«الباحثات اللبنانيات» مشغولات بلعبة «تسريع الزمن»

كتاب التجمع السنوي صدر بمشاركة ثلاثين باحثاً

عزة سليمان من {تجمع باحثات}  -  نهوند القادري من محررات الكتاب
عزة سليمان من {تجمع باحثات} - نهوند القادري من محررات الكتاب
TT

«الباحثات اللبنانيات» مشغولات بلعبة «تسريع الزمن»

عزة سليمان من {تجمع باحثات}  -  نهوند القادري من محررات الكتاب
عزة سليمان من {تجمع باحثات} - نهوند القادري من محررات الكتاب

عندما يكتب ثلاثون باحثاً/ ة عربياً عن «الزمن»، في مؤلف واحد، مع كل ما يشوب هذا الموضوع تحديداً من مشكلات وارتباكات، فإنه لأمر يستحق الاهتمام والتمعن. إذ ليس أكبر من أزمة تعاطي العربي مع «زمنه» القديم منه والحديث، بل ثمة إحساس دائم، بأن كل ما يلحق بنا هو سوء تفاهم مزمن مع «الزمن»، ومحاولة للحاق به دون جدوى.
الميزة هذه المرة، وفي هذا الكتاب بالذات، الذي يصدره بشكل دوري، «تجمع الباحثات اللبنانيات»، إنه مهجوس بالفعل بسؤال الإخفاق والنجاح، بإعادة فهم علاقتنا بالأحداث، بالأمكنة، بالعمارة، الألم، الشعر، الخبر، المسرح، المهنة، الرغبة، المحرمات، السلطة، الأنوثة، القانون، وحتى الاقتصاد والإنتاج من خلال ماهية علاقتنا بالزمن. غالبية الدراسات تقول في النهاية، مهما اختلفت الأسئلة والمعالجات «فإن كيفية تعاملك مع الزمن، هو الذي يحدد مسارك ومن ثم مآلك».
طبعاً السؤال الذي سيتبادر إلى الأذهان للتو، هو كيف؟
«الثقافة العربية في علاقتها مع الزمن تصادمية، عدائية، لأنها ترى فيه مصدر كل شر، والفراق والمرض والشيخوخة، الفناء، المستقبل مخيف (والله يستر من الجاية). الماضي مصدر حنين وبكاء على الإطلال (رزق الله على أيام زمان)» وكأنما الماضي هو الشيء الوحيد الجميل لكنه انتهى. والحاضر يجب ألا يستغرق فيه الإنسان كي لا ينسى الآخرة». بينما في ثقافة العولمة التي نريد أن نلحق بقطارها فإن «الزمن هو الوقت، هو إدارة الوقت والتخطيط واستشراف المستقبل» تقول فاديا حطيط في معرض دراستها لديوان الشاعر حسن عبد الله المعنون باسم «فرح» الموجه للأطفال. إذ حتى في الكتابة للطفولة ترى الباحثة أن ثمة فرقاً في التعاطي مع الزمن عند حسن عبد الله كشاعر عربي وما نراه في الثقافة الغربية. فهو يكتب للطفولة بمعناها التقليدي ببعدها الرومانسي، كرمز للبراءة والسعادة بحيث «يصبح التفاؤل أمراً جوهرياً» بينما النظرة الغربية تضع صعوبات الطفولة نصب عينيها، وتنشغل بوضع حلول لمعضلات الصغار من أجل مستقبل أفضل.
ليس جديداً أن العربي انشغل طويلاً بالماضي ولا يزال، ولافت المحور المخصص للشهادات الشخصية التي كتبتها كل من إيفلين حمدان، ونازك سابا يارد، وحسام عيتاني، وخاتون سلمى، وكذلك مي جبران، حيث جاءت في غالبيتها متوغلة في العودة إلى ذاكرة عتيقة بحثاً عن الذات. لعل ذاكرتنا كعرب تنحو دائماً باتجاه الأكثر قدماً ولا تجازف في التعاطي مع ما هو أقرب وقد يكون أقل وضوحاً. لسبب ما تذكر ظاهرة حب العودة إلى الماضي البعيد في هذه الشهادات الذاتية، بإصابات ألزهايمر، التي تجعل الإنسان أشد صلة بطفولته وشبابه الأول منه بما هو لصيق به.
فهل نحن أمة مصابة بألزهايمر لشدة ما نحب الماضي ومع ذلك تبقى علاقتنا معه مضطربة. يبدو أننا في المسرح أيضاً كثيرو العودة إلى استرجاع الأحداث حيث تعتمد وطفاء حمادة في دراستها على ثلاثة نصوص وعرضين اثنين، بحيث أن هذه النصوص جميعها «زمنها استرجاعي» وإن كنا بعد اكتمال العرض نرى أزمنة أخرى تدخل على الخط مثل التعاقبي والتكراري والمستقبلي، نتيجة العمل الإخراجي على النص.
حتى في المحور الشيق المخصص لدراسات حول «تسارع الزمن» نجد الباحث محمد الحداد يقول وهو يتحدث عن الانتفاضات العربية في وجه السلطة إن «المسار الثوري سار في اتجاه تسريع التاريخ في تونس ثم مصر فليبيا واليمن، وتوقف بغتة في سوريا، وارتد هذا التراجع وأصبح مساراً عكسياً، إذ أثر سلباً في اليمن، ثم في ليبيا، فمصر، وتونس. كأن الزمن رجع بنا القهقرى». لا بل أخطر من ذلك، يرى الحداد أنه لا يبدو ممكناً تسريع حركة التاريخ من دون عنف. وكما في غالبية دراسات الكتاب، ونظراً للمعارك الكثيرة - وفي كل اتجاه - التي نعيشها، تبقى الأسئلة كثيرة والإجابات مفتوحة، والمستقبل ضبابي. بعد قراءة ممتازة لأحداث «ثورة الياسمين» وامتداداتها العربية، يسأل الحداد: «هل الثورات العربية فاتحة ما بعد الحداثة أم هي استمرار لمعارك داحس والغبراء وصفين والجمل والفتنة الكبرى» مع استحالة الوصول إلى جواب موضوعي بالنسبة له. كذلك يسأل: «هل كان الحراك العربي تسريعاً للزمن أو شللاً مؤقتاً عمّق أزمات المجتمعات العربية ودفعها إلى حركة تدمير ذاتي؟» ويكمل بالقول: «قناعتي الوحيدة هي أن المستقبل مفتوح على أكثر من احتمال، بل على احتمالات قد تكون عسيرة التصور في الوقت الحاضر».
هكذا نفهم أننا حين نخرج من مأزق «الإقامة في الماضي» الذي أدمناه، ونحاول أن نسرع الزمن ونلحق بالقطار فإن الدراسات تتحدث عن اضطراب وقلق وربما عنف كما شهدنا سابقاً. فالدراسات التي حاولت رصد الإعلام مثلاً تأخذنا إلى إجابات متناقضة تعكس صعوبات في التعامل مع الوقت وارتباكاً في السلوك اليومي. ففي الأجوبة على استبيان لدراسة أجرتها نهوند القادري على 55 طالبا وطالبة، في كلية الإعلام، ماستر بحثي، يقول الطلاب في إجابة على طريقة استخدامهم لوسائل التواصل إن 27 في المائة يستخدمونها للمعلومات و23 في المائة للأخبار، و15 في المائة للعمل، و19 في المائة للتسلية و15 في المائة للتواصل. أي عملياً 65 في المائة من الاستخدام يصب في خانة العمل. ومع ذلك فإن أكثر من نصف هؤلاء يفكرون دائماً أو أحياناً في التوقف عن استخدام الإنترنت. وحين يسألون عن السبب فإن نصف الذين أجابوا على الأسئلة قالوا لتجنب هدر الوقت. والمثير أيضاً أنهم حين يسألون هل يجدون في استخدامهم للإنترنت انعكاساً إيجابياً على أدائهم الأكاديمي فإن 30 في المائة فقط تجيب إلى حد كبير، و49 في المائة إلى حد ما، و31 في المائة لا يرون انعكاساً. حين يتعلق الأمر بطلاب كلية الإعلام الذين يبنى عملهم في الأساس على الخبر، تواتر الأحداث، والراهنية بعد أن أصبحت المواقع الصحافية موضة تفوق الصحف وتنافسها، فإن التفكير في الاستغناء عن الإنترنت بنسبة نصف الطلاب المستبينين وعدم إيجاد جدوى بنسبة الثلث في بقاء الاتصال مع العالم، يدل على خلل ما إما في التعاطي مع شبكة الإنترنت أو إدارة الوقت، أو في فهم المهنة التي يفترض أنهم يستعدون لمباشرتها. والمعضلات الثلاث معاً يعتبر عبد الله الزين الحيدري في دراسته «الزمن الاجتماعي والزمن الميدياتيكي» أنها تتسبب في أزمة. ويقول إن مبحث الزمن في الإعلام لم يدرس بالقدر الكافي كما هو الحال في الدراسات العربية النقدية والأدبية والفلسفية. فهل الزمن الإعلامي، الذي نعتمده لنفهم ما يدور حولنا مضطرباً أيضاً، هذا أمر في غاية الخطورة. للاستزادة من هذا الموضوع نجد عند لمى كحال في دراستها «الإنسان المعاصر بين الزمن الاتصالي والزمن الواقعي، أزمنة متداخلة ومتقاطعة» بعض الإيضاحات. فمن خلال دراسة ما يزيد على عشرين حالة، تخلص إلى أننا «نعيش هنا وهناك، في كل مكان في آن معاً، نعيش الآن والأمس، والغد في اللحظة نفسها، وبالتالي نستخلص أن العالم الافتراضي يحتوي بداخله على الأزمنة كلها، وإن كان هناك تحليل مناقض يقول إننا نعيش في اللامكان ونعيش سطوة اللحظة». خلاصتان رئيسيتان مفيدتان عند لمى كحال: أن الوسائل الحديثة أقحمت الواقعي بالافتراضي ووضعت الفرد أمام سيل من اللحظات الحاضرة المتدفقة التي تسير جميعها بموازاة بعضها البعض من دون أن توقف إحداها الأخرى. والخلاصة الثانية هي على عكس ما يقول البعض فإن وسائل التواصل ردمت الهوة بين الأجيال في العالم الافتراضي، بينما لا تزال المسافة كبيرة بين الجيلين في العالم الواقعي. وهو ما يخلق نوعاً من الخلل بين العالمين.
النتائج تبدو موضع إثارة أيضاً في دراسة محمد علي شكر عن تسارع الزمن وتأثر السلطة إذ يجد أن دور وسائل الاتصال في بلادنا من الناحية الإعلامية، لعبت دوراً أسرع بكثير من الذي رأيناه في الدول التي اخترعتها، بسبب ما أحدثته من انتفاضات وتغيرات على مستوى السلطة الحاكمة، وبسبب الاهتمام الشديد من الجيل الشاب بالتقنيات الحديثة، التي أعتقته من «عبودية الإعلام التقليدي الذي فشل في ترويضه». إذا كان من استنتاجات عامة لهذه الدراسات فهي أنها تفسر لماذا يبدو الزمن الماضي أكثر دفئاً وجمالاً وأقرب إلى الهدوء والدعة، فيما خوض غمار حياة تكنولوجية شديدة الحداثة، تبدو فيها الأزمنة مركبة، متداخلة، متصارعة، هو نوع من الجنون.
بيسان طي تقرأ كتاب هارموت روزا «التسارع نقد اجتماعي للوقت» لنكتشف معها ليس فقط أهمية السيطرة على الوقت من أجل عيش أكثر هناءة، وإنما أيضاً أن العالم مشغول بـ«اقتصاد الوقت». الوقت هو المال، هو المحرك وأن «ثقافة الحداثة عنيدة في معارضتها لأساليب تضييع الوقت». ومع روزا وبيسان طي، نلحظ أننا نعاني في العالم العربي من أعراض ضغط الحياة، وشح الوقت وتسارع الإيقاع اليومي، دون أن نلمس عملياً آثاراً إنتاجية فعلية. وهو ما كتبت عنه رفيف صيداوي أيضاً في «الزمن وتقاطعاته من خلال عالم العمل»، وعن أن المهن «تفقد ديمومتها واستقرارها، بخلاف فترة الحداثة، حيث كانت لا تزال المهن تنتقل من الآباء إلى الأبناء. صارت بنى العمل داخل المؤسسة وفي فترة قياسية تشهد تحولات وبإيقاع سريع، بل التغير يطاول شكل العمل نفسه، ونوع المهن، وماهيتها. تأخذنا الدراسات في الكتاب، إلى محاولات فلسفية وسيكولوجية واجتماعية لفهم الزمن، ويغيب في أحيان كثيرة، الزمن بمعناه اليومي الأولي وما يعانيه من فوضى. فأسوأ ما نعاني منه ربما، هو اختلال خط التاريخ، معرفتنا لتتابع الأحداث. إدراكنا لمعنى التعاقب الصحيح للأحداث، ما الذي جرى قبل، وما الذي حدث بعد، وفي أي سياق، وما هي الملابسات. تكفي إعادة توثيق المعلومات حول أي حدث، وقراءته من جديد لتتغير نظرتنا إليه. فغالبية الطلاب الجامعيين العرب لم يكونوا قبل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، يعرفون «نكبة» ولا «نكسة»، ولا يعرفون شيئاً عن اتفاقيات السلام. مع أنه لا هوية لإنسان لا يعرف خط زمنه الشخصي والجماعي. كثيرون كي لا نقول غالبيتنا لا نمتلك رؤية واضحة وحقيقية لخط الزمن الجماعي، لذلك نبقى في الأفكار الهلامية والاختلاقات السياسية، والافتراءات الإعلامية. الزمن أولوية وخط الزمن الذي يوازي الهوية هو جوهر المعرفة.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.