الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

عبر مواقفه المتشددة من الأزمة السورية

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»
TT

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

تمكّن الرئيس فلاديمير بوتين من تحسين فرص روسيا في إكمال الهيمنة على أوراسيا، الكتلة الأرضية الضخمة التي تتشكل من قارتي أوروبا وآسيا، مقابل تراجع كبير جداً للنفوذ الأميركي فيها، ولا سيما الأجزاء الشرقية وتحديداً آسيا الوسطى، وذلك حين أحكم قبضته على ملف سوريا. وفي الوقت ذاته، استغل بوتين انتشار ظاهرة الإرهاب في المنطقة ومخاوف «الجوار» السوفياتي السابق من الظاهرة لتثبيت النفوذ الروسي عسكري، والدور القيادي لروسيا في المنطقة.
لقد استغل «سيد الكرملين» التدخل الروسي المباشر لاستعادة مكانة روسيا دولياً وإقليمياً، سواءً في منطقة الشرق الأوسط، أو في الفضاء السوفياتي السابق. وعبر العمليات العسكرية والدور الفاعل والنشط في مطابخ السياسة وأروقة الدبلوماسية أظهرت روسيا قوتها العسكرية وإرادتها السياسية، وهي عوامل أساسية أثرت على نظرة حكام جمهوريات سوفياتية سابقة نحو العلاقة مع الكرملين. ولعل عامل التأثير الأهم والأكثر حساسية في هذا الشأن هو الموقف السياسي المتصلب الذي تبناه بوتين في دعمه رأس النظام السوري بشار الأسد، ومعاندته في رفض الإطاحة بالأسد بالقوة، معتبراً أن أي تغيير للسلطة يجب أن يجري عبر عملية سياسية. ومن ثم، وجد بعض قادة هذه الجمهوريات في موقف موسكو حيال مصير الأسد مؤشراً إيجابياً غيّر نظرتهم نحو الكرملين، الذي بات بالنسبة لهم حليفاً موثوقاً، من ناحية يمكن أن يدافع عنهم أيضاً في حال شهدت بلادهم اضطرابات داخلية، ومن ناحية أخرى لا يحاسبهم أو ينتقدهم وحكوماتهم وسياساتهم الداخلية في مجال الحريات والحقوق، كما تفعل الولايات المتحدة.
تميز العقد الأول من مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بتنافس حاد بين موسكو وواشنطن على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى، في سياق تنافس بين نظريتين «أوراسيتين». النظرية الأولى أميركية لخصها الأكاديمي والمستشار السياسي الأميركي الشهير زبيغنيو بريجينسكي في كتابة «رقعة الشطرنج الكبرى»، ودعا فيها إلى سيطرة أميركية على أوراسيا (أوروبا وآسيا) والإمساك بمناطق حساسة فيها للحؤول دون توسيع روسيا لنفوذها في محيطها الجغرافي الأوراسي، وبالتالي، التحول إلى إمبراطورية أوراسية مهيمنة. والأخرى، نظرية روسية لخصها المفكر الروسي ألكسندر دوغين في مؤلفات عدة له، منها «الدرب الثالث» و«الدرب الأوراسي كفكر قومي»، تؤكد على «أوراسية الدولة» الروسية والدور القيادي لروسيا في «أوراسيا».
النظريتان تتفقان على أهمية أوراسيا، لكن تضع كل منهما رؤية خاصة لمعاني وكيفية وأهداف السيطرة على تلك الكتلة الجغرافية الضخمة، أو الجغرافيا الممتدة من سواحل أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي حتى شرق الصين وسيبيريا الروسية، وبينهما آسيا الوسطى ودول الشرق الأوسط الآسيوية. واليوم تضم أوراسيا ثلاثة أرباع مصادر الطاقة في العالم، وفيها ست دول ضخمة من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، والدولتان الأكثر سكاناً في العالم وهما الصين والهند، بالإضافة إلى روسيا الدولة الأكبر مساحة.
في العقد الأول بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تمكنت الولايات المتحدة من بناء علاقات مع عدد كبير من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تنتمي جغرافياً إلى أوراسيا، مستغلة ضعف الدولة الروسية في تلك الفترة وانشغالها بالأزمات الداخلية. وإلى جانب التعاون الاقتصادي المحدود، استفادت الولايات المتحدة من «الحرب على الإرهاب» في أفغانستان فشيدت قواعد عسكرية في بعض تلك الجمهوريات.

حالة إسلام كريموف
غير أن قادة جمهوريات آسيا الوسطى (السوفياتية سابقاً) كانوا ينظرون على الدوام بريبة وحذر إلى التعاون مع واشنطن، ولا سيما بعدما ساهمت الأخيرة في أحداث «الثورات الملوّنة»، وبالأخص، في جورجيا وأوكرانيا، التي انتهت بالإطاحة بأنظمة الحكم وتنصيب أخرى أكثر ولاءً لواشنطن. وكان في مقدمة هؤلاء المرتابين رئيس أوزبكستان السابق الراحل إسلام كريموف، الذي كان الحليف الأكبر لواشنطن في آسيا الوسطى ووقّع معها اتفاقاً عام 2001 لافتتاح قاعدة أميركية على الأراضي الأوزبكية في إطار الحرب على الإرهاب في أفغانستان. ذلك أن كريموف سرعان ما أخذ يعيد النظر في تحالف مع واشنطن، ولا سيما بعد دعمها «الثورات الملوّنة»، وإدراكه أن هذه العلاقات قد تفرض عليه التزامات في مجال الحريات؛ الأمر الذي يشكل تهديداً لنظام حكمه.
أكثر من ذلك، اتهم كريموف واشنطن بالوقوف خلف الاحتجاجات في مدينة أندريجان الأوزبكية عام 2005، وقرر إغلاق القاعدة الأميركية في بلاده، ومن ثم، عاد وانفتح بحذر على العلاقات مع موسكو عبر الانضمام مجدداً إلى منظمات تكاملية أسستها روسيا في الفضاء السوفياتي السابق. وبعدها بقي على كرسي الرئاسة «إلى الأبد» حتى وفاته عام 2016.
خلال كل مراحل العلاقات بين واشنطن وعدد كبير من قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة، شكّل قلق أولئك القادة على أنظمة حكمهم من «نشر الديمقراطية الأميركية» ثغرة كبيرة في السياسة الأميركية في المنطقة. هذا إلى جانب ثغرة أخرى لا تقل أهمية، وتجلت بعزوف معظم القوى السياسية المهيمنة في الجمهوريات السوفياتية السابقة، باستثناء قادة أوكرانيا وجمهوريات البلطيق ومولدافيا (مولدوفا) إلى حد ما، بالانخراط كلياً كأدوات في السياسات الأميركية الرامية إلى الحد من النفوذ الروسي. ونشير هنا إلى أن واشنطن لم تمنح هذه الجمهوريات بدائل اقتصادية وسياسية وعسكرية تغنيها عن حاجتها الدائمة إلى «الجارة» روسيا، التي ظلت القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأكبر في المنطقة، مقارنة بجوارها، حتى في فترة ضعفها خلال عقد التسعينات.

مشروعات موسكو وحساباتها
منذ البداية اعتمدت روسيا على المشروعات التكاملية الاقتصادية، ومن ثم العسكرية للحفاظ على نفوذها في آسيا الوسطى، بما يضمن لها هيمنة أكبر في أوراسيا بشكل عام. واستفادت بادئ ذي بدء من التوجهات التكاملية لدى نور سلطان نظربايف، رئيس كازاخستان وصاحب معظم المبادرات لتشكيل تكتلات تكاملية في المنطقة، ومواقف رئيس بيلاروسيا (روسيا البيضاء) ألكسندر لوكاشينكو، الساعي إلى الحفاظ على الروابط التاريخية الثقافية الاجتماعية والقومية والسياسية مع روسيا. وبالفعل، نسجت موسكو مع البلدين علاقات مميزة شكلت لاحقاً نواة للكثير من الخطوات التكاملية الإقليمية بقيادة روسية. كذلك، استفادت روسيا بمهارة من رد فعل الصين الإيجابي على السياسات الأميركية في آسيا الوسطى والفضاء السوفياتي السابق بشكل عام. وهكذا اندفعت موسكو وبكين نحو بناء علاقات والمشاركة في تكتلات دولية أساسها تجنّب المواجهة والصراع على النفوذ في الفضاء الجيوسياسي المحيط، المشترك بين البلدين، والتنافس فيه، لكن ضمن تفاهمات تكمن في أساس علاقات تعاون استراتيجية الطابع قامت بينهما.
في علاقاته مع الجمهوريات السوفياتية السابقة حرص بوتين على تعزيز التعاون الثنائي. وتميزت هذه العلاقات بطابع مستقر عموماً، وإن شهدت مع بعض الجمهوريات تطورات إيجابية، بينما تدهورت مع عدد قليل منها، مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان إلى حد ما، وكذلك مع أوزبكستان، التي كانت تتنقل بين تكتلات أسست بدفع من واشنطن وأخرى أسست بدفع من روسيا والصين وكازاخستان. وكان الرئيس الأوزبكي كريموف ينطلق في حساباته من تقديره للتهديدات لنظام حكمه التي تنطوي على مشاركته في أي مشروع تكاملي إقليمي... وفي نهاية المطاف، وجد ضالته بالتقارب مع روسيا التي تعارض مثله السياسات الأميركية، وترى فيها قوة تتدخل لـ«الإطاحة بأنظمة الحكم».
ضمن هذه «الفسيفساء» الجيوسياسية المعقدة أعلن قادة روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وكذلك أوزبكستان، تأسيس «منظمة شنغهاي للتعاون»، ووقعوا ميثاق التأسيس عام 2002. وبذا ظهرت منظمة دولية جديدة تمتد على 60 في المائة من الرقعة الأوراسية، من بين أهدافها محاربة الإرهاب وتدعيم الأمن ومواجهة الحركات الانفصالية والتطرف الديني أو العرقي.
وبعد انضمام الهند وباكستان إلى المنظمة خلال قمتها الأخيرة في كازاخستان أصبحت «منظمة شنغهاي للتعاون» ممتدة على 70 في المائة من الجغرافيا الأوراسية، ويعيش فيها أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية. ومن خلال هذه المنظمة ثبّتت روسيا نفوذها في العلاقات مع 4 جمهوريات من آسيا الوسطى هي كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان.

تحالف... وحلم اتحاد
كذلك ذهبت روسيا نحو تعزيز التحالف العسكري مع الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تصنف «صديقة» عبر تكتلات إقليمية، لكن بعيداً عن مشاركة الصين. وفي هذا الإطار، برزت «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» ونواتها اتفاق الأمن الجماعي الذي وقّعته في العاصمة الأوزبكية طشقند عام 1992 كل من روسيا وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، ولاحقاً في عام 1993 انضمت إليه كل من أذربيجان وجورجيا وبيلاروسيا. وعام 2002، قرّر قادة دول الاتفاق خلال اجتماعهم في موسكو تحويلاً إلى منظمة أطلقوا عليها «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، لكن من دون مشاركة أذربيجان وجورجيا وأوزبكستان، التي انسحبت من الاتفاقية عام 1999، وبقيت معاً في منظمة تشكلت بدفع من واشنطن تعرف باسم «منظمة غوام».
في الواقع، ما كان لأي صيغة تكاملية مع الجوار السوفياتي أن تستمر بنجاح دون تكامل اقتصادي، وهو الأمر الذي أدركه الرئيس بوتين وأطلق منذ عام 2000، عامه الأول رئيساً لروسيا، خطوات في هذا المجال، بالتعاون مع حليفيه في كازاخستان وبيلاروسيا، وأسس القادة الثلاثة معاً في البداية الفضاء الاقتصادي الأوراسي، ومن ثم الاتحاد الجمركي، وغيرها من خطوات أدت كلها في نهاية المطاف إلى ولادة «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» في مايو (أيار) 2014. ويضم هذا الكيان في صفوفه اليوم روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان. ولكن موسكو لا تنوي التوقف عند هذا المستوى، بل تسعى إلى تأسيس «اتحاد أوراسي» بالمعنى التام، وهو ما أكده بوتين في مقال كتبه عام 2011، وقال فيه: إن «بناء الاتحاد الجمركي والفضاء الاقتصادي الأوراسي الموحّد، وضعا الأسس لآفاق بناء اتحاد اقتصادي أوراسي (...) لن نتوقف عند هذا الحد، ونضع نصب أعيننا هدفا طموحاً: الانتقال إلى الخطوة التالية، إلى مستوى أعلى من التكامل، نحو الاتحاد الأوراسي».
ومع أهمية كل هذه الخطوات التكاملية والدور الذي لعبته في استعادة روسيا نفوذها وتوسيعه وتعزيزه على الرقعة الأوراسية، واجه طموح الكرملين للسيطرة على أوراسيا، ولا يزال، عقبات تمثلت بعلاقات غير مستقرة، بل وسلبية في بعض الحالات، مع دول مهمة في الفضاء السوفياتي، لم تنضم إلى المشروعات التكاملية الإقليمية الروسية، مثل أوكرانيا وأذربيجان وتركمنستان ومولدافيا وجورجيا.
غير أن علاقات روسيا حتى مع بعض الدول المذكورة شهدت خلال الفترة الماضية تحولات إيجابية، لا يمكن النظر لها بمعزل عن المكانة التي اكتسبتها روسيا على المستويين الإقليمي والدولي؛ بفضل تدخلها العسكري في سوريا، وإصرارها على الدفاع سياسياً وعسكرياَ عن نظام الأسد. وبذا وجدت قيادات عدد كبير من الدول، بينها بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، وجدت نفسها بين خيارين في نهج السياسية الخارجية: الأول هو التوجه نحو تعزيز العلاقات مع واشنطن، التي قد تدعم في أي وقت احتجاجات شعبية داخلية ضد هؤلاء الحكام، أو تعمل على الإطاحة بهام لسبب ما. والآخر هو مراجعة العلاقة مع روسيا والمضي في تعزيز التعاون معها في كل المجالات والانضمام إلى مشروعاتها التكاملية، بعدما أثبتت التجربة العملية «وفاءً» لحكام في الدول «الصديقة»، وإحجامها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والأهم رفضها تغيير أنظمة الحكم عبر الاحتجاجات بغض النظر عن عدالة تلك الاحتجاجات، وتمسكها بضرورة «حل كل المشكلات عبر الحوار السياسي الداخلي». وهي أكدت على هذا الموقف طوال السنوات الأخيرة عبر مواقفها في سوريا، ومن ثم دعواتها الحالية إلى حوار داخلي شامل في ليبيا شرطاً ضرورياً لإنهاء الأزمة الليبية. وعليه، كان من الطبيعي ضمن هذه الخيارات أن ترجح الكفة الروسية.

الدرس السوري
راهناً، يمكن القول إن التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية، والمواقف السياسية المتشددة التي تبناها الكرملين من هذه الأزمة في المحافل الدولية، ساعدت روسيا في مجال التكامل الإقليمي، على مستويين: المستوى الأول، تعزيز دورها القيادي في التكتلات التكاملية. والمستوى الآخر، بث روح جديدة في هذه التكتلات، إن جاز التعبير، والدفع بها مجدداً إلى واجهة الاهتمامين الإقليمي والدولي، والنظر إليها باعتبارها تكتلات تمثل مركز قوة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وعلى سبيل المثال، غدت الدعوة لتشكيل تحالف دولي للتصدي للإرهاب التي أطلقها الرئيس بوتين في مستهل حربه في سوريا، فقرة رئيسية على جدول أعمال منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» و«منظمة شنغهاي للتعاون». وحقاً، تسعى روسيا إلى إشراك دول «معاهدة الأمن الجماعي»، بشكل أو بآخر، في العمليات في سوريا؛ سعياً منها لتثبيت دور «المنظمة» ككل بصفتها قوة عسكرية مؤهلة لتدخل في النزاعات الدولية. وفي هذا السياق دعت روسيا كل من قيرغيزستان وكازاخستان للمشاركة في مراقبة «مناطق خفض التصعيد» في سوريا. ومع أن قادة البلدين رفضوا الدعوة الروسية، واشترطوا الحصول على تفويض دولي لإرسال مراقبين، فإن الدعوة بحد ذاتها تشكل إعلاناً عن دور محسوب لـ«المنظمة» في النزاعات الدولية؛ الأمر الذي يعزز من مكانة موسكو وهيبتها ونفوذها ودورها في الفضاء الجيوسياسي الأوراسي لدول «المنظمة».
من جهة أخرى، أوروبية هذه المرة، لدى الحديث عن هيمنة على أوراسيا لا يمكن إسقاط أوكرانيا من الحسابات، فهي الجزء من الرقعة الأوراسية الذي قال عنه بريجينسكي، الذي تولى منصب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر: إنه «من دون أوكرانيا لا يعود بإمكان روسيا أن تبقى إمبراطورية أوروآسيوية». ثم حذّر: «إذا استعادت موسكو السيطرة على أوكرانيا والوصول إلى منفذ على البحر الأسود، فإن روسيا ستمتلك مجدداً، وبشكل أوتوماتيكي، الأسباب التي تخولها أن تعود إمبراطورية قوية ممتدة عبر آسيا وأوروبا».

أوكرانيا... وسوريا
في الحقيقة، ومع أن التدخل الروسي في سوريا لا يتصل مباشرة بما جرى ويجري في أوكرانيا، فإن «الثورة البرتقالية» الأوكرانية، التي ترى موسكو أنها جزء من «سيناريو ثورات أميركية الصنع»، شكلت أساساً رئيساً للموقف الروسي مما يجري في سوريا؛ إذ إنها دفعت الكرملين إلى تبني موقف معادٍ للحراك الشعبي السوري وداعم للأسد، وذلك انطلاقاً من قناعة مسبقة عند الكرملين بأن ما يجري في سوريا تكرار لـ«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، وأن واشنطن تقف خلف الحراك الشعبي لتغيير نظام دمشق.
أضف إلى ما سبق، أن التدخل الروسي لصالح الأسد لم يأت بهدف حماية حكمه فقط، بل جاء لوقف مد «الثورات» قبل أن تصل مناطق النفوذ الروسي المباشر في أوراسيا، أي إلى عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تحكمها أنظمة شبيهة بنظام الحكم السوري. ولقد عبّر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن هذا الأمر بوضوح من خلال محاضرة ألقاها في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية، يوم 21 فبراير (شباط) الماضي. فلقد قال شويغو: «إن استخدام قواتنا في سوريا سمح بحلّ مهام جيوسياسية، وتمكنّا من قطع سلسلة (الثورات الملوّنة) التي يجري نشرها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». وأردف: «موجة الثورات الملوّنة أحدثت تغيّرات جدية في السياسة الدولية وفي موازين القوى عالمياً وإقليمياً»، مشيراً إلى أن تلك «الثورات» اجتاحت يوغوسلافيا، وجورجيا، وليبيا، وأوكرانيا، وسوريا.
في غضون ذلك، يستمر التنافس بين موسكو وواشنطن على النفوذ في أوكرانيا من دون أن يتمكن أي منهما من حسم الصراع لصالحها. غير أن روسيا، بعد التصعيد الأخير في الداخل الأوكراني منذ عام 2014. تمكنت من فرض سيطرتها على منفذ إضافي لها على البحر الأسود بعدما ضمت شبه جزيرة القرم عام 2016 إلى الاتحاد الروسي. وفي المقابل، حرمت الولايات المتحدة من السيطرة على أوكرانيا «خاصرة روسيا الرخوة»، حين قرّر الكرملين تقديم الدعم التام للميليشيات المحلية في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، فأمسكت بذلك موسكو بالملف الأوكراني بقوة، وعطلت المساعي الغربية الرامية إلى ضم أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتحويلها إلى «حزام أمني» و«خط مواجهة متقدم» للحلف عند الحدود الروسية.
وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن موسكو تسعى ضمن الحل السياسي للأزمة الأوكرانية إلى قطع الطريق مستقبلاً أمام انضمام أوكرانيا إلى «ناتو»، وهي تطالب عبر الموقف الذي أعلنته القوى الحليفة المسيطرة على مناطق جنوب شرقي البلاد، بإعلان أوكرانيا «دولة خارج الأحلاف».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.