لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر

لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر
TT

لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر

لبنان: دراسات فكرية ولغوية ونقدية وروايات... وغياب الشعر

«السياسة اللغوية في البلاد العربية»
أحمد فرحات
عديدة هي الكتب المؤلّفة والمترجمة التي قرأتها على مدى العام 2017. طبعاً أغلبها الأعمّ كان أدبياً، نقدياً، فكرياً، شعرياً ولغوياً.... إلخ. وليس شرطاً أن تكون هذه الكتب صادرة في العام المذكور عينه، بل بعضها صدر في عامنا الحالي، وغيرها صدر في أعوام متفرّقة شتى. وما علق في ذهني من تلكم الكتب التي قرأت، كتاب «السياسة اللغوية في البلاد العربية» للعالم اللغوي المغربي د. عبد القادر الفاسي الفهري، وهو في المناسبة خبير لساني دولي، ولا سيما باللغتين الفرنسية والإنجليزية، عدا لغته العربية الأم طبعاً. كما يحاضر الرجل في شؤون لغة الضاد وغيرها من لغات في كبرى المنابر الجامعية الدولية، منها مثالاً لا حصراً، جامعات «هارفرد» و«ستانفرد» و«باريس الثالثة والسابعة» و«ليدن» و«شتوتغارت»... إلخ.
يتطرّق المؤلف في كتابه المذكور إلى أوضاع اللغة العربية وتحدياتها، بخاصة مسألة الربط بين قوة اللغة أو ضعفها، وقوة الأمة، أو الجماعة التي يوحّدها اللسان. كما يبحث في العولمة اللغوية، وسائطها، وموقع اللغة العربية منها. كما يبحث في النظام اللغوي العالمي و«موقع الكوكبة اللغوية العربية الجيو - استراتيجي»... كما يتطرق إلى عولمة اللغة وعولمة السوق وأمور مهمة أخرى لا يتسع المجال لذكرها في هذا الحيز من الكلام.
واللغة في رأي د. الفاسي الفهري ثقافة، لا لأن الهوية لغة، أو «أنا لغتي» كما يقول الشاعر محمود درويش، أو لأنّ الثقافة خصوصية إثنية، بل لأن الثقافة أساساً سيمياء، في المأكل والمشرب، والرقص والموسيقى... إلخ، سواء كانت محلية أم جهوية أم كونية، ولأن المعتقدات والسلوكيات والقيم والمعارف ثقافية أيضاً، ولأن هناك تفاعل ثقافات ومعارف وتداخلها عبر اللغات.
أما الكتاب الثاني الأبرز الذي قرأت، فيحمل عنوان: «العجائبي والسرد العربي... النظرية بين التلقي والنصّ» للمؤلف د. لؤي علي خليل. والكتاب عبارة عن دراسة نظرية - تطبيقية، انطلقت من الجهود التي بذلها نقاد غربيون في سبيل التقعيد لمفهوم تجنيسي هو «العجائبي»، ذلك أن مساحة هذا المفهوم، وكما يرى المؤلف جعلته يعتقد، وبما بشبه اليقين بحضوره في بنية الفكر العربي - الإسلامي، وفي نصوصه السردية التي أنتجها. وكلما أوغل المؤلف في قراءة حدود «العجائبي»، ازداد يقيناً بالحاجة إلى دراسة تنقّل ذلك الحضور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وعزّز لديه هذا الاعتقاد، أن معظم النصوص التي اعتمدها النقاد تمثيلاً للمفهوم، هي نصوص مشرقية، مثل «ألف ليلة وليلة» أو ذات طابع مشرقي مثل «المخطوط» الحكائي الذي عثر عليه في سرقسطة، وقد كتبه، أو بالأحرى، سرده بالفرنسية الكاتب والرحالة والدبلوماسي يان بوتوسكي، وتدور أحداثه، التي هي على غرار «ألف ليلة وليلة»، في إسبانيا في القرن الثامن عشر. وجعل محور عمله الساحر العجيب، الشقيقتين المسلمتين أمينة وزبيدة، حيث يلتقي بهما بطله منذ الرحلة الأولى ويغرم بهما، ويظل يعاود سيرة اللقاء بهما والحكي معهما حتى آخر الرحلة الفانتازية الشيّقة.
الكتاب الثالث الذي لفتني، ويجدر التنويه به، فهو من تأليف الباحث الفرنسي المعروف ميشال فراجونار، ويحمل عنوان «التيارات الثقافية الكبرى في القرن العشرين»؛ والكتاب الذي نقله إلى العربيّة عن الفرنسيّة د. محمد كامل ضاهر، عبارة عن مجلّد يتألف من 672 صفحة، يحوي 170 موضوعاً تغطّي الأحداث العلمية والأدبية والفنية لأخصب القرون التي عرفها البشر حتى الآن.
ولمزيد من تيسير الأمور وتسهيلها على القارئ، يستعرض المؤلف في «مجلده» المذكور، المعالم الثقافية الرئيسية للقرن العشرين، أحداثاً وتيارات وأشخاصاً، على شكل مقالات ميسرة، تحوي الأفكار الرئيسية دونما إطناب، وبأسلوب سلس يجذب مختلف الشرائح القرائية، ولا سيما غير المختصة منها.
والكتاب الرابع الذي قرأته هو للمؤلفة المصرية الشابة دعاء الشريف، ويحمل عنوان «التوراة تثبت أن فلسطين أرض عربية». والكتاب عبارة عن دراسة بحثية قامت المؤلفة بالعمل عليها على مدار سنوات طويلة. والمنهج الذي اتبعته فيه ليس سرداً تاريخياً للأحداث، بل أخذت جانب التحقيق والتحليل ومناقشة المرتكزات التي ساقتها الحركة الصهيونية لنفسها، وبنت عليها، وكلها مرتكزات ملفقة ومزورة، هدفها حرف الحقائق التاريخية عن جادتها، بحيث يصبح الكذب أو التدليس مثلاً هو الحقيقة، وما خلا ذلك، فهو الباطل والمزوّر.
ولما كانت المؤلفة كاتبة ومختصة في الدراسات الإسرائيلية ومترجمة عن اللغة العبرية، المتضلعة منها أيّما تضلع، ولها العديد من الدراسات والأبحاث العلمية في قضايا تتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي، فقد ساعدها ذلك كله على الغوص في المصادر العبرية، التاريخية منها والفكرو - سياسية، وتوصلت إلى ما توصلت إليه في خلاصة مضمون كتابها المثير للجدل والجدير بالقراءة والتقييم، بخاصة أنه كتاب علمي بعيد عن الخطاب السياسي والغنائيات السياسية إياها، يقارب الأمور من منطق المغتصب للأرض نفسه، داحضة مزاعمه من قلب هذي المزاعم نفسها، وما يتصل بها، ويعود إليها. وعبر النقاط الثلاث الرئيسية: الأرض، الشعب، الوعد.
أما الكتاب الخامس الذي قرأته بشغف كبير، فهو كتاب «قوة الشعر» للشاعر والناقد البريطاني جايمس فنتن. والكتاب يمثل خلاصة المنطلقات الشعرية والنقدية لهذا الشاعر، الذي انتخب انتخاباً حراً وتلقائياً كي يتبوّأ منصب أستاذ الشعر في جامعة أوكسفورد في مايو (أيار) من العام 1994. يلخص شاعرنا منطلقاته الشعرية والنقدية بالإجابة عن أبرز الأسئلة التي طرحها على نفسه كشاعر وناقد في آن واحد، وهي: لماذا ينبغي للشاعر أن يكون شاعراً أصيلاً؟ ما العلاقة بين العبقرية الشعرية والتدرّب على صنعة الشعر؟ لماذا يتعيّن على الشاعر أن يشعر بضرورة أن يكون موضع إعجاب، وأن يوجِد حوله وهماً مفاده أنه شاعر متميّز وفريد، لا يضاهيه شاعر آخر؟ لماذا يتحتم على صفة التفرّد أن تكون وثيقة الصلة بمفهومنا عن العمل الأدبي، بحيث يتوقع أن يكون كل صوت شعري صوتاً مميزاً؟
أما الكتاب السادس الراسخ في ذاكرتي، وعلى نحو غائر جداً، فهو كتاب: «وحوش جنة عدن... خواطر حول تطور الذكاء البشري» لكارل ساغان، الذي أقدم على ترجمته المفكر الفلسفي اللبناني والمترجم الفذ الراحل د. حسن قبيسي. وعندما نتكلم على فذاذة المترجم هنا، فلأنه يكتب العمل بلغة أخرى، يمكن أن تكون أبلغ تعبيراً وأقوى إيحاء من لغة الأصل نفسها أو اللغة الوسيطة بين لغتين التي ينقل عنها، بحسب المستعرب الفرنسي جان بيار ديدييه، الذي قرأ الكتاب نفسه باللغتين العربية والفرنسية، وقارنهما بالنص الأصلي الإنجليزي المكتوب به الكتاب. وانحاز إلى النسخة العربية كأفضل تخريج لغوي للمعاني المطروحة كما أرادها المؤلف ساغان. وفي كل الأحوال هذا ليس موضوعنا الآن، بل الموضوع هو الإشارة إلى أهمية هذا الكتاب الذي يبحث، من ضمن ما يبحث، فيما نملكه كبشر من شكلين من التفكير، أحدهما تحليلي ومنطقي، والثاني غريزي ومركّب، وهل بإمكاننا أن نُحسّن من وضعية الدماغ البشري؟ وهل تعتبر الحواسيب ذكية أم أنها في طريقها لتصبح كذلك؟ وهل هناك كائنات ذكية في الكون الخارجي؟ وهل يمكننا التواصل معها؟
طبعاً يجيب كارل ساغان الفيلسوف والعالم الفلكي الأميركي عن كل هذه الأسئلة في كتابه، مستعيناً بمختلف العلوم الحديثة، ومحاولاً التوفيق بين المعلومات التي يوفرها العلم الحديث والأساطير الموروثة.
ونعرف من الكتاب المذكور، أنه على الرغم من قِدم العالم ووجودنا كبشر بامتداد زمني لا قبل لإدراكنا باستيعابه، فنحن قادرون بذكائنا العلمي على تعيين أحداث ذلك الماضي البعيد، إذ إن علم الطبقات الأرضية وتعيين التاريخ بواسطة الأشعة، يمكننا من الحصول على معلومات حول الأحداث الأثرية والإحاثية والإراضيّة.
أما النظرية الفلكية الفيزيائية، فتزودنا بمعطيات حول عمر سطوح الكواكب والنجوم ومجرة باب التبانة، فضلاً عن تقدير معين للمدة الزمنية التي انقضت على حصول ذلك الحدث الخارق الذي يسمى الانفجار الكبير (بيغ بانغ).
- شاعر وإعلامي

«الفلسفة في زمن الإرهاب»
رفيف صيداوي
قراءاتي التي انتهيتُ منها مؤخّراً مُتقاربة ومُتباعدة في آن معاً، إنْ لجهة موضوعاتها أو لجهة قِدمها أو جِدّتها. حيث أعدتُ قراءة «تخليص الإبريز في تلخيص باريز أو الديوان النفيس بإيوان باريس» (1834) لرفاعة رافع الطهطاوي، و«رحلة إلى أوروبا 1912» لجرجي زيدان؛ إذ تَجمعُ بين الكتابَيْن رؤية مؤلّفَيهما للغرب في مَراحل زمنيّة شكّل فيها هذا الغرب مصدر إعجابٍ يصل أحياناً إلى حدود الانبهار به، على الرغم من الانتقادات التي وجِّهت إلى بعض مَعالمه أو مظاهره، إنْ بالنسبة إلى بعض العادات والتقاليد، أو إلى غيرها من القضايا التي فاخرَ الكاتبان أو اعتدّا بها لكونها تُميِز التراث العربي الإسلامي أو الشرقي عموماً. وهو الأمر الذي يشير إلى استمرارية جدلية «الأنا والآخر»، و«التراث والحداثة»، و«الشرق والغرب»....إلخ، وغيرها من الجدليّات التي لم ننتهِ منها بعد.
أمّا كِتاب فردريك معتوق «صدام العصبيّات العربيّة» الصادر حديثاً، فيستند إلى التراث، وإلى مُعالجة ابن خلدون لمفهوم العصبية، بهدف التأسيس لتحليل سوسيولوجي يكشف أبعاد العصبيّة في الثقافة العربية الماضية والحاضرة، فضلاً عن أسباب ديمومتها في الواقع الاجتماعي اللّبناني والعربي العام.
وبعيداً عن الواقع العربي، إلى حدٍّ ما، فإنّ كِتاب «الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا» (2013) للباحثة الأميركيّة من أصل إيطالي جيوفانا بورادوري، يُعيد تصويب الفكرة الخاطئة أو الأصحّ القراءة الخاطئة لكلا الفيلسوفَين، وذلك من خلال حوارها معهما وتقصّي رأيهما بعد عمليّة الحادي عشر من أيلول. إذ يتبين من خلال التحليل الشيق للمؤلفة اتفاق الفيلسوفَيْن على أنّ للإرهاب المحلّي أو الدولي وجهاً سياسياً واحداً، وهو ما ربطته بالتصنيف الميكانيكي الذي يجري من خلاله اعتبار هابرماس وجاك دريدا على طرفَي نقيض من مسألة الحداثة.
يبقى أنّ الخيط الجامِع في هذه الكُتب بالنسبة إلّي، هو أنّني أقوم بقراءتها في ضوء ظروف الواقع الحالي وإشكاليّاته، وأنّني مثل كثيرين غيري، تدفعني إليها فضلاً عن الحاجات الفكريّة، ضرورات اجتماعية وسياسية راهنة. وبالتالي ليست هذه الكُتب إلّا مرايا نتأمّل فيها ذواتنا باستمرار.
- كاتبة وباحثة

«الدبلوماسية في العصر الرقمي»
يقظان التقي
من الكتب الجميلة التي قرأتها «الدبلوماسية العالية» لتوم فليتشر، السفير البريطاني السابق في لبنان، صادر عام 2016 أي بعد سنة من إنهاء مهامه في لبنان. وهو عرض لما تعنيه السلطة الدبلوماسية في العصر الرقمي الحديث، المرئية منها وغير المرئية. الكتاب رائع، إن في أسلوبه أو مضمونه، وهو يتحدث عن تجربة فليتشر في لبنان، وتجربته الدبلوماسية التي كانت مختلفة عن التجارب التقليدية التي نعرفها حيث كتب عن التنصت والنوايا التي لم تعد تخفيها الدول.
الكتاب الثاني هو للراحل سمير فرنجية، وصدر في إطار تكريمه مؤخراً أثناء معرض الكتاب الفرنكوفوني في بيروت، وهو بالفرنسية ويحمل عنواناً يمكن ترجمته باسم «الثورة الهادئة»، من خلاله نستعيد شخصية سمير الحوارية، إذ لم يكن بريئاً وإنما عنيفاً بالمعنى المعنوي طبعاً، وذا طبيعة ثائرة.
ومن الكتب الجميلة أيضاً مؤلف الزميل هاشم قاسم حول «الظاهرة الرحبانية مسيرة ونهضة» وهو صادر عن «دار بيسان للنشر»، وفيه تحليل للظاهرة الرحبانية وفيروز وعناصر السلطة.
كتاب آخر هو لرئيس قسم علوم الآداب في الجامعة الأميركية في بيروت، عبد الرحيم حسين، المؤرخ المعني بالقديم والفترة الحديثة. وهو موضوعي يدقق فيما سبق له وأن نشره، ويرى أن ما نشر عن فخر الدين أسطورة صنعها الموارنة، وينقض ما قال به في هذا الموضوع كمال صليبي. الكتاب بالإنجليزية وعنوانه بالعربية «بيت للفهم». شارك عبد الرحيم حسين في تحرير الكتاب مع مجموعة من خريجي قسم التاريخ. وهو يتحدث عن التاريخ اللبناني بشكل أساسي، ويتوسع في ملاحظات مهمة.
وثمة رواية جميلة لطالبة شابة وواعدة هي ناهد فران. روايتها «زوايا النسيان» الصادرة عن «الدار العربية للعلوم»، هي الثانية بعد «حنة». وبالإمكان القول: إن فران تتناول الجيل الذي تلا جيل الروائية علوية صبح، وتروي كيف دخل الإسرائيليون إلى صور وما التغيرات التي طرأت بعد هذا الحدث، لا سيما بين الطبقات رقيقة الحال. وحتى وإن تلبدت الرواية بازدحام الأفكار، فهي تبقى تبشّر بمستقبل واعد لصاحبتها. ولا بد أن أذكر أيضاً كتاب خالد زيادة «المسلمون والحداثة الأوروبية»، وهو إعادة توثيق لمجموعة أفكار حول العرب والمسلمين ونهضة أوروبا، وحوار ضفتي المتوسط.
- كاتب وباحث

«الجاسوسة» و«منتجع الساحرات»
أسماء وهبة
توقفت هذا العام عند ثلاثة كتب أعتبرها هي الأفضل والأكثر إمتاعاً بالنسبة لي، أولاً رواية «الجاسوسة» للكاتب البرازيلي باولو كويلو التي يمكن اعتبار أنها تغرد خارج السياق العام للخط الروائي الذي يعتمد عليه كويلو في معظم أعماله الأدبية. «الجاسوسة» كتبها كويلو بنبض بوليسي ممتع للغاية حيث اعتمد على الإثارة ومبدأ تصاعد الأحداث والتخمين، والأهم عنصر المفاجأة الحاضر في كل الفصول منذ الصفحة الأولى حتى النهاية. «الجاسوسة» هي سيرة حياة امرأة بدأها كويلو بأنها ماتت وتم إعدامها بسبب الخيانة وعملها كجاسوسة. يعد هذا الأمر مجازفة كبيرة من الكاتب، حيث يصطدم القارئ بنهاية العمل قبل الشروع في قراءته، إلا أن هذا الأسلوب الذي اعتمده كويلو في «الجاسوسة» الأكثر جاذبية وتحفيزاً على قراءة سيرة امرأة مغرية جميلة قررت العمل جاسوسة من أجل المال.
أثارت إعجابي رواية «منتجع الساحرات» للروائي السوداني أمير تاج السر. توقفت عند هوية الكاتب السودانية فقلما قرأنا نتاجاً أدبياً من السودان أو الصومال أو موريتانيا. فنحن لا نعرف شيئاً عن العوالم الاجتماعية لهذه الدول القريبة منا. بطلة الرواية هي لاجئة من إريتريا قدمت إلى السودان هرباً من نيران الحرب. هي ابنة العائلة متوسطة الحال تعمل بائعة شاي في موقف للباصات ويعجب بها «عبد القيوم» صاحب السوابق العتيق. إنها قصة حب نابضة بالاهتمام والتحول في شخصية ذلك الرجل العتيق في الإجرام ليتحول في أسابيع قليلة إلى «جدع» و«شهم» يذود عن لاجئة وحيدة يطمع فيها الرجال دون أن نعرف إلى ما قبل نهاية الرواية هل وقعت اللاجئة «ببا» في حبه أم لا.
من الكتب المتميزة رواية «جودت بيك وأولاده» للكاتب التركي أورهان باموق. هذه الرواية الملحمية التي ترصد التغيرات السياسية والاجتماعية في تركيا في القرن العشرين من خلال عائلة التاجر جودت بيك وتوالي حياة أبنائه وأحفاده بدءاً من انهيار السلطنة العثمانية، مروراً بوفاة كمال أتاتورك، وصولاً إلى الانقلاب العسكري في السبعينات.
- كاتبة وروائية


مقالات ذات صلة

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه
TT

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات. وكتاب المؤرخ الإيطالي إيميليو جِنتيليه «قبل أن يصبح الدوتشي»، الصادر حديثاً في ترجمته الفرنسية عن دار نشر «سيرتامين»، هو من هذا الصنف النادر من الكتب، فهو لا يُحاكم موسوليني ولا يُعظّمه، بل يُعيد تشريح ظاهرته بعين الطبيب الشرعي: كيف وُلد الشيطان قبل أن يتحول إلى أيقونة؟

لمن لا يعرف الكاتب إيميليو جِنتيليه فهو أستاذ فخري في جامعة لاسابينزا بروما وصاحب أكثر من عشرين مؤلفاً في تاريخ الفاشية الإيطالية، وهو يُعدّ اليوم المرجع الأول عالمياً في هذا الحقل حيث قضى نصف قرن يفحص هذه الظاهرة من زوايا متعددة: آيديولوجيتها وطقوسها وعلاقتها بالدين.

في هذا الكتاب يهتم جِنتيليه بمرحلة غالباً ما أُسدل عليها الستار في الدراسات الكبرى عن موسوليني، تلك المرحلة السابقة لصعوده إلى السلطة وتحديداً السنوات الممتدة بين نشاطه في الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الإيطالي ونهاية عشرينات القرن الماضي. يبدأها الكاتب بطفولة بنيتو موسيليني في كنف أسرة يسارية بسيطة: أب حدّاد وناشط اشتراكي وأم معلمة متدينة، ثم مرحلة سفره إلى سويسرا بحثاً عن عمل، وطرده بسبب تزوير جواز سفره، غير أن هذا الطرد حوّله إلى بطل في أوساط الاشتراكيين الإيطاليين المهجرين الذين احتجّوا لأجله وأعادوا إليه اعتباره. عاد موسيليني إلى إيطاليا ليُكمل تشكيله الآيديولوجي في المواجهة الأكثر إثارة في مسيرته، حيث حضر عام 1904 نقاشاً علنياً مع قسٍّ إنجيلي حول وجود الله فرفع ساعته ووجّه تحدياً شهيراً: «أمنح الله خمس دقائق ليُصيبني بالصاعقة إن كان موجوداً. إذا انقضت هذه الدقائق دون أن يفعل شيئاً، فذلك دليل على أنه غير موجود». هذه اللحظة ترسم المزاج الذي طبع خطابه طوال سنوات وهو خطاب مسرحي، استفزازي، ومُحكم في توظيف الكلمة بوصفها أداةَ تعبئة.

في عام 1911 سيق موسوليني إلى السجن خمسة أشهر بسبب تحريضه ضد الحرب الليبية، تلك الحرب التي رأى فيها استغلالاً للعمال في خدمة مصالح البرجوازية، سمعته كمعارض اشتراكي بدأت تنتشر وهو في السجن، حيث كتب سيرته الذاتية الأولى وتدريجياَ ارتفع اسمه وطار صيته في أوساط الاشتراكية الثورية الإيطالية.

الحجّة الجوهرية لكتاب إيميليو جِنتيليه تقوم على مادة أولية ثرية استثنائية: وهي كتابات موسوليني ذاته، مقالاته في جريدة «أفانتي» لسان الحزب الاشتراكي حين كان مديرها، ثم في «إيل بوبولو ديتاليا» التي أسّسها بعد قطيعته مع الحزب الاشتراكي عام 1914، فضلاً عن خطبه وتقارير الشرطة عنه ومراسلاته الخاصة، حيث يستعرض المؤلف هذه الوثائق بدقة المؤرِّخ، لرصد الكيفية التي تحوّل بها معجم موسوليني السياسي: من لغة الصراع الطبقي والأممية الاشتراكية إلى خطاب الإرادة والقوة والأمة و«العنف الخلّاق».

يجمع المؤلف في منهجه بين مسارين متوازيين: سرد زمني لمراحل حياة موسوليني السياسية، وتحليل موضوعي لبنية الفاشية الأولى ومعجمها، وفي الصميم أطروحة مفاجئة في بساطة صياغتها وهي كالتالي: الفاشية الإيطالية لم تولد في قلب اليمين المحافظ ولا في دهاليز الكاثوليكية السياسية، بل انبثقت من رحم اليسار الثوري ذاته، بوصفها تمرّداً على الاشتراكية المؤسّسية كما فهمها جيل الحرب. فموسوليني الذي كان عام 1912 زعيم الجناح الأقصى داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي ومدير صحيفته المركزية «أفانتي»، والرجل الذي أقصى الإصلاحيين ورفع لواء الثورة الاجتماعية دون هوادة، هذا الرجل نفسه تحوّل في غضون سنتين فقط إلى داعية للحرب بوصفها «ثورةً بديلة»، قبل أن يُقصى من الحزب ويؤسس صحيفته وحركته الجديدة.

يُظهر جِنتيليه أن هذا التحوّل لم يكن ارتداداً خيانياً مفاجئاً، بل كان متدرِّجاً وذا منطق داخلي مفهوم. وكان موسوليني قد أعلن لصديقه المثقف بريتسوليني آنذاك أن لديه إحساساً بأنه «ضيف غريب حتى وسط الثوريين». كما يكشف كتاب «قبل الدوتشي» بتفصيل نادر كيف أنه لم يتخلَّ في البداية عن قاموس الثورة والعداء للرأسمالية، بل أعاد توجيهه: حيث أحلّ «الأمة البروليتارية» محل «البروليتاريا الأممية»، وأبدل بـ«الحزب الاشتراكي» «الفصائل» والكتائب المسلحة، واستعاض عن «الصراع الطبقي» بـ«الصراع الحضاري القومي». وهذا الانزياح المفهومي التدريجي، من الماركسية إلى القومية الثورية المتعطشة للعنف، ليس قطيعةً كاملةً مع اليسار، حسب جِنتيليه، بقدر ما هي انزياح جذري في داخله: حيث تستبقي لغته الثورية الجياشة وتُفرغها من محتواها الاجتماعي وترفدها بنفَس قومي وحيوي.

يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه

من أبرز ما يميّز هذا الكتاب عن الدراسات السابقة حول موسوليني: تأكيده الصريح على هشاشة موقع الرجل في السنوات التي سبقت تأسيس النظام الفاشي، فموسوليني الذي جسّد صورة القائد الكاريزمي القوي الذي يقرأ النفوس ويعبّر عن روح الجماهير، لا أثر له في صفحات جِنتيليه التي تستحضر بدله الشاب الذي يتخبّط ويتذبذب ويواجه الفشل المتكرر دون أن يفقد براعته في إعادة اختراع نفسه. انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 1919 البرلمانية كانت أبلغ تعبير عن هذه الهشاشة: لم يحصل موسوليني في ميلانو إلا على بضعة آلاف من الأصوات، مقابل مئات الآلاف للحزب الاشتراكي، في هزيمة مدوّية دفعته جديّاً إلى التفكير في الانسحاب من الحياة السياسية. ثم أتت المرحلة اللاحقة 1920-1922، حيث بنى موسوليني نفسه وحركته من جديد على قاعدة العنف المنظّم والتحالفات الانتهازية مع الملكية والجيش والبرجوازية الكبيرة الخائفة من المّد الشيوعي.

يقدّم جِنتيليه من خلال هذه التفاصيل صورة لزعيم هو في جوهره «مغامر في كل الدروب»، رجل يتقدّم بالتجربة والخطأ، يتلاعب بمواقفه بعقل براغماتي قاسٍ، ولا يتردد في نقض ماضيه الاشتراكي الثوري إذا اقتضت معادلة السلطة ذلك. يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً وموحَّداً، بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه. فهي تعادي الكاثوليكية المؤسّسية وتتحالف مع الكنيسة عند الحاجة، وثورية في لغتها لكنها رفيقة للملكية والمؤسسة العسكرية، ومناهضة لـ«العالم البرجوازي» ومُوظِّفة لماله في تمويل العنف السياسي. هذا التناقض ليس عرضاً لضعف آيديولوجي بقدر ما هو القوة الحقيقية للفاشية بحسب جِنتيليه: قدرتها على استقطاب مجموعات اجتماعية متباينة في وقت واحد. دار النشر الفرنسية «سيرتامين» التي تولّت نشر الترجمة الفرنسية المزودة بمقدمة المؤرخ فريدريك لو موال، وصفت هذه الدراسة البالغة 344 صفحة بأنها «درس تاريخي بالغ الدقة» يبّدد مختلف المختزلات والمسلّمات المتعلقة بالفاشية ومولدها العاصف.


الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي
TT

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث». وقد جاءنا التعقيب التالي على المقال):

- هل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا؟

من الجميل أن يندفع الكاتب في التعبير عن حماسته لموضوع ما من الموضوعات، فيدبج مقالة ملأى بخواطر، تثير في نفوس القراء الاهتمام. وقد تنجح في نقل عدوى الحماسة إليهم فيكون الكاتب محققاً لغرضه من مقالة تبدو في ظاهرها موضوعية، بينما هي باطنياً تغص بالذاتية. وتكمن حراجة هذا التفاوت بشكل مخصوص في ذاك النوع من الموضوعات الإشكالية التي تنطوي على كثير من الاختلاف والتشكيك مثل موضوعه «الاستشراق».

وليس مما يلذ في الحماسة المفرطة علو كعب الأنوية، فيغتبط كاتب المقالة أو يغتمُّ على هواه من دون أن يكترث إن كان ذلك يرضي القراء أو لا. صحيح أنَّ من الجائز له أن يكشف لنفسه عن خواطره متجنياً ومقصراً أو موبخاً ومقرعاً، غير أنَّ من غير الجائز له أن يفترض أن تلك الخواطر سترضي القراء جميعهم.

أسوق هذه التوطئة وأنا بصدد التعقيب على مقالة الأستاذ هاشم صالح «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث» المنشورة 4 مارس 2026 في جريدة «الشرق الأوسط». وفيها مجَّد الكاتب «الاستشراق» بعمومه ومجمله، أعني الأوروبي القديم والأميركي الجديد أيضاً. ومصدر هذا التمجيد متأتٍ من حماسته في تبني فكرة «أنَّ الاستشراق هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك... فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرُّ أنفسنا كثيراً» فكأن المستشرقين أفاضوا في نعمهم على الثقافة والفكر إفاضة تحتاج منا نحن العرب تحميد قضهم وتبجيل قضيضهم من دون أي استثناء.

برنارد لويس

ونظراً للحماسة الكبيرة التي اعترت الكاتب، لم يقصر في التعبير عن هذا التبجيل بجمل رنانة من قبيل أن الاستشراق «كشف الكشوف، فتح الفتوح.

إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام» و«العلم الذي ينير الأبصار» والمحصلة من وراء ذلك كله أنوية التعبير الذاتي «شكراً لهم وألف شكر... أشعر بأني أولد من جديد». ولكن هل فعلاً كان الاستشراق علماً وعبقرية؟ وهل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا وإنما هي «متعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة»!

ما لا ريب فيه أنَّ جهود المستشرقين ليست جميعها على حالة واحدة. الأمر الذي لا يسمح لنا أن نصفهم بالعموم وصفاً إيجابياً؛ فالقدماء منهم غير الجدد. ومناهجهم التي لم تتجاوز الفرويدية والماركسية والداروينية والتاريخية المادية، تطورت اليوم إلى مجموعة اختصاصات، ولكل اختصاص مناهجه الخاصة. ولا نعدم أن كثيراً من أولئك وهؤلاء كانوا دائمي التركيز على ترويج فكرة أنّ العصور الوسطى - التي شهدت قيام الحضارة العربية الإسلامية - كانت مرحلة انحطاط، وأنَّ العرب لم ينهضوا من سباتهم إلا بسبب الحملات التبشيرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وعلى صعيد الأدب العربي، شكك المستشرقون في كثير من المصادر والأصول الأدبية، وعدُّوها غير عربية.

ولقد فات كاتب المقالة موضع التعقيب وهو يستشهد بالموسوعة الإسلامية وغيرها التحفظات الكثيرة التي سجلها الباحثون العرب عليها. ومن خلالها أكدوا أنَّ للاستشراق علاقة وثقى بالمركزية الغربية والسلطة الاستعمارية، مؤشرين على مواطن تعصب المستشرقين بمقاييسهم المادية من أجل تغريب الفكر الإسلامي وإثارة الشبهات حول وقائع مهمة مثل «ثورة الزنج» والقرامطة والحلاج والباطنية و«إخوان الصفا»، ناهيك عن تصويرهم الصراعات في زمن الرسول الكريم والخلفاء الراشدين بأنها سياسية دارت بين يمين ويسار، وتصويرهم الإسلام ثورة مجتمعية وليس رسالة سماوية إنسانية، وكذلك وصفهم التصوف بأنه ثورة على الإسلام ورجوع به إلى التثليث المسيحي، وعدّهم الفلسفة الإسلامية ثمرة الفلسفة اليونانية... إلى آخر ذلك من التصورات التي كان لها أكبر الأثر في صياغة رؤى غربية عن الإسلام، ساهمت في تشكيل مواقف الغرب من الشرق عامة وبلاد العرب خاصة.

وهنا نتساءل هل ثمة من ينكر أنَّ المستشرق كارل هيرش بيكر، مؤسس مجلة الإسلام الألمانية قام بدراسات تخدم الاستعمار الألماني في احتلال أفريقيا؟ وهل ثمة من ينكر أن المستشرق بارتولد مؤسس مجلة عالم الإسلام خدم مصالح الروس في السيطرة على آسيا الوسطى؟ ثم أليس المستشرقون هم الذين صوروا أحداث عام 1860 على أنها فتنة بين المسلمين ومسيحيي لبنان لأجل عزل هذا البلد عن الدولة العثمانية؟.

وإذا تركنا ذلك كله، وأقررنا بأن المستشرقين قدموا لنا علوماً ونظريات، فإن ذلك يبقى أيضاً نسبياً بمحدودية أي علم، وعدم ثبات أي نظرية بوصف النظرية مجموعة فروض تقبل الصواب والخطأ ومن ثم لا وجود لعلم نظري يقدم تفسيراً أصيلاً ونهائياً للحياة التي هي نفسها لا ثبات فيها ولا كمال.

ومعلوم أن الاستشراق القديم «الأوروبي» كان قد تجرأ على الإسلام والقرآن ونبينا الرسول الكريم. أما الاستشراق الجديد «الأميركي» فعرف كيف يتلفع بالثقافة والفكر واجهة، يداري من خلالها على أغراضه السياسية. فغدت الدراسات الثقافية طريقاً للخوض في مسائل الذات والآخر والهوية والهامش والتابع وما إلى ذلك من ثيمات تكشف عن حقيقة أنّ الصراع بين الشرق والغرب هو صراع فكري.

ومنذ أن أكَّد إدوارد سعيد حقيقة أن لا وجود لمؤسسة تعليمية عربية قادرة على مضاهاة ما لدى جامعات أكسفورد وهارفارد من مجلات ومراكز أبحاث، فإن الحاجة ما تزال ماسَّة إلى إقامة مشروع «بناء دائرة معارف إسلامية جديدة» نستطيع من خلالها مواجهة موقف التنقيص من الإسلام وخصوصية الذات العربية. ومن دون ذلك يظل الاتباع حاكماً علينا، مصيباً ذواتنا بالعمى المعرفي فنرى «الشخصيات الاستشراقية كبرى» تجدد نفسها ومناهجها، بينما لا نقدر نحن على ذلك.

ومن ثم يكون واجباً «ألا يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة...» بهذا الشكل الاتباعي، نبقى ملزمين بأن نردد بلا اكتراث أقوال تلك الشخصيات مثل أرنست رينان الذي يرى أن عنصرنا العربي أبعد ما يكون عن العلم والفلسفة أو نؤيد المستشرق جيب في قوله إن حضارة العرب أسطورة وأن الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى كانوا مجرد ناقلين ووسطاء للتراث اليوناني والروماني!.

ومن يقل عكس ذلك فموسوم بـ«الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق» وهكذا تبقى القناعة راسخة بـ«شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة»، وكأن عقلية القرون الوسطى لم تنتج إرثاً فلسفياً كبيراً كان سبباً في بزوغ فلسفة القرون الحديثة. وستنسحب تلك القناعة أيضاً على قرننا الحالي؛ حتى لا أصالة لدى الباحث العربي إلا إذا كان طالباً يتلقف ما يبتكره الغربيون من مناهج علمية حديثة «يطبقها على تراثنا» ومن دون ذلك ستحكمه «العقلية الأصولية» التي غرق برنارد لويس في البحث فيها، وستهيمن عليه «الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية»، وهذا نسف متحمس وغير مشروع لمئات الأعمال البحثية التي تبناها المفكرون العرب، ورفضوا من خلالها وصاية الغرب الفكرية علينا مثل عبد الله العروي وهشام جعيط وأنور عبد الملك وهادي العلوي ومهدي العامل ومحمد أركون وغيرهم.

ولقد أجحف الكاتب هاشم صالح بحق المفكر إدوارد سعيد حين وسم موقفه من نقد الاستشراق بالوقوع في «الفخ»، مع أن سعيداً أول مفكر من أصل عربي واجه الفكر الغربي من عقر داره، وتصدى له بلغته نفسها، فكشف حقيقة أن علاقة الغرب بالشرق علاقة حكم وهيمنة أوروبية على كل الشعوب، وأن الاستشراق صنيعة الجغرافيا المتخيلة أكثر من كونه حقيقة طبيعية. وهذا كله أثَّر بشكل جوهري في أجيال من الباحثين الغربيين الذين صاروا - في الثلاثين سنة الأخيرة - يرفضون مفردة الاستشراق، واستبدلوها بـ«الدراسات الشرقية» وصاروا يستنكفون من وسمهم بالمستشرقين، ويفضلون بدلها لفظة «مستعربين».

أما ما أضافه إدوارد سعيد للطبعة الثانية من كتابه ذائع الصيت «الاستشراق» فكان رداً على بعض نقاده. وبه وطَّد نظريته في أن الثقافة والعلم مجرد قناع تخفى الغرب السياسي خلفه «أعتقد شخصياً أن القيمة الكبرى للاستشراق تكمن في كونه دليلاً على السيطرة الأوروبية الأميركية على الشرق أكثر من كونه خطاباً صادقا حول الشرق» الاستشراق، ص 50. ووصف الذين نقدوا كتابه بأنهم «ليسوا في حقيقة الأمر من المناهضين للإمبريالية، بل في صفوف عملائها السريين» تعقيبات على الاستشراق، ص 47. وننصح بأمانة أن تُعاد قراءة هذين الكتابين قراءة ثاقبة من أجل التخلص من «مستنقع التخلف»،

بيد أن هذا كله لا يقرُّ به من يتحمس للاستشراق فيراه «وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية» و«حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا» ومن تستحكم عليه الحماسة والاتباعية، فلن يرى أنوار تلك العصور الذهبية، وسيسأل نفسه: «متى سيدخل العرب التاريخ من جديد»؟ وهو ما ختم الكاتب صالح مقالته به، فجافى لغة النقد التي تتقبل الرد والخصومة والجدال والحوار. ودخل في منطقة الأنا المتعالية حيث الذات تُصادر غيرها بوصفها هي السائلة المجيبة معاً!.


فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟