قلق بين مزارعي جنوب أفريقيا مع تصاعد وتيرة الهجمات عليهم

ارتفاع معدلات البطالة وعجز الشرطة ساهما في تزايد العنف

مزارعون جنوب أفريقيون يتدربون على حمل السلاح في سانتوريون في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
مزارعون جنوب أفريقيون يتدربون على حمل السلاح في سانتوريون في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

قلق بين مزارعي جنوب أفريقيا مع تصاعد وتيرة الهجمات عليهم

مزارعون جنوب أفريقيون يتدربون على حمل السلاح في سانتوريون في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
مزارعون جنوب أفريقيون يتدربون على حمل السلاح في سانتوريون في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

تشهد جنوب أفريقيا تصاعدا في وتيرة الهجمات على المزارعين البيض، بعد ربع قرن على سقوط نظام الفصل العنصري (أبرتايد)، ما يعكس إرثا من العنف والتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن أمل نلسون مانديلا لشعب «قوس قزح».
ونقل تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية شهادة ديبي تيرنر، التي روت من دار للمسنين حادثة مقتل زوجها الذي ضُرب حتى الموت في مزرعة نائية بجنوب أفريقيا، قائلة: «ضربوه بجذع شجرة (...) وسمعت أصوات تكسر عظامه». وروبرت «أوكي» تيرنر الذي وقع ضحية رجلين أسودين، هو مزارع أبيض في السادسة والستين من العمر أضيف قبل ستة أشهر إلى اللائحة الطويلة لضحايا واحدة من القضايا المسممة الكثيرة الموروثة عن نظام الفصل العنصري، وهي «جرائم القتل في المزارع»، وفق التقرير.
واستقرّ الزوجان تيرنر منذ نحو ثلاثين عاما في جبال ليمبوبو (شمالي شرق) في منتصف الطريق بين محمية كروغر وزيمبابوي. وقد زرعوا هكتارات من أشجار الصمغ التي تباع ألواحا أو حطبا للتدفئة. وتروي ديبي ذكرياتها بالقول: «حتى قبل أربع أو خمس سنوات عشنا سعداء»، مضيفة: «لم نكن نضطر لإقفال أبواب المنزل».
لكن العنف امتدّ من المدن إلى المنطقة التي باتت تشهد عمليات سطو واحتجاز رهائن وأعمال قتل، لقاء أشياء صغيرة مثل بندقية صيد أو جهاز هاتف.
وفي 14 يونيو (حزيران)، اقتحم مسلحون مزرعة الزوجين تيرنر، وكانت ديبي بمفردها إذ إن زوجها خرج لإصلاح صنبور ماء. وتروي ديبي التي بلغت الستين من العمر: «قالوا لي نريد أموالا». وتضيف: «قاموا بجري في المنزل وحاولوا اغتصابي». ثم قام المسلحون بجر زوجها من قدميه وضربه، ثم انتزعوا مفتاح الخزنة وفروا وهم يحملون بضعة آلاف من الراندات. وتوضح أن روب تيرنر توفي بعد ذلك في المستشفى.
وكل سنة، يُقتل عشرات من المزارعين البيض في أعمال عنف مروعة في جنوب أفريقيا. وفي غياب إحصاءات مفصلة، تثير هذه الجرائم وحجمها وأسبابها جدلا واسعا. وقد جعلت منها المنظمة غير الحكومية «أفريفوروم» الناطقة باسم الأقلية البيضاء التي تشكل 9 في المائة من السكان، إحدى معاركها الرئيسية.
وقال نائب رئيس المنظمة، إرنست روتس، إن «المزارعين يعيشون في مناطق نائية، وجنوب أفريقيا بلد عنيف جدا». وأضاف: «لكن هذه الهجمات لها سبب سياسي أيضا. بعض قادتنا يحرضون على العنف ضد المزارعين البيض ويتهمونهم بكل المشكلات». ويشير بذلك ضمنا إلى يوليوس ماليما، الزعيم اليساري الراديكالي، الذي يدعو إلى «استعادة الأراضي» من البيض، أو حتى الرئيس جاكوب زوما الذي غنّى في 2010 النّشيد الثوري «أطلقوا النار على المزارع، اقتلوه».
وكغيرها من قطاعات الاقتصاد في جنوب أفريقيا، ما زالت الزراعة إلى حد كبير بأيدي أحفاد المستعمرين. ويملك المزارعون البيض 73 في المائة من الأراضي، مقابل 85 في المائة عند انتهاء نظام الفصل العنصري في 1994، حسب دراسة جديدة.
ومع ارتفاع معدل البطالة بشكل كبير، تتزايد الدعوات إلى «تغيير جذري في الاقتصاد» لمصلحة السود. ويشعر سكان الأرياف البيض بالقلق. وقالت بولي (43 عاما) وهي مزارعة تفضل عدم كشف اسمها لأسباب أمنية: «أصبحنا أهدافا».
ويتحدث الأكثر تطرفا عن «حملة إبادة»، ويقدّمون حججا تذكر بعنصرية النظام السابق. وقال مزارع يدعى غيرهاردوس هارمسي إن «السود يعتقدون أننا سرقنا بلدهم. لكن نحن الذين بنيناها. لنرى ماذا بنى السود. لا شيء». وهذه الشريحة المتطرفة نشيطة جدا. ففي نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، أثار أفرادها فضيحة عندما رفعوا علم جنوب أفريقيا السابق خلال مظاهرة طالب فيها المزارعون البيض بإجراءات محددة للحماية.
ورفض وزير الشرطة، فيكيلي مبالولا، تقديم أي معاملة تفضيلية لهم في بلد تؤدي فيه أعمال العنف إلى سقوط 52 قتيلا يوميا، معظمهم من السود. وقال إن «قتل أي جنوب أفريقي يجب أن يدان بالطريقة نفسها». وأضاف أن «مشكلتي هي أن الهجمات على المزارع أصبحت عنصرية ومسيّسة».
ويعاني المزارعون السود من الخطر نفسه، لكنهم يرفضون الانضمام إلى البيض في معركتهم. وقالت فويو ماهلاتي، رئيسة جمعية المزارعين الأفارقة: «لا نقبل أبدا بأن يستخدم البعض وضعهم كمزارعين لنشر خطاب اليمين المتطرف». وبعدما شعروا بأن الحكومة السوداء تخلت عنهم، يقوم عدد كبير من المزارعين البيض بحماية ذاتية. وفي الليل، يقوم بعضهم بدوريات مسلحين بمسدسات، بينما يتدرب البعض على مواجهة الأسوأ في دورات كوماندوز.
وقالت مارلي سوانيبول (37 عاما)، التي اشترت منذ فترة وجيزة مزرعة في ليمبوبو: «يجب أن نحمي أنفسنا». وأضافت أن «الأمر لا علاقة له بالسياسة، وكل ما نريده هو أن نعيش مطمئنين».
وفي الأرياف يسود الخوف. ومع ذلك يرفض البعض الاستسلام له، مثل هانس بيرغمان الذي سرقه رجال مسلحون في الصباح وأطلقوا النار على قدمه وأفرغوا محتويات خزنته. وقال الرجل الستيني: «جاؤوا من أجل المال (...) الجميع يعتقدون أن المزارعين أغنياء». وعلى الرغم من هذا القلق، يرفض الرجل تغيير عاداته. وقال: «لن أحبس نفسي. إنها الحياة ولا نستطيع فعل أي شيء». وهو يرفض الرحيل. وقال: «أين تريدون أن أذهب بعد أن أترك مزرعتي؟».
وديبي تيرنر أيضا ترفض الاستسلام. وقالت: «أشعر بالحقد على الذين قتلوا زوجي (...)، أحيانا أتمنى أن يتم شنقهم». كما أنها تلوم الشرطة التي لم تقم بتوقيف المهاجمين ولا تحملت عناء الإصغاء لها». وقالت: «إنهم لا يكترثون إطلاقا بما حدث».
لكن تكريما لذكرى زوجها، قطعت ديبي تيرنر وعدا قائلة: «يوما ما سأعود إلى الجبال».



الجزائر تتحسب لتداعيات الاضطرابات في مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

الجزائر تتحسب لتداعيات الاضطرابات في مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

تتحسب الجزائر لتداعيات اضطرابات الوضع المتفجر في جارتها الجنوبية مالي.

وبينما أكد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، دعم بلاده وحدة مالي؛ أرضاً وشعباً ومؤسسات، ورفضها القاطع لكل أشكال الإرهاب ومظاهره، قال الخبير الجزائري المتابع للتطورات، بشير جعيدر، إن الجزائر تواجه 3 تهديدات رئيسية مرتبطة بالوضع في مالي؛ الأول هو «العدوى الأمنية»؛ ذلك أن أي زعزعة للاستقرار في شمال مالي، قد ترفع من خطر تحول المنطقة إلى «ملاذات مسلحة متنقلة»، قادرة على التمدد نحو الجزائر، وثانياً «التدفقات البشرية والإجرامية»، واحتمال تسلل المهربين، وتجار البشر، إضافة إلى «التنافس الجيوسياسي»، حيث «أصبح الساحل ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية».

إلى ذلك، رفضت موسكو، أمس، دعوة المتمردين الطوارق إياها لسحب قواتها من مالي. وأعلن الكرملين أن روسيا «ستواصل دعم الحكومة الحالية ومحاربة الإرهاب والتطرف» في هذا البلد.


«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

أعلن «الكرملين»، اليوم الخميس، أن القوات الروسية ستبقى في مالي لمساعدة الحكومة التي يقودها ​الجيش في البلاد على محاربة جماعات مسلّحة، وذلك بعد هجوم مفاجئ شنّته جماعة على صلة بتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق.

وأدلى دميتري بيسكوف، المتحدث باسم «الكرملين»، بهذا التصريح ‌بعد أن سأله ‌أحد الصحافيين عن ​رد ‌روسيا ⁠على ​بيان قِيل ⁠إنه صادر عن متمردين قالوا فيه إنهم يريدون مغادرة روسيا مالي؛ لأنهم يعتقدون أن المجلس العسكري الحاكم لن يبقى طويلاً دون الدعم الروسي.

وأضاف بيسكوف: «وجود روسيا هناك يرجع، في ⁠الواقع، إلى حاجة حددتها الحكومة ‌الحالية. وستواصل ‌روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وظواهر ​سلبية أخرى، بما ‌في ذلك في مالي، وستواصل ‌تقديم المساعدة للحكومة الحالية».

وقُتل ساديو كامارا، وزير دفاع مالي، الذي تلقّى تدريبه في روسيا، خلال تفجير انتحاري وقع في مطلع ‌الأسبوع، واضطر فيلق أفريقيا الروسي، وهو جماعة شبه عسكرية تسيطر ⁠عليها ⁠وزارة الدفاع، إلى الانسحاب من كيدال وهي بلدة مهمة ساعد مرتزقة روس في السيطرة عليها في 2023، واضطرت موسكو إلى استخدام طائرات هليكوبتر مسلّحة وقاذفات قنابل استراتيجية لصدّ المتمردين.

ويقول محللون سياسيون إن صورة روسيا على أنها ضامن للأمن في أفريقيا تضررت من هذه الوقائع، وإن مصالحها ​الاستراتيجية والاقتصادية في ​القارة أصبحت الآن مهددة بسبب هذه الاضطرابات.


روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

رفضت موسكو، الخميس، دعوة المتمردين الطوارق إياها إلى سحب قواتها من مالي. وأعلن الكرملين أن روسيا «ستواصل دعم الحكومة الحالية ومحاربة الإرهاب والتطرف» في هذا البلد.

وحمل الموقف، الذي أعلنه الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، تحدياً مباشراً لمطالب تحالفٍ معارض ضم الانفصاليين الطوارق ومجموعات متشددة شنت أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري في البلاد، وبدا أن روسيا تسعى إلى إعادة ترتيب صفوف قواتها وشن هجمات معاكسة بعدما نجح هجوم المتمردين خلال الأيام الماضية في إبعاد قوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من مناطق في شمال البلاد. وقال بيسكوف، الخميس، إن القوات الروسية «ستبقى في مالي» مؤكداً رفض موسكو دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي بالكرملين يوم 23 يونيو الماضي (رويترز)

وفي أول تعليق رسمي على تطورات الوضع في هذا البلد الأفريقي، أوضح بيسكوف أن «وجود روسيا في مالي يستند إلى طلب رسمي من الحكومة الحالية»، مضيفاً أن روسيا «ستواصل التعاون مع القيادة المالية لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة». وزاد: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي».

وكان لافتاً أن الرد الروسي على دعوة المتمردين جاء من المستوى العسكري أيضاً. ورغم أن وزارة الدفاع تجنبت توضيح الوضع الميداني لقواتها في مالي، فإن صحيفة «كراسنايا زفيزدا (النجمة الحمراء)»، الناطقة باسم الوزارة، نشرت مقالة لافتة؛ جاءت بصيغة بيان عسكري، أكدت «نجاح القوات الروسية في إحباط تحرك انقلابي في مالي وتكبيد المتمردين خسائر فادحة».

جنود ينفّذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ووفقاً للصحيفة، فقد «ألحقت وحدات من (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة بالمسلحين في الأفراد والمعدات». وأوضحت أنه «في 25 أبريل (نيسان) 2026 حاولت جماعات مسلحة غير شرعية من (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) و(جبهة تحرير أزواد)، بقيادةٍ وتنسيق مشتركَين، تنفيذ انقلاب مسلح».

ووفقاً للمؤسسة العسكرية الروسية، فقد «قُدّر عدد أفراد الجماعات المسلحة بنحو 12 ألفاً. تلقوا تدريباً على يد مدربين مرتزقة أوكرانيين وأوروبيين، واستخدموا في الهجمات صواريخ من طرازي (ستينغر) و(ميسترال) المحمولة المضادة للطائرات، ذات الطراز الغربي».

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وقالت الصحيفة إنه «خلال معارك ضارية ضد قوات معادية متفوقة عدداً وعدة، حققت وحدات (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة في الأفراد والمعدات؛ مما أجبر العدو فعلياً على التخلي عن خططه، وحال دون وقوع انقلاب، وحافظ على سلطة الحكومة الشرعية، ومنع وقوع خسائر بشرية فادحة بين المدنيين».

وأفادت بأن «مفرزة (الفيلق الأفريقي) المتمركزة في كيدال (شمالي شرق) قاتلت لأكثر من 24 ساعة وهي محاصرة تماماً، ضد قوة متفوقة عددياً من الجماعات المسلحة غير الشرعية، وصدت 4 هجمات واسعة النطاق على المعقل الرئيسي والمواقع الأمامية... حالياً، وبقرار من القيادة المالية، انسحب الجيش الوطني وقوات (الفيلق الأفريقي) من المعقل في كيدال».

وأكدت أن وحدات «(الفيلق الأفريقي) تواصل تنفيذ مهامها الموكلة إليها، وهي على أهبة الاستعداد لصد هجمات المسلحين، حيث تُجري عمليات استطلاع نشطة وتدمير لمعسكرات الجماعات المسلحة غير الشرعية والأهداف المحددة».

عكَس هذا البيان، الذي نشرته الصحيفة، أن القوات الروسية نجحت في إعادة ترتيب صفوفها والتقاط أنفاسها بعد انسحابها من مدينة كيدال، وأنها تستعد لشن هجمات معاكسة.

وكان الانسحاب من هذه المنطقة شكل هزة قوية لمكانة ونفوذ «الفيلق الأفريقي» الذي يضم مرتزقة كانوا سابقاً ينشطون في إطار «مجموعة فاغنر» العسكرية. وبعد مقتل زعيم المجموعة، يفغيني بريغوجين، قبل 3 سنوات، أعادت وزارة الدفاع تنظيم صفوف المجموعة، وأطلقت عليها تسمية «الفيلق الأفريقي» ووضعتها تحت إمرة الوزارة بشكل مباشر.

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وتجنب الكرملين في وقت سابق، إعطاء تقييم للوضع العسكري في مالي. وفي غياب توضيح رسمي من وزارة الدفاع بشأن التطورات، أشارت تقارير إلى تعرض وجود القوات الروسية في هذا البلد لهزة قوية، قد تهدد نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأفريقية كلها.

وكانت مواجهات قوية اندلعت السبت الماضي في مالي، بعدما شن تحالفٌ يضم مجموعات متشددة موالية لتنظيم «القاعدة»، ومتمردون من الطوارق، هجماتٍ مركزة في عدد من المدن؛ بينها العاصمة باماكو.

وأفادت تقارير بأن المعارك تركزت بشكل أعنف في مناطق الشمال، حيث تتمركز قوات «الفيلق الأفريقي» الروسي. ووفقاً للمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام روسية وغربية، فقد أجبرت المواجهات «الفيلق الأفريقي» على الانسحاب من مدينة كيدال (شمالي شرق) من دون أن تخوض معارك تقريباً، لكن مواقعها تعرضت لضربات واستُهدفت طائرة عسكرية روسية. وكان لافتاً أن موسكو أعلنت في البداية عن أن قواتها لم تتكبد خسائر في المواجهات، لكن وزارة الخارجية الروسية عادت بعد يومين وأقرت بسقوط قتلى روس بعد إسقاط مروحية عسكرية تابعة لـ«الفيلق» ووفاة من كانوا على متنها.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

وبدا أن موسكو تجنبت التسرع في إعلان موقف حيال التطورات الجارية، وفضلت استجلاء الموقف، ومراقبة مسار الأحداث. واكتفى الكرملين سابقاً بالدعوة إلى العودة للمسار السياسي لتهدئة الوضع في البلاد. فيما تحدثت تقارير عن تعرض نفوذ روسيا في المنطقة لهزة كبيرة وموجعة، خصوصاً على خلفية معلومات عن أن انسحاب «الفيلق الأفريقي» جاء بعد إبرام اتفاق وُصف بأنه «مهين» مع القوات المهاجمة جُرّدت بموجبه المجموعات من سلاحها وأُجبرت على الخروج من مناطق الشمال.

ووفقاً لفسيفولود سفيريدوف، نائب مدير «مركز الدراسات الأفريقية»، فإن القتال، واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، يمثلان ضربة قاسية للحكومة. وكان الوزير كامارا صاحب المبادرة للانقلاب على الوجود الفرنسي التقليدي في البلاد، ودعوة القوات الروسية إلى مالي. ورغم ذلك، فإن مصدراً مُقرّباً من القوات الروسية في مالي أفاد صحيفة «فيدوموستي» بأن سيطرة القوات المسلحة المحلية والقوات الروسية لم تُفقد بعد.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وأشار خبراء روس إلى الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لمواجهة فقدان نفوذها في مالي، وقالت الباحثة فاليريا تيخونوفا: «أصبحت باماكو مركزاً استراتيجياً في أفريقيا عموماً ومنصة انطلاق لطرد الغرب». وزادت: «يجب على القوات المسلحة و(الفيلق الأفريقي) منع عزل شمال البلاد. يراقب كثير من الأطراف هذه المرحلة من الصراع، لا سيما أن المنطقة غنية بالموارد، خصوصاً الذهب والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وهذا عامل مهم أيضاً».

وكتب الخبير العسكري، إيفان ليسيوك، أن «الوحدات الروسية سيطرت خلال السنوات الماضية على مدينة كيدال، لكنها لم تتمكن من التوغل أكثر في مالي. ولذلك؛ فإن خسارة كيدال تُعدّ هزيمة مهينة، وإن لم تكن حاسمة، للجيش الروسي في مالي».

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وزاد أن «خسائر (الفيلق الأفريقي)، والحاجة إلى التفاوض مع المسلحين الذين نزعوا سلاح القوات الروسية وسمحوا لها بالمغادرة، تشيران بوضوح إلى أن (الفيلق) يخسر مواقعه تدريجياً»، مرجحاً أن ينعكس الوضع، إذا استمر على هذا المنحى، على النفوذ الروسي عموماً في أفريقيا. وتفسر هذا مسارعةُ الكرملين إلى إعلان رفض دعوات المتمردين والإصرار على مواصلة القتال لدعم الحكومة الحالية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي خلال أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وكان لافتاً الخميس أن موسكو، إلى جانب اتضاح الموقفَين السياسي والعسكري، أعلنت أنها أرسلت شحنات مساعدات غذائية عاجلة إلى مالي. ووفقاً لبيان روسي، فقد شُحِن 770 طناً من البازلاء ضمن برنامج مساعدات إنسانية دولي عاجل تُنسقه الأمم المتحدة.

وقالت موسكو إن شحنة المساعدات تأتي في إطار نشاط واسع لتزويد مالي وبلدان أفريقية أخرى بالحبوب والمواد الغذائية الأخرى لمواجهة صعوبات اقتصادية.