بشرق ليبيا، قالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «القتال الذي اندلع أمس، بين قوات تابعة للجيش الليبي وعناصر من ميلشيا تنظيم أنصار الشريعة المتطرف، شاركت فيه على ما يبدو كتائب قبلية إلى جانب الجيش النظامي».

وأكد مصدر مسؤول في مستشفى الجلاء ببنغازي وصول ثلاث جثث من مشاة البحرية الليبية من ضحايا هذه الاشتباكات. وقال المقدم إبراهيم الشرع الناطق باسم الغرفة الأمنية المشتركة إنه جرى اعتقال مجموعة من الأشخاص بحوزتهم مبلغ من المال، بالإضافة إلى متفجرات في إحدى البوابات الشرقية، قبل أن تهاجم مجموعات مسلحة دورية مكلفة بحراسة الموقوفين، مشيرا إلى أن الاشتباك امتد إلى عدة مناطق أخرى.

في السياق ذاته، قتل أمس أحد أفراد اللواء أول مشاة التابع لرئاسة أركان الجيش الليبي، بعدما أطلق مسلحون النار عليه أمام منزله بمنطقة الصابري.

من جهته، كشف علي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية النقاب عن أن ليبيا تواجه الآن ما وصفه بـ«أزمة مالية» جراء استمرار أزمة إغلاق المرافق النفطية من قبل مسلحين، الأمر الذي قد يضطرها إلى اللجوء إلى الاقتراض، على حد قوله.

ولفت زيدان في مؤتمر صحافي عقده أول من أمس بطرابلس إلى تراجع إنتاج ليبيا من النفط إلى مستوى 20%، ما أثر سلبا على ميزانية الدولة التي تعتمد بشكل أساسي على عائدات الصادرات النفطية، محذرا من أن حكومته «قد تجد نفسها في ظل هذا الوضع عاجزة حتى عن دفع المرتبات». وقال زيدان: «نحن نعاني الآن من أزمة مالية بسبب هذا الأمر، وقد نضطر إلى الاقتراض، وقد نعجز عن الوفاء ببعض الاستحقاقات أو بكل الاستحقاقات إذا استمرت هذه الحال».

وهدد زيدان كل من يصر على احتجاز الموانئ النفطية ومن يتعاطف معهم بأن يتحمل تبعات هذا العمل، مضيفا: «سنقوم بواجبنا الذي يمليه علينا موقعنا.. ودورنا كحكومة، لأن هذه المرافق ملك للدولة الليبية استولى عليها حراس ائتمنوا عليها.. هذا العمل بمثابة خيانة وغدر للوطن والواجب الوطني».

واعتبر علي زيدان أن حكومته التي شكلت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي قد أمهلت وصبرت وتحملت بشأن من يوقفون النفط، وبعد الآن لم يعد هناك باب ولا سبيل للتحمل أو الأعذار، وأن الأشخاص الذين قاموا بهذا العمل بصفتهم الشخصية مسؤولون وأن أقرباءهم وأهلهم ومناطقهم ليست مستهدفة.

ولفت إلى الجهود والمساعي التي قامت وتقوم بها الحكومة بالاتصال مع بعض مشايخ القبائل في منطقة الهلال النفطي المعنيين، الذين لهم الصلة بمن يوقفون النفط وببعض المشايخ والأعيان في طبرق بشأن التوصل إلى حل لمسألة توقف النفط، معربا عن أمله في أن تأتي هذه الفرصة التي أتيحت لهذه القبائل بنتائجها، وإذا لم تأتِ فإن الدولة ستقوم بدورها إذا كان هناك طرف أصر على هذا الأمر، على حد قوله.

يشار إلى أن ليبيا تصدر أكثر من مليون برميل يوميا من النفط حتى الصيف عندما تصاعدت الاحتجاجات والإضرابات، بينما انقضت مهلة حكومية لإنهاء الإضرابات النفطية الأسبوع الماضي.

وتزيد تحذيرات زيدان وتجدد الاشتباكات المسلحة بما في ذلك هجوم على ضريح في طرابلس يعود لمئات السنين من الإحساس المتنامي بالفوضى في ليبيا بعد عامين من الإطاحة بالرئيس الليبي معمر القذافي بدعم من حلف شمال الأطلسي.

وتخشى القوى الغربية انزلاق ليبيا إلى الفوضى، بينما تواجه حكومة زيدان صعوبة في التصدي لميليشيات ساعدت في الإطاحة بالقذافي، لكنها احتفظت بسلاحها ولا تزال تسيطر على أجزاء من البلاد.

وانخفضت صادرات النفط بشدة بسبب استيلاء ميليشيات ورجال قبائل على حقول نفط وموانئ، للمطالبة بمزيد من الحقوق السياسية أو زيادة المرتبات.

وقال وزير الكهرباء الليبي علي امحيريق إن ليبيا قد تبدأ أيضا مواجهة انقطاعات في الكهرباء مع عرقلة الإضرابات النفطية إنتاج الغاز في عدة حقول. وتزامنت هذه التصريحات مع اجتماع مشترك بين المؤتمر الوطني والحكومة لبحث أوضاع موظفي شركة الخدمات العامة، حيث قال بيان مقتضب للحكومة إن الاجتماع أكد ضرورة حل مختنقات العاملين بالقطاع، ووضع الآلية المناسبة لصرف مرتباتهم ومستحقاتهم في أقرب وقت.

من جهة أخرى، وصفت الحكومة تفجير مسجد «مراد آغا» في تاجوراء بشرق العاصمة الليبية أول من أمس بأنه حدث إرهابي وإجرامي، ومسيء لليبيين، مؤكدة أن هذا الأمر سيقابل بكل ما يستحق من إجراءات حازمة وصارمة للبحث عن الجناة وتقديمهم للمحاكمة.



تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.


غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.