5 رهانات أمام تونس الجديدة

إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق
إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق
TT

5 رهانات أمام تونس الجديدة

إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق
إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق

تمرّ تونس بمرحلة انتقالية تقترن في الوقت نفسه بنجاحات ومكاسب من جهة، وبمخاطر وصعوبات من جهة أخرى.
وتحتاج البلاد إلى سياسات واقعية تراعي التشعبات والتعقيدات التي تفرضها مراحل الانتقال من نظام سياسي استبدادي إلى نظام سياسي تعددي ديمقراطي، ومن منوال اقتصادي أسقطته الثورة الشعبية إلى منوال تنموي جديد ناجع ومدمج يحقق التغيير المنشود. ومن بين أولويات المرحلة الانتقالية، اليوم، في تونس يتعين كسب خمسة رهانات، أمنية وسياسية واقتصادية.
يأتي في مقدمة الرهانات التونسية، مسألة المحافظة على مسار تركيز مسار الديمقراطية والتعددية الذي قطعنا أشواطاً في سبيله، بوضع الدستور الجديد والهيئة المستقلَّة المشرفة على الانتخابات، وضمان حرية التعبير والإعلام والتنظيم. ومن ثم ضمان الأمن وتجنيب البلاد مخاطر التهديدات الأمنية الإقليمية، وبينها انتشار مخاطر الإرهاب، أو عودة المنظومة الأمنية القمعية التي قامت ضدها الثورة. وكسب ورقة تطوير مؤسسات الأمن لتكون في خدمة دولة ديمقراطية، ومجتمع تعددي ومعاصر.
وثالث الرهانات، هو كسب ورقة التنمية الاقتصادية واحتواء مخاطر العجز المالي والاقتصادي والصعوبات التي أنهكت قطاعات حيوية، من بينها السياحة والمناجم والتصدير والاستثمار. ورابعاً: المحافظة على الوحدة الوطنية وتجنب مخاطر الصراعات والنزاعات الداخلية التي برزت في عدة دول، من بينها الصدامات ذات الصبغة الآيديولوجية والعشائرية والجهوية. وأخيراً، المحافظة على السيادة الوطنية بما في ذلك السيادة في أبعادها المالية والاقتصادية التي أصبحت مهددة بضغوط المؤسسات الخارجية التي تسند القروض والمساعدات بشروط مجحفة أحياناً.
وإجمالاً فإن تونس تتميز عن بقية بلدان «الربيع العربي» بنجاحاتها النسبية في رفع كل هذه التحديات في المرحلة الانتقالية.
لكن ما نلاحظه اليوم من تعثر في استكمال مسار البناء الديمقراطي والتنموي، رغم مرور 3 سنوات عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كان من المفترض أن تكون دافعاً للرفع من نسق الإصلاح والتغيير بالانتقال من الحكم المؤقت، إلى الحكم الدائم، لا يطمئن بل يدعو لليقظة من الانحراف.
نسجل اليوم العديد من بوادر الانتكاس في مجالات كثيرة من بينها استكمال بناء المؤسسات الدستورية كالمحكمة الدستورية والهيئات المستقلة... وعدم إنجاز الانتخابات المحلية التي يتطلع إليها الشعب منذ سنوات. كما تكشف بعض الوقائع والمؤشرات عودة إلى أساليب القمع والتضييق على الحريات. ولولا ضغط الشباب والحقوقيين والسياسيين والإعلاميين ذوي النزاهة لتراجع هامش الحريات في البلاد أكثر فأكثر.
ومن الناحية الاقتصادية، سجلت تونس تراجعاً كبيراً وغير مسبوق في قيمة الدينار الذي فقد أكثر من 40 في المائة من قيمته مقارنة بسنة 2014. كما تسبب ارتفاع نسب الدين الخارجي والعجز التجاري في تدهور الأوضاع. ويتخوف الجميع من استفحال الصعوبات المالية والاقتصادية سنة 2018، ومن تواصل ارتفاع التضخم وتدهور القدرة الشرائية مع العجز عن تحقيق مطالب ملحَّة من بينها تحسين موارد البلاد المالية وإنجاز التنمية وتحسين فرص الشغل الجديدة للحد من معضلة البطالة.
ولعل من أخطر ما يهدد البلاد مع اقتراب موعد الانتخابات المقررة لسنة 2019 بروز مؤشرات عودة النعرات الجهوية وافتعال التناقضات بين الشمال والجنوب والصراعات الآيديولوجية حول الهوية الثقافية والوطنية والمعتقدات الدينية رغم حسمها من قبل غالبية السياسيين والنخب والشعب عند التصويت على دستور يناير (كانون الثاني) 2014.
وعلى غرار ما جرى في انتخابات 2014 تبرز مجدداً مخاطر تقسيم البلاد والمجتمع إلى نصفين متنافرين لأسباب انتخابية بحتة. وقد اتضحت «الكذبة الكبرى» خلال السنوات الثلاث الماضية عندما تناسى زعماء الشقين المتصارعين قبل الانتخابات شيطنة كل طرف للطرف المقابل بمجرد الإعلان عن النتائج وتشكيل حكومات مشتركة. وكانت النتيجة تعمق أزمة ثقة المواطن في السياسيين والنخب.
في الوقت ذاته، بات خطر المساس بالسيادة الوطنية على الأقل في بعده الاقتصادي أكثر تهديداً بعد أن بلغت نسبة المديونية 70 في المائة، وأصبحت البلاد ترضخ إلى الضغوط الخارجية، وتضطر إلى القبول بشروط لم تكن ستقبل بها مسبقاً.
من الناحية السياسية، تعاني تونس اليوم من مضاعفات سياسية ترمز إلى حكم المحافظين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ودينياً. وكانت الحصيلة عودة السياسيين وصُنّاع القرار الاقتصادي والاجتماعي الذين يعملون على المحافظة على منوال الحكم القديم المبني على المحسوبية والولاءات ومركزية القرار.
للأسف، فقد أعادت انتخابات 2014 تشكيل المنظومة القديمة والطبقة الموالية لخيارات منظومة ما قبل ثورة 2011، والمحافظة على منوال التنمية المبني على الولاءات والمحسوبية والامتيازات والتهميش للجهات الداخلية ومركزية الحكم... في حين يحاول في الوقت ذاته المحافظون المرتبطون بالمشروع الديني الذي يستمد شرعيته وبرنامجه من منوال محافظ لا علاقة له بالقرن الحادي والعرين أن يتمكنوا من بعض المواقع لتكريس مشروعهم.
في الوقت ذاته، استفحل الخلط بين المال والسياسة والإعلام وكانت النتيجة انتشاراً أكبر للرشوة وظاهرة شراء الذمم والتأثير على العملية السياسية، وهو ما جنَّب البلاد نقاوة العملية السياسية.
لكن هل من مخرج من هذه الدوامة والوضعية الحرجة؟

لا بد أن نسجل أن المشهد السياسي لم يتشكل بعد في عائلات سياسية تدافع عن مشاريع وسياسات وتصورات واضحة. ما يحكم السياسيين والأطراف السياسية الكبرى إلى حد الآن هو منطق الوصول إلى السلطة بكل الأشكال والوسائل. وعند الوصول إليها يصبح الأهم هو المحافظة عليه بكل الأساليب.
إن المرجوَّ والمطلوب اليوم هو إعادة تشكيل المشهد السياسي بناءً على مشاريع وتوجهات وبرامج للتغيير والإصلاح حتى يختار الناخب في 2019 من يحكمه وفق مشاريع وأسس حكم سياسية، وليس على أساس شعارات شيطنة وتخويف وتوجيه. ولا يمكن تشكيل هذا المشهد السياسي الجديد إلا عبر بناء عائلات سياسية وطنية على أسس سياسية صلبة تعتمد الوضوح والتصالح.
العائلة الإسلامية المحافظة بعد تصالحها مع المدنية والحداثة، والعائلة السياسية التي تنتسب إلى حكم التجمع الدستوري بعد تصالحها مع الديمقراطية، والعائلة الديمقراطية الاجتماعية التقدمية بعد تخليها عن «الزعامتِيّة» والتشتت، وعائلة اليسار التونسي بتفرعاته الماركسية وغيرها بعد مصالحته مع الهوية التونسية العربية الإسلامية.
ومن بين مشكلات البلاد أن كل العائلات السياسية تشكو انقساماً وتشرذماً بما فيها حركة النهضة التي تبدو أكثر تماسكاً.
يُضاف إلى كل هذه التحديات هشاشة التوازنات المالية للدولة، وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، خصوصاً أوضاع الطبقة الوسطى والضعيفة وفشل سياسات النهوض بالجهات المهمشة. والمعضلة هي أن تونس لا تزال بعد 7 أعوام عن انتفاضة شبابها وثورة جهاتها الداخلية تراوح المكان ذاته، بما يسبب ارتفاع منسوب الاحتقان وتراجع الإيمان بإمكانية الإصلاح وفرص الإنقاذ.
كل هذه المشكلات لا يُمكن حلها في فترة قصيرة وتستوجب سياسات طويلة المدى ومعالجة للعوامل الهيكلية وتجاوزاً لمنهج الترقيع والحلول الوقتية. ومن المؤمّل أن تنظم الانتخابات البلدية فعلاً في النصف الأول من عام 2018 لأن الأمر يتعلق باستحقاق وطني له أولوية لاستكمال المسار الديمقراطي، لأن البلدية هي المقياس، وانتخاب أكثر من 7 آلاف مستشار بلدي سوف يجنب البلاد نهائياً العودة إلى الوراء فيما يخص المكتسبات الديمقراطية.
في الوقت ذاته، يجب مراعاة مبدأ التدرج والوضوح في نقل السلطة المركزية إلى السلطة المحلية، وتجنب افتعال تناقضات بين السلطة المركزية الممثلة عبر الوالي والمعتمدين والسلط المحلية والجهوية المنتخبة.
رغم الحصيلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السلبية للسنوات الثلاث الماضية فإن لتونس التي قطعت خطوات في مجال بناء مسارها الديمقراطي التعددي مؤهلات لأن تصلح أوضاعها، وتحقق نجاحات جديدة خاصة باليقظة والضغط وتنظيم الانتخابات البلدية والجهوية في مطلع مايو (أيار) المقبل وانطلاق التحضير لانتخابات البرلمانية والرئاسية في السنة الموالية في مناخ سليم بعيداً عن الحسابات السياسية، وتقديم المصلحة العليا للبلاد على المصالح الحزبية والفئوية والشخصية الضيقة.
قال تعالى: «فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض» صدق الله العظيم.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.